أضيف في 28 شتنبر 2016 الساعة 06:33

في غرفة عمليات تشرشل


د موسى أبومحلولة

في غرفة عمليات تشرشل ...

 

قادني الفضول وعشق الغوص في أعماق التاريخ القديم والحديث هذه المرة إلى زيارة مدهشة وفريدة من نوعها ... فقد وقفت راضيا مختارا في طابور طويل كما يفعل أهل لندن ودفعت ثمن تذكرة الدخول من حر مالي ﻷجد نفسي بعدها مباشرة في غرفة إدارة عمليات الحرب العالمية الثانية أو "غرف حرب تشرشل" Churchill war rooms وهو اﻷسم الجديد الذي أطلق على المكان في عام 2010م والذي يقع في قبو حصين تحت سطح اﻷرض في قلب لندن ...

 

فبعيد إندﻻع الحرب الكونية الثانية إشتد القصف النازي للندن ولحق الدمار بجزء من مبنى مقر الحكومة البريطانية فرأى رئيس الوزراء في ذاك الوقت ونستون تشرشل أن ينقل مقر حكومته وغرفة عملياته إلى هذا القبو السري اﻵمن نسبيا والذي تم اﻹحتفاظ بمحتوياته كما هي عند إنتهاء الحرب ليفتح للجمهور في أبريل 1984م وها أنا اليوم أدخله وأتجول في غرفه الصغيرة وممراته الملتوية والتي تجعلك تعيش بالفعل في أجواء ماكان يحدث في الفترة من عام 1940م إلى عام 1945م .

 

فهذه قاعة إجتماعات وزارة الحرب المصغرة برئاسة تشرشل وكأنها تستعد بعد دقائق قليلة ﻹستضافة إجتماع هام لتشرشل وأركان حكومته المصغرة على تمام الساعة الخامسة أي بعد دقيقتين من اﻵن بحسب ساعة الحائط التي توقفت عقاربها وبقيت كما هي منذ لحظة إعلان إنتهاء الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1945م ... ويبدو أن اﻷجتماع سيخصص لتدارس تقريرا عن آخر أخبار جبهات القتال عبر العالم كان قد أعده فريق من المستشارين والموظفين الذين ينكبون على مكاتبهم في غرف ضيقة متراصفة على جانبي الممر الضيق المحصن سقفه بقناطر فوﻻذية حمراء والذي يؤدي إلى غرفة الخرائط map room والتي علقت على حوائطها خرائط عسكرية تبين تفاصيل سير المعارك في مناطق شتى من العالم ، وبجوار غرفة الخرائط توجد غرفة البدالة الهاتفية وغرفة بث راديو بي بي سي التي إستعملها تشرشل في بث خطاباته الحماسية الشهيرة والتي لعبت دورا هاما في إشعال المشاعر الوطنية للشعب البريطاني ورفع روحه المعنوية ...

ويقودك نفس الممر الضيق الطويل المتشعب إلى غرفة نوم تشرشل وهي أكبر العرف مساحة وأفضلها تأثيتا وبها مكتبه الخاص وسريره وبضعة مقاعد أخرى رتبت بعناية وكان يستقبل فيها كبار زواره وحلفائه وبالقرب منها تصادفك عرفة صغيرة وسرية تحتوي على أول خط للهاتف الساخن المشفر والمباشر وكان تشرشل يجلس فيها لساعات طويلة متحدثا إلى صديقه وحليفه الرئيس الأمريكي روزفلت .... ثم يأتي دور مطبخ الطعام الخاص والذي يحتفظ بفرن وموقد للطهي وأواني وصحون مختلفة اﻷحجام تركت على حالها وكأن طباخة رئيس الوزراء الخاصة قد خرجت في أمر وسترجع بعد حين.

 

وفي غرفة أخرى تطالعك مائدة طعام مستديرة صغيرة وبجوارها غرفة نوم زوجة تشرشل وغرف أخرى خاصة بكبار الضباط والمستشارين وأركان الحرب ، قبل أن ينتهي بك الطرف إلى قاعة كبيرة نسبيا بها طاولة إجتماعات خضراء اللون وتكسو حيطانها اﻷربعة خرائط عسكرية ورسوم لخطط ميدانية وكانت مكانا دائما ﻹجتماعات الجنرالات وأركان الحرب ورجال اﻹستراتيجيا آنذاك.

 

المكان ذو الحجرات الصغيرة والممرات الضيقة كان يكتظ برجاﻻت الحرب والسياسة إذبان سنوات الحرب الستة وأغلق بعدها أمام الجمهور لعقود من الزمن ، واليوم تدب فيه الحياة من جديد ويكتظ بالزائرين والسواح والفضوليين من كل أنحاء اﻷرض وأمشي أنا بينهم ومثلهم مطلعا ومتأمﻻ وباحثا عن الحقيقة ... تاريخ اﻷمم والشعوب بخيره وشره بحلوه ومره بسلامه وحربه ﻻ تمحوه القنابل وﻻحتى الكوارث الطبيعية ويبقي معين عبرة ودروس للمستقبل.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق