أضيف في 2 أكتوبر 2016 الساعة 20:42

المواطنة الحقة


رشيد اليملولي

المواطنة الحقة .

إن تهذيب و تخليق الشعوب ، و جسر الهوة بين الطابع الفوضوي الغريزي ( الفتنة ) ، و الأسلوب العقلاني بغية بناء مجتمع له مقومات الاستمرار في ظل صراع القيم و النظام المرتبط بها ، و الذي أصبح ديدن العصر و قالبه الروحي ؛ يتوقف هذا التهذيب و هذه التربية على الرؤية و الأفق الذي تستحضره الرسالة المؤسسة ، و نعني ضرورة و قسرا مشروع حضاري متكامل ، لا يركن إلى الخصوصية من أجل تبرير البياضات و المساحات المعتمة أثناء كل عثرة أو فشل ، فهذا بكل بساطة دين وعقيدة الدول الفاشلة سواء التحت أو تمركست ، أو اتخذت أي مذهب لنفسها سبيلا .

و خلاف كل هذا ، يندرج في إطار مزابل القيم و مستنقعات الذرائعية أي " سياسة " أو "فلسفة " تقعد للتخلف و تحكم باسم الجهل و التجهيل معا ، و تمارس ساديتها باسم أنبل و أرقى القيم و المبادئ ، و لعل مؤشرات التنمية و التعليم و الصحة و الثقافة و الذكاء و الرمزية الإنسانية ، هي من تمنح شرط الدولة لكل كيان أو تجمع جغرافي قدر له أن يأكل و يرعى أغنامه .

و أمام هذا المشروع ؛ لا تنفصل القيم الدينية عن الثقافية و العلمية و الاجتماعية و الاقتصادية رغم تفاوت مستويات حقيقتها ، و تكامل هذه المقومات في بنية ونسق هو ما يضفي الشرعية الحضارية و المستقبلية على بلد من البلدان ، أما أن تتحول مؤسسات دولة ما إلى إنتاج وعاء الوهم و الغباء و تسويق و ترويج أساليب التضليل و التعمية و التسفيه و التحقير ، و أكثر تحديدا الاستبلاد حتى لا نقول الاستحمار ( معذرة للقراء ) ، فكل ذلك يوحي بأننا بصدد دولة أسطورية و في معناها السلبي الميتافيزيقي ، المناقض لماهيتها و جوهرها و بالتالي موتها الحضاري ، و من الجوانب الدالة في هذا المستوى ما أقدمت عليه وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية المغربية في يوم الجمعة 30 شتنبر 2016 ، حين عممت خطبة المواطنة الحقة على جميع المساجد .

طبعا في هذا المستوى ليس من حقنا مناقشة الطابع الإداري و القانوني و الدستوري للوزارة و حقها في ذلك ، و لكن من حقنا و وواجبنا مناقشة الخطبة في الدلالة و المغزى لنص قرئ علينا ، و أن نفهمه انطلاقا من أنه نص حمال أوجه تأسيا بمقولة علي كرم الله وجهه .

ما يثير الانتباه في خطبة المواطنة الحقة هو سياقها و ظرفيتها العامة ، و كما يقول الفقهاء السياق من المقيدات ؛ بمعنى أن الدلالة المستوحاة من الخطبة تحيل مباشرة على الظاهرة الانتخابية و الاستحقاق السياسي لسابع أكتوبر ، بما يفيد ضرورة تحمل المغاربة لمسؤوليتهم في إفراز ثقافة سياسية و نخبة مرافقة لها تخدم المواطنة و المواطن و الوطن ، أي أن المواطنة الحقة تقتضي ممارسة الحق الدستوري في التصويت و الإيمان بنتائجه التنموية و السياسية في غمز خفي لعدم التباكي في حالة صعود القوى التي تقود التغيير الذي يمس الطبقات الحركية ، و تشرع لإغناء الغني و إفقار الفقير في شتى المجالات .

أما القضية الأخرى المرتبطة بالسياق فهي ضرورة التكتل و الوحدة المذهبية و مواجهة الأخطار المحدقة بالبلد من خلال تنامي النزعات المتطرفة و الإرهابية التي أضحت واقعا و خطرا يحيق بالبنية الذهنية و المذهبية في وحدتها عبر الوسائط المتعددة التي أضحت متاحة و خارج الرقابة المعرفية و التصفية المنهجية ، مما قد يشكل تهديدا للوحدة السياسية ـ الدينية ، و هو ما يستلزم ضرورة اليقظة في الدفاع عن مقومات هذه الوحدة لعل أهمها النظام السياسي و المذهبي أكثر تحديدا ، فرغم الطابع الأخلاقي الذي هيمن على الخطبة و أثث فقراتها ، فإن مضمونها و رسالتها السياسية لا تنطلي على قارئ حصيف ـ في تقديرنا الشخصي ـ . إلا أن الرسالة الأخلاقية المباشرة و المغزى السياسي المستشف من الميطا ـ نص ؛ يجعلنا أمام رسالة و خطبة مأزومة في بنيتها و سياقها ، فمن حيث السياق تقفز الرسالة ـ الخطبة على مقومات ممارسة المواطنة الحقة ، و تختزلها في الواجب الفردي تجاه الوطن دون أن تلتفت لمسؤولية الدولة في ضرورة توفير مستلزمات العيش الكريم لأجل ممارسة هذا الحق الديني ، و الذي جيشت له الرسالة العديد من الدعامات الدينية ، و تغاضت بشكل كبير عن احتضان هذا الحق في جل التراجعات التي مست الشرائح الاجتماعية في قوتها اليومي ، و حقها في العدالة و محاسبة المتورطين في نهب المال العام ( كان من الأحرى تخصيص خطبة خاصة عن محاسبة الفساد و رموزه من خلال ما سمي بعفا الله عما سلف ) ، و جعلت من السلم الاجتماعي الذي بني لعقود مهددا في أي لحظة و حين ، عبر تنامي و صعود وثائر التذمر و " الحكرة " بالمفهوم الاجتماعي ، و كان لزاما أن تتجند رسائل الوزارة للتنبيه الأخلاقي ـ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في حدوده الدنيا ـ و تراسل الجهات المسؤولة بصدد السياسات الجائرة و الظالمة ، و نقول ذلك من الجانب الأخلاقي و ليس السياسي ( الوظيفة الحقيقية للوزارة تقتضي نقاشا آخر ).

إلا أن السكوت حول العديد من الملفات التي تحط من كرامة المواطن و تجعله مهيئا لارتياد العوالم المتطرفة جعل سياق الخطبة نشازا في بلقنة الحق و الواجب ، و تجريد الذات من حجم و طبيعة المسؤولية و تبرئتها ، و إثقال كاهله ـ أي المواطن ـ بالواجب الأخلاقي الصرف ، و توجيه بوصلة الاهتمام إلى صناعة الخوف الخارجي و بناء طواغيت الداخل سواء كانوا مؤسسات أو أفراد بتغطية دينية أو سياسية ( نادرا و في غياب تام لخطب عن مسؤولين عاثوا في الدولة فسادا ) ، و كأن قدر المواطنة الحقة أن يتحول المواطن و الفرد إلى خطب لدولة أسطورية هو فيها مجرد موضوع مسلوب الحق .

و فيما يخص بنية الرسالة ؛ فهي باردة المعنى و أسيرة خطاب فضفاض همه تقوية الوعظ و الإرشاد و الصيغ الأخلاقية دون إنزالها إلى أرض الواقع ( الحسبة السياسية ) ، و ممارستها في الحدود المسموح بها اجتماعيا و ثقافيا ؛ فالمواطنة الحقة تستلزم بالضرورة جوا أمنيا محفزا في بعده الثقافي و المعرفي و السياسي و الحضاري بشكل عام ، و التنمية تقتضي الاستثمار في الفرد ، و لا ندري بأي معنى تغاضت وزارة الأوقاف في توجيه رسائلها إلى الخطباء بمناسبة الدخول المدرسي و ضرورة التعليم و توفير أجواءه التي تدري الوزارة حالتها المزرية ؟ ( إن الله يعبد بالعلم و هذه أم الوصايا العلم و الثقافة و ليس الجهل ) .

إن نقل المسؤولية من الدولة إلى الفرد و تحصينه بمتاريس الواجب ـ الطاعة بمعنى واضح، يعد علامة فارقة في أزمة المشروعية الدينية ( التدين طبعا ) ، حيث لم تستطع الأخلاق المنادى بها دينيا أن تنزل إلى حضن الواقع و ألم المواطن و مشاركته طموحاته و أحلامه ، بل غدت التوجيهات التأطيرية و التقنينية الأخلاقية مجرد إضفاء مسحة دينية على الواقع و تجميل صورته للنظام الحضاري للبلد .

كيف يمكن أن نفسر تقاعس وزارة الأوقاف عن الاستثمار في مشاريع تنموية خاصة و أنها تحتكم على ثروات هائلة متأتية من مواردها المتعددة ؟ و ما معنى أن تتخلف هذه الوزارة في العديد من القضايا و الظواهر الاجتهادية ؟ ، بل كيف يمكن أن نفهم قدرتها الخارقة على تطويع و تركيع رؤوس " الرعايا " دون المسؤولين مهما كانت طبيعتهم و كيف ما كانت قيمتهم ؟ .

لسنا بصدد محاكمة الوزارة ، و لكننا حيال إشكال حضاري مفاده تقدير حجم و طبيعة المسؤولية الحضارية لكل مكونات المجتمع في بناء دولة تنموية قادرة على التنافس و المنافسة في صيغها المعاصرة ، و ذلك بعيدا عن ثقافة الوصايا و تبرير الأوضاع و تسويغها ، و من ثم قتل حركيتها ، لذا نرجو أن نسمع في القريب العاجل خطبا عن الأمن الثقافي و العلمي و التنمية السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق