أضيف في 18 شتنبر 2016 الساعة 18:05

الثقافة التونسية


رشيد اليملولي

الثقافة التونسية .

قد تشرق شمس الثقافة أحيانا من المشرق بعد أن تعودنا على غروبها ، و تكبدنا من جراء هذا الأفول موتا حضاريا ليس له نظير و كفؤ ، و ركنا إلى الدفاع عن وهم الإسهام في سلم الحضارة بشكل طاووسي لا يعترف به القاموس السياسي المعاصر ، وأجندة الصراع و مقتضياته بمفهومها الدال و المنتج ، على الأقل في الخطاب السياسي الذي يميز العلاقات الدولية الحالية ، و أمام هذا الاغتراب و الاستلاب الناتج عن الغروب " الأبدي " لمسألة التنوير و المشاريع العلمية في المجال الحضاري الإسلامي بالندية المطلوبة ، أصبحنا نعتقد جازمين أن شمس الثقافة و العلم تشرق من الغرب فرضا وقسرا ، في تحد لقوانين و سنن الطبيعة و الكون على الأقل في شكلها الظاهر، إلا من سويعات و لحظات تطل علينا فيها الشمس من المشرق محتشمة يعلوها غنج و دلال ، و ترتسم على خدودها حمرة قل نظيرها ، و كأن قدرنا أن نعيش الموت بألوانه و غرائبه ، تارة من الطبيعة و أحيان أخرى من الحضارة و التاريخ ، لا لشيء سوى أن عمراننا و اجتماعنا السياسي قل أن يجود علينا بالنهضة و التراكم و القطائع الابستمولوجية ، ويستوصي بنا خيرا للأجيال القادمة فيما يسمى بالتنمية المستدامة .

فعلا أطلت علينا في الآونة الأخيرة شمس تونسية لها معاني و دلالات تفوق منطوقها الخاص ، و تقدم رافدا من روافد المشروعية الثقافية ، و نهرا يشق لنفسه مسارا في اتجاه المحيط ، و الإسهام في إثارة شرعية البناء و القدرة على التحول نحو المستقبل ، و استثارة التساؤل المفضي إلى تنويع مسارب و دروب البناء .

تنطلق الثورة الأولى من حركة النهضة التي فصلت بين العمل السياسي و العمل الدعوي ، من خلال تجربة التسيير التي استخلصت فيها الحركة دروسا ، جعلتها تحتكم إلى منطق النضج و التعقل في إدارة الوعي السياسي و الدعوي ، و تحديد مستويات الحقيقة في كلا المجالين ، دون الخلط بينهما و المزج بعزة قعساء ودون روية و حكمة ، هذا الإجراء يعد إنصاتا راقيا لمنطق التاريخ ؛ حيث أن التجربة الحضارية لعموم المجال الإسلامي و تحديدا في مجاله السياسي لم يتخلص من الٌإقرار بصعوبة تعايش حقيقتين ، إذ إن ما كان يجري و ما دون من أحداث وصراعات ، غالبا ما انتهكت فيه حرمة الإنسان باسم الدين ، و دمغت الآراء باسم الفتنة ، و ما كان يجري على الواقع هو فتنة سياسية جرى تبرير أفعالها باللجوء إلى مقولة قضاء الله و قدره ، بما يعنيه من إقحام سافر للمشيئة الإلهية في ظلم الإنسان ، و سوء الظن به ، بتجريده من حق متابعة واليه أو أميره ، و تصويره خصما دينيا لا سياسيا ، فجل المسلكيات و الأفعال التي تحتفظ بها كتب التاريخ تشي بحقيقة انفصال الدين عن الممارسة السياسية للسلاطين و الأمراء و الولاة ، لدرجة الشك في " انتماءهم " للقيم المرتبطة بالرسالة الدينية ، إلا من فترات قدر لها أن تعيش أياما معدودات ، دون أن تتحول إلى سياسة قائمة الذات و المعالم .

إن الدال في فعل الحركة لا يعزى إلى الإجراء التقني و التنظيمي ، بقدر ما يتجاوز ذلك إلى امتدادات بناء ثقافة سياسية تنتصر للمجتمع المتعدد و المركب ، و القادر على التعايش في ظل توتره الخلاق ، بعيدا عن الاحتكارات المجانية للقول الفصل ، أو التمايز انطلاقا من و جهة نظر أو تأويل هو بالضرورة اجتهاد و ليس نصا مقدسا ، ما دام يرتع و يمتح من معين الاختلاف في المجال الحيوي للسياسة باعتبارها ميدانا للصراع و التناقح ، هذا المعنى هو ما يجعل من البعد الإنسي ـ النسبي حاضرا في تمثلات الفاعلين ، دون الإطلاقية و النصية و المغالاة في الارتباط بها ، و ذلك ما يحيل على تنامي سلوكات التفوق و الاستعلاء في التجربة المغربية من خلال المقولات التي رددت أو تردد في خطاب الحزب الذي يقود الحكومة في المغرب ، بشكل يتمازج فيه الوعد و الوعيد ، و يؤسس للفتنة و الضلالة بالمعنى السياسي ، لدرجة التهديد و تفجير الوضع ، في تحد سافر للمغاربة و تحقير درجة تفكيرهم حتى لا نقول " استحمارهم " ، و لا أدل على ذلك من مقولة فرملة ما سمي باحتجاجات الربيع العربي ، و هذه سوءة أكبر من أختها ، ما دام أن رياح التغيير كان من الممكن أن تعلي من سقف المطالب دون أن تكون بالضرورة علامة على الفتنة ، و تحويل المغرب إلى بلد مبلقن يسوده الرصاص و الإحن العرقية ، و ما إيقافها إلا تواطؤ ضد مجرى التاريخ الذي يحاكم بلفظ أعدائه إلى مزابله ، و إن كان من معصية سياسية في هذا المقام فهي ضمور الثقافة السياسية الخلاقة ، و تعالي صور الفتنة بمختلف الأشكال و الأقوال التي تبدعها الشبيبة الحزبية ، بما يذكرنا بمنطق الخوارج في التفكير و التكفير .

و يخص الدرس الثاني إقدام رئيس الحكومة أو وزيرها الأول تخفيض رواتب الوزراء في إطار سياسة التقشف التي رفعتها الحكومة التونسية الحالية ، فقد يبدو أن هذا الإجراء يندرج في إطار سلوك تقني أو إداري بسيط ، لكنه يعلو على كل هذه الاعتبارات و يقدم درسا راقيا في القيم النضالية ، و في طبيعة نظام القيم الذي تروم الساحة السياسية تقديمه لعموم الشعب التونسي ، حيث أن المسؤولية السياسية أو الحزبية لا تعني احتكار الجاه و السلطة من أجل الإثراء ، و تجاوز القيمة الاجتماعية للنضال السياسي ، و تعبيد الطريق للسبل الواهية في إنتاج الثروة ، خاصة و أن القيمة السياسية تقاس بشرعية الانتماء للمطالب الاجتماعية ، و مشروعية تنفيذها و الرقي بالكتلة الناخبة بتوعية أفرادها بنبل السلوك السياسي ، و قداسة البناء النضالي للقيم المدنية بتجميع مصدر الثقة في الحقل السياسي ، و جذب الكفاءة و الخبرة و القوة الاقتراحية إلى مجاله و أجندة عمله ، لذلك نحسب أن مهمة العمل السياسي هي تثوير الوعي الحقوقي و النضالي ، و إضفاء المعنى و الدلالة عليه ، دون سجنه في حقل الغنيمة و الأسلاب و الوزائع و القطائع على ذوي القربى و الأهل و القبيلة و العشيرة و ما إلى ذلك ، و هذا ما شهدناه في المغرب من خلال الأعراس الأسطورية لرموز التدين ، أو عبر الإفقار ومزيد من التفقير لجهات فقيرة على حساب نزوات عابرة ، وميولات شبقية و صلت حد المزايدة في نوعية السيارات الواجب توفرها للوزراء و رؤساء الجهات ، دون الحديث عن المبالغ التي ضخت في تقاعد ما يسمى تجاوزا بالوزراء ، تجعل من الانتماء وهما يدر على العيون من أجل المتع ، و من خدمة الصالح العام مجرد أفيون يقتات به على أمية أريد لها أن تبقى حية ساطعة ناصعة من أجل أن يستمر حلب ما تبقى من بريق شمس قاربت على الغروب و الموت العاجل ( موت السياسة في المغرب من خلال عينة و طبيعة الفاعل السياسي الذي مات فيه النضال القيمي و أصبح واقعيا أكثر من جيمس وليام يحصد و لا يبقي و لا يذر من أجل نزوات تتم على حساب الزمن السياسي و إهدار فرص البناء ).

لم تكن السياسة يوم ولدت عنوانا على الغنيمة و الأسلاب ، و إنما صراع أفكار و مشاريع من أجل بناء الوطن و القيم الفاضلة ، و نقل المجتمعات إلى سلم الحضارة و الإنسانية بعيدا عن سنة و جماعة معاوية ، و صك قسطنطين ،و شيوعية الإخوان ، و حمدلة اليسار ، و قريبا من الثقافة التونسية التي تشق طريقها بأناة مناضل يتعثر ليبني و يحاول من أجل شعب أراد الحياة و قدره لا محالة سيستجيب .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق