أضيف في 13 أكتوبر 2016 الساعة 20:19

في دار الجواهر الملكية


د موسى أبومحلولة

في دار الجواهر الملكية 

 

كنت اليوم في دار الكنوز الملكية البريطانية أقف وجها لوجه كغيري من السواح والزائرين والفضوليين الذين جاءوا من أنحاء العالم القريبة والبعيدة  أمام تاج العرش البريطاني بجوهرته الماسية الشهيرة والأكبر حجما في العالم وصولجانه المميز وأمعن النظر مباشرة في الكرة  والسيوف الملكية التي يتم استعمالها في  المناسبات الملكية الرسمية والبرتوكولية بما فيها آخر حفلات التتويج الملكي للملكة الحالية إليزابيث الثانية عام 1953م ، وعند إفتتاح البرلمان في دوراته الجديدة كل عام. 

 

شاهدت هذا في الصور والأشرطة الوثائقية وفي نقل  تلفزيوني مباشر لمناسابات إفتتاح البرلمان وها أنا اليوم ادخل دار الكنوز والجواهر الملكية في قلعة برج لندن الشهيرة من بابها الواسع ﻷتفقد التاج والصولجان وتحف ملكية أخرى فريدة ﻻتقدر بثمن .

 

بدأت جولتي بزيارة البرج اﻷبيض الذي يعود تاريخ بناءه إلى عام 1078م وقد بناه وليام الفاتح بعيد غزو النورمانديين ﻹنجلترا عام 1066م وبناءهم لقلعة لندن التي أدخلها اليوم زائرا ومطلعا على تاريخ لم اعرفه من قبل وسرد لنا بعض تفاصيله المهمة أحد حراس المكان والذي يعمل أيضا كدليل سياحي بارع تحلقنا من حوله نحن السياح وشدنا بأسلوبه المرح ومزاحه الجميل ولباسه المميز بلونيه اﻷسود واﻷحمر والذي يرتديه العاملون بالمكان ...

 

حدثنا الرجل فقال إن المكان كان يستخدم قديما كمقر للإقامة الملكية وبحلول عام 1100م، استخدم كسجن، بالرغم من أن هذا لم يكن هو الهدف من بنائه. وبرج لندن هو عبارة عن تجمع لعدة مبانٍ داخل حلقتين من الجدران الدفاعية بها ثلاثة عشر برجا للمراقبة يحيطها خندق مائي كان مرتبطا بنهر التايمز المجاور وقد تم تجفيف مياهه وردمه عام 1845م ، ويعد برج لندن اليوم واحدًا من أكثر مناطق الجذب السياحي في إنجلترا شعبية، وقد تمت إضافة البرج إلى قائمة مواقع التراث العالمي عام 1988م. ويأتي برج لندن في مٌقدمة الأماكن التي يُزعم أنها مسكونة بالأشباح في إنجلترا ومن قال ان حكايات "الغولة" التي كنا نسمعها ونحن صغارا هي حكر على جداتنا فقط، فقد تناقلت الأجيال "اﻹنجليزية"  قصصا خرافيّة مفادها أن أرواح أولئك الذين أعدموا في البرج لا تزال تطوفه، ومن أبرزها روح الملكة آن بولين الزوجة الثانية للملك هنري الثامن، والكونتيسة مارغريت بولي، والأميران إدوارد وريتشارد ابنيّ الملك إدوارد الرابع اللذان قيل أنَّهما اختفيا في البرج وغيرهم كثيرون. كما اشتهر البرج بغربانه التي تُعشش في حيطانه، والتي ارتبطت بنبوءة قديمة مفادها أنه في اليوم الذي سيغادر فيه آخر الغربان برج لندن، فأن عرش إنجلترا سيسقط ومعه ستسقط بريطانيا العظمى، لذلك حرص عدد من الملوك قديمًا على الحفاظ على إستمرار تواجد الغربان في البرج ويتم إلى اﻵن اﻹحتفاظ بستة غربان على الأقل لمنع سقوط المملكة...!

 

في الدور الأرضي للبرج اﻷبيض تجولت في معرض الدروع الشهير والمكتظ بدروع مختلفة لملوك ومحاربين ودروع لخيولهم يتصدرها درع الملك هنري الثامن وحصانه وبعدها نزلت للدور تحت اﻷرضي والذي كان يستعمل كمخزن لغذاء ونبيذ ساكني البرج من اﻷسرة المالكة وبطانتها الحاكمة وتعرض به اليوم أنواع شتى ﻷسلحة مختلفة من سيوف ورماح وبنادق وسبطانات مدافع فولاذية ضخمة.

 

وفي الحديقة المحاذية للبرج من الناحية الغربية وقف ثلة من السواح بخشوع وتأمل حول تذكار زجاجي دائري الشكل وضع بعناية في الموقع الذي أعدمت فيه الملكة آن بولين الزوجة الثانية للملك هنري حينما باغتها جلاد فرنسي أحضره الملك من فرنسا خصيصا وهي تصلي صلاتها اﻷخيرة بضربة واحدة ليطير رأس المسكينة وتستمر شفتاها في تلاوة صلواتها لعشرات الثواني في يوم رهيب من أيام مايو 1536م بحسب رواية دليلنا السياحي الملم بتاريخ المكان والفظائع التي أرتكبت فيه. 

 

بطبيعة الحال لم تفتني زيارة اﻷبراج المتعددة الموزعة على حائط القلعة الخارجي وماتحويه بداخلها من معروضات ومقتنيات تاريخية وعروض مرئية عصرية تجسد تاريخ الموقع ولقد لفت نظري برج الدم المطل على بوابة الخونة المائية الشهيرة والتي أسهب دليلنا السياحي في الحديث عنهما ..

 

بعد هذه الجولة الرائعة والتي دامت بضع ساعات مر فيها الوقت سريعا وممتعا كان ﻻبد لي أن أترك حكايات البرج الأبيض السعيدة والدامية وكنوز دار الجواهر الملكية الثمينة المتلألئة وأخرج من حيث دخلت عبر بوابة قلعة برج لندن إلى رحاب مدينة لندن المعاصرة بعمارتها الزجاجية العصرية وناطحات سحابها  الشاهقة والتي تحاصر قلعة برج لندن من كل جانب الأمر الذي جعل منظمة اليونيسكو تدرج إسم هذا الموقع التاريخي الرائع على قائمة المواقع المعرضة للخطر ... تمشيت قليلا على كورنيش نهر التايمز فلاح لي في اﻷفق القريب جسر برج لندن الذي يعتبر هو اﻵخر أحد أهم وأشهر معالم المدينة التاريخية والسياحية ويحتاج أمر إستطلاعه إلى زيارة أخرى في وقت آخر فقد أدركني التعب وشارفت شمس لندن الخجولة على المغيب، وحان موعد الجلوس على مقعد قطار العودة وكتابة هذه السطور على أمل لقاء آخر قريب.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق