أضيف في 18 شتنبر 2016 الساعة 22:25

لعبة المحاكاة: اعجاز العبقرية وهشاشة الشخصية!


مهند النابلسي

 

من المفاجآت التي أطلقها حفل الاوسكارهذا العام (2015)، أن فيلم "لعبة المحاكاة" الذي رشح لثمان جوائز اوسكار لم يفز الا بجائزة واحدة استحقها بجدارة، وهي جائزة أفضل سيناريو مقتبس(لجراهام مور): تفوق الممثل "بينديكيت كوبرباتش" بتقمص شخصية عالم الريضيات البريطاني الشهير "آلان تورنغ"، كما أبدعت "كيرا نايتلي" بدور خطيبته، وكل من "مارك سترونغ" بدورمنزيس رجل المخابرات، وماتيو جود في دور "هيو ألكسندر" العالم المشارك في فك الشيفرة، وتشارلز داتس بدور "دينستون" القائد العسكري المسؤول. يستند هذا الفيلم لمقولة "الناس اللذين لا يتوقع شيء منهم، هم بالحقيقة هؤلاء اللذين ينجزون أشياء لا يتوقعها احد"! وبصراحة لم أجد مغزى واقعي لهذه المقولة وخاصة ان الشريط أثبت أن عالم الرياضيات البارع "آلان تورنغ"  قد حقق اعجازا "متوقعا" بقدرته على فك "طلاسم" الشيفرة الألمانية، وربما ساعدته الصدفة  والحظ أثناء استغلاله  لعبارة المانية عادية نقلتها له ببراءة زميلة خطيبته، وذلك بعد أن كاد ان يعجز مع فريقه المميز بالرغم من بناءه لألة حاسوبية معقدة، أخذت وقتا طويلا، وقد توقع مدير المشروع  (مستصعبا ومتهكما) أن يستغرق فك رموزالشفرة زمنا فلكيا يستغرق العشرين مليون عام بعد استنفاذ حوالي 195 مليار مليار محاولة يومية!...ومع كل هذا الضجيج الذي صاحب هذا الفيلم، فقد وجدته يفتقد جزئيا للمصداقية والاقناع، وقد فشل ربما المخرج النرويجي "مورتن تيلدوم"  باظهار كيفية عمل الآلة الحاسوبية الضخمة التي ركبها العالم والتي كلفت حوالي مئة ألف جنية استرليني، كما بدت حركاتها بدائية وغامضة، ولم نقتنع كثيرا باسلوب عمل الفريق، حيث تم التركيز على جاذبية العالم وجاذبية البطلة (كيرا نايتلي) وعلاقتهما الغامضة العاطفية، حيث نجحت بالبداية بحل لغز الكلمات  المتقاطعة بأقل من ست دقائق فيما تمكن هومن حله بثمان دقائق (أي انها أذكى منه عمليا)، كما تم التركيز اكثرمن اللازم على "مثلية" العالم فيما لم ينجح الممثل الفذ نفسه باظهار هذه المثلية بالشكل النمطي المعهود، كما ان الفيلم تحدث عن ثلاث قصص متداخلة ضمن السياق، مما ساعد قليلا على التشتت، فهناك قصة صباه ونشأته بمدرسة داخلية، وقسوة زملائه بالتعامل معه،  وخصوصية علاقته  مع "كريستوفر" (الفتى المتعاطف الشاذ) الذي انقذه من اضطهاد زملاءه ، والذي توفي مبكرا بالسل البقري، وقد بدت شخصية العالم كما اظهرها الفيلم كمتوحد بائس بحاجة للحنان والعطف والتفهم، يكشف الفتى اليافع عبقريته المبكرة عندما يقول لصديقه الحميم "كريستوفر" "اننا نمارس الشيفرة والتشفير بكلامنا اليومي "!  وقد ركز الفيلم على سباقه مع فريقه لفك أسرار اللغز وانقاذ ل"حيوات" 14—20 مليون شخص وسنتين من العمر الافتراضي للحرب العالمية الثانية، ولا ادري كيفية حساب ذلك اذا ما اخذنا بالاعتبار أن أمريكا قد بررت كذلك قصف اليابان مرتين بالذرة بآواخر الحرب الثانية  بنفس الحجج تقريبا أي تقصير فترة الحرب وحماية أرواح الجنود الأمريكان! واللافت ان "اوباما"  بأحد خطبه بالعام 2012 قد اعتبر "آلان تورنغ" كواحد من أعظم ثلاثة علماء بريطانيين منهم اسحق نيوتن وتشارلز داروين، كما أن ملكة بريطانيا اعادت الاعتبار له رسميا بعد اكثرمن ستين عاما على وفاته منتحرا بالسيانيد بالعام 1954!

يركز الفيلم على حياة وعمل عالم الرياضيات "آلان تورنغ" من 1939– 1945 فيما يسمى "حديقة بلتشلي الاستخبارية’" مع مجموعة متنوعة من العلماء  واللغويين وأبطال الشطرنج وضباط المخابرات، ومن ضمنهم جوان كلارك (كيرا نايتلي) التي لفتت انتباه تورنغ لذكاءها وجاذبيتها، والتي أقنعته بأن يتخلى جزئيا عن غروره وعنجهيته وعناده وتعاليه، لكي ينسجم مع فريق عمله ويقوم بحركات اكثر تحببا ومشاركة، وبالفعل فبعد أن اسهم بطرد اثنين من زملاءه ببداية العمل، دعمه باقي الفريق عندما هدد رئيس المشروع بطرده لعجزه عن تحقيق النجاح خلال الفترة الزمنية المقررة.

تمزق تورنغ بين رغبته الكاسحة لاستخدام ذكاءه وماكينته (التي اسست للحاسوب وبدايات الذكاء الصناعي) لكشف أسرار الشيفرة الألمانية المعقدة، وبين قمعه لميوله الجنسية المثلية التي كانت تعتبر جرما حسب القانون البريطاني السائد في حينه، كما أنه أثبت وطنيته النادرة ونكران الذات عندما ألزم فريقه على عدم استغلال "كشف الشيفرة" لتفادي مواقع القصف الألماني (التالي) وتجنب الخسائر، حتى أنه  تخاصم بشدة مع احد العاملين الذي رغب باعلام شقيقه الأكبر بموقع قصف محتمل لغواصة يعمل داخلها...وفضل استغلال هذه المعرفة الثمينة لتضليل الألمان وتحقيق أهداف استراتيجية كبرى غيرت مسار الحرب وضمنت للحلفاء انزالات مفاجئة ضخمة.

أظهر لنا كومبرباتش( الذي أبدع بتمثيل أفلام كحصان الحرب و12 عاما من العبودبة)  قدرات جبارة على احتواء عواطف الغضب والأذى والاحباط والندم، وساعدته "نايتلي" بتعاطفها وكلماتها المؤثرة، وخاصة عند زيارته بعد الحرب وقد تفهمت معاناته تحت تاثير تناوله لجرعات عالية من هرمون "الاستروجين" (الذي اجبر على تناوله بانتظام والا سيسجن لعامين)، كما انها كانت فريدة بطريقة تفكيرها عندما عرضت عليه الزواج (بالرغم من معرفتها لشذوذه) على اساس انسجامهما العقلي والسلوكي، كما أظهرت الحكمة بمواساتها له وتبريرها لمغزى معاناته الشخصية (وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم) وهي تذكره بدوره بكشف الشيفرة وابتكاره  للماكينة العملاقة التي سماها "كريستوفر"، ولكنها لا تفلح باشغاله بحل الكلمات المتقاطعة حيث بدا منهكا وحزينا ويائسا...كما فاجأنا  ضابط المخابرات منزيس (قام بالدور الممثل البارع مارك سترونغ) بأنه يعرف عن شذوذه الجنسي كما يعرف بوجود عميل سوفيتي مندس، حيث تتشابك المصالح وتتناقض شرط عدم افشاء الأسرار للعدو الألماني "الأوحد"، وينجح ضابط المخابرات هذا "ستيوارت منزيس" بالتلاعب الذكي، فيسرب بعض المعلومات ويحجب الاخرى، مضللا الألمان ببراعة ودهاء.

   توفي تورنغ بالعام 1954 قبل بضعة أيام من بلوغه الثانية والأربعين اثر تناوله تفاحة مسممة بالسيانيد!

لقد نجح المخرج النرويجي بتقديم دراما ثرية "شيقة" وخلطها بالبيوغرافي والجاسوسية على خلفية مشاهد حربية واقعية، وقدم لنا تفاصيل مدهشة لحياة عالم الرياضيات الفذ و"المسكين" وبلا تزويق ومواربة، كما استنتج ببلاغة دالة أن أسرار النازية كلها مخفية في "أنجيما" حتى يتم فك الشيفرة، فيبدو الأمر وكأنك تتنصت على تيلفون "جوبلز" الشخصي (كما يقول تيرنغ)!

الشيء اللافت والمثير للاعجاب أن مشروع فك الشيفرة هذا بقي سرا لمدة نصف قرن تقريبا، حيث تم احراق كل الأوراق والوثائق، كما أننا نندهش عندما نعرف أن هذا العالم الفذ "سيء الحظ" قد أسس ربما بهدؤ لما يسمى الآن الذكاء الاصطناعي عندما قال: "أجهزة الكميوتر قادرة على التفكير بشكل مختلف عن اسلوب البشر بالتفكير، وعلينا أن نحترم هذا الاختلاف".

التقييم: ****

مهند النابلسي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : مهند النابلسي

, فلسطين المحتلة


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق