أضيف في 17 أكتوبر 2016 الساعة 11:42

موقع هزيل في مواجهة قوى ثلاث


عبد الإله بلقزيز

أفصحت أزمة المعارضات العربية- غير الإسلامية-عن نفسها أيَّما إفصاح منذ فترةٍ طويلة، تعود بداياتُها إلى ثمانينات القرن الماضي. وكان يسيراً على أيِ متابعٍ ليوميات السياسة في البلاد العربية أن يقف على مظاهر عدة لتلك الأزمة، في الموقع الفعلي- المتدني في سُلم المراتبية- لتلك المعارضات في علاقات القوة، أو نسبة القوة، الداخلية، في التضاؤل التدريجي لتأثيرها في مجريات الأحداث والتطورات، في فقدانها الهيمنة على المنظمات الشعبية والنقابية والمهنية، في تراجُع مستويات أدائها الثقافي والإعلامي في المجتمع، مقارنةً بغيرها من القوى السياسية الأخرى الصاعدة، في مستوى تمثيلها الهزيل في المؤسسات المنتَخَبَة التي يشارك فيها مَن يشارك منها، في فقدان معظمها وحدته الحزبية التنظيمية نتيجة الانشقاقات المتوالية في جسمه...الخ. ولقد كانت هذه المظاهر جميعُها أعراضًا لمرضٍ مزمن ألمَّ بها، أكثر مما كانت عوارض طارئة في تجربتها. وبالقدر عينِه، هيَأت المظاهر تلك أوضاعَها للتهالُكِ مع أول امتحانٍ سياسي وشعبي اجتازتْه، في حقبتها المعاصرة، بمناسبة اندلاع موسم الانتفاضات و«الثورات» العربية بين خريف العام 2010 وربيع العام 2011.
عدت «ثورات» ما عُرِف باسم «الربيع العربي» فرصةً تاريخية للمعارضات العربية بمقدار ما كانت، في الوقتِ عينِه، امتحاناً سياسياً وتاريخياً لها. هي فرصة، لأنها المرة الأولى، منذ عقود، التي ستنشأ فيها حالاتٌ متفاوتةُ الحجم من الهَبّات الشعبية الكبرى في وجه الأوضاع القائمة والأنظمة السياسية الحاكمة. ومعنى ذلك أن هذه الحالات الشعبية انطوت على جِدَةٍ معلومة في سياقات السياسة والصراع السياسي في الأعم الأغلب من البلاد العربية ، هي انتقال الفعل السياسي من أطره الضيقة المألوفة (الأحزاب، البرلمان، أو مجال المجتمع السياسي) إلى نطاقات اجتماعية أعرض وأرحب، ومعه انتقال السياسة من شأن نخبوي، أو خاصٍ بالنخب، إلى شأنٍ عام. وما كانت المشكلة في أن تلك الهبّات الشعبية أتت، في المراحل الأولى منها، عفوية غير منظمة وغير مدفوعة من قوةٍ سياسية منظمة ، فتلك من سمات سائر الانتفاضات والثورات في التاريخ، إنما المشكلة في أن حالة الفراغ التنظيمي والقيادي التي هيمنت على مناخ «الثورات» تلك، في ابتداء أمرها، لم يَقَع تدارُكها أو استثمارُها سياسيًا من قِبَل من يُفْتَرض أن من مهماتهم تنظيم نضال الشعب وربما قيادته نحو تحقيق أهدافه.
ها هنا أخطأت المعارضات (التقدمية) فرصتها وموعدها مع التاريخ ، لأنها لم تَهْتَدِ إلى سبيلٍ للبناء على واقعة الدخول الشعبي الحاشد إلى مسرح الأحداث ، ولم تعرف كيف توفر لحالة الحراك الاجتماعي فرصة الصيرورة حركةَ تغيير حقيقية، من طريق تزويدها بالموارد التنظيمية والسياسية ، ولم تستطع أن تكون على مستوى هذه الطفرة بحيث تؤثر في مجراها- ولا نقول توجهه- فتصوغ شعاراتها المناسبة ، ناهيك بعجزها عن تجديد موردها الجماهيري (الحزبي) من الكتلة الشعبية والمنتفضة من طريق إتقان مخاطبة حاجاتها إلى التنظيم وتوليد شروط الجاذبية الموضوعية نحو العمل السياسي المنظَّم. وعندي أن المعارضات إياها رسبت في ذلك الامتحان، وانكشف عمرانُها التنظيمي والسياسي عن خرائبَ غيرِ قابلة للترميم. وآيُ ذلك أنها وقفت، طوال أشهر، موقف القوة المشلولة أمام شارع تتدَفَّقُ منه المتغيرات، كينبوع لا ينضب !
ولخطأ في التقدير، سكن وعيها في بدايات الأحداث، مالت قوى قومية ويسارية عدة إلى الظن أن جمهور الانتفاضات المدني جمهورها الاجتماعي حُكماً وبالتلقاء، وإن لم يكن حزبياً، لمجرد أنه حَمَلَ شعارات مدنية وراديكالية. واكتفى المتواضعون من تلك القوى بالقول إن ذلك الجمهور، وإن لم يرتبط بمؤسسات المعارضة التنظيمية، وليدُ ثقافتها السياسية، الراديكالية والديمقراطية، التي نشرتها خلال عقودٍ من نضالاتها. وغير خاف أن في التقدير ذاك قدْراً من الخِفة السياسية يترجم حال الضياع الوجودي الذي رزحت فيه المعارضات لردْح من الزمن تضاءل فيه حجمُها، ومال فيه دورُها إلى الأفول. وهكذا ، من البحث عن بطل قومي يؤدي عنها دوراً غائباً، بعد رحيل الأب (عبد الناصر)، إلى البحث عن بطلٍ طبقي في حال من الموات (البروليتاريا)، إلى البحث عن بطل شعبي في جماهير الشباب.
من أشدِّ الأَمارات قوة في التعبير عن ضَعف المعارضات ووهن أدوارها، إبان «الربيع العربي» وبعده، تواضُعُ تأثيرها في مجريات الحَرَاك الاجتماعي مقارنةً بغيرها من القوى الاجتماعية والسياسية التي كان لها- على تفاوُتٍ في القوة والتنظيم- مساهمات ملحوظة في توجيه الأحداث نحو هذه أو تلك من المواجهات ، سواء أثناء الحركات الاجتماعية، أو بعد سقوط أنظمة بعينها (في أربعة بلدان عربية)، أو في إدارة «المرحلة الانتقالية»، أو في مرحلة الانعطاف من الانتفاضة المدنية السلمية إلى العمل المسلح. القوى التي عنينا أربع هي: الأنظمة السياسية التي قاومت التغيير المدني المسلح باستماتة ، والقوى الشبابية المدنية، التي أطلقت الحراك الاحتجاجي وسيطرت عليه في المراحل الأولى منه ، والقوى الإسلامية التي ركبت موجته وحصدت كثيراً من نتائجه ، ثم الجماعات المسلحة والميليشيات، التي حرَفتِ الانتفاضات المدنية عن خطها السلمي وأخذت بلاداً عربية عدةَ نحو الحرب الأهلية والمغامرات العسكرية. لم يكن للمعارضات من حظِّ فاعلية أو تأثير أمام أدوار هذه القوى ذات القدرة الضاربة. ولكن الأنكى من ذلك أن المعارضات تلك كثيراً ما وجدت نفسها ملحقَة بهذه القوة أو تلك، وجزءًا من مشروعها السياسي!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق