أضيف في 20 شتنبر 2016 الساعة 19:28

أسئلة الشعر


ناصر سالم المقرحي

- أسئلة الشِّعر -

الشعر لعبة على من يريد أن يلعبها أو من اختارته الأقدار لأن يلعبها أن يكون على علم بمبادئها ملماً بقانونها الصارم , وأول مواد هذا القانون هو الخيال الذي يجب أن يتمتع بالحد الأدنى منه كل من أراد التصدي لكتابة الشعر والتعاطي معه , بل أن الخيال مطلوب أيضا للقارئ للشعر وليس لكاتبه فقط حتى يُسبغ من تأويله على المقروء ويمتلك قراءته الخاصة أحيانا , وللخيال النصيب الأكبر في العملية الشعرية وبدونه لا يستقيم الشعر , فبالخيال يمكن للشاعر أن يرسم جديد وجميل الصور ويستحضر الغائب والبعيد من الألوان وبِهِ فقط بمكنة الشاعر أن يطرح أفكاره ويعرضها على القارئ سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو بشكل مضمر , وبالخيال والتصور اللذين يمتلكهما الشاعر خاصة والمبدع عموما عن طريق التدريب والمران ومراكمة الخبرات يلج ومعهُ القارئ عوالم لم يكن مُتاحاً لهُ ولوجها بغير وسيلة الخيال الذي يسافر منطلقاً كسهم لا يعرف الحدود ولا العقبات ولا يوقفه عائق مهما اشتد ولا يتأثر بالعراقيل المادية لأن ملعبه ومضماره الذهن , وعلى الشاعر إذا ما أراد التفوق ان يربي ملكة الخيال في نفسه وينميها ويستثمرها جيداً في قصائده .

وفي القصيدة التالية نقف عند قدرة الخيال على اجتراح المختلف والمدهش كل مرة .

لم تكن القصيدة لِتنتبه

لولا أنَ فستانك المزركش استوقفها

لولا أنَ حُمرة طفيفة على وجنتيكِ أومأت لها

لولا أنَ ضِحكتكِ المموسقة ألهمتها

القصيدة .

والقصيد التي يتحدث عنها الشاعر في القصيدة ليست مجرد قصيدة بل هي كائن حي يحس ويتنفس ولها عينين ولساناً وشفتين وإلا لما انتبهت إلى الفستان المزركش والوجنتين المحمرتين والضحكة الرنانة فتتوقف لتتأمل ما استوقفها أو لتوثقه بكلماتها , هذا إذا ما سلّمنا بأنها قصيدة وليست رجُلٌ عاشق , أم أن الشاعر تقمص القصيدة ليقول من خلالها ما ابتغى قوله كما لو أنُه يتكلم من وراء حجاب ويتحدث من خلف ستارة , وخيال الشاعر هو الذي قاده لأنسنة القصيدة والتعبير من خلالها عما يجول في خاطره .

روح الشعر

إذاً الخيال هو أول أساسيات اللعبة وبدونه لا يكون هنالك شعر يعول عليه غير أن الخيال لوحده لا ينتج شعراً فالشاعر أيضا بحاجة إلى لغة أنيقة ليكتب هذا الخيال ويحوله من صورته التجريدية المطلقة والغير مقيدة إلى صورة محددة الأركان ومحسوسة وقابلة للتداول والتصدير للآخر أو الطرف الثاني في عملية أنتاج الشعر أي الطرف المتلقي .

واللغة التي هي وعاء الشعر وحاضنته لا تأتي هكذا بين ليلة وضحاها ولا يتحصل عليها الشاعر بسهولة وبلا جد ومثابرة وتعب , فلكي يصل الشاعر إلى مرحلة امتلاك اللغة أو تطويعها لمشروعه الشعري يكون قد مر بالكثير من الصعوبات وقرأ الألاف من المصنفات الأدبية وغيرها وقطع مسافات طويلة في مشوار القراءة , وبغير هذه الكيفية يستحيل امتلاك اللغة التي هي عنصر فعال وضروري في قانون اللعبة الشعرية وبها ومن خلالها يمكن اجتراح عذب الكلام ورائق الشعر , ولا غنى عن اللغة للشاعر لأثراء قاموسه ورفد معجمه بالمتنوع من المفردات والكلمات والجُمل التي ستسعفه حتماً عند مباشرة الكتابة الشعرية وتتيح له خيارات متعددة يستطيع بخبرته التي يكون قد كوّنها انتقاء أجملها وأنسبها لنصه الذي يشتغل عليه , خاصة وأن اللغة العربية تحفل بالمترادفات والبدائل , ولا ننسى أن الشعراء هم حراس اللغة ومُجدديها على مر تاريخها وعلاقة الشعراء باللغة علاقة وطيدة , أو ينبغي أن تكون كذلك .

الشعر ظاهرة صوتية

ثالث قوانين اللعبة في اعتقادي هو امتلاك حس موسيقي عالي وشغف بالإيقاع , حتى وإن لم يكن ظاهراً لأن التمرس في تلقي الشعر والتواصل اليومي معه كفيل بصنع ذائقة متينة تمتلك إلى جانب الحس الإيقاعي والتماهي مع موسيقى الشعر القدرة على تمييز غث الشعر من ثمينه , والإيقاع مع أنهُ قد يكون خافِتاً غير بائن كما في قصيدة النثر إلا أنهُ مهم في العملية الشعرية وكما أسلفنا فإنَ الذائقة المتمرسة قادرة على تذوقه واكتشافه فالإيقاع الذي نقصده في قصيدة النثر قد ينتج عن تكرار بعض الكلمات أو الأحرُف أو طول وقُصر الجملة الشعرية وطريقة التقطيع ووقع بعض الكلمات على أذن المتلقي من حيث رنينها أو قوة العبارة ووقعها الشديد لا سيما عند نطقها أو تخيلها وتصورها منطوقة عند القراءة الصامتة .

وكمثال على الحس الموسيقي ومقاربةً لهُ لنتأمل هذا المقطع الشعري الذي يقول :- – ولنتصوره منطوقاً –

وكلما دنا اسمكِ

أو تدلى من شاهق قافيتي

أينعت أشعاري

وصارت قصيدتي أجمل

أسمك الذي كقط أليف يتمسّح بي

ومتى ما سهوت يلعق أسباب غفلتي

أسمك الذي يسرقني مني

وأنا لا أُحاول منهُ أن أستردني .

هنا الموسيقى ظاهرة وجلية رغم أن القصيدة غير عمودية ويتضح هذا من خلال الجُمل المتتابعة ومن القافية الغير مرتبطة بنظام مُعين ومن تكرار حرف القاف خاصةً الذي تواجد في جُل الأسطُر تقريباً وأعطى القصيدة نفساً موسيقياً عبر تردده وتوزيعه بشكل متواتر بطريقة تكاد تكون عشوائية , شاهق , قافيتي , قصيدتي , كقط , يلعق , يسرقني , كلها كلمات احتوت على هذا الحرف الخارج من سقف الحلق , ومنحت القصيدة إيقاعاً خافِتاً عبر تراتبيتها الغير مدروسة , وكذلك الحال مع حرف السين المهموس والمبثوث في تضاعيف القصيدة .

الهذيان -

رابع هذه القوانين هو الإيمان بالشطح الشعري والهذيان الذي قد يعتري الشاعر ويخرجهُ عن أطواره أحيانا , ومن يدري فقد يكون هذا الهذيان نوعاً من الإشراق والنبوءات واللحظات الأستثنائية التي إذا ما أضاعها الشاعر يكون قد أضاع بعض الشعر الذي يأتي من جهات لا معلومة سواء من داخل وجدان الشاعر ذاته أو من خارجه , تلك اللحظات التي لا يمكن التحكم فيها ولا استحضارها وهي خارجة عن كل قانون عدا قانونها الخاص الذي لا أحد يعرف أساسياته , تزور الشاعر متي ما تشاء وتغيب عنه متى ما تشاء وقد تتركه رهينة للقلق والعقم الشعري لأشهر أو حتى سنين , وغالباً ما تجيء هذه الشطحات وتنبثق من خلال لحظات انفعالية حادة تعتري الشاعر الذي ينبغي له أن يرهف حسه لاقتناص مثل هذه اللحظات التي تتسم بلا ثباتها , كأن يستمع إلى ما يحيله إلى كائن خفيف , من موسيقى أو شعر أو ما يرى من جمال متناهي في العذوبة أو حتى يعترضه موقف بشع يجعله منفعلاً متوهجاً مستثاراً , أو أن يزوره هذا الشطح وهو نائم أو بمنطقة ما بين النوم واليقظة في هيئة حلم أو إشراقة عابرة ليملي عليه بعضا من هذيانه , أو في لحظات السُكر فللشعر أحوال وهذه بعض أحواله وشطحاته التي لا يتجاهلها إلا الخاسر والمتكاسل من الشعراء ولا يفوتها إلا المهمل والغير جاد , ولتفسير هذه الإشراقات والخروج برأي منطقي فيما يخصها أعتقد البعض ان للشعراء شياطين تملي عليهم ما يقولون وتمدهم بما يحتاجونه من السموّ , أو ربما اتُخِذ هذا التفسير كحجة من قِبل الشعراء أنفسهم للتنصل من القول الشعري مهما كانت مقاصده ونسبه إلى كائنات غيبية لا مرئية في محاولة للتحرر من تبعاته التي قد تكون وخيمة عليهم , والتاريخ مليء بالأحداث التي تم تأويل بعض القصائد فيها بطريقة خاطئة أو مُغرضة بهدف إيقاع الأذى بشعراء مٌعينين , ولم يكن الحلاج أولهم ولا آخرهم .

وليس من الضروري أن يكون الشعر تصويرياً و ذو معاني واضحة وفي متناول ذائقة القارئ المتكاسل , لأنه قد يكون صوفياً سوريالياً يحلق في فضاءات الغموض والإبهام منغلقاً على دلالاته , ويمكن في تلك الحالة تمثله واستشفاف جماليات غموضه وتأبيه عن الفهم , ولا يصح بأي حال من الأحوال الإعراض عنهُ ومغادرته دون مُساءلته ومحاولة استنطاقه .

تعلم الشعر -

وبرمجة الشاعر لنفسه على أن يصير شاعراً جزء مهم من اللعبة الشعرية متعددة الروافد ومتشعبة الغايات , وعملية التهيئة ضرورية في تقديري , وليس كذلك فحسب فمن المهم كذلك للشخص المرشح لأن يصبح شاعراً أن يبرمج نفسه ويعدها ويهيئها لنوع معين من الشعر , ويُحبذ أن يتم تهيئتها للشعر العمودي التقليدي في البدايات حتى إذا ما استنفد الشخص هذه المرحلة الاساسية بحسب استعداداته وميوله يكون الأنتقال إلى المرحلة اللاحقة سلِساً وهيناً , وعملية التهيئة إلى جانب كونها نفسية في الأساس تحتاج إلى تعمق في قراءة القصائد قديمها وحديثها والانشغال شبه التام بالشعر مقروءاً ومنطوقاً , والمعايشة اليومية بل اللحظية لهُ والأهتمام بما يُقرَّبَ إليه من قول أو عمل , وهذا لا يكفي لأن القراءة لا بد ان يصاحبها شغف عارم وعشق لا متناهي للشعر , وبغير هذه الطريقة لا يمكن الحصول على نتائج جيدة ومرضية , والاهم من ذلك هو امتلاك رؤية شعرية للعالم وقدرة على شعرنة الأشياء واستخلاص الشعر من كل ما يحيط بنا حتى وإن لم يكن مهيئاً لذلك .

ثم أن على الشعر ومن وراءه الشاعر بالإضافة إلى ما سبق عرضه أن يكون متسائلا غير مهادن مغامراً نزاعاً للجدة والأختلاف حتى يُطلق عليه اسم شعر وينال عن جدارة صفة الشعر والأهم هو مسايرته لمتغيرات الواقع ودراميته وعدم جموده وركونيته للمتاح والمتداول .

والشعر في حقيقة أمره خير وحب وجمال وسلام ولا يمكن أن يكون إلا كذلك ولا ينبغي استغلاله لأغراض عنصرية تعصبية حاقدة أو متطرفة وإلا عُدَّ خطاباً مُغرِضاً وفقد خاصية الشعر , وهذا ما يجب أن يؤمن به كل شاعر وهو شيء من أساسيات اللعبة الشعرية وشرط لا يمكن تجاهله تحت أي مبرر .

هذه إذاً بعض اشتراطات اللعبة الشعرية التي على الشاعر أن يكون ملماً بها مطلِعاً عليها أو على جلها , هذا إذا ما كانَ فعلاً يريد أن يلعب ويفوز ويحقق نتائج مرضية , وقديما قيلَ ولعل هذا حديث منقول عن الرسول الكريم " إذا عمل أحدكم عملاً يجب أن يتقنه " والشعر نوع من العمل الذي لا يقدر علي أدائه الكثيرون فلطالما كان الشعر نخبوياً طوال تاريخه لا يشد إلا انتباه الصفوة وزبدة القوم , ولطالما كانت المهارة والإتقان هما المعيارين اللذين يستند إليهما النقاد والعامة لإسباغ صفة الشاعر على من يقول الشعر وإلا عُدَ مُجرد نظَّام أو مرصص للكلمات , وشتان ما بين الشعر والنظم , والعرب قديماً فرَّقت ما بين الشعر والنظم بتشبيهها للنظم بالجسد الذي لا روح فيه .

************

ناصر سالم المقر

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق