أضيف في 8 أكتوبر 2016 الساعة 18:49

سيد القمني من لندن: أنا كافر يا أزهر


إبراهيم عوض

http://www.alnabaa.net/show.aspx?id=586574

سيد القمني من لندن: أنا كافر يا أزهر... ونفسي الاستعمار يجي مصر

 د. إبراهيم عوض

 

 

قرأت فى موقع "النبأ" الألكترونى بتاريخ 30 يوليه 2016م وتحت عنوان "سيد القمني من لندن: أنا كافر يا أزهر... ونفسي الاستعمار يجي مصر" ما يلى: "رغم اعتياد الكاتب والمثقف المصرى على مهاجمة الإسلام وإظهار العداء الواضح لكل ما له علاقة بالدين حتى إنه يعتبر الأزهر الشريف منظمة إرهابية، فإن الجميع على علم بأنه سرعان ما يتراحع عند أول بادرة تهديد بمقاضاته حتى أنه يبدى استعداده للتنصل من كل آرائه التى يبديها فى الظروف العادية.

ومؤخرا ارتدى القمنى ثوب الشجاعة عقب مغادرته مصر إلى العاصمة البريطانية لندن، وألقى محاضرة بمقر منظمة مدنية إنجليزية يطلق عليها: "أدهوك" تحرَّش فيها بكل ما هو إسلامى، وشن هجوما شرسا على مصر وعلى الإسلام فى حين غازل القوى الإلحادية الغربية، مدعيا أن المسيحيين هم أصحاب البلد الحقيقيون والأَوْلَى بقيادتها، وأن مصر لم تعرف الحداثة إلا مع الاستعمار الأوروبى، زاعما أن الخطر الحقيقى على العالم هو الإسلام، ومطالبا بفرض العلمانية على المجتمع المصرى لإنقاذه من الإسلام.

"النبأ" حصلت على فيديو "المحاضرة الفضيحة"، التى حملت عنوان "جذور وأسباب العنف الإسلامى- العلمانية هى الحل" للدكتور سيد القمنى (لا دكتور ولا يحزنون!)، والتى أعلن خلالها كفره بالإسلام من داخل مقر المنظمة التى تعرّف نفسها بأنها منظمة دولية مدنية حداثية تعددية غير حكومية مقرها الرئيسى لندن، ولها فروع فى عدد من الدول من بينها مصر.

وتأسست هذه المنظمة، بحسب ما تذكره على موقعها الإلكتروني، من أجل مواجهة التطرف والإرهاب، ونشر ثقافة الحرية والعقل والاختلاف عبر عملها الميدانى على أرض الواقع، والنظرى عبر مراكزها المتعددة. وأغلب المنضمين لهذه المنظمة من الشباب الملحدين من الدول العربية والإسلامية، وعلى رأسها مصر والسعودية.

أما أهم شيء تم اكتشافه فهو أن هذه المنظمة الإلحادية ترتبط بشراكة مع مؤسسة "الأهرام" المصرية. وهذه الشراكة تنص طبقا لما هو منشور على موقع المنظمة: "بعد مشاورات ومداولات للعمل والتنسيق المشترك، ولما تحظى به مؤسسة "الأهرام" المصرية من حضور وازن فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولتاريخها العريق وعدد مطبوعاتها الإعلامية من جرائد ومجلات، ولقيمة الأسماء الفكرية والعلمية والصحافية التى عملت وتعمل بها حيث لم تخل صفحاتها من 140 سنة من تأسيسها من حضور أقلام كبار الكتاب كطه حسين ويحيى حقى ونجيب محفوظ ومحمد حسنين هيكل وغيرهم، فقد تم إبرام شراكة بين مؤسسة "الأهرام" المصرية عبر مجلتها "ديوان الأهرام"، التى يرأس تحريرها الشاعر إبراهيم داوود، وبين مؤسسة "أدهوك" عبر مجلة "الموجة" الثقافية. وقد نص عقد الشراكة على أن تشمل هذه الشراكة العديد من مجالات التعاون كالبحوث المشتركة وتبادل المعلومات والخبرات بين مركز دراسات "الأهرام" وبين مركز دراسات منظمة "أدهوك"، وكذا تنظيم مؤتمرات وندوات مشتركة ووضع، رهن إشارة كل طرف، كل الإمكانيات المتاحة لإنجاح مختلف الأنشطة التى يسعى القيام بها كل من الطرفين".

وشهدت محاضرة القمنى سخرية شديدة من الآيات القرآنية، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى أن الخطر الحقيقى على العالم هو الإسلام. وقال: "أنا هنا لتنبيه الإنسانية إلى خطر هائل يتمثل فيما نراه من حركات إرهابية إسلامية فى العالم".

وأضاف القمنى: "الإسلام نشأ فى منطقة من أفقر مناطق العالم. كان الناس يأكلون لحوم بعضهم البعض، ويضاجعون الحيوانات. هذه البيئة أفرزت أكلة لحوم البشر. الأرض، بالنسبة للبدو، شيء لا قيمة له. البدو هم الذين اخترعوا رب السماء حتى يصبح الوصول إليه مستحيلا، ثم اختاروا شخصا منهم (إشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم) يتحدث إلى رب السماء مباشرة. وإن محمدا بالنسبة لهم ليس بملك، وإنما هو الوسيط القائم بينهم وبين رب السماء".

وحرض القمنى اتباعه والحاضرين قائلا: "من فضلكم زيدوا حقن الإسلاموفوبيا فى العالم. من فضلكم عرفوا العالم أنه فى خطر ساحق. أى مسلم يعتقد أن دينه صالح لكل زمان ومكان فهو إرهابى بالضرورة. أى مسلم يرى نفسه مختارا من الله وأن الجنة صنعت له وحده فهو إرهابى".

وزعم القمنى أن أفضل قربى إلى الله عند المسلمين هى فريضة الجهاد، وأن هذه الفريضة أهم عندهم من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وأن الجهاد عندهم هو "الإيغال فى قتل العدو".

وبعد وصلة سخرية من الحور العين فى الجنة قال القمني: "كل الحور العين اللى فى الجنة لو اجتمعوا لن يساووا ذراع واحدة من الجالسات هنا"، مشيدا بالعلمانية التى "تعطى للمعتوه عقلا، وتعطى للإنسان أملا فى أن يكون صاحب رسالة" على حد زعمه.

وتطرق القمنى إلى قضية الفنان محمود الجندى بنوع من السخرية فقال: "محمود الجندى صديقى. كان يأتى ليسهر معى فى كل ليلة، ويشرب وينبسط. وفى أحد الأيام ذهب إلى منزله فوجده مشتعلا، واكتشف أن كتبى احترقت، والكتاب الوحيد الذى نجا هو المصحف. وعرف بعد ذلك أن الله أعطى له رسالة، فاطمأن وذهب ليعبده"، وتساءل: "كيف لإنسان مبدع أن يفعل ذلك؟!".

كما تطاول القمنى على مقام النبوة بشكل سافر وزعم أن الدواعش ليسوا أشد عنفا من محمد، الذى قتل فى ليلة واحدة 860 بنى آدم وطفلا من بنى قريظة حتى صنع نهرا من الدم فى المدينة، بحسب زعمه، وعلى العالم أن ينتبه لهذا الوحش.

كما زعم القمنى أن كل الأديان حلت مشاكلها مع الحداثة إلا الإسلام لأنه يرفض التخلى عن فكرة الصلاحية لكل زمان ومكان، زاعما أن العلم هو الذى حل مشاكل البشرية وليس الأنبياء أو الرسل،

ساخرا من المسلم الفقير قائلا: "المسلم الفقير الذى لا يجد قوت يومه يذهب إلى المسجد ويقول: اللهم لا تجعل مصيبتنا فى ديننا" .

كما زعم القمنى أن المسلم لديه الجنة فى جيبه، وإِنْ زنا وإِنْ سرق رغم أنف أبى ذَرّ، كما زعم أن البوس أو القبلات فى الإسلام ليست حراما، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حلل ذلك من خلال حديث المرأة التى ذهبت للرسول صلى الله عليه وسلم واعترفت له بالزنا.

وقال القمني: "داخل الوحش عقل يرفض فكرة المواطنة والانتماء والتراب والطين ويبخسها، ويكره العمل المنتج". كما زعم أن المسلم مكلف تكليفا ربانيا بكراهية غير المسلم، وأن الإسلام نسخ كل آيات السلم، مستشهدا بقول الله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب". كما زعم أن قتل غير المسلم عند المسلمين أهم من فريضة الصلاة.

وزعم القمنى أن الإسلام يحرم الشفافية، مستشهدا فى ذلك ببعض الأقوال والأحاديث مثل: "وإذا بُلِيتُمْ فاستتِروا"، و"استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" وأن المسلم يسأل الله ويستعين بالله ولا يسأل أو يستعين بالحكومة أو بالرئيس.

كما هاجم المملكة العربية السعودية قائلا: "النفط كان كارثة على العالم لأنه ظهر فى أسوأ منطقة يظهر فيها شيء"، مهاجما الأزهر وواصفا إياه بأنه معقل الإرهاب فى العالم، وأعلن أنه يسعى لاعتبار الأزهر منظمة إرهابية فى الأمم المتحدة. وخاطب الحضور قائلا: "علينا أن نقف على منصة الأمم المتحدة ونقول للعالم: ما هو الخطر الذى يواجهه؟ الأزهر منظمة متعددة الوجوه والماسْكات".

وقال: "جئت إلى هنا لأقول للأزهر: أنا كافر". وزعم قائلا: "الشباب المتمسك باسلامه شعر إنى أنا فهِّمْتُه إسلام جميل يتوافق مع الحداثة وبقى راضى مع المجتمع، وبيقابل إخوانه المسيحيين وبيسهر معاهم وبيشرب بيرة ومبسوط وبيقول لى: إزيك يا مولانا، والملحدين بيقولوا لى: يا بابا".

ولم يفوت القمنى أن يحرض على الفتنة الطائفية بالقول: "الجماعة المسيحيين اللى حسوا إنى أنا حطيت ايدهم على مشكلة لازم يتخلصوا منها، وأن الأسطورة لم تعد فاعلة، وكمسيحيين شرقيين يجب أن تقودوا المنطقة وانتوا أصحاب الأرض".

وواصل القمنى تطاوله على الإسلام بالقول: "مواجهة الإسلام لا تكون بقتلهم لأن ذلك مستحيل، لكن عن طريق قص أظافره وأنيابه وأشواكه"، كما أعلن كفره بالجن قائلا: "أنا انكر وجود الجن. نحن نؤمن بالإنسانية والعلم ونكفر بالجهل".

وزعم القمنى أن الإسلام يبيح للمسلم فى نهار رمضان أن يقضى شهوته الجنسية عن طريق الإيلاج فى القرد أو نحوه، ولا يجوز فى أنثى القرد، كما يجوز له أن يقضى شهوته بيد طفلة صغيرة أقل من 4 سنوات.

وواصل القمنى تحريضه على الإسلام قائلا: "أرى أن محاربة الفكرة أقل تكلفة بكثير وأسرع فى التأثير وأقدر على الفعل. الحل فى عمل مدارس وعودة الحضارة الغربية للتواجد فى وسط بلادنا".

وزعم القمنى: "بلدنا لم تعرف الحداثة إلا بعد أن دخلت فرنسا مصر. مصر لم تعرف يعنى إيه سياسة وقانون ووطن إلا فى وجود الاستعمار الأوروبى الإنجليزى فى بلادنا. فالحل هو انغراس الحضارة الغربية فى المنطقة".

كما حذر القمنى العالم من الإسلام قائلا: "إما أن يقف العالم المتحضر أمام هذا الوحش لتحجيمه وفرض العلمانية فرضا أمميا على هذه البلاد مع مراقبين دوليين، وإلا فستخرج منها عليكم شرور تقضى على الإنسانية". وأكد القمنى أنه يتمنى احتلال مصر من جانب الغرب قائلا: "نفسى فى استعمار يجى مصر، بس مفيش".

هذا ملخص لما قاله القمنى جسب موقع "النبأ". والآن نبدأ مناقشة هذا الكلام. وستكون بداية المناقشة مع عبارة "أنا كافر يا أزهر!" التى قالها سيد القمنى فى الندوة اللندنية، وكأن مستقبل الكون متوقف على كفر القمنى، فهو حريص على إعلان هذا الكفر، مع أنه مسألة خاصة به، وأمر بينه وبين ضميره. وليكفر القمنى كما يشاء، ومن هنا حتى يوم الدين، فلن يؤثر ذلك فى أحوال أى أحد شيئا. ثم لِمَ يوجه القمنى هذا الكلام إلى الأزهر؟ هل الأزهر هو الله سبحانه، الذى يحاسب العباد؟ أم هل هو ضمير الشخص الذى يرضى عنه إذا ما أتى أمرا طيبا، أو يلذعه إذا ما فعل شيئا كريها؟ أبدا. إن الأزهر مجرد مؤسسة علمية من صناعة البشر، والمفروض أنها تبين للناس صحيح الدين أو ما تراه صحيح الدين. ورغم هذا فما يصدر عن الأزهر من فتاوى وأحكام ومواقف هو، فى نهاية المطاف، اجتهاد إنسانى يجوز عليه الصواب كما يجوز عليه الخطأ، وإن كان المفترض، تبعا لتخصص علماء الأزهر خريجى كليات أصول الدين والشريعة وما إلى ذلك، أنهم يفهمون الدين أفضل من كثيرين، ولكن دون أن يعنى هذا بالضرورة أنهم لا بد أن يكونوا كذلك فعلا، إذ هناك دائما فرق بين الكلام النظرى والواقع العملى.

ثم إن كل إنسان حر فى أن يؤمن أو يكفر: "وقل: الحقُّ من ربكم. فمن شاء فلْيؤمن، ومن شاء فلْيكفر". وليس لإنسان على أى إنسان سلطة فى هذا ولا للرسول نفسه عليه السلام: "وما أنت عليهم بجبار"، "وما أنت عليهم بمسيطر"، "وما أنت عليهم بوكيل"، "وما أنت عليهم بحفيظ"، "ليس لك من الأمر شىء أو يتوبَ عليهم أو يعذبَهم". بل إن الرسول ذاته مأمور فى القرآن أن يقول على مسمع من الدنيا كلها: "ما كنتُ بِدْعًا من الرسل، وما أدرى ما يُفْعَل بى ولا بكم. إِنْ أَتَّبِعُ إلا ما يُوحَى إلىَّ"، كما تكرر الأمر له بأن يقول: "وما أنا إلا نذير مبين"، وخاطبه ربه قائلا: "إن أنت إلا نذير"، "وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا"، وتردد ذلك فى القرآن فى مناسبات شتى، وبصيغ مختلفة كما يعرف ذلك كل من له أدنى ملامسة مع القرآن. بل إن الله نفسه لم يشأ أن يَسُوق العباد سَوْقًا إلى الإيمان به: "ولو شاء ربك لآمن مَنْ فى الأرض كلُّهم جميعا. أفأنت تُكْرِه الناسَ حتى يكونوا مؤمنين؟". وأعلنها القرآن مدوية لا تذبذب فيها ولا لجلجة ولا جمجمة: "لا إكراهَ فى الدين. قد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ من الغَىّ". وأكد سبحانه أن الحياة قائمة على الاختلاف بين البشر فى كل شىء بما فى ذلك الإيمان والكفر. سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا.

ليس ذلك فحسب، بل إن القرآن ليوصى الأبناء بإحسان معاملة آبائهم وأمهاتهم تمام الإحسان حتى لو كفروا بل حتى لو جاهدوهم على الإشراك بالله سبحانه: "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ". بل إذا كان للإنسان ولد على غير دينه فلا يصح له إجباره على اعتناق الإسلام: "عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: كانتِ المرأةُ تكونُ مِقْلاةً فتجعلُ على نفسِها إنْ عاش لها ولدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ. فلمَّا أُجْلِيَتْ بَنو النَّضيرِكانَ فيهِمْ أبناءُ الأنصارِ، فقالوا: لا نَدَعُ أبناءَنا. فأنزل الله عزَّ وجلَّ: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ". والمقلاةُ التي لا يعيشُ لها ولدٌ.

ومرة أخرى لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الإسلام لا يحبذ مقاطعة أحد من غير ديننا ما دام لا يقاتلنا أو يخرجنا من ديارنا بل يأمرنا ببرهم والإحسان إليهم واستقبالهم لدن زيارتهم لنا استقبالا كريما: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". وعند استجارة المشرك بالمسلم فعلى المسلم إجارته وإسماعه كلام الله ثم لْيُبْلِغْه مأمنه بعد ذلك، أى يوصله إلى أهله معززا مكرما دون التعرض له بأى أذى أو سوء.

ومرة أخرى غير الأخرى لا يقف الأمر عند هذه النقطة، إذ لما فتح المسلمون مكة وصارت رقاب المشركين فى أيديهم، ومصائرهم تحت رحمتهم بل تحت أقدامهم، وتوقع المشركون أن يكون الانتقام رهيبا يطفئ غُلَل الغيظ التى تتلظى بها القلوب، فوقفوا عند الكعبة ينتظرون الحكم عليهم من فم محمد، ولم يدر فى خَلَد أَشَدِّهم أملا وتفاؤلا شىء غير أن يكون العقاب مخففا بعض الشىء، فوجئوا أعظم مفاجأة من حكم محمد عليهم، ألا وهو الرحمة الشاملة والعفو العام رغم كل ما أوقعوه بالمسلمين من أذى ومصادرات وقتل وضرب وتعذيب وإهانة وحصار مدمر وتجويع وتعطيش وغدر وخيانة للمعاهدات. لقد نظر الرسول الكريم إليهم قائلا: ما تظنون أنى فاعل بكم؟ قالوا فى مثل براءة الأطفال ناسين الإجرام العاتى المتوحش الذى عاملوا به المسلمين طوال الوقت: خيرا! أخ كريم، وابن أخ كريم! (يا للأدب واللياقة العالية!). فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن قال لهم: اذهبوا، فأنتم الطُّلَقاء. ولم يعاقب من المكيين جميعا غير طائفة لا يصل عددها عدد أصابع اليد الواحدة لأن جرائمهم قد تجاوزت كل الحدود. فهل يحتفظ التاريخ فى صفحاته بشىء مثل هذا؟ إنه عليه الصلاة والسلام لم يفكر حتى فى اهتبال تلك السانحة فيُكْرِههم على الدخول فى الإسلام، وهو ما لم يفعله ولا فكر فيه ولا مَرَّ له بخاطر.

ولا يقتصر موقف الإسلام من الإكراه فى الدين على هذه المناسبة، بل كان كل من يعتنق الدين الجديد يفعل ذلك بناء على تفكير وتحقيق وتقليب للأمر فى عقله ونفسه دون أن يتعرض لضغط أو إجبار: فمثلا كان أبو بكر يعرف النبى منذ أعوام قبل البعثة، إذ كانا صديقين، فكانت كل جوانب شخصيته عليه السلام من صدق وحكمة وأمانة ووفاء وعفة وتواضع ونبل وطبع كريم وخلق سامق وطيب نفس وعلو همة واتزان عقل معلومة لديه دون أدنى خفاء، ومن ثم كان تقبُّله لدعوته ودخوله فى دينه. ويضاف إلى ذلك عظمة ما أتى به من توحيد وحث على إكرام المسحوقين والعطف عليهم والصدق والشهامة وغير ذلك من الخلق الكريم مما من شأنه اجتذاب مثل أبى بكر صاحب السجايا النبيلة والعلو على الدنيات. أما عمر بن الخطاب فكان اعتداده بنفسه يمنعه من الإصاخة فى البداية لصوت الحق، وكانت مقدرته على البطش تسول له التصلب فى موقفه الرافض للدين القشيب، إلى أن وقع منه العدوان على أخته وزوجها فى بيتهما وسال الدم من وجهها وتحدته دون خوف أو حساب للعواقب قائلة له إنها فعلا قد اعتنقت دين محمد، فليفعل ما يشاء، مما كانت نتيجته استيقاظ ضميره وتنبُّهه إلى بشاعة ما أتاه مع أخته وزوجها دون وجه حق، وكانت اللحظة السعيدة التى انبثق فى نفسه عندها أنه ينبغى له الاطلاع على ما جاء به محمد من وحى يعكف عليه ويفكر فيه، وهو ما حدث فى نفس الموضع الذى اعتدى فيه على أخته وختنه، وكان قلبه مهيأ آنذاك لقبول الحق، فكان أن سأل عن مكان الرسول وأصحابه، وذهب إليهم. وبدلا من أن الاعتداء الذى كان يبيته قبيل قليل أعلن إسلامه وانضم إلى الجماعة الناشئة بنفس حماسته القديمة فى محاربتها.

وأما أبو ذر العفارى فقد أرسل أخاه يستطلع له طِلْع ذلك الرجل الذى تواترت الأخبار بإعلانه النبوة فى مكة. ولما غاب أخوه لحق هو أيضا به، وهناك راقب أحوال محمد عن كَثَب حتى وجد ما يدعوه إلى تصديقه واعتناق دينه. أما خالد وعمرو بن العاص فقد أدى بهما الفشل المتلاحق للوثنية فى مواجهة الدين الجديد إلى التنبه لسخف موقفهما منه ومن صاحبه، فقررا الالتحاق به واعتناق دينه.

وأما أبو سفيان فقد شهد فى قصر هرقل، خلال اجتماع عقده العاهل البيزنطى لمناقشة الرسالة التى وصلته من محمد يدعوه فيها إلى الإسلام، ما دله على صدق دعواه النبوة، وإن كان العناد والحزازات التى كانت بين أسرتيهما قد منعته من اتخاذ الخطوة المنتظرة، فتأخر به الأمر حتى فَتْح مكة حين أيقن أنه لا أمل له ولا لجبهته فى الانتصار على محمد وعلى الإسلام. وفى فتح مكة كان للعفو العام والنبل العظيم غير المتوقع الذى تصرف محمد بمقتضاه نحو قومه أثر نفسى مزلزل دفع تلك الجموع إلى الدخول فى الدين الذى أتى به والذى لم يَدَعُوا وسيلة دون أن يجربوها فى حربه، لكنهم باؤوا بالفشل، وانتصر هو ورجاله مع فقر الأسباب التى فى يديه، وصدقت نبوءاته وتحدياته لهم ولوثنيتهم.

بل إن زوجته خديجة قد استندت إلى المنطق وتحكيم العقل فى تقويم ما حدث له فى الغار حين ظهر له جبريل أول مرة، إذ كان رأيها أن الله سبحانه لن يضيّع زوجها الكريم الذى بَلَتْ سجاياه قبل الزواج وبعده فلم تُلْفِ منه سوى كل خير وبر ورحمة ورجولة وشهامة حتى لقد أكدت له أن الله لا يمكن أن يخزيه، إذ هو يصل الرحم ويحمل أثقال الضعيف ويغيث اللهيف ويعين صاحب الأعباء الشداد على أعبائه. وكان قد أتاها خائفا متوجسا يرجف جسده كله إثر ذلك اللقاء الذى لم يَخْبُره ولم يخبُرْه أحد حوله ولا سمع عنه من قبل، وكان مرتعبا يظن أن شرا قد حاق به. ثم إنها لم تكتف بذلك بل تذكر الروايات أنها أرادت التحقق من خلال تجربة شخصية قامت بها من أن هذا الذى رآه لم يكن شيطانا بل روحا خيرة، فكانت النتيجة مطمئنة. ولم تكتف مرة أخرى بهذا الاختبار بل قصدت ورقة، ذلك الشيخ العجوز الذى كان لديه علم بما فى أيدى أهل الكتاب، فأكد لها أنه الناموس الذى كان ينزل على موسى.

ولو كان محمد دعيًّا كذابًا ما تصرف على ذلك النحو أبدا ولزعم دون تلجلج أو خوف أو ارتجاف أن ملاكا ظهر له عند الغار فأخذ يحدثه حديث الصديق للصديق ويحتضنه بود ومحبة ويعده الوعود الكبار ويؤكد له أنه نبى مقرب لا ريب فى ذلك وأنه يعلم الغيب ويأتى بالمعجزات. أما هذا الرعب الذى أخذه وزلزل كيانه فى البداية، وكذلك الرجفة التى اعترته وأحوجته إلى التلفف فى الثياب والالتحاف بالأغطية إنما يدلان على بساطة نفسه وصراحة قلبه ورغبته فى الوصول إلى بر اليقين بشأن هذا الذى رآه وسمعه عند الغار.

ومن هذا يتبين لنا أن مخاطبة القمنى للأزهر لإخباره أنه كافر بالإسلام شىء لا معنى ولا لزوم له. لكن من حق الأزهر وغير الأزهر رغم هذا أن يقول رأيه فيما يعلنه القمنى ضد الإسلام رأيا فى مقابل رأى. وقد سبق أن رددتُ على هلوساته من قبل أنا وغيرى وفضحتُ ما فى كتاباته من أخطاء لغوية وتسيبات وسرقات وتدليسات وعبث بالنصوص المنقولة للتوصل بها إلى نتائج ما أنزل الله بها من سلطان، وانتهى الأمر عند هذا الحد. ويجد القارئ الكريم ما خطته يراعتى فى كتابى: "أفكار مارقة" تحت عنوان "القمنى بلبوصا".

أم ترى القمنى يريد ألا يرد عليه أحد لينفرد هو بالساحة يملؤها بالجهل والضلال، فيخيَّل للعامة وأشباههم أنه لا أحد يستطيع الرد على ما يقوله، وبخاصة أنه يصوَّر فى بعض الدوائر بوصفه مفكرا ضليعا. بل إنه قد حصل، بسبب ترشيحه من بعض تلك الجهات، على الجائزة التقديرية من مصر، وهو ما هو فكرا وأسلوبا. وكانت فضيحة بجلاجل. وقال هو، ردا على صدور حكم من المحكمة بوجوب رد الفلوس التى حصل عليها من الدولة، إنه إن جاءه من يسترد قيمة الجائزة منه فسوف يخلع ملابسه فى الشارع "بلبوصا" حتى اقترنت هذه الكلمة به وصارت عنوانا عليه ولقبا له، وكُتِبَتْ مقالات حملت فى عناوينها هذه الكلمة. وهذا هو مستوى الرجل فكريا وذوقيا وخلقيا.

ولا يقتصر الأمر على هذا بل يسود فكرَ القمنى اضطراباتٌ وتناقضاتٌ تدل على أن فهمه للأمور غير محكم ولا تنتظمه رؤية واحدة متسقة. ففى الوقت الذى يصرخ فيه بأنه كافر بالإسلام، ويشتم النبى والمسلمين والقرآن، ويفترى الكذب ويدلس ويزيف الحقائق نجده يقول أيضا: "الشباب المتمسك بإسلامه شعر إنى أنا فهّمته إسلام جميل يتوافق مع الحداثة وبقى راضى مع المجتمع، وبيقابل إخوانه المسيحيين وبيسهر معاهم وبيشرب بيرة ومبسوط وبيقول لى: إزيك يا مولانا. والملحدين بيقولوا لى: يا بابا". فهو يرى أنه ما زال يعمل من داخل الإسلام مقدما للشباب فهما خاصا لهذا الدين أحبوه وأقبلوا عليه وتعايشوا معه ووجدوا فيه أنفسهم. فهل هو يا ترى كافر بالإسلام؟ أم هل هو مسلم له رؤيته فى التدين بذلك الدين؟ ومما قاله تصويرا للأسلوب الذى يعيش به كلامه التالى عن الممثل محمود الجندى: "محمود الجندى صديقى. كان يأتى ليسهر معى فى كل ليلة، ويشرب وينبسط". وهو الكلام الذى كان يردد مثله هاشم صالح مترجم كتب محمد أركون، إذ كتب يقول إنه يتمنى أن تصير العواصم الإسلامية كباريس وغيرها من عواصم الغرب ممتلئة بحانات الخمر التى يقصدها الناس دون حرج. وهذا ما يفهمه أمثالهما من العلمانية ومحادَّة الإسلام.

والغريب المريب أن هذا الذى يعيش حياته على حل شعره فيشرب وينبسط ويغرى مَنْ حوله بالشرب والانبساط مفهما إياهم، مع ما فى ذلك من كذب وتزييف، أن هذا هو الإسلام الصحيح، ويغازل النساء اللاتى كن حاضرات فى ندوة إعلانه الكفرى ويقول لهن إن ذراع أية واحدة منهن أجمل من الحور العين جميعا، قد واتته الجرأة فى ذات الوقت فاتهم الإسلام بأنه دين شهوانى يقنن الزنا والشذوذ الجنسى ومضاجعة الحيوانات وممارسة الجنس مع البنات ذوات الأعوام الأربعة... وواضح أن هذا كلام من لحست الخمر عقولهم وأفقدتهم رشدهم وصوابهم، فصاروا يهلوسون بكلام لا معقول له، وإلا فهذه هى أخلاق الغربيين الآن، فلماذا ينكرونها على المسلمين إن كان ما يقوله صحيحا، وهو غير صحيح؟

فالغربيون لا حرام عندهم ولا مانع يمنع أيا منهم من الزنا واللواط والسحاق والاعتداء على الأطفال حتى من جانب القساوسة والرهبان كما نعلم جميعا من الفضائح التى يتوالى انفجارها من داخل الكنيسة ذاتها حتى زكمت نتانتها الأنوف وغثيت منها النفوس والبطون. وإنى لأستغرب أن يتقبل حاضرو الندوة ذلك الكلام الساذج العبيط عن الإسلام والمسلمين، وكأن المسلمين يعيشون فى بلاد الواق واق فى الزمن القديم، فلا يمكن البريطانيين الوصول إليهم ومعرفة حقيقة أحوالهم، ومن ثم ليس أمامهم سوى تصديق ما يسمعونه عنهم من أخبار عجيبة. ثم فلنفترض أن عقولهم كانت مغيبة، فأين الذوق وما يسمونه فى لغتهم بالـ"common sense"؟ وإذا كان المتحدث هابط الذوق وبذيئا غاية البذاءة على هذا النحو غير المسبوق فليكن عند المستمع حصوة فى عينه ترفده بقليل من الذوق.

إننى دائما ما أقول: إن العقل الأوربى، إذا ما تعلق نشاطه بالعلوم الطبيعية والتكنولوجيا وما إلى ذلك، هو عقل مبدع عجيب، لكنه ليس على ذات المستوى فى علوم الإنسان، وإن كان متفوقا أيضا. إلا أن الأمر يتخذ منحى آخر مختلفا تماما متى ما جاءت سيرة الإسلام. إنه يرتبك وتعتريه رجفة وتتشابك سلوكه الكهربية وتتراقص عقارب ساعته ويضطرب بداخله كل شىء فلا يستطيع تفكيرا منطقيا بل يغلبه الفساد وينطق بالسخافات والترهات فى معظم الأحيان. وهى ظاهرة تحتاج إلى دراسة، إذ ليس من المعقول أن ينحط ذلك العقل المتفوق المبدع كل تلك الدركات من الانحطاط كلما عرض الإسلام له فى الطريق. وأمثال القمنى يعرفون كَمَّ الكراهية والحقد الذى يكنه العقل الغربى للإسلام، فيعزفون على أوتار تلك البغضاء، وهم مطمئنون إلى أن كلامهم، مهما كان تافها وسخيفا وكاذبا ومزيفا، سوف يكون مقبولا بل ومهضوما، وسوف ترحب به المعدة الغربية وتستمتع بمذاقه الكريه أيما استمتاع.

ثم لماذا كان لا بد أن يعلن القمنى كفره فى لندن ومن داخل تلك المؤسسة المريبة؟ إن الإيمان والكفر شىء خاص بصاحبه. فلم إذن كان الذهاب إلى لندن وإعلان الكفر من المؤسسة المذكورة؟ هل هى جهة اختصاص جدت فى الآونة الأخيرة لتراقب الضمائر وتمنح صكوك الكفر والإيمان، والغفران والخسران؟ ومع هذا يضطرب الرجل ويوزع الاتهامات يمينا ويسارا على الإسلام والمسلمين مع أن الإسلام من اتهاماته الخرقاء براء، فى حين أن تلك التهم تنطبق بكل وضوح ويقين على تلك الجهة التى دوى منها صوت القمنى بالكفر محاولا أن يظهر بطلا أمام الناس. لكن من البين الجلىّ أنه ليس سوى بطل من ورق. واضح أن هذه ورقة من أوراق اعتماده التى يجب عليه وعلى أشباهه تقديمها إلى تلك الجهات حتى ينال رضاها وما يترتب على رضاها، وإلا فالناس المستقيمون يتخذون قرارهم بالإيمان أو الكفر أو تعتريهم الشكوك والحيرة، لكنهم لا يذهبون إلى لندن أو نيويورك أو باريس ليعلنوا ذلك من هناك. ولسوف يرى القارئ أن هناك أوراقا أخرى قد قدمها القمنى لتلك الجهات لا أدرى كيف واتته نفسه على إعلانها دون حياء أو خجل. وهى أوراق ذات صلة بالوطنية، بل بعدم الوطنية وخيانة الأوطان، وسوف نتعرض لها بعد قليل.

ومما جاء فى التقرير الخاص بالقمنى وندوته أيضا قوله إن "الإسلام نشأ فى منطقة من أفقر مناطق العالم. كان الناس يأكلون لحوم بعضهم البعض، ويضاجعون الحيوانات. هذه البيئة أفرزت أكلة لحوم البشر. الأرض، بالنسبة للبدو، شيء لا قيمة له. البدو هم الذين اخترعوا رب السماء حتى يصبح الوصول إليه مستحيلا، ثم اختاروا شخصا منهم (إشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم) يتحدث إلى رب السماء مباشرة. وإن محمدا بالنسبة لهم ليس بملك، وإنما هو الوسيط القائم بينهم وبين رب السماء".

ولست أفهم مغزى الإشارة إلى أن بلاد العرب التى ظهر فيها الإسلام من أفقر مناطق العالم، اللهم إلا اتخاذها تكأة للقول بأنهم، من شدة الجوع، كانوا يأكل بعضهم بعضا. وهذا طبعا كلام كاذب، فلم يقل أحد قط إن العرب كانوا يأكلون لحوم البشر: لا لحومهم ولا لحوم غيرهم. وليس فى أشعارهم ولا خطبهم شىء من هذا ولا على سبيل الإشارة البعيدة ولا تحدث عنها القرآن ولا الحديث ولا ذكرها المؤرخون: لا المؤرخون المسلمون، ولا المؤرخون الآخرون الذين لو كان شىء من هذا الكلام صحيحا لطنطنوا به وطبلوا له وزمروا وضخموه ونفخوا فيه ونشروه فى الآفاق. ولدينا فى تاريخنا الإسلامى الشعوبيون، الذين لم يتركوا شاردة ولا واردة فى حياة العرب وتصرفاتهم ومآكلهم ومشاربهم وأخلاقهم وأساليب عيشهم إلا سخروا منه وتهكموا به وحقروه ونالوا منهم بسببه. ومع هذا لم يحدث قط أن ألمح أحد منهم إلى مسألة أكل لحوم البشر هذه. ولو كان هناك شىء من ذلك لتكلم عنه القرآن الكريم وحذر منه النبى العظيم ونهى الإسلامُ أتباعه عن ممارسته مثلما نهاهم عن الزنا والخمر وتطفيف الكيل والميزان والربا مثلا. بل ليس فى أساطيرهم ذاتها شىء من هذا، على عكس أساطير اليونان، التى نجد فيها مثلا السيكلوبات المتوحشين الذين يأكلون البشر ويلتهمونهم التهاما. فانظر كيف يقلب القمنى الكلام قلبًا ويدلس ويكذب كذبا مفضوحا، وكيف ينتشى الغربيون من هذه الأكاذيب التافهة انتشاء ضخما ويتقبلونها ويفركون أيديهم حبورا بما يسمعون منها، ويشجعون الكذاب الذى اختلقها ويكافئونه ويعقدون له المؤتمرات والندوات ويدعونه إلى بلادهم ويضيفونه.

وفى هذا كله تأكيد لما أقوله دائما من أن الغربيين، الذين يشغّلون عقولهم جيدا فى ميدان العلوم الطبيعية والرياضية والتطبيقية فيأتون بالإبداعات المذهلة، ما إن تأتى أمامهم سيرة الإسلام حتى تضطرب عقولهم ويغيب عنها المنطق والحكمة، فنسمع منهم كلاما عجيبا لا يدخل عقول الأطفال، ويسارعون إلى تصديق كل ما هو مستحيل عن دين محمد وعن أتباعه. وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فإن بعض النصارى العرب يسيرون على نفس الدرب ويكذبون كذبا منحطا قائلين إن خالد بن الوليد قد وضع قائدا من القواد الذين هزمهم أثناء حرب الردة عقب وفاة النبى فى قِدْرٍ وطبخه وأكله. وهو ما يدل على أن الحرب التى تُشَنّ على الإسلام حرب فاجرة منحطة لا تعرف مروءة ولا رجولة ولا يحترم مُؤَجِّجوها من يخاطبونهم. بل إن من الغربيين أنفسهم من يشكك فيما يقال عن انتشار أكل اللحم البشرى بين المتوحشين مُرْجِعًا الشائعات المتعلقة بهذا الكلام إلى رغبة أبناء جنسه فى تسويغ استعمار البلاد المتخلفة خلال الهجمة الاستعمارية إذ يزعمون أنهم إنما أَتَوْا إليها لتمدين سكانها والأخذ بأيديهم فى مدارج الرقى والتحضر. ثم يأتى القمنى فيتقول على العرب هذه التقولات السافلة. ومع هذا فلنفترض أن العرب كانوا يمارسون هذه الرذيلة المتوحشة فما ذنب الإسلام؟ لكن ماذا تقول فى التخلف الأبله وصاحبه القمنى، وفى الحقد الأوربى وذويه؟

وها هو ذا ما تقوله "Encyclopaedia Britannica"، التى كتبها العلماء البريطانيون أنفسهم، فى مادة "Cannibalism": " Though many early accounts of cannibalism probably were exaggerated or in error, the practice prevailed until modern times in parts of West and Central Africa, Melanesia (especially Fiji), New Guinea, Australia, among the Maoris of New Zealand, in some of the islands of Polynesia, among tribes of Sumatra, and in various tribes of North and South America" (ط2016م)، وهو ما يعززه النص التالى من نفس المادة"Cannibalisme" : فى النسخة الفرنسية من موسوعة "Encarta" (ط2009م): "À partir des récits des missionnaires et conquérants espagnols arrivés en Amérique du Sud, l’image des sauvages mangeurs d’hommes, en Afrique, en Amazonie ou en Océanie, imprègne l’imaginaire occidental et nourrit la description des peuples exotiques"، ومنه يتبين ألا صلة للعرب ولا لأحد فى منطقة الشرق الأوسط بهذه الوصمة، ومن ثم فكل ما قاله القمنى تدليس واطئ.

أما مضاجعة الحيوانات فكان ينبغى أن يوجه القمنى نظره إلى الغرب حيث صارت مضاجعة البشر والحيوانات، والآلات أيضا، أمرا اعتياديا لا يثير استنكارا ولا حتى استغرابا. والعجيب أنه يتقرب إلى الغربيين بهذا الكلام، فيصدقون أن العرب يفعلون هذا السلوك الشاذ المنحط ويلوون أعطافهم اشمئزازا وتقززا، رغم أن هذا السلوك المفترى ينبغى على العكس أن يحظى برضاهم، إذ كثيرون منهم يمارسونه ولا يجدون فيه أدنى مشكلة. فما عدا مما بدا؟ وفى مادة "Zoophilia" (أى ممارسة البشر الجنس مع الحيوانات) بـ"Encyclopaedia Britannica" نقرأ ما يلى: "sexual relations between a human being and an animal. Although the practice is illegal in most countries, occasional zoophilic encounters are fairly common, especially in rural areas, where 17 percent of U.S. males in the Kinsey report of 1948 acknowledged sexual experience with animals at least once. Sexual contacts between women and animals occur less frequently.".

والعجيب أن فى الكتاب المقدس ما يدل على أن بنى إسرائيل كانوا يضاجعون الذكور والحيوانات: "22وَلاَ تُضَاجِعْ ذَكَرًا مُضَاجَعَةَ امْرَأَةٍ. إِنَّهُ رِجْسٌ. 23وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ بَهِيمَةٍ مَضْجَعَكَ فَتَتَنَجَّسَ بِهَا. وَلاَ تَقِفِ امْرَأَةٌ أَمَامَ بَهِيمَةٍ لِنِزَائِهَا. إِنَّهُ فَاحِشَةٌ" (اللاويّون/ 18)، "13وَإِذَا اضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ ذَكَرٍ اضْطِجَاعَ امْرَأَةٍ، فَقَدْ فَعَلاَ كِلاَهُمَا رِجْسًا. إِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا... 15وَإِذَا جَعَلَ رَجُلٌ مَضْجَعَهُ مَعَ بَهِيمَةٍ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَالْبَهِيمَةُ تُمِيتُونَهَا. 16وَإِذَا اقْتَرَبَتِ امْرَأَةٌ إِلَى بَهِيمَةٍ لِنِزَائِهَا، تُمِيتُ الْمَرْأَةَ وَالْبَهِيمَةَ. إِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا" (اللاويون/ 20)، ورغم هذا سكت القمنى عن هذا الموضوع الذى يثبت نقيض ما يريد تماما. وحتى لو كان العرب قبل الإسلام ينتهجون هذا الشذوذ البغيض فإن الإسلام دين نظيف يشدد أقوى التشديد فى تحريم أية ممارسات جنسية مع غير الزوجة على النحو الطبيعى؟

أما قوله إن "الأرض بالنسبة للبدو شيء لا قيمة له" فهو، ككل ما قاله، برهان كبير على أنه جاهل غليظ الجهل. لقد كانت المعارك تنفجر بين البدو فى الجاهلية بسبب الأرض، سواء كانت مرعى أو بئر ماء. وهذا من الأمور المعروفة لكل من لديه اتصال بحياة العرب. وعلى كل فلست أدرى لماذا أثار تلك النقطة. ولهذا ننتقل إلى النقطة التى بعدها، وهى أن "البدو هم الذين اخترعوا رب السماء حتى يصبح الوصول إليه مستحيلا، ثم اختاروا شخصا منهم (إشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم) يتحدث إلى رب السماء مباشرة، وأن محمدا بالنسبة لهم ليس بملك، وإنما هو الوسيط القائم بينهم وبين رب السماء".

وعجيب أن يسمى الله: "رب السماء"، والله هو رب الأرض ورب السماء ورب الكون كله! إن هذا الكائن لعامى الفكر والتصور، إذ يظن أن الله متحيز فى السماء. والحق أنه، بعلمه السطحى، يصعب عليه معرفة أن الله أكبر من المكان والزمان لأنه هو خالق المكان والزمان، ومن ثم لا يمكن أن يحتويه سبحانه شىء. لكنه، بعقله العامى، يحسب الله ساكنا السماء. ثم كيف اخترع البدو (يقصد العرب) يا ترى رب السماء؟ ألم يكن الرب موجودا قبل البدو عند الأمم الأخرى؟ ألم يكن عند الفرس رب؟ ألم يكن عند اليهود رب؟ ألم يكن عند النصارى رب؟ ألم يكن عند أتباع إبراهيم رب؟ ألم يكن عند المؤمنين بنوح رب؟ وإذا كان الرب اختراعا بدويا عربيا كما يزعم فكيف يفسر لنا إيمان الأمم الأخرى غير البدوية بهذا الاختراع البدوى بما فيها كثير من الغربيين هذه الأيام من كل طبقات المجتمع، ومنهم الساسة والعلماء والصحافيون والمستشرقون والقسيسون والرياضيون والمؤلفون؟

ثم كيف يقول إن البدو (أى العرب) هم الذين اخترعوا الرب وأقاموا من محمد وسيطا لهم بينهم وبينه، وكل من على وجه البسيطة يعلم تماما أن العرب رفضوا الإيمان بمحمد وبما جاءهم به محمد إلا بعد اللَّتَيَّا والتى، وشنوا عليه الحروب بغية القضاء عليه وعلى دينه وأتباعه قبل أن يشعروا بالفشل وييأسوا من الوصول إلى غايتهم ويفيقوا من خمار الوثنية ويدخلوا فى دينه؟ لقد اتهموه صلى الله عليه وسلم بالكذب والسحر والجنون ونَسْخ أساطير الأولين، وآذَوْه وتآمروا على حياته وشنعوا عليه وحاربوه. ثم يأتى القمنى فيقول إنهم اتفقوا مع محمد على أن يكون وسيطا لهم عند الله! وا عجبا!

كما فاته أن الإسلام لا يقبل القول بأية وساطة بين الله وعباده، ومحمد عليه الصلاة والسلام يقول، حسبما أَمَرَه ربُّه، إنه ليس له من الأمر شىء، وإنه لا يعرف الغيب، وإنه لا يدرى ما يُفْعَل به. كما كان دائم الاستغفار والتذلل له عز شأنه. فكيف يقال إنه كان واسطة بين الرب والبدو؟ لقد كانت رسالة الإسلام فى جوهرها ثورة على الوساطة بين الله وعباده. وكان المشركون يقولون إنهم يعبدون الأوثان ليقربوهم إلى الله زلفى، فأتى الإسلام ليهدم هذه الوساطة وليفتح الطريق والأبواب بين العباد وبين ربهم. وليس فى الإسلام ما فى بعض الأديان الأخرى من وجوب قيام الكاهن بقيادة الصلاة وتقديم القرابين وطقوس التعميد والزواج والموت، إذ المسلم لا يحتاج فى صلاته ولا قرابينه ولا اعتناقه الإسلام أو زواجه أو موته إلى كاهن، بل يستطيع أن يقوم أى مسلم بهذا كله. ولقد حَدَث أنْ صَلَّى أبو بكر بالمسلمين فى حياة النبى وفى مسجده صلى الله عليه وسلم إماما، ثم جاء النبى وائتم به رغم أن أبا بكر، مع فضله وعظمة نفسه وسمو خلقه، ليس إلا واحدا من أتباعه عليه السلام.

إن أمر العبادة وسائر الشعائر فى الإسلام لهو من البساطة والسلاسة بمكان. بل ليس شرطا أن يصلى المسلم بالضرورة فى مسجد كى تُتَقَبَّل صلاته، إذ الأرض كلها مسجد، وتربتها طَهُور له بنص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أن استغفار المسلم ربه من أخطائه لا يستلزم تدخل الكاهن، بل يكفى شعوره بالندم وابتهاله لربه أن يغفر له. بل إن الله سبحانه لينادى الخطاة كل ليلة بنفسه مباشرة أن يبادروا بالغفران والتوبه حتى يتوب عليهم ويغفر لهم ما بدر منهم من ذنوب وآثام. وفى الذنب الذى ارتكبه أبوانا الأولان لم يستغرق الأمر أكثر من أن يرفعا أكفهما إلى ربهما ويطلبا غفرانه ورحمته. وليس هناك ما يدعو لنزول الله إلى الأرض ليقوم بنفسه بفداء البشر من خطيئتهم فيُقْتَل ويُصْلَب. فكيف يقلب هذا الجهول الحقائق على هذا النحو السافر الغشوم؟

ثم هل قيم الإسلام قيم بدوية؟ إن الإسلام دعوة إلى تشغيل العقل فى كل شىء، ودعوة إلى تقديس العمل والإنتاج، ودعوة إلى السعى وراء العلم واكتسابه من المهد إلى اللحد، ودعوة إلى القراءة، ودعوة إلى اللياقة والذوق الراقى البديع. فهل الحضارة سوى هذا؟ وأخيرا وليس آخرا كيف يتسق ما يقوله الجهول من أن البدو هم الذين اخترعوا فكرة الله مع ما يقوله أيضا من أنهم قد فعلوا ذلك كى يكون الوصول إليه مستحيلا؟ لو كان الأمر كذلك ما اخترعوه أصلا من العدم حتى لا يكون هناك إله، ومن ثم لا يكون هناك أى أمل فى الوصول إليه لأن ما لا يوجد لا يمكن الوصول إليه. وهو ما يذكرنى بالمثل القائل: أذنك من أين يا جحا؟

ولقد بلغ من تقدم قيم الإسلام المذهل فى مجال العلم مثلا أن البروفسير إ. ستيفن فى كتابه: "Muhammad and Learning" يبدى انبهاره وانشداهه بمكانة العلم فى الإسلام مؤكدا أن دين محمد قد تفوق على الحضارة الحديثة فى موقفها من العلم، إذ أقصى ما بلغته هذه الحضارة أَنْ جعلت التعلم حقا لكل إنسان، لكن محمدا قد جعله فرضا واجبا، وهو ما يعنى أن المسلم لا يمكنه أن يتهاون فى هذا الأمر، وإلا باء بغضب الله، بينما الإنسان فى العصر الحديث يمكنه بكل بساطة أن يهمل التعلم لأنه حق له، وليس على الإنسان أدنى حرج أو مؤاخذة إذا ما قرر التنازل عن حقه ولم يبال بالحصول عليه. كما استغرب البروفيسير المذكور أن يقول محمد ذلك فى الوقت الذى كانت الكنيسة فيه تحرم على أتباعها قراءة الكتاب المقدس ذاته. ويضاف إلى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قد جعل العلماء ورثة الأنبياء، ووضع العالم فى مكانة أعلى كثيرا جدا من مكانة العابد، وأخبرنا أن الحيتان فى البحار تستغفر لطالب العلم، كما أمر سبحانه وتعالى نبيه بالدعاء له أن يزيده علما. وهو ما لم يأمره بالاستزادة من شىء غيره. كما أقسم سبحانه بالقلم والكتابة، ودعا إلى القراءة وأمر بأن يَنْفِر من كل فرقة من المسلمين أثناء الحرب طائفة للتفقه فى الدين والعلم. ويطالب القرآن خصومه بالبرهان واستعمال العقل والتفكير.

ثم إن هؤلاء البدو الذين يتأفف منهم القمنى سرعان ما صاروا سادة الدنيا ثقافة وعلما وسياسة واقتصادا، وأضحَوْا كعبة القُصّاد وقِبْلة مريدى التحضر، فى الوقت الذى كانت أوربا فيه تغرق فى بحار الأمية والوحشية والتخلف: حكاما ومحكومين حتى إنه لم يكن فى القارة العجوز مكان تشع منه أنوار الثقافة والحضارة سوى بلاد الأندلس، التى كان يحكمها المسلمون. والحق أنى لا أتذكر أنى قرأت فى تاريخ الدول الإسلامية أثناء تربعها على عرش الحضارة والعلم عن وجود رجل أمى. لا أقول بالضرورة إنه لم يكن يوجد أميون قط بين المسلمين بل أقول إنى لا أستطيع أن أتذكر أنى قرأت خبرا يدل على أنه كانت هناك مشكلةُ أميةٍ كالتى نعانى منها الآن ونشكو مر الشكوى. الواقع أن أروبا فى ذلك الوقت كانت فى حال أسوأ من حال البداوة.

ويدلنا على المدى الشاسع الذى بلغه انتشار العلم والمعارف ببلاد المسلمين أن أحد الباحثين الهنود المسلمين المعاصرين، وهو د. أكرم ندوى الأستاذ بـ"مركز أكسفورد للدراسات العربية والإسلامية"، بدا له منذ سنوات أن يسجل أسماء النساء المسلمات اللاتى اشتغلن بعلم الحديث ظانا أن الأمر لن يستغرق أكثر من كراسة صغيرة، فإذا به ينفق فى هذا العمل سنوات، وتملأ أسماء السيدات المحدثات وحدهن أربعين مجلدا كبيرا. وهذا مذكور بالتفصيل الكبير فى فصل كامل من كتاب "If the Ocean Werw Ink" (ترجمة لقوله تعالى: "لوكان البحر مدادا") للصحفية الأمريكية الشهيرة كارلا باور اليهودية الأم الكويكرية الأب، التى سجلت إعجابها الشديد به رغم أنها لا تكن للإسلام، فيما شعرت وتنبهت، مودة كبيرة على عكس ما يظن من سمع باسم كتابها من المسلمين. بيد أن القمنى يهرف بما لا يعرف.

وما دمنا فى سياق الحديث عن ندوة فى بريطانيا فإلى ذلك الجاهل الحكاية التالية عن أحد ملوك بريطانيا حتى يعرف أن ما يقوله هو كلامٌ متخلفٌ، إذ بعث جورج الثاني ملك إنجلترا والنرويج والسويد برسالة إلى هشام الثالث في الأندلس جاء فيها: "إلى صاحب العظمة خليفة المسلمين هشام الثالث الجليل المقام من جورج الثاني ملك إنجلترا والنرويج والسويد. بعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الضافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل لتكون بداية حسنة لاقتفاء أثركم لنشر العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة. وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة دوبانت على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنجليز لتتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف، وتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وفي حماية الحاشية الكريمة. وقد أرفقتُ الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص. من خادمكم المطيع جورج الثاني".

وهذه حكاية أخرى عن ملك إنجليزى آخر ليقرأها ذلك الذى يستصرخ المستعمرين ليأتوا ويحتلوا بلادنا مرة أخرى، فحق عليه ما يحق على أى مقترف لجريمة الخيانة العظمى، فلعلها تفيده فهما، وإن كنت يائسا من ذلك. ففي عام 1213م أرسل جون لاكلاند ملك إنجلترا وفدا سريا مكونا من ثلاثة أشخاص إلى محمد الناصر حاكم المغرب وإفريقيا وإسبانيا جاء فيها أنه يسره أن يضع بريطانيا أمانة بين يديه ويتخلى عن الاعتقاد بالديانة المسيحية ويتمسك ويلتزم بكل إخلاص بدين وعقيدة محمد. ولكن محمدا الناصر، حسبما تقول الروايات، رفض هذا العرض لأنه لم ير ملك إنجلترا ممن يستحقون التحالف معهم.

ثم ها هى ذى حكاية ثالثة ترينا أسلوب تفكير هذا الجهول. وهى مستخلصة من كتاب "عصر أوفا ملك إنجلترا الأنجلو ساكسوني" للدكتور مصطفي حسن محمد الكناني أستاذ التاريخ الوسيط بجامعة أسيوط. فقد تولي الملك أوفا شؤون الحكم في مملكة مرسيا، فحقق حلم وحدة الأنجلوساكسون، وتلقب بـ"ملك كل بلاد الإنجليز"، ودخل في معاهدات مع شارلمان ملك فرنسا والبابا أدريان الأول. والأثر الباقي من عصره سور أوفا العظيم ذو الخندق الكبير علي حدود مملكته مع ويلز البريطانية، ويبلغ طوله مائتين وواحدا وأربعين كيلومتر تقريبا، وهو أعظم عمل إنشائي أقيم علي سطح الأرض في أوروبا علي امتداد تاريخها القديم والوسيط. ويعد باعث النهضة الإنجليزية وصاحب الدور الأوحد في النهوض بالتعليم والثقافة والجيش وإصلاح النظم التشريعية والمالية والاقتصادية، كما اهتم بالتجارة الخارجية وتنشيطها بعقد الاتفاقيات التجارية مع الفرنسيين والخلافة العباسية. ولهذا السبب كان يتمتع بمكانة عظيمة وحب كبير. ورغم هذا كله فإن أغلب المؤرخين المهتمين بدراسة تاريخ إنجلترا الأنجلوساكسونية قد مروا علي عصر الملك أوفا مرور الكرام بينما أهمل فريق آخر الإشارة إليه تماما. وأخطر من ذلك أن جميع وثائق عصره، دون وثائق غيره من الملوك الإنجليز، قد اختفت. وكانت ثالثة الأثافي أن المصادر المعاصرة له لم تشر إلي نهايته. وقد أكدت الوثائق أن البابا أدريان بابا روما 772– 795م، الذي عزز النفوذ البابوي في الغرب عن طريق التحالف مع شارلمان ملك فرنسا، أرسل بعثة عاجلة إلي إنجلترا عام 786م وضع علي رأسها أسقف أوستيا المشهور بتجاربه العديدة في مجال التبشير بالمسيحية، ومعه مجموعة من القساوسة ذوي التاريخ الطويل في العمل الكنسي والتبشيري. وفي نفس الوقت أغرى البابا أيثلبرت ملك إيست، الذي جرده أوفا من أغلب اختصاصات الملك، بمواجهة أوفا، فكان النصر لأوفا وقتل أيثلبرت بعد أسره. ومن المفارقات العجيبة أن البابا أصدر قرارا باعتبار أيثلبرت قديسا شهيدا لا متمردا، وأمرت الكنيسة بحفظ جسده في كاتدرائية هيرفورد، التي أقيمت تخليدا لذكراه، وخلافا لما اعتادت عليه فإن المصادر الكنسية المتخصصة في تاريخ القديسين والشهداء لم تشر إلي حيثيات القدسية التي أسبغها البابا علي أيثلبرت من قريب أو من بعيد.

لقد كانت تصرفات البابا منطلقة من نظرته العدائية للملك أوفا، إذ كان يعده عدو الكنيسة الرومانية اللدود، ويري أنه قام بأعمال أدت إلي تقويض دعائم الإيمان، وهددت سلطان الكنيسة الرومانية وهددت بإخراجها من انجلترا. وما كان هذا الخطر سوي ما تردد عن إسلام الملك أوفا سرا واتصاله بالخلفاء العباسيين في تلك الفترة. وبلغ الأمر ذروته حينما استبدل بالدينار الذي صكه في أول أيام ملكه والذي كان نقشه الصليب من جهة وصورة الملك من جهة أخرى دينارا آخر هو الدينار الذي كان نقشه من عبارات التوحيد الخالص. وهذا الدينار من أهم العملات في تاريخ أوروبا الوسيط، فبرغم الأخطاء الكثيرة التي تثبت جهل ضارب الدينار باللغة العربية نقرأ في أحد وجهي القطعة عبارة "لا اله إلا الله وحده لا شريك له. محمد رسول الله" بالعربية. ثم أضاف فى إطار هذا الوجه عبارة "أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله". أما في وسط الوجه الثاني فنجد كتابة عربية أخرى هي "محمد رسول الله". وفي وسط هذه الجملة وضع اسمه بالحروف اللاتينية. أما في حافة هذا الوجه فقد كتب باللغة العربية: "بسم الله. ضُرِب هذا الدينار سنة سبع وخمسين ومائة"، وهى توافق عام 774م. ولا تزال صورة هذا الدينار في المتحف البريطاني تحكي حقد الكافرين علي دين الله والكيد لكل من اتبع هدي المرسلين. لقد قامت الكنيسة الإنجليزية بالقضاء على كل الوثائق العائدة لهذا الملك بسبب اعتناقه الإسلام (كما يرجح الكاتب ومعه جمع من المؤرخين). فأسقطت بذلك عمدا فترة من تاريخ هذه الأمة.

وقد مات الملك أوفا عام 796م في بلدة أوفلي. ولم يدفن، كالعادة المتبعة، مع أقرانه من الملوك في كنيسة العاصمة أو كاتدرائيتها بل في مصلي صغير خارج تلك البلدة بمبني مجهول علي حافة نهر الأوسك، الذى اشتهر بفيضاناته المدمرة. وقد تم دفنه بهذه الصورة المشبوهة علي أمل أن يدمر الفيضان المصلَّي بمن فيه، وهو ما تحقق فعلا. فالمقبرة قد أصابها التصدع حتى انهارت مع المبني وغارت في أعماق النهر بفعل الفيضانات المدمرة علي مر السنين. ومضت سنوات بعد ذلك حتى كان عصر الملك جون، الذي حكم بين عامي 1199 و1216م، فحاول البحث عن مقبرة الملك أوفا لدفنه في المكان اللائق به وإحياء ذكراه. وقد بعث هذا الملك إلي الخليفة الموحدي محمد الناصر لدين الله برسالة يعلن فيها استعداده لاعتناق الإسلام والدخول في زمرة الموحدين وإدخال انجلترا تحت راية التوحيد. ولهذا اتهمته البابوية بالكفر وعدته من الهراطقة الخارجين عن الإيمان وسعت لعزله وإصدار قرارات الحرمان ضده

أما عن علاقة المسلمين بغير المسلمين فقد قال القمنى: "داخل الوحش عقل يرفض فكرة المواطنة والانتماء والتراب والطين ويبخسه ويكره العمل المنتج". كما زعم أن المسلم مكلف تكليفا ربانيا بكراهية غير المسلم، وأن الإسلام نسخ كل آيات السلم، مستشهدا بقول الله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب"، كما زعم أن قتل غير المسلم عند المسلمين أهم من فريضة الصلاة.

وتعليقا على هذا الهراء نقول: كيف يقال إن الإسلام يكره فكرة المواطنة ويدعو إلى كراهية غير المسلمين داخل المجتمع وإنه يحض على القتل والقتال ويرفض السلم، وقد كان أول عمل عمله الرسول غداة هجرته إلى المدينة كتابة الصحيفة، التى سوى فيها بين طوائف سكانها من مسلمين ويهود ووثنيين وأرسى قواعد التعاون بينهم؟ ولقد ظل المسلمون يحترمون تلك الصحيفة وبنودها إلى أن تكررت الخيانات من جانب اليهود، فكان ما كان من إجلاء بنى النضير وبنى قينقاع والاكتفاء بذلك حتى وقعت الخيانة العظمى القاتلة من بنى قريظة، إذ خططوا للقضاء على النبى والإسلام والدولة الناشئة قضاء مبرما واشتركوا مع الأحزاب فى التآمر الشيطانى من أجل تحقيق هذا الغرض لولا لطف الله بالمسلمين وتقييضه لهم نعيم بن مسعود الغطفانى، الذى أسلم فى ذلك الوقت الحرج العصيب سرا، وقام بالإيقاع بين المكيين والقرظيين ففكك عرى المؤامرة الخسيسة الإبليسية، وأفشل خطط يهود وجعلهم يلزمون حصونهم بعد أن شككهم فى نيات القرشيين الذين كانوا يحاصرون المدينة ويعملون بالتعاون معهم على تدمير الدولة الجديدة تدميرا نهائيا. ألم يقل الرسول عليه السلام: "من ظلم معاهَدًا أو انتقصه أو كلَّفه شيئا فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة"؟ ألم يقف القرآن مع اليهود الذين اتُّهِموا ظلما بالسرقة ونزلت الآيات فى الدفاع عنهم وفضح متهِميهم من المنتسبين للإسلام وتنبيه الرسول إلى ما كاد يقع فيه من خطإ جراء المؤامرة المحبوكة من قِبَل اللصوص الحقيقيين؟ قال تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * ولا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا".

لقد أُنْزِلَتْ تلك الآيات في شأن طُعْمَة بن أُبَيْرِق، الذى سرق درعا واتهم به أحد اليهود، وهَمّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بتبرئته ظنا منه أنه ليس اللص بناء على شهادة من حوله. لكن القرآن نزل ففضح طعمة بن أبيرق، ووعظ النبى صلى الله عليه وسلم وحذّره أن يكون مدافعا عن الخائنين. وتحكى الروايات أن طعمة رجل من الأنصار، فسرق درعا لعمه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهوديّ كان يغشاهم اسمه: زيد بن السمين. فجاء اليهودي إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يهتف، فلما رأى ذلك قوم طعمة جاؤوا هم أيضا إلى النبى ليعذروا صاحبهم. وكان نبيّ الله عليه الصلاة والسلام قد همّ بعُذْره انخداعا بهم وبحلفهم على براءة طعمة، حتى أنزل الله في شأنه تلك الآيات الكاشفة الحاسمة.

وذات مرة وُجِدَتْ جثة أحد المسلمين عند أسوار خيبر، وقام فى نفس أخيه أن اليهود هم الذين قتلوه، وقصد النبى وأطلعه على ما يعترى قلبه من شكوك، منتظرا منه أن يعاقبهم على تلك الجريمة. لكن كان للرسول عليه السلام موقف آخر رغم العداوات التى كانت بينه وبين اليهود ورغم المؤامرات التى لم تكن تنقطع من قِبَلِهم تجاهه، فأصدر حكما مختلفا عما توقعه المسلم لم يدن فيه الخيبريين ما دام لم يحضر شاهدين بأنهم هم قتلته. جاء فى الحديث الشريف "أنَّ ابنَ مُحَيِّصَةَ أصبَح قتيلا على أبوابِ خيبر، فغَدا أخوه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، رأيتُ أخي أصبَح قتيلا على أبوابِ خيبر. فقال: شاهِداكَ على مَنْ قتَله، ويُدْفَعُ إليكَ برُمَّتِه. قال: كيف لي بشاهدَينِ، وإنما أصبَح قتيلا على أبوابِهم؟ قال: فتُحَلِّفُ خمسينَ قَسامةً. قال: كيف نَسْتَحلِفُهم، وهم يهود؟ قال: فقضى رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بديتِه، وأعانَهم بنِصْفِه".

ثم ألم يقف الرسول احتراما لجنازة يهودى مرت به وهو جالس، مما أثار استغراب الصحابة الذى كانوا معه فى ذلك الوقت، فكان تعقيبه الذى حفظه التاريخ عن جنازة اليهودى: "أليستْ نَفْسًا"؟ ففى "صحيح البخارى": "كان سهلُ بنُ حنيفٍ وقيسُ بنُ سعدٍ قاعدينَ بالقادسيَّةِ، فمَرُّوا عليهما بجنازةٍ، فقاما، فقيلَ لهما: إنَّهما من أهلِ الأرضِ. أي من أهلِ الذِّمَّةِ. فقالا: إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ مرَّتْ بهِ جنازةٌ، فقام، فقيلَ لهُ: إنَّها جنازةُ يهوديٍّ. فقال: أليسَتْ نفسًا؟" .

وهناك الرواية التالية أيضا، وهى ترينا كيف كان النبى عليه السلام يعامل اليهود الذين لم يقترفوا خيانة ولا انتهجوا غدرا. وصاحب الرواية هو عبد الله بن سلام، الذى كان حبرا من أحبار اليهود وأسلم: "إنَّ الله تبارَك وتعالى لما أراد هُدَى زيدِ بنِ سَعْنةَ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: إنَّه لم يبقَ مِن علاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلا وقد عرَفْتُه في وجهِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلا اثنين لم أخبُرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه، ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلا حِلْمًا. فكُنْتُ أتلطَّفُ له لأنْ أُخالِطَه فأعرِفَ حِلْمَه وجهلَه. قال: فخرَج رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الحُجُراتِ، ومعه عليُّ بنُ أبي طالبٍ، فأتاه رجلٌ على راحلتِه كالبدويِّ فقال: يا رسولَ اللهِ، قريةُ بني فلانٍ قد أسلَموا ودخَلوا في الإسلامِ كُنْتُ أخبرتهم أنَّهم إنْ أسلَموا أتاهم الرِّزقُ رغدًا، وقد أصابهم شدَّةٌ وقحطٌ مِن الغيثِ. وأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أنْ يخرُجوا مِن الإسلامِ طمَعًا كما دخَلوا فيه طمَعًا. فإنْ رأَيْتَ أنْ تُرسِلَ إليهم مَن يُغيثُهم به فعَلْتَ. قال: فنظَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رجلٍ إلى جانبِه أراه عمرَ فقال: ما بقي منه شيءٌ يا رسولَ اللهِ. قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فدنَوْتُ إليه فقُلْتُ له: يا محمَّدُ، هل لك أنْ تبيعَني تمرًا معلومًا مِن حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا؟ فقال: لا يا يهوديُّ، ولكنْ أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا أُسمِّي حائطَ بني فلانٍ. قُلْتُ: نَعَمْ. فبايَعَني صلَّى الله عليه وسلَّم فأطلَقْتُ هِمْياني فأعطَيْتُه ثمانينَ مثقالا مِن ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا. قال: فأعطاها الرَّجلَ وقال: اعجَلْ عليهم وأغِثْهم بها. قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فلمَّا كان قبْلَ محلِّ الأجلِ بيومينِ أو ثلاثةٍ خرَج رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في جِنازةِ رجلٍ مِن الأنصارِ، ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ونفرٌ مِن أصحابِه. فلمَّا صلَّى على الجِنازةِ دنا مِن جدارٍ فجلَس إليه، فأخَذْتُ بمجامعِ قميصِه ونظَرْتُ إليه بوجهٍ غليظٍ ثمَّ قُلْتُ: ألا تقضيني يا محمَّدُ حقِّي؟ فواللهِ ما عَلِمْتُكم، بني عبدِ المطَّلبِ، لَمُطْل. ولقد كان لي بمُخالَطتِكم عِلمٌ. قال: ونظَرْتُ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ وعيناه تدورانِ في وجهِه كالفلَكِ المستديرِ، ثمَّ رماني ببصرِه وقال: أيْ عدوَّ اللهِ، أتقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أسمَعُ وتفعَلُ به ما أرى؟ فوالَّذي بعَثه بالحقِّ لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَه لضرَبْتُ بسيفي هذا عنقَك. ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينظُرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤدةٍ، ثمَّ قال: إنَّا كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منك يا عمرُ: أَنْ تأمُرَني بحُسْنِ الأداءِ، وتأمُرَه بحُسْنِ التِّباعةِ. اذهَبْ به يا عمرُ فاقضِه حقَّه وزِدْه عشرينَ صاعًا مكانَ ما رُعْتَه. قال زيدٌ: فذهَب بي عمرُ فقضاني حقِّي وزادني عشرينَ صاعًا مِن تمرٍ، فقُلْتُ: ما هذه الزِّيادةُ؟ قال: أمَرني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ أزيدَك مكانَ ما رُعْتُك. فقُلْتُ: أتعرِفُني يا عمرُ؟ قال: لا، فمَن أنتَ؟ قُلْتُ: أنا زيدُ بنُ سَعْنةَ قال: الحَبْرُ؟ قُلْتُ: نَعم، الحبرُ. قال: فما دعاك أنْ تقولَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قُلْتَ وتفعَلَ به ما فعَلْتَ؟ فقُلْتُ: يا عمرُ، كلُّ علاماتِ النُّبوَّةِ قد عرَفْتُها في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلا اثنتينِ لم أختبِرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه، ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلا حِلْمًا. فقد اختبَرْتُهما، فأُشهِدُك يا عمرُ أنِّي قد رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نبيًّا، وأُشهِدُك أنَّ شَطْرَ مالي، فإنِّي أكثرُها مالا، صدقةٌ على أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فقال عمرُ: أو على بعضِهم، فإنَّك لا تسَعُهم كلَّهم. قُلْتُ: أو على بعضِهم. فرجَع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال زيدٌ: أشهَدُ ألا إلهَ إلا الله وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم".

ثم لو كان الإسلام يدعو إلى كراهية الآخرين دون أن يستوجبوا الكراهية فلم يا ترى حرص الإسلام على تكرير القول بأن الله فضل بنى إسرائيل على العالمين؟ ولا يقل أحد إن الرسول كان يطمع فى أن يؤمنوا به، فلذلك تملقهم بهذا الكلام، إذ كان القرآن قد قال من قبل فى خيانتهم وعبثهم بكتابهم المقدس وتمردهم وعصيانهم لأنبيائهم ما قال مما لا يجهله أى قارئ للقرآن. كذلك هناك أمر آخر من أعجب الأمور. فرغم كل الحملات القرآنية على اليهود لم ينكر الإسلام يوما معجزات موسى وغيره من أنبياء بنى إسرائيل، الذين يمثلون العزة والكرامة اليهودية. ويزيد الأمر عجبا أن القرآن، منذ الفترة المكية ذاتها، كان كلما سأل المشركون محمدا عليه السلام أن يأتيهم بآية أجابهم بأن الآيات ليست فى يده بل هى من عند الله، وأن زمنها قد ولى لأنه قد ثبت أن الكفار لا يؤمنون من خلالها بل يزدادون عتوا وتصلب مخ. فلم يا ترى لم يغلق الرسول ذلك الباب من أساسه منذ البداية ويعلن أنه لم تكن هناك يوما معجزات وأن ما قيل فى كتب القوم عنها هو كذب وتدليس؟ وعلى من يجادل فى ذلك إثبات أنه كانت هناك معجزات فيما سبق. وبطبيعة الحال لا يمكن إثبات ذلك عمليا أبدا.

أما ما قاله القمنى عن كراهية الإسلام للسلم فها هى ذى آيات القرآن وأحاديث الرسول فى ذلك المجال. قال تعالى: "وقَاتِلُوا فى سبيلِ اللهِ الذين يقاتِلونكم، ولا تعتدوا. إن الله لا يحب المعتدين"، "وإن جَنَحُوا للسَّلْم فَاجْنَحْ لها وتَوَكَّلْ عَلَى الله. إنه هو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، "وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأَجِرْه حتى يسمع كلام الله ثم أَبْلِغْه مأمنَه"، "إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثم لم يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ. إن الله يُحِبُّ الْمُتَّقِين"، "إلا الذين عاهدْتم عند المسجدِ الحرامِ: فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم"، "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ. وَلَإِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ. وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ".

ويقول صلى الله عليه وسلم: "لاتتمنَّوْا لقاء العدوّ. ولكن إذا لقِيتموهم فاثبتوا". وفى عام الحديبية انتهج الرسول بكل قواه سبيل السلام والتضحية من أجله والرضا بشروط قريش المجحفة حتى لقد نشز عليه أنصاره بعض الوقت، وقال عمر: كيف نُعْطَى الدنيّةَ فى ديننا؟ وكان تعليقه أنه على استعداد لتنويل قريش ما يريدون من شروط ما دامت نتيجتها تعظيم حرمات البيت العتيق.

جاء فى "سنن أبى داود": "خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه. فلما أتى ذا الحُلَيْفة قَلَّد الهَدْيَ وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة هو يسر بن سفيان. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش (أخلاط القبائل التي حول مكة)، وهم مقاتِلوك وصادّوك عن البيت ومانِعوك... وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنيّة التي يُهْبَط عليهم منها بَرَكَتْ به راحِلته، فقال الناس: حل حل! خلأت القصواء (مرتين). فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأتْ، وما ذلك لها بخُلُقٍ. ولكنْ حَبَسَها حابسُ الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظّمون بها حُرُمَات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها، فوثبتْ، فعَدَل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليل الماء. فجاءه بُدَيْل بن ورقاء الخزاعي، ثم أتاه عروة بن مسعود فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم. فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فضرب يده بنَعْل السيف وقال: أَخِّرْ يدك عن لحيته. فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أَيْ غُدَر، أولستُ أسعى في غَدْرَتك؟ وكان المغيرة صَحِب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غَدْر لا حاجة لنا فيه. فذكر الحديث: لما كاتب رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة، وأبى سهيل أن يقاضي رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا، فتكلموا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب "هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللهِ". وقص الخبر (وخلاصته أن سهيلا رفض كتابة عبارة "رسول الله" وأصر على ذكر اسم "محمد" فقط من غير الإشارة إلى رسالته، وهو ما وافق عليه النبى عليه السلام توخيا للسلام وتجنبا للخصومة والجدال)، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددتَه إلينا (وهو ما وافق النبى عليه حرصا على السلام وابتعادا عن أسباب الخصام والخلاف، مما أحزن الصحابة حزنا شديدا). فلما فرغ من قضية الكتاب قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا (وهنا لم يستجب الصحابة على الفور بل أخذ الأمر وقتا بسبب حزنهم وظنهم أنهم قد غُبِنوا فى هذا الصلح). فردَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أحدٌ من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلما. ثم جاء نسوة مؤمنات مهاجرات، فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل: "يا أيها النبي، إذا جاءك المؤمنات... الآية"، فنهاهم الله أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصَّدَاق. ثم رجع إلى المدينة، فجاءه أبو بَصِير، رجل من قريش، فأرسلوا في طلبه، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذ بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا. فاستلَّه الآخر فقال: أجل. قد جربتُ به. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد رأى هذا ذعرا. فقال: قد قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: قد أوفى الله ذمتك، فقد رددتني إليهم، ثم نجاني الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مِسْعَر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيف البحر. وينفلت أبو جندل فلحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة...".

ولهذا الحديث صلة بالآية الخامسة من سورة "التوبة"، التى يلوّح بها كثير من المستشرقين والمبشرين فى وجوه المسلمين زاعمين أن الإسلام دين قتل وعدوان وإرهاب. وهذه هى: "فإذا انسلخ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقتُلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لهم كلَّ مَرْصَدٍ...". ذلك أنه "لما وادعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ أهلَ مكةَ (فى صلح الحديبية)، وكانت خزاعةُ في صلحِه، وبنو بكرٍ في صلحِ قريشٍ، فكان بينهم قتالٌ، فأمدَّتْهم قريشٌ بسلاحٍ وطعامٍ، فظهروا على خزاعةَ وقتلوا منهم... وجاء وفدُ خزاعةَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فدعاهُ إلى النصرِ"، فـ"بعث رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى قريشٍ: أما بعدُ، فإنكُم إن تَبَرَّأُوا من حلفِ بني بكرِ أو تَدُوا خُزَاعَة ، وإلا أُوذِنْكُم بحربٍ. فقال قَرَظَةُ بن عبد عمرُو بن نوفلِ بن عبد منافٍ صهرُ معاوية: إنّ بني بكرٍ قومٌ مشائيم، فلا نَدِي ما قتلوا ألا يبقَى لنا سَبَدٌ ولا لَبَدٌ، ولا نبرَأ من حِلْفهِم، فلم يبقَ على ديننا أحدٌ غيرهُم. ولَكِنّا نُؤْذِنهُ بحربٍ".

وفى تفسير الطبرى للآيات الأولى من سورة "التوبة" نراه يشير إلى ما وقع من المشركين من غدر وخيانة للمعاهدات التى كانت بينهم وبين المسلمين، إذ يقول: "وأَوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين وأَذِنَ لهم بالسياحة فيه بقوله: "فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ" إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه فإن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: "إلا الذين عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَدًا فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ. إنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ ". فإن ظنّ ظانّ أن قول الله تعالى ذكره: "فإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم " يدلّ على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبئ عن أن الفرض على المؤمنين كان، بعد انقضاء الأشهر الحرم، قتل كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تنبىء عن صحة ما قلنا وفساد ما ظنه مَنْ ظَنّ أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك: كان له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يكن له منه عهد، وذلك قوله: "كَيْفَ يَكُونُ للْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ. إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ". فهؤلاء مشركون، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم وتَرْك مظاهرة عدوّهم عليهم".

ويقول رشيد رضا فى تفسير تلك الآية: "قد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة لا عن ضعف وذلة، ولكنْ حُبًّا للسلم ونَشْر دينه بالإقناع والحجة. ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش. ثم عدا هؤلاء على أولئك، وأعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم وفَتْحِه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذلَّ أهله. ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم في حالي قوتهم وضعفهم أنهم لا عهود لهم ولا يُؤْمَن نَقْضُهم وانتقاضهم كما يأتي قريبا في قوله تعالى من هذه السورة: "كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ؟" (التوبة/ 7) إلى قوله في آخر آية: " فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ" (التوبة/ 12)، أي لا عهود لهم يَرْعَوْنَها ويَفُون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعيّة فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يُدَان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه. كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء، وهم أهل الكتاب؟ هذا هو الأصل الشرعي الذي بُنِيَ عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها"

ومرة أخرى هذه هى الآية الخامسة من سورة "التوبة"، التى يتخذها أعداء الإسلام دليلا على أن الإسلام دين القتل والإرهاب وإكراه الناس بالسيف على اعتناقه: "فإذا انسلخ الأشهُرُ الـحُرُمُ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كُلَّ مَرْصَد". والمتأمل فيها وفى ألفاظها وأسباب نزولها وسياقها من الآيات التى حولها ومن القرآن كله سوف يتحقق أن ما يقوله أعداء ديننا ليس إلا أباطيل وتدليسات متهافتة. كيف؟ أولا المشركون فى الآية ليسوا كل المشركين بإطلاق بل طائفة منهم فحسب، إذ إن "أل" فى الكلمة هى للعهد وليست للجنس ولا للماهية. أى أن المشركين المأمور بقتلهم هم مشركون معينون لا يستغرقون المشركين كلهم جميعا. فأى طائفة من المشركين إذن هؤلاء؟ إنهم هم المشركون الذين كانت بينهم وبين المسلمين معاهدة فلم يحترموها وغدروا بهم واعتدَوْا عليهم وقتلوا فريقا منهم خيانةً وغِيلَةً. والدليل على ذلك قوله تعالى عقب هذا: "كيف يكون للمشركين عهدٌ عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام؟ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم. إن الله يحب المتقين * كيف وإن يَظْهَروا عليكم لا يَرْقُبوا فيكم إِلاًّ ولا ذمةً؟ يُرْضُونكم بأفواههم، وتَأْبَى قلوبُهم، وأكثرُهم فاسقون * اشْتَرَوْا بآيات الله ثمنًا قليلا فصَدُّوا عن سبيله. إنهم ساءَ ما كانوا يعملون". فالمشركون الذين أمر القرآن المسلمين بقتلهم إنما هم المشركون الخائنون الغادرون الذين أخذوا فريقا من حلفاء المسلمين غيلة فقتلوهم رغم ما كان بين الطائفتين من اتفاقيات مغلظة. لقد كان الأمر أمر علاقة بين دولتين لا أمر أشخاص من هنا وأشخاص من هناك. ولا يصلح أن تترك الدول حقها وكرامتها فى هذه الظروف دون أن تعاقب الغادرين الخائنين، وإلا انتقض أمرها وطمع فيها كل من هب ودب. ومع هذا فلم يحدث فى الواقع أنْ وضع المسلمون هذا الأمر موضع التنفيذ، إذ قد آتى ثمرته بمجرد إعلانه على الملإ، فكف المشركون شرهم عن المسلمين وأخذوا يدخلون فى الإسلام تباعا. ليس ذلك فقط، بل إن القرآن قد أعطى المشركين المعتدين فترةَ سماحٍ أربعةَ أشهرٍ قبل أن تدخل الآية حيز التطبيق يستطيع فيها كل مشرك أن يسيح فى البلاد خلالها دون أن يتعرض له المسلمون بأى أذى. بل إن أى مشرك لو استجار بالمسلمين حينئذ لوجب على المسلمين أن يجيروه إلى أن يسمع كلام الله ثم يبلغوه مأمنه فى طمأنينة وسلام دون أن يُرَوِّعوه مجرد ترويع، فضلا عن أن يُنْزِلوا به أى ضرر.

على أنْ ليس هذا كل شىء، إذ القرآن يوجب على المسلم أن يعامِل، بمنتهى البر والإقساط، غير المسلم ما دام لم يقاتله فى الدين ولم يعتد عليه أو يخرجه ظلما من وطنه. ثم إن الإسلام يحرّم على المسلمين الاعتداء على أىّ أحد لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين، اللهم إلا إذا بُدِئوا بالعدوان الغشوم، فعندئذ من حقهم رد العدوان بمثله. وهذا مما لا يمكن أن يشاحّ فيه عاقل منصف.

فهذا هو تفسير الآية الخامسة من سورة "التوبة"، التى جعل أعداء الإسلام هِجِّيراهم التشنيعَ بها على الإسلام واتهامَه تدليسًا وافتراءً بأنه دين عدوان وإكراه. وهو تفسير يرتكز، كما رأينا، على التحليل اللغوى والسياق القرآنى والمناسبة التاريخية التى ظهر فيها النص. ولولا هذا التحليل والتفسير لَظَنَّ مَنْ لا عِلْم لهم أن ما يردده أعداء الإسلام فى هذا المضمار جَرَّاءَ امتلاخِ الآية من سياقها هو كلام صحيح.

وفى ضوء هذا التحليل ينبغى أن نقرأ صدر سورة "التوبة" بآياته الخمس عشرة كلها لا الآية الخامسة وحدها بعيدا عن سياقها. يقول تعالى: "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ".

وأما قوله تعالى فى ذات السورة: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"، وهى الآية التى يطنطن بها القمنى وأمثاله اتباعا لما يقوله المبشرون والمستشرقون، فهى خاصة بالروم حين فكروا أن يغزوا بلاد العرب رغبة منهم فى الإطاحة بالرسول ودولته. ومن هنا كان قراره صلى الله عليه وسلم بالتوجه شمالا لاستطلاع طِلْع الروم. لكنه عليه السلام لم يعثر للروم على أثر فعاد أدراجه ولم تقم الحرب، وعقد عليه السلام بينه وبين بعض القبائل ورؤسائها هناك اتفاقات صلح. أى أنه قد ترتب على تلك الغزوة الصلح لا الحرب.

تقول "الموسوعة العربية العالمية" فى مادة "غزوة تبوك": "غزوة تبوك دارت وقائعها في رمضان من العام التاسع الهجري بين المسلمين بقيادة الرسول محمد والروم بالشام. ذُكِر من أسبابها أن هرقل ملك الروم جمع جموعا من الروم وقبائل العرب الموالية له لحرب المسلمين، فعلم بهم رسول الله فخرج إليهم في نحو ثلاثين ألفا في سنة مجدبة وحرّ شديد... وعندما وصل النبي إلى تبوك هابه الروم فتفرقوا، فلم يتوغل الرسول في أرض الروم، ورجع بعد أن صالح يُحَنَّة بن رؤبة صاحب أيلة، وأُكَيْدِر دومة الجندل، وقذف الرعب في قلوب الروم. وكان رجوعه منها في رمضان. وكان لهذه الغزوة أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب، فقد تبين للناس أنه ليس لأي قوة من القوات أن تعيش في بلاد العرب سوى قوة الإسلام، وبطلت بقايا آمال كانت تتحرك في قلوب بقايا الوثنيين والمنافقين الذين كانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر، وكانوا قد عقدوا آمالهم بالروم، ولكنهم استكانوا بعد هذه الغزوة... وتتابع قدوم الوفود على الرسول وتكاثر إلى أن بلغ القمة بعد هذه الغزوة لتجديد البيعة أو إعلان إسلام أقوامهم. وصالح الرسول في هذه الغزوة القبائل وسكان مناطق الحدود الشمالية بين الحجاز وأرض الشام، فَأَمَّنُوا بذلك قاعدة متقدمة أمامية لعملياتهم المقبلة باتجاه الروم في أرض الشام".

ولكى يعرف القارئ أبعاد الموقف آنذاك نسوق له هذا الحديث الذى يتكلم عن توقع المسلمين فى ذلك الوقت غزو غسان لهم. ومعروف أن غسان كانت ولاية عربية تقوم فى شمال غرب بلاد العرب، وتَتْبَع دولةَ الروم، ومن مهامها صد هجمات الأعراب على دولة هرقل. فتفكير غسان فى الهجوم على المدينة معناه بالتبعية أن الروم هم الذين يحرضونهم للقيام بهذا الهجوم لحسابهم. يقول عمر بن الخطاب مصورا شعور الناس فى ذلك الوقت: "كان لي صاحبٌ من الأنصارِ . إذا غبتُ (أى إذا غبتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أتاني بالخبرِ، وإذا غاب كنتُ أنا آتيهِ بالخبرِ. ونحن حينئذٍ نتخوَّفُ مَلِكًا من ملوكِ غسانَ ذُكِر لنا أنه يريدُ أن يسيرَ إلينا، فقد امتلأت صدورُنا منه. فأتى صاحبي الأنصاريُّ يدقُّ البابَ وقال: افتح، افتح. فقلتُ: جاء الغسانيُّ؟ فقال: أشدُّ من ذلك. اعتزل رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ أزواجَه".

وفى تفسير قوله عز شأنه فى آخر الآية: "حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون" يقول محمد رشيد رضا فى "تفسير المنار": "هذه غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهي بها إذا كان الغلب لنا. أي قاتِلوا مَنْ ذُكِر عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد أمنكم وسلامتكم كما فعل الروم فكان سببا لغزوة تبوك، حتى تأمنوا عدوانهم بإعطائكم الجزية في الحالين اللذين قيدت بهما: فالقيد الأول لهم، وهو أن تكون صادرة عن يد أي قدرة وسعة، فلا يُظْلَمون ويُرْهَقون. والثاني لكم، وهو الصغار المراد به خضد شوكتهم والخضوع لسيادتكم وحكمكم". وقد نقل رشيد رضا فى أول تفسيره للآية المذكورة عن الشيخ محمد عبده الكلام التالى: "واعلم أن هذه الآية في قتال أهل الكتاب وما قبلها في قتال مشركي العرب ليس أول ما نزل في التشريع الحربي، وإنما هو في غايته. وأما أول ما نزل في ذلك فقد بينا مرارا أنه آيات سورة الحج: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ... " (الحج/ 39) ثم قوله تعالى من سورة البقرة: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا..." (البقرة/ 190). وفي تفسيرها ما اختاره شيخنا من أن القتال الواجب في الإسلام إنما شُرِع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها. ولذلك اشْتُرِط فيه أن يُقَدَّم عليه الدعوة إلى الإسلام. وقال إن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت كلها دفاعا، وكذلك حروب الصحابة في الصدر الأول. ثم كان القتال بعد ذلك من ضرورة الملك، وكان في الإسلام مثال الرحمة والعدل".

والعجيب بعد ذلك أن يدعو القمنى الدول الاستعمارية إلى المجىء لمصر وبلاد المسلمين لاحتلاها واستعمارها. وهى خيانة وطنية سافرة مجرمة. أى أنه يهاجم كذبا وزورا الإسلام الذى لا يعتدى على أحد، وفى ذات الوقت يهلل للاستعمار الغربى لبلاد المسلمين ويتمنى عودته ويحرض عليه: "وزعم القمنى: بلدنا لم تعرف الحداثة إلا بعد أن دخلت فرنسا مصر. مصر لم تعرف يعنى إيه سياسة وقانون ووطن إلا فى وجود الاستعمار الأوروبى الإنجليزى فى بلادنا. فالحل هو انغراس الحضارة الغربية فى المنطقة". كما حذر القمنى العالم من الإسلام قائلا: إما أن يقف العالم المتحضر أمام هذا الوحش لتحجيمه وفرض العلمانية فرضا أمميا على هذه البلاد مع مراقبين دوليين، وإلا فستخرج منها عليكم شرور تقضى على الإنسانية. وأكد القمنى أنه يتمنى احتلال مصر من جانب الغرب قائلا: نفسى فى استعمار يجى مصر، بس مفيش". وهذا طبعا كلام تنتشى له نفوس الغربيين ويجرى ريقهم بسببه ويتمنَّوْن لو تعود الأيام الخوالى، أيام الاستعمار الأوربى السافر المباشر لبلادنا وما فيه من إذلال واحتقار لنا وسرقة لثرواتنا وتقتيل لأبطالنا واعتداء على أعراض نسائنا وزيادة لتخلفنا.

ثم إنه لا يكتفى بهذه الخيانة الساطعة بل يحرض النصارى فى مصر على إخوانهم المسلمين تحريضا إجراميا غايته إثارة البغضاء والكراهية بين الفريقين زاعما أن النصارى هم أصحاب البلاد. طيب، والمسلمون؟ هل نقتلهم؟ هل نغرقهم فى البحر؟ هل نطردهم ونبعثرهم فى الصحراء حتى يهلكوا جوعا وعطشا؟ أليسوا هم أهل البلاد كالنصارى، ويزيدون عليهم بأن لهم الغلبة العددية، التى لم تدفعهم يوما إلى التفكير فى التخلص من إخوانهم النصارى أبدا، فمن باب الأولى لا تصح أن تكون سببا فى تفكير إخوانهم النصارى فى التخلص منهم لو استطاعوا؟ ذلك أن الغالبية الساحقة الماحقة من المسلمين المصريين هى مصرية الهوية أبا عن جد عن سلف، إذ العرب الذين جاؤوا واستوطنوا مصر فى الفترات المختلفة كلها لا يزيدون عن بعض عشرات من الآلاف فى مقابل الملايين التى كانت تسكن مصر فى ذلك الحين. فهل يعقل أن تتكاثر آلاف العرب المحدودة مع الأيام حتى تصير خمسة وثمانين مليونا، وتتناقص الملايين التى كانت تسكن مصر أوانذاك حتى تصير حوالى خمسة بالمائة من أهل مصر حاليا؟ التفسير هو أن الإلبية الساحقة من نصارى مصر قد أسلموا. فهل تنتفى عنهم مصريتهم لمجرد أنهم أَضْحَوْا مسلمين؟ ألا إنه لأمر غريب! وعلى أية حال هل كانت مصر طَوَال عمرها نصرانية؟ أبدا. كما أن المصريين، حين دخلوا النصرانية، لم يتنصروا جميعا، بل ظل هناك كثير جدا من الوثنيين. وقبل ذلك كانت مصر وثنية طوال تاريخها تقريبا. فهل يصح أن يأتى الوثنيون الآن وينادوا بالتخلص من النصارى بدورهم بحجة أن الوثنية سابقة عليهم فى مصر، وكانت تستوطنها لأدهار طوال مثلما ينادى مثير الفتن والأحقاد الآن بالتخلص من المسلمين بحجة أن دخول النصرانية لمصر سابق على دخول الإسلام إليها؟ إن ما يقوله هذا المأفون إنما هو إثارة للأحقاد والطائفية الكريهة وإشعال للحروب بين المسلمين والنصارى. فلماذا؟ ولحساب من؟ ولم هذا الإصرار الآن على تفجير تلك المواضيع فى ظل هذه الظروف التى تمر بها بلادنا الحبيبة؟ ثم أليس النصارى يؤمنون بإله هم أيضا؟ فلم لا يتهمهم بالتخلف كما اتهم المسلمين لنفس السبب؟ أم إن قلة الأدب والجلافة والبذاءة وسفالة اللسان ونتانته ينبغى أن توجَّه للمسلمين وحدهم؟

ونأتى إلى صراخه حول ما نزل ببنى قريظة الخونة المجرمين من عقاب جراء غدرهم بمواطنيهم المسلمين أيام حصار الأحزاب للمدينة بدلا من أن ينهضوا فيقفوا إلى جانبهم كما تقتضى المواطنة وبنود الصحيفة التى كتبت بينهم وبين المسلمين وغير المسلمين غب هجرة النبى عليه السلام إلى يثرب. لقد انتهزوا كل فرصة للغدر بالإسلام، فذهبوا إلى مكة يؤلبون القرشيين على النبى وأتباعه، وكذبوا بوقاحة منقطعة النظير مؤكدين لهم أن وثنيتهم خير من دين محمد. أى أن عبادة الأوثان، التى يجرّمها كتابهم المقدس ذاته، خير من التوحيد النقى الصافى الكريم الذى دعا إليه محمد. ثم أنبأوهم أنهم، متى ما أَتَوْا لمهاجمة المسلمين فى المدينة، سوف يؤازرونهم حتى يقضوا عليهم القضاء الأبدى. وهو ما صنعوه فعلا لولا أن الله قد ساق فى تلك الظروف المتناهية فى الصعوبة نُعَيْم بن مسعود الغطفانى، فأسلم دون أن يعلم بإسلامه أحد، وذهب فأوقع بين اليهود الغدارين وبين سائر الأحزاب، مما ألقى فى قلوب القرظيين الخوف من انصراف قريش وحلفائها ومعهم رهائن من قريظة وتَرْكهم إياهم وحدهم يواجهون المسلمين بلا أى نصير حسبما أوقع الغطفانى فى وهمهم.

ولما انقشع الحصار بفضل الله وصمود المسلمين وتحملهم الأهوال أثناءه اتجه المسلمون إلى بنى قريظة وحاصروهم حتى استسلموا كالنعاج. وهنا طلبوا من الرسول أن يكون القاضى الذى ينظر هذه المسألة هو سعد بن معاذ لما كان بينهم وبينه فى الجاهلية من حلف ومودة. لكن سعدا حكم عليهم بقتل المحاربين وسبى الذرية. وهنا يصرخ القمنى قائلا: كيف يعدم محمد تسعمائة يهودى فى ليلة واحدة يا خلق هوه؟ وطبعا لو كان اليهود قد نجحوا فى خطتهم الشيطانية الإجرامية وقَضَوْا على المسلمين على بكرة أبيهم لفرك يديه حبورا وابتهاجا.

وفى القرآن الكريم أن الله أنزل القرظيين الذين ظاهروا المشركين من حصونهم، فقتل المسلمون منهم فريقا، وأسروا فريقا. أى أن المقتولين هم الخونة فقط. ولا أحد عاقل منصف يمكن أن يعترض على معاقبة مرتكبى الخيانة العظمى. ولكن كم كان عدد المقتولين؟ فى البداية لا بد من توضيح أنه لا يهم عدد المقتولين ما داموا قد اجترحوا الخيانة العظمى قولا واحدا، وبخاصة أننا لو جعلنا ضخامة العدد سببا فى تخفيف الحكم لأدى هذا إلى إغراء المجرمين بالتعاون الواسع النطاق فى اجتراح الخيانة العظمى مطمئنين إلى أن العقوبة سوف تكون خفيفة. وإنى لأسال المعترضين أصحاب القلوب المتراهفة الكاذبة عما يكون موقفهم لو اشترك مثات الأشخاص فى قتل ابن لهم مثلا؟ وهناك اختلاف بين الكتاب المعنيين بالأمر من مسلمين وغربيين حول هذا العدد: فبعضهم يصل به إلى تسعمائة، وبعضهم يقف عند مائتين، وبعضهم ينبهنا إلى ما تقوله الروايات من أن بنى قريظة كلهم، وهم عدة آلاف، وفى رواية أخرى: كل الرجال منهم، قد باتوا ليلة استسلامهم فى أحد بيوت المدينة. فهل يتسع بيت واحد ولو لمبيت مائة أو حتى خمسين؟ وفى رأى سراج على أنهم لا يمكن أن يبلغوا المائتين. قال ذلك فى كتابه: "A Critical Exposition of the Popular Jihad".

كما ينبه د. بركات أحمد فى كتابه: "’ Muhammad and the Jews- A ReExamination" إلى جوانب أخرى فى الأمر منها أن أحدا من المشركين أو المنافقين آنذاك لم يتخذ من عقوبة بنى قريظة فرصة لتشويه صورة الرسول عليه السلام، وهم الذين كانوا يتعلقون بأية ذريعة من أجل هذه الغاية. فما معنى هذا؟ معناه، كما يشير، هو أن عدد المقتولين من يهود لم يك من صغره يلفت الأنظار. كما أن عليا والزبير مثلا ممن قالت الروايات إنهما اشتركا فى قتل بعض زعماء قريظة لم ينبسا ببنت شفة فى هذا الموضوع طوال حياتهما. فهل يعقل أن يصمتا صمت القبور على مدار عشرات السنين عن واقعة ضخمة كهذه؟ كذلك نراه يلفت النظر إلى أن المدينة لم تتعرض غب ذلك لأى وباءٍ جراء كثرة الجثث والدماء مع الذباب والطيور الجارحة التى تنقل العدوى. وهو ينزل بعدد المقتولين من خونة اليهود إلى بضعة عشر لأن هذا هو أقصى ما يمكن أن يبلغه عدد قادة القرظيين الذين يستحقون عقوبة الخيانة العظمى، إذ لا يمكن أن يجور محمد عليه السلام فيقتل من لم يشترك فى الجرم الفاحش لأنه لا يصح فى الإسلام أن تزر وازرة وزر أخرى. وهو يتريث أمام سكوت البخارى ومسلم عن وصف تنفيذ العقوبة وعن عدد المعاقبين قائلا إن هذا الصمت ذو مغزى. وبالمثل يستغرب أن يكون عدد قتلى بنى قريظة بهذه الضخامة المفتراة فى الوقت الذى لم يبلغ فيه عدد قتلى المسلمين وأعدائهم فى جميع الغزوات والسرايا طوال حياة الرسول كلها الرقم خمسمائة. وأيا ما يكن عدد المقتولين فلم يكن بينهم طفل واحد عكس ما يدعيه الكذاب الأشر. ثم إن حكم سعد بن معاذ على قريظة لأخف كثيرا جدا جدا من حكم العهد القديم فى هذه الحالة، إذ يقضى كِتَابُ اليهود حينئذ بقتل كل الأعداء المهزومين رجالا ونساء، صبيانا وبنات، وحيوانات أيضا، لا يبقى ولا يذر على أى شخص أو أى شىء.

وهذا بعض ما يجده القارئ عن هذا الموضوع فى سفر "التثنية" وحده من العهد القديم. و"التحريم" الموجود فى النصوص المقتبسة هو القتل والاستئصال: "مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ، وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ"، "إِنْ سَمِعْتَ عَنْ إِحْدَى مُدُنِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَسْكُنَ فِيهَا قَوْلاً: قَدْ خَرَجَ أُنَاسٌ بَنُو لَئِيمٍ مِنْ وَسَطِكَ وَطَوَّحُوا سُكَّانَ مَدِينَتِهِمْ قَائِلِينَ: نَذْهَبُ وَنَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا. وَفَحَصْتَ وَفَتَّشْتَ وَسَأَلْتَ جَيِّدًا وَإِذَا الأَمْرُ صَحِيحٌ وَأَكِيدٌ، قَدْ عُمِلَ ذلِكَ الرِّجْسُ فِي وَسَطِكَ، فَضَرْبًا تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. تَجْمَعُ كُلَّ أَمْتِعَتِهَا إِلَى وَسَطِ سَاحَتِهَا، وَتُحْرِقُ بِالنَّارِ الْمَدِينَةَ وَكُلَّ أَمْتِعَتِهَا كَامِلَةً لِلرَّبِّ إِلهِكَ، فَتَكُونُ تَلاًّ إِلَى الأَبَدِ لاَ تُبْنَى بَعْدُ"، "وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لِكَيْ لاَ يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا حَسَبَ جَمِيعِ أَرْجَاسِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا لآلِهَتِهِمْ، فَتُخْطِئُوا".

ثم لماذا يعود القمنى إلى الخلف كل هذه القرون المتطاولة ليثير قضية انتهى أمرها بإنزال العقاب المستحق بمن ارتكبها من المجرمين ويذرف الدموع الكاذبة على شياطين لا يستـأهلونها؟ لو كان ذا قلب رهيف حقا لذرف بدل الدموع دما على الفلسطينيين المظلومين الذين أُخِذَت منهم بلادهم وقُتِلوا وشُرِّدوا فى الآفاق وأعطيت ديارهم، من قِبَل القوى الكبرى المجرمة، لشُذّاذ الدنيا الذين جمعوهم من هنا ومن هناك، وبالذات من البلاد الغربية التى كانوا يُسْتَذَلُّون فيها ويَرَوْن الهوان كألمانيا وروسيا مثلا. وحتى اليوم لا يزال الصهاينة ماضين فى مجازرهم المبيرة فى فلسطين وابتلاعهم أراضيها وحقولها وقتلهم أبطالها المغاوير المدافعين عن الأرض والعِرْض وهدمهم بيوتها بالقنابل والألغام على مرأى ومسمع من عيون العالم كله وآذانه دون أن يحرك العالم المنافق ساكنا. وهو امتداد لما سجله العهد القديم عليهم من المجازر المتوحشة التى قاموا بها فى التاريخ البعيد وقيدوها فى كتابهم المقدس افتخارا بها ومباهاة، وأوردنا عينة منها آنفا. وهم، حين يفعلون ذلك، لا يفعلونه عن حق بل عن غصب وعدوان ووحشية لا مبرر لها على الإطلاق لأن الأرض ليست أرضهم ولا هم ينتمون إلى البلاد بحال. ومع ذلك يسكت القمنى عن هذا كله.

بل يسكت ويسكت جمهوره اللندنى عما سجلته الأناجيل من أنهم قتلوا السيد المسيح وصلبوه. أنا لا أتكلم هنا عن عقيدة المسلمين بطبيعة الحال، فنحن لا نؤمن بأنه صُلِب أو قُتِل. إنما أتكلم انطلاقا من عقيدة جمهور القمنى فى لندن، هذا الجمهور الذى لا يبالى بما حدث لإلهه على أيدى اليهود حسب اعتقاده، ويشغل نفسه ويريد أن يشغلنا معه بجريمة شيطانية ذهبت فى الزمان الأول ونال المجرمين ما يستحقونه من عقاب. وبالمثل سكت القمنى وسكت جمهوره اللندنى عن عشرات الآلاف من الجنود المصريين الذين قُتِلوا بدم بارد فى صحراء سيناء فى مقابر جماعية أثناء حرب يونيه 67، ولا داعى لأن نثير غيرها من المجازر الصهيونية التى اقترفها اليهود فى حق جنودنا دون وجه حق. ولكن ما وجه العجب، وهو يدعو إلى عودة الاحتلال والاستعمار الغربى لمصر وسائر بلاد العرب؟

كما سكت القمنى وسكت معه جمهوره اللندنى عن مئات الآلاف من ضحايا الغزو الأمريكى والغربى لبلاد الرافدين وما تم على أيدى رسل الحضارة الهمجية الشيطانية من تدمير للعراق وحضارته وحاضره ومستقبله، وما تم كذلك على أيدى أولئك الشياطين عتاة الإجرام والشر فى أفغانستان وسوريا وليبيا وغيرها من بلاد المسلمين. ودعنا مما ينزل على رؤوس إخواننا فى بورما والصين والهند وبوروندى ومالاوى ومالى... من بلايا ورزايا يشيب من هولها الغراب. ثم يعيب علينا بعد ذلك الغربيون وأراجوزاتهم ودُمَاهم إرهابنا المزعوم وينفخون فيه ويهولون مَيْنًا وزورًا لشغلنا عن جرائمهم وخطاياهم فى حقنا وإشعارنا دوما بالذنب والحاجة إلى الدفاع عن أنفسنا فلا نصنع بعد ذلك شيئا.

وبقى من كلام القمنى ما يهرف به عما يجيزه الإسلام من الممارسات الجنسية فى نهار رمضان، الذى من الواضح أنه لم يصمه قط، وإلا لم يقل ما قال: "وزعم القمنى أن الإسلام يبيح للمسلم فى نهار رمضان أن يقضى شهوته الجنسية عن طريق الإيلاج فى القرد أو نحوه، ولا يجوز فى أنثى القرد، كما يجوز له أن يقضى شهوته بيد طفلة صغيرة أقل من 4 سنوات". ولا أدرى من أين له بهذه الهلاوس. وهل الصيام فى الإسلام إلا عن الجنس والأكل والشرب؟ لكن ماذا نقول فى الجمهور البريطانى الذى يستمتع بهذا الكلام ويصدقه رغم معرفته أنه كذب فى كذب فى كذب؟ إن كراهية الإسلام لتدفع إلى ما هو أفظع من هذا وأبشع. نعم، فالحقد يُعْمِى ويُصِمّ فلا يرى صاحبه ولا يسمع ولا يشمّ ولا يحسّ!

أما حكاية البنت ذات الأعوام الأقل من الأربعة فإلى القارئ الكريم السطور التالية التى من الواضح أن القمنى قد قلبها وألصقها بالمسلمين. وهى منقولة عن مقال منشور فى "منتدى أتباع المرسلين": "استثنى الحاخامات لأنفسهم الوطء للبنات من الأمم دون سن الثلاث سنوات. فقد أتى لنا التلمود على لسان الحاخامات بأن الكتاب قد أحل للكهنة الوطء لمن هي دون الثلاث سنوات. واستشهدوا بنصوص سفر "العدد"/31: 17- 18، وفسروها كذلك (وهذا هو نص سفر "العدد" الحادى والثلاثين: "فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا. لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ"). وعلى الرغم من أن نص سفر "العدد" يتكلم عن البنات المسبيّات فإن الحاخامات أباحوا لأنفسهم بنات الأمم المتحولات لليهودية بشكل عام حتى وإن لم يكنَّ من سبايا الحروب. فنقرأ في التلمود يفاموت/ الصحيفة 60 العمود ب: "قال الراباي شمعون بن يوحاي: المهتدية دون سن الثلاث سنوات ويوم واحد حلال للكهنوت (للكاهن). كما قيل: "وكل طفلة من النساء اللاتي لم يعرفن مضاجعة رجل أبقوهن حيّات لكم". وبالتأكيد كان فنحاس معهم".

وما دمنا فى هذا الموضوع فمن المناسب الإشارة إلى ما قالته مؤخرا وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبى ليفنى من أنها استفتت الحاخام الإسرائيلى فأفتاها بصحة ما تقوم به من مضاجعة الساسة العرب الذين تقابلهم وتتباحث معهم وتصويرهم وهم يمارسون الزنا معها كى تكون تلك الصور والأشرطة المسجلة سيفا مصلتا على رقابهم يهددهم اليهود به ويبتزونهم ويحصلون منهم على ما يريدون من تنازلات وتفريطات فى الحقوق العربية والإسلامية فى فلسطين. كل هذا، وهى وزيرة خارجية إسرائيل، فما بالنا بالنساء الاعتياديات اللاتى لسن وزيرات خارجية ولا يحزنون؟ وسؤالنا هو: لماذا يا ترى خرس القمنى فلم يتطرق إلى هذا الأمر، وهو لا يزال حيا ينبض بل ينتفض، لا واقعة ماتت منذ أدهار ونال المجرمين فيها ما يستأهلون من عقاب؟ إن القمنى لا يبحث عن حقائق بل يريد التعمية على المصائب المتلتلة التى يقترفها الصهاينة فى حق العرب من خلال اتهام العرب أنفسهم بجرائم كاذبة كما نرى. إنه يُسْمِع الغربيين النغمات التى تشجيهم وتطربهم وتسرّهم، وفى ذات الوقت تشوه العرب والمسلمين وتصورهم بصورة الهمج غير المتحضرين.

وفى نهاية هذا المطاف يستطيع القارئ بكل سهولة أن يقيّم مدى صدق منظمة أدهوك فى زعمها أنها قد تأسست من أجل مواجهة التطرف والإرهاب، ونشر ثقافة الحرية والعقل والاختلاف. ترى هل هذه هى ثقافة العقل والحرية والاختلاف؟ أم هل هى ثقافة التعصب والبذاءة والكذب والهوس والبغض والانصياع للفكرة الواحدة وترديد المقولة الواحدة وتحقير الشعوب المسلمة والتحريض عليها وتهديدها بالاستعمار والاحتلال؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق