أضيف في 14 أكتوبر 2016 الساعة 17:22

الارتجاع السياسي


رشيد اليملولي

الارتجاع السياسي .

يفهم الارتجاع السياسي بأنه انقلاب و ارتداد من مستوى إلى آخر في التصور و الفعل إيجابا و سلبا ، و عادة ما لا يرتبط زمنيا بقوة أو ضعف الدولة و النظام السياسي ، بقدر ما يستند في هذا المنحى على الطابع الشخصي في تقدير و تأويل المرحلة اعتمادا على قوة ضاغطة ، أو كتلة تاريخية غير محكومة بأفق نظري و أسيرة نزوعات " شهوانية " بالتعبير السياسي القديم ، مما قد يفضي إلى التعجيل ببداية النهاية من خلال سلسلة التراجعات و إن اتخذت طابعا " ثوريا " .

يعد المجال السياسي المغربي نموذجا راقيا للارتجاع السياسي و الردة و الفتنة بالمفهوم الثقافي و ليس السياسي المحمل بمرجعية دينية من أجل التبرير و التسويغ و دعم المحافظة ؛ فمنذ مرحلة الدستور الممنوح في بداية الاستقلال ، و مرورا بسنوات الرصاص و إرهاب الفديك ، و مرحلة الاستثناء و الانقلابين العسكريين ، و التراجع عن المسار الديمقراطي بالمفهوم الدال في انتخابات 1976ـ 1977 ، و ميلاد التعفن السياسي في نموذجه المعبر عنه لاحقا بالتجمع الوطني للأحرار ( في البداية تمت تسمية البرلمانيين الأحرار المستقلون و تحولوا بقدرة قادر إلى حزب سياسي بدعم مفضوح من النظام السياسي ووزارته القوية ) ،و انتقالا إلى الثمانينات و إضراب 1981، و مؤتمر نيروبي و المقولة ـ الخطأ التي كلفت المغاربة كثيرا ( الاستفتاء و ضريبة الاستفراد بالقرار ) ، و سياسة التقويم الهيكلي في 1983 ، وصولا إلى الاحتقان الاجتماعي ( فاس 1991) ، وصولا إلى حكومة التناوب التوافقي التي أخرجت المغرب من السكتة القلبية ، و التي توصف بالاعتراف الصريح بفشل النموذج التنموي السلطوي .

غير أن هذه السنة المغربية سرعان ما أخلفت الموعد مع التاريخ و الانتقال إلى بناء الذات السياسية بناء تندمل فيه الجروح ، و تتعالى أصوات الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية ، أقول أخلفت لحظتها التاريخية في 2002، بالعودة المجانية إلى فلسفة بناء الخرائط السياسية و الأحزاب و إقبار الأمل الديمقراطي المنشود ، فكان أن قعد المغرب لنفسه الركون إلى المحافظة في أبهى تجلياتها الحضارية ،و إنتاج " القيم " المرتبطة بها ، لعل الخاسر الأكبر فيها الثقافة السياسية و الديمقراطية و الانتقال إلى التدبير التشاركي انطلاقا من التعاقد المبني على مشروعية سياسية دالة ، و على صناعة المجتمع و الفرد خارج القوالب المستمدة من الامتيازات و الأعراف و القوانين الظرفية التي أعاقت إمكانية بناء الفكر و السياسة ، و تأبى هذه " العقيدة " المغربية إلا أن تظهر في ثوب طهراني منذ 2011 بميلاد سياسة التفوق البلاغي ، و اضمحلال الثقافة السياسية البناءة بشكل يجعل الأفق الاجتماعي و السياسي رماديا إلى درجة الاستعصاء ، حين أبان عن نفسه في إفراز نخب سياسية محافظة مصالحة ، تلتف حول النظام و كأنه قدرها السياسي ، تهرول من أجل بناء نسق مغلق شعاره الوهم السياسي في تقوية الدولة و الفرد معا ، و أفول الصراع الاجتماعي على أساس المشاريع السياسية لصالح القبلية السياسية و الأقلية الدينية ، و أشباه الكائنات السياسية فما علامات الارتداد السياسي منذ 2011 ؟ .

يصعب الاطمئنان إلى كل قول أو فعل سياسي ، ما دام القول ينافي الفعل و ما دام الفعل خارج عن الطابع المؤسساتي و الدستوري ، و خاضع قسرا لطبيعة الفاعل في النظام السياسي برمته ، و في هذا السياق أبانت تجربة ما بعد دستور 2011 عن مفارقة مغربية بامتياز هي القدرة الراقية على تجاوز النص الدستوري بتأويلات خاصة أهمها " عفا الله عما سلف " التي توصف بأنها الردة التي أصابت النص في مقتل ، و أردته مجرد وثيقة يراد بها تسويق خطاب الفراغ و الوهم الإيجابي ( صناعة أمل ما سيتحقق ) ، و التباهي بها أمام الأمم بعيدا عن أي ربط بين مضمونها و فلسفتها و سياقها التاريخي ، و إلا كيف يمكن أن نفهم الثورات الدستورية إذا لم تكن تأسيسا لمرحلة و القطع مع سابقتها ؟

غير أن الذي يدفع إلى الاعتقاد بشكلية الوثيقة هو اعتبارها و سيلة لامتصاص السياق الاجتماعي و السياسي لثورات ما سمي بالربيع العربي ، و ضمان تهدئة الشارع و في مقدمته حركة 20 فبراير ، و بمجرد ما انزاح هذا العنفوان ولدت الردة السياسية و بشكل أفظع مزيد من التسلط و السلطوية ، و الأدهى ميلاد المحافظة و التقليدانية و بمظهر حداثي في الأسلوب و الشكل دون المضمون و الفلسفة ، و الأخطر موت الثقافة السياسية و الديمقراطية ، و تنامي مظاهر العنف الاجتماعي و الرمزي في شتى مناحي الحياة ، مما قد يدفع إلى الاعتقاد أن المجال السياسي المغربي أضحى سردا للعنف ، و جرى محاكاة صيغ الموت الطقوسي ( موت المعنى طبعا ) بكل إتقان في الشارع و المؤسسة و الخطاب و اللباس و الفن ، و كأننا بصدد ردة إلى زمن الفوضى بقناع التنظيم و النظام و القانون ( ممارسة الجريمة باسم القانون و القبلية بعناوين سياسية و دينية مثالا لا حصرا ) .

و إذا حاولنا أن نقيس مساحة الارتجاع السياسي في مجمل تجربة ما بعد دستور 2011 ، فلا مندوحة من قراءتها في العديد من المؤشرات الدالة على الفقر والهزال في تحقيق التراكم الكيفي و النوعي ، و في تجويد المجال السياسي فكرة و أطرا و ممارسة و رمزا و قيما نضالية .

إن الانتقال من تصور سياسي مفتوح إلى آخر مغلق ، لم يواكبه انتقال في بناء الأطر المرجعية الدالة على الاختلاف و الوعي به و تكريسه سياسيا و ثقافيا ، بقدر ما كان هذا الانتقال تعبير عن بناء كتلة ناخبة ( المريدون بالمعنى الانتربولوجي و مديونية المعنى ) مسيجة ومرسومة الحدود تستحضر كل معاني الرعية عوض المواطنة ، و تتوسل بكل المقاييس التي تنفخ في هلامية العدد على حساب النوع و الطريقة ، و تبني عوالم الصراعات الحدية التي لا تنفصل منهجيا عن المنطق الإرهابي ( أبيض ـ أسود ) في تصنيف القول و الممارسة ، و يكفي دغدغة العواطف و تجييش الأحاسيس لكي ننتقل من الأزمة إلى الوجود بالفعل ، أي التصويت الكثيف على خطاب و فعل الأزمة ، و تأبيد استمراريتها في ظل أفول الإرادة في تثوير الحقل الدلالي السياسي و قيمه الخاصة المعبرة عن هويته المركبة ، و هذا ما أفصحت عنه نتائج انتخابات 2016 التشريعية ، فالغائب الأكبر و السلبية العميقة هي غياب الفكر و الثقافة و العلم في الممارسة الخطابية و السياسية ،و استقواء منطق السرديات الكبرى للنظام السياسي أمام غياب الطابع القيمي و المؤسساتي فيها في مجمل النظام السياسي و بمختلف مكوناته ، مع استثناء القيم التي أبانت عنها فيدرالية اليسار التي ظلت منسجمة مع منطلقاتها و أسسها في الفكر و الممارسة .

إن التجييش سواء كان الكترونيا أو شعبويا لم ينفك في تغذية و إذكاء المستنقع السياسي و تكوين رعايا ردود الأفعال و الهبات المتناثرة التي لا تستقيم مع النزوع الثوري لصياغة و تنقية الحياة و المؤسسة في تجلياتها الكبرى ، و أضحى استدرار الدموع وسيلة لجلب " الأتباع و المريدون " عوض الإقناع أولا في الزاد السياسي لغة و فكرا و عمقا ثم في المشروع السياسي المتكامل ، كما تحولت قيمة بناء الجسم الاجتماعي إلى ندوب و جروح أخلاقية و حضارية ( الإحالة هنا على ممارسة الحق الشخصي بميوعة أخلاقية ) أكثر من تقوية مناعته حين انتصر الانتشاء و العقاب على حساب المصالحة مع الذات و الزمن ، و حين تم الدفاع عن الذات بتبرئة جرائمها ، و تحولت طيور الظلام إلى فراشات حاملة للحرية و الأمل ، و صيغت المرحلة على شكل حرب تهدر فيها الطاقة النفسية و المادية و الزمن .

إن الارتداد بالسياسة من مجال الاختلاف إلى تكريس الخطية هو إعلان الحرب الضروس على الدولة و الفرد ، و فرض منطق الأغلبية و العدد بحكم الأقلية ، هو تعبير عن داء السياسة بإنتاج و إعادة إنتاج البنية و الصيرورة الاجتماعية و السياسية باختلاف الفاعلين و نمطية البنى و الأنساق ، و تقتضي الحاجة النظر الجذري في الوهم السياسي المغربي ؛ التي أفصحت تجربتها الأولى 2011ـ 2016 عن خلل في منظومة التفكير السياسي و رص توازناته بما يتيح استمرارية النظام و ليس المجتمع و تقعيد مقولة الاستثناء المغربي ، التي يغيب فيها المواطن و تحضر أساليب تطويق مجالات تفكيره و إبداعه ، و تتقلص بموجب ذلك حقوقه و حرياته ، و تتعالى واجباته و أشكال طاعته و استعباده ، لتغيب معها مشاريعه التنموية ، و تستمر معها معضلة إدامة الدولة الفاشلة تنمويا ، التي لا تدخر جهدا في إنفاق أموالها الطائلة كلما أطلت بارقة أمل احتجاجية ( توفير مبلغ مهم بزيادة 600 درهم للموظفين إبان تنامي الظاهرة الاحتجاجية في 2011 و في عز الأزمة الاقتصادية و التراجع عنها بعد استقواء الدولة و الحركة السياسية المحافظة الكابحة أصلا للحركة فيما سمي بإصلاح أنظمة التقاعد ، و الدفاع عن ذلك بإلزامية و ضرورية الإصلاح في وقت سقطت فجأة أموال التحضير لمؤتمر كوب 22 ، و انهالت السماء بأموالها 2.3 مليار على نهاية خدمة الوزراء ، إنه الريع ثم الريع و أخيرا الريع و قد نقول لا شيء غير الريع) .

إن الدولة الريعية التي تحدث عنها الأستاذ الراحل محمد عابد الجابري في العقل السياسي العربي لا زالت قائمة إلى حدود اللحظة بكل مقوماتها و قسماتها الخاصة ، دولة الجاه و العطاء ( ألسنا بهذا المعنى في زمن الجاه مفيد للغنى بتعبير ابن خلدون ) ، دولة إنتاج السلطة و التسلط و المفاهيم الدائرة في فلكها ، أوليست الدولة و السياسة الحالية تعبيرا راقيا عن ردة و فتنة كبرى ؟ .

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق