أضيف في 16 شتنبر 2016 الساعة 20:07

هذان الكاتبان مكانهما ''سراية المجاذيب''! (رد على باتريشيا كرونه ومايكل كوك)


إبراهيم عوض

هذان الكاتبان مكانهما "سراية المجاذيب"!

(رد على باتريشيا كرونه ومايكل كوك)

بقلم إبراهيم عوض

==========

حين كنت فى أكسفورد أدرس للحصول على الدكتورية فى النقد الأدبى الحديث فى الفترة 76- 1982م صدر كتاب "Hagarism" لباتريشيا كرونه ومايكل كوك، وهما أستاذان جامعيان يهوديان، وقرأت عنه القليل، وحضرت محاضرة أو محاضرتين للدكتورة باتريشيا، وكانت فيها حلاوة، وإن كان لها ضرس مغطى بطربوش معدنى واضح لم أرتح لرؤيته، كما كانت حركات يديها وهى تحاضر أقرب إلى الذكورية بخشونتها وحِدَّتها. ولعلها كانت تستعمل فى الإشارة يدها اليسرى. ولم أجد فى محاضرتها ما يشدنى. وأذكر أن زميلا لنا سوريا كان يدرس معنا فى نفس الجامعة، وتحت إشراف نفس الدكتور، كتب عَرْضًا لذلك الكتاب فى إحدى المجلات العربية، وأرانيه فقرأته على الطائر لصغر حجمه. وأتصور أنه كان يعارض ما جاء فى الكتاب، الذى لم أقرأه فى حينه رغم أنى قرأت آنئذ كتبا استشراقية كثيرة عن الأدب العربى والإسلام. ثم مرت الأحوال والعقود، وعرفت الكاتوب والمشباك ونزَّلتُ كتبا كثيرة منها هذا الكتاب فى أصله الإنجليزى وفى ترجمته العربية بقلم نبيل فياض على السواء منذ عدة سنين، بيد أن الفرصة لم تسنح لى كى أفكر فى قراءته إلا الأيام القليلة الماضية. وفى البحث التالى سوف أقف فقط أمام الجزء الأول منه، موضحا ما فى منهج الكاتبين من تنطع وتساخف وتغشمر وبعد عن العلمية بكل سبيل. لقد لاحظتُ أن مؤلفَىِ الكتاب ينتهجان نهجا غريبا ما أنزل الله به من سطان انتشر بآخرة فى كتابات عدد من الأوربيين، نهجا يتنكر لكل ما كتب عن الإسلام والمسلمين وتاريخهم بأيد إسلامية وافتراع طرق وأساليب جديدة تعطينا نتائج شاذة سخيفة لا يمكن أن تدخل عقل عاقل البتة، وذلك تحت ذرائع تافهة متنطعة لا أدرى كيف تواتى أولئك الباحثين أنفسُهم لقبولها. ولو أن الشيطان نفسه عصر مخه وسهر الليالى الطوال المتتابعة وكرّس نفسه تماما للإفساد والتدمير وإشاعة الفوضى والاضطراب ما استطاع أن يبلغ عشر معشار أولئك الباحثين. وقد أعلن مؤلفانا، جَرْيًا على التقليعة الجديدة التى نجمت فى الفترة الأخيرة، أنهما لن يعتمدا على المصادر والمراجع الإسلامية بل على نظائرها من مؤلفات غير المسلمين. ويا ليتهما اعتمدا على مراجع ومصادر محترمة معروفة، بل أتيا إلى مواد مجهولة لا يشعر بها أحد ولا تستأهل الثقة وأصرا على الاستناد إليها، ومنها ما يسمى بـ"الرؤى"، وهى أحلام مصطنعة كدعاوى أهل التصوف الكاذبة المنفلتة العيار عندنا بخيالاتها وأوهامها المجنحة، فضلا عن أنها تزيد على سطور قلائل. ونتيجةً لهذا نراهما ينفيان أن يكون المسلمون قد عُرِفوا بهذا الاسم قبل بناء قبة قبةبيت المقدس أو أن يكون للإسلام شخصية مستقلة، بل هو مجرد دين مسيحانى جاء ليبشر بقرب قدوم المسيح، ولذلك رحب به اليهود، الذين ينكران وجود أية أية خصومات أو عداوات بينهم وبين المسلمين فى المدينة قبل ذلك. كما يؤكدان أن المسيح الذى أتى النبى عليه السلام للتبشير به هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه... إلى آخر هذه الهلوسات المسعورة التى مكانها الوحيد هو مستشفى المجاذيب خبط لزق دون تردد أو انتظار. ويفهم من كلامهما أن من أسباب عزوفهما عن المصادر الإسلامية عدم وجود شىء منها مكتوب يرجع إلى التاريخ الذى ظهر فيه الإسلام. وهذا التنطع معناه أن كل شىء لا يوجد بشأنه نص مكتوب فى حينه لا ينبغى تصديقه ولا الأخذ به. وهذا معناه أننا سوف ننكر التاريخ البشرى كله إلا فيما ندر لأنه غير مسجل أو غير مسجل فى حينه. ولكن لِمَ يقول المتساخفون المتنطعون هذا، وتسجيلُه كتابةً عملٌ بشرىٌّ كحفظه فى الذاكرة سواء بسواء؟ هل البشرية تصير صادقة تلقائيا بمجرد أن تمسك بالقلم، وتصبح كاذبة أو على أقل تقدير: غير حقيقة بالتصديق إذا نطقت ولم تكتب؟ لكنها هى البشرية فى الحالتين، وأخلاقها هى هى! كما أن وجود شىء مكتوب لا يعنى بالضرورة أنه صحيح، فقد يكون مختلَقا أو كُتِب تحت تأثير الخوف والقلق والرعب من العقاب أو اعتراه السهو أو النسيان أو الاضطراب وغير ذلك مما يصيب الذهن البشرى ونعرفه جيدا ونتعرض له كلنا. ثم إن معظم ما سُجِّل من حوادث التاريخ فى وقته إنما أُخِذ من أفواه الرواة الذين رأَوْا وسمعوا، إذ المؤلفون بوجه عام لا يحضرون الحوادث ولا يشاهدونها أو يسمعون ما دار فيها بأنفسهم، بل ينقلون ما حُكِىَ لهم. والمهم فى الحالتين أن نحكّم عقولنا فيما نقرأ أو نسمع ونعرضه على حاستنا النقدية ونقلبه ونتحقق من صدقه بكل طريقة ممكنة، وما أكثر الطرق التى نستطيع سلوكها من أجل التيقن من صحة المادة التى تصلنا. على أن نعرف رغم ذلك كله أننا قد نتعرض للخطإ والتضليل فى نتائجنا، فنحن فى نهاية المطاف بشر. لكن يكفينا شرفا أننا اجتهدنا وُسْعَنا ولم نَأْلُ جهدا فى سبيل بلوغ الحقيقة. ولنأخذ، على سبيل التمثيل، وقائع الحملة الفرنسية على مصر، التى وصلت إلينا بقلم الجبرتى. فهى روايات سمعها الرجل ودوّنها، ولم يحضر أو يشاهد منها إلا النادر. وحتى الكتب والوثائق التى وضعها فرنسيون مشاركون فى الحملة ليست كلها شهادات عيانية، إذ لا يمكن أن يكون المؤلف من هؤلاء كان موجودا فى جميع الأماكن التى يتحرك فيها رجال الحملة من أرجاء مصر. هذا أمر مستحيل. وكذلك لا بد أن نعمل حساب التعصب والهوى والنسيان وسوء الفهم وخطإ التفسير والحساسية القومية والدينية التى لا يمكن أن يفلت منها المؤلفون الفرنسيون فى تلك الحالة. وأمامنا مثلا إعلان بونابرت أنه مسلم جاء لمساعدة الخلافة العثمانية ضد المماليك. فهذا كلام مكتوب وموثق ومسجل فى لحظتها، وهو دجل وتزييف وقح. كذلك اعتمد مؤلفا كتاب "الهاجريون" على شهادات بعض اليهود فى موضوع بدايات الإسلام، وكأن اليهود قوم صدق وأمانة ووفاء للحقيقة! ترى لو كانوا كذلك فكيف نفسر الصور الشائهة فى كتابهم المقدس، التى رسموها للأنبياء فحولوهم إلى جماعة من الكذبة والسكيرين والزناة ومضاجعى المحارم والقتلة والديايثة والحقدة الحاسدين، ومسهِّلى عبادة الأصنام، والخاضعين خضوعا مذلا لزوجاتهم الوثنيات، والذين يسيل لعابهم من شهوات الجسد؟ بل لقد رسموا لله سبحانه صورا لا تليق حتى بالبشر: فمِنْ استراحة من عناء الخلق فى اليوم السابع، إلى تَمَشٍّ فى طرقات الجنة يبحث دون جدوى عن مكان اختفاء آدم منه، إلى اشتباكه فى مصارعة مع يعقوب طوال الليل لم يستطع أن يتفلفص من تطويقه له إلا باللتيا والتى، إلى حقده على بنى آدم، الذين خلقهم بنفسه ثم غاظه أن يتكلموا كلهم بلغة واحدة فبلبل ألسنتهم تكديرا لهم وتعذيبا، إلى ندمه على أنه قد خلقهم أصلا، إلى شتائمه لبنى إسرائيل، الذين يحولهم كاتب العهد القديم إلى زوجة له يفضحها ويصف عورتها بالتفصيل كأنه زوج شعبى يعيش فى منطقة عشوائية لا تعرف الحياء ولا التستر ويتهمها فى شرفها ويرميها بالزنا قائلا إنها فتحت ساقيها لكل عابر ومارست معه الخيانة بثمن بخس زهيد... إلخ! نعم منذ متى يصح الاعتماد على اليهود فى رواياتهم عن الإسلام، وهم الذين أثبتوا أنهم آخر من يجوز الاعتماد عليه فى كتابة تاريخهم وأسفارهم المقدسة ذاتها؟ هل يصح الوثوق بصدق من يقول فى كتابه المقدس إن الابن أكبر من أبيه بعامين؟ وهل يصح أن نثق بكلام من يخطئون فى كثير من الأرقام والمقارنات الحسابية وأسماء الأشخاص والوقائع فى ذلك الكتاب؟ وليس على من يريد التحقق مما نقول إلا أن يرجع فقط إلى ما كتبه ابن حزم فى "الفِصَل فى الأهواء والملل والنِّحَل" عن الأسفار الخمسة الأولى وحدها من العهد القديم، ولسوف يذهل ذهولا لم يذهله قبلا ولن يذهله بعدا. إنها مخزاة بل مأساة بل مخزاة ومأساة معا! ثم ما الدليل على أن تلك الوثائق التى اعتمدا عليها اليهود هى وثائق صحيحة أصلا أو أنها تنتمى فعلا إلى الزمن الذى تُنْسَب إليه، وبخاصة أن العلماء كثيرا ما يختلفون فى تحديد زمنها؟ ولماذا لم ينتهزها اليهود قبل اليوم لِتَسْوِىءِ صورة الإسلام ونبيه ما دامت صحيحة ولها هذا الثقل الذى يضفيه هذان المؤلفان عليها؟ إنها كتابات بعض رجال الدين اليهودى، أى من نوعية كتبة العهد القديم بل أسوأ منهم بكثير، إذ كتبة العهد القديم هم من كبار رجال يهود وعلمائهم، أما هؤلاء فلا يصلون إلى هؤلاء قيمة ومكانة. كذلك نحن نعرف معنى الحرب المعنوية، وهى جزء من الحرب الباردة التى لا يُسْتَخْدَم فيها الرَّصاص ولا السيف، ولكن يستخدم ما هو أنجع من الرصاص والسيف فى هزيمة العدو، ألا وهو نشر الأكاذيب والشائعات ولَىُّ الحقائق والافتراء على التاريخ والإلحاح على ذلك حتى يصير جزءا من عقل القراء والسامعين لا يمكنهم تصور خلافه. ولن نذهب بعيدا فقد شنت أمريكا حملة على العراق فى عهد صدام كانت تؤكد فيها بيقين قاطع أن العراق يملك أسلحة نووية وبيولوجية تهدد العالم كله لا أمريكا وحدها، وفى ظل تلك الحملة شنت أمريكا ومعها دول أخرى الحرب على ذلك البلد الشقيق أكثر من مرة، ونشرت الدمار والأمراض السرطانية فيه، وقتلت نحو مليون مواطن، وسرقت جانبا كبيرا من آثاره، ونزحت كثيرا من ثروته، وأفشت الخصومات والمعارك المبيدة بين طوائفه... ثم ظهر بعد "خراب بصرة" (وبغداد والكوفة وغيرها من مدن العراق) أن ذلك كله لا أساس له من الصحة. وفى مصر نجد من يكتب أن خالد بن الوليد ألقى متمم بن نويرة فى ماء مغلى وسلقه والتهمه هَمّ يا مَمّ. وهناك من يقول إن جبل المقطم سمى كذلك لأنه قد تقطم بمعجزة نصرانية، مع أن اسمه كان كذلك قبل حدوث تلك المعجزة المفتراة. وهذا كله مسجل فى الكتب، وليس كلاما شفويا. وظل المصريون فى معركة الأيام الستة يظنون لعدة أيام أنهم طحنوا الجيش الإسرائيلى وحطموا طائراته كالذباب ودخلوا تل أبيب بينما كنا قد انتهينا تماما قبل بدء الاشتباكات كما اتضح فيما بعد. وكان السياسيون والصحفيون يكذبون على الشعب بدون أية ذرة من حياء. وقبل ذلك كان المصريون يعتقدون أن بلادهم قد صنعت صواريخ القاهر والظافر استعدادا لتأديب إسرائيل، بل رأوها عند تجربتها وانطلاقها فى الجو، ورئيس البلاد ينظر إليها بكل ثقة وفخار وهى ترتفع بسرعة هائلة فى الأعالى مما أسعدهم سعادة لا توصف، لكن لما وقعت الفاس فى الراس وقامت الحرب اتضح لنا أنها مجرد "فنكوش" لخداع الناس وزيادة شعبية الحاكم وتصويره بصورة البطل الصنديد الذى يسحق أعداءه بالضربة القاضية من أول جولة. وهذا كله مسجل كتابة، وصوتا وصورة، ومع هذا قد بللناه وشربنا ماءه فلم يغن عنا شيئا، ومن يومها ونحن ضائعون! وهل يبالى أحد من أسلاف من ألفوا، منذ بضعة عشر عاما، قرآنا زعموا أن الله هو مؤلفه وسَبُّونا فيه نحن المسلمين وسَبُّوا نبينا وربنا سبحانه وتعالى وقالوا إننا جميعا زناة أبناء زوانٍ، وكأن الإله الذى ألف الكتاب إله سافل مفحش اللفظ بذىء اللسان حقود مجرم شتام؟ لقد وصفهم القرآن الكريم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ومن يومها وهم يحاولون عبثا تفنيد هذه التهمة، لكن تصرفاتهم، ومنها تصنيفهم الكتاب المذكور، أكبر دليل على أنها تهمة حقيقية تجرى فى عروقهم وتسكن خلاياهم ونخاع عظامهم. فكيف يظن هذا المستشرقان المتآمران على العلم ومنهج العلم أننا سوف نصدقهم فيما يهرفون ويهلوسون؟ إن مَثَل تلك الوثائق مَثَل سيرة "عنتر بن شداد"، تلك التى تجعل من عنترة شاعرا وفارسا جاهليا وإسلاميا ويمتد عمره حتى عصر لحروب الصليبية، فيشترك فيها ويبلى بلاء فروسيا رائعا، ثم يموت بعد أن يكون قد عاش عدة قرون رحل فيها إلى بلاد فارس وبلاد الروم وبلاد اليمن وبلاد الحبشة وبلادنا المحروسة وتحدى الملوك والقادة والفرسان من كل ملة وصقع، وهزمهم شر هزيمة، وقال فى كل شىء من ذلك شعرا، فضلا عن الحروب القبلية والفردية التى دخلها وانتصر فيها كلها انتصارا مذهلا، وكذلك الغزوات الغرامية التى لم يكن فوزه فيها بأقل من فوزه فى حروب السيف والرمح والحصان. فإذا جاز لنا أن نأخذ بسيرة عنترة فى التأريخ للعرب والمسلمين جاز لنا الاعتماد على تلك الوثائق التى يصدعنا بها المؤلفان فى كتابهما. ثم هل يمكن أن يعرفنا الآخرون خيرا مما نعرف أنفسنا؟ يقول المؤلفان إن الكتابات الإسلامية تعانى من التناقض. فهل هناك تراث واحد فى الدنيا لا يعانى من وجود أشياء متناقضة فيه؟ ثم ما الغرابة فى أن يكتب اثنان مثلا فى موضوع واحد فتختلف روايتاهما؟ من الممكن أن يكون كل منهما قد نظر إلى الأمر من زاوية مختلفة أو ركز على شىء فيه يختلف مع الشىء الذى ركز عليه نظيره أو وصلته معلومات أقل أو أكثر أو تم تضليله أو نسى أو سها فلم يذكر كل ما من شأنه أن يزيل أو يخفف ذلك التناقض. ثم إن المسلمين لا يقبلون كل ما فى تراثهم على علاته بل يُعْمِلون فيه مِبْضَع التشريح والنقد، فيقبلون ويرفضون ويستدركون ويخطّئون ويصوّبون. وهذا كله أمر طبيعى لا جدال ولا عيب فيه. أما أن ننبذ كل ما لم يأت مكتوبا أو فيه شىء من التناقض فمعناه أن نرفض معظم التاريخ البشرى لأن التاريخ البشرى لم يأتنا كله مكتوبا بل القليل الضئيل منه فقط، كما أنه لا يمكن أن يخلو من تناقض. فهل هذا مما يقوله عاقل؟ ثم هل تخلو كتابات غير المسلمين من التناقض؟ أم هل تخلو كتاباتهم عن المسلمين بالذات من ذلك التناقض؟ لسوف يرى القارئ بعد قليل أن تلك الكتابات التى قرر المؤلفان الاعتماد عليها تتناقض عند حديثها عن تاريخنا: فبعضها يقول إن الناس تذكر أن بعضهم رأى النبى محمدا يقود جيوش الفتح فى الشام، وبعضها يقول إن تلك الفتوح قد تمت فى عهد عمر... وهكذا. أفلم يكن ينبغى، بمقتضى منطق المؤلفين، أن يرميا تلك الروايات جملة خلف ظهريهما ويقولا للقارئ إنه لم تكن هناك فتوح إسلامية أصلا فى الشام بل لم يكن هناك إسلام ولا يحزنون ما دام فيها ذلك التناقض؟ ودعنا الآن من أن بعض تلك الوثائق تكذب وتقول إن المسلمين يعبدون الأصنام أو إن محمدا كان يدعو أتباعه إلى عبادته ولا يبجل التوراة أو الإنجيل، مع أن دينه عليه السلام أقوى الأديان بغضا للأوثان وإدانة لعُبّادها، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يَدْعُ يوما إلى عبادة نفسه، بل كان ينهى أتباعه عن تفضيله على غيره من الأنبياء تواضعا منه وخشوعا، ودائما ما يتحدث بإجلال عن التوراة والإنجيل (النازلين من السماء). وكان يخشى الله ويتقيه تقوى خالصة مخلصة حتى إنه ليستغفر فى اليوم مائة مرة رغم أنه لم يكن ممن يجترحون أخطاء أخلاقية، كما أُمِر فى القرآن بأن يقول إنه لا يدرى ما يُفْعَل به ولا بخصومه من المشركين. وقد سبق أن قلت قبل قليل إن ابن حزم مثلا قد استخرج عشرات التناقضات الحسابية والتاريخية من الأسفار الخمسة الأوائل فى العهد القديم وحدها، وهى تناقضات لا يمكن جبرها بأى حال. والعهد القديم هو كتاب يهود المقدس، فما بالنا بما ليس كتابا مقدسا؟ بل ما بالنا بما كان رؤيا رآها صاحبها فى المنام لا ندرى كيف كانت حاله ساعتئذ وهل كان مغطى جيدا أم هل كان عورته مكشوفة؟ وهى رؤيا تشبه رؤيا يوحنا اللاهوتى بما فيها من تعقيدات واشتباكات وغموض ومبالغات، فضلا عن أن الرؤيا تتناول تواريخ مضت، ويحتار صاحبها نفسه فى تفسير بعض كلماتها الأساسية، ويربطها تعسفا بنصوص من العهد القديم غامضة بدورها، علاوة على اختلاف العلماء المحققين فى تحديد زمنها الذى سجلت فيه. ثم منذ متى كانت مثل تلك الرؤى مراجع تاريخية؟ ألا إن ذلك لعجيب! ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل لدينا كذلك العقلية المنحرفة العنادية التى يتسم بها الكاتبان، والتى تترك الطرق الواضحة اللاحبة الممهدة المأمونة المنيرة، وتلجأ إلى السبل المظلمة الملتوية. إنهما يشبهان صحفيا غير طبيعى تسكنه الهواجس والخيالات أرسلته جريدته ليقدم تقريرا عن الحالة فى إحدى المدن، فيترك المدينة التى كان ينبغى أن يعد فيها تقريره فى وضح النهار، ويلوذ ليلا بحقل ذرة متكاثف قاتم السواد يرهف السمع إلى كل ما يصوّت حوله جاعلا من الحبة قبة بل قبابا. فإذا سمع خشخشة عود حوله قال: جيش عرمرم فى طريقه إلى الهجوم على المدينة. وإذا صافح سمعَه قفزةُ ضفدعة فى قناة قريبة قال إن رقاب أهل المدينة شرعت تتساقط بسيوف المهاجمين. وإذا التقطت أذناه صرصرة جندب من جنادب الغيط قال إنه صراخ النساء على قتلاهن بأيدى الجيش المغير... وهكذا دواليك. ثم يروح ينسج من تلك الأوهام قصة طويلة عريضة مملوءة بالتفاصيل الخرافية، زاعما أن حربا طاحنة قد انفجرت بين مملكة بورينجا بقيادة عظمة سلطانها مارنجوس الأول (طويل العمر يزهزه عمره وينصره على من يعاديه! هاىْ هِئْ!) وبين مملكة سكسونيا بزعامة حبرتقوش الأعظم (طويل العمر يزهزه عمره وينصره على من يعاديه هو أيضا، هاىْ هِئْ، حتى لا نُتَّهَم بالانحياز إلى مارنجوس الأول، ونحن لا لنا فى الثور ولا فى الطحين)، وفى سبيلها إلى أن تصير حربا عالمية فى غضون ساعات! وعلى هذا النحو يتغاشم المؤلفان فيكتبان تاريخا بأكمله من خلال بعض الكلمات المعتوهة التى تركها هذا الشخص المجهول أو ذاك المخلوق النكرة حول نقطة لا ندرى مدى إلمامه بها أو مدى صدقه فى الحديث عنها. وذلك هو الجنون بعينه! ولقد قرأتُ رؤيا إيليا فلم أجد فيها شيئا عن الإسلام أو النبى محمد صلى الله عليه وسلم. أما عقيدة يعقوب فيعزو صاحبها ما فيها من حديث عن الرسول وقيادته لجيش المسلمين ودعوته بعقيدة المسيح المنتظر إلى "كلام الناس"، على طريقة العوام فى تعبيرهم المشهور: "الناس بيقولوا". وقد عَقَّب كاتب مادة "عقيدة يعقوب" فى "الويكيبيديا" الإنجليزية بأن النص مضطرب ومركب من هنا ومن هناك. كما يعزو ما يختلف منه مع كتابات المسلمين، كالقول بأن النبى عليه السلام كان يقود المسلمين فى حروبهم ضد البيزنطيين فى الشام، إلى أنه من الطبيعى فى مثل تلك الفترة المضطربة المملوءة بالحروب والقلاقل ألا نجد كتاباتٍ بيزنطيةً تصف ما جرى وصفا سليما دقيقا. بل إن النصوص البيزنطية، بعد أن استتبت الأوضاع، ظلت تقع فى الخلط الشنيع لدن حديثها عن الإسلام كما يقول. وعلى أية حال فحتى لو أخذنا هذا النص مأخذ الجد وعددناه مصدرا تاريخيا معتبرا فإنّ ظن الكاتب بأن النبى كان لا يزال حيا آنذاك ويقود جيوش المسلمين فى حروبهم ضد الروم قد يمكن تفسيره بأن النبى لم يمت قبل ذلك بأكثر من سنتين بحيث من الطبيعى أن يظن الناس فى الشام أنه لا يزال حيا، إذ لم تكن هناك صحف ولا إذاعات ولا فضائيات ولا هواتف ولا مشباك (إنترنت) ولا وكالات أنباء. كما أن الفتوح الإسلامية كانت لا تزال تخطو خطواتها الأولى، فكان الظن أنه عليه الصلاة والسلام كان يقود الجيش الإسلامى كما فعل منذ سنوات قليلة حين قاد المسلمين إلى تبوك لملاقاة الروم عند انتشار الخبر بأنهم تجمعوا على الحدود مع بلاد العرب بغية انقضاضهم على دولة الإسلام. أما بعد بضعة عشر عاما، وبعدما اتضحت الأمور، فقد ألفينا الأسقف الأرمنى سيبيوس يورد كثيرا من أخبار المسلمين على نحو أدق، ومنها هذا الخبر الذى نحن بصدده، فيجعل تمام فتوح الشام والعراق فى عهد عمر، الذى لم يذكر مع ذلك أنه كان يقود الجيوش الإسلامية بنفسه، فضلا عن القول بأن النبى كان يقودها، وإن كان فى كلامه عن الفتنة التى ثارت بين على ومعاوية قد خلط تخليطا شنيعا، إذ زعم مثلا أن الجنود المسلمين الموجودين فى مصر قد اتحدوا مع الإمبراطور البيزنطى وتعمدوا وصاروا نصارى. لقد كان يوحنا النقيوسىى المصرى، الذى عاصر فتح مصر، حريا أن يسجل فى كتابه هذا الكلام لو أنه صحيح أو له بعض أساس من الصحة. أما سكوته عن ذلك فمعناه أنه مجرد حلم من الأحلام لم يره قائله إلا فى المنام. ثم هل هذا ممكن أصلا، بله أن يكون على ذلك النطاق الواسع فى تلك الأيام الأولى من تاريخ الإسلام؟ ونعود إلى الدعوى الخاطئة بأن النبى كان لا يزال على قيد الحياة عند فتح الشام ويقود الجيوس الإسلامية بنفسه، فنقول إن فى عدد من الوثائق التى تتحدث عن هذه الفترة وأوردها روبرت هيلاند فى كتابه المذكور إشارات متكررة إلى أن فتح بيت المقدس كان فى عهد عمر. ثم إن النص اليعقوبى الذى ورد فيه هذا السخف عبارة عن رسالة حجاجية بين اليهود والنصارى تمت فى قرطاجة فى منتصف ثلاثينات القرن السابع الميلادى، وإن كانت قد سُجِّلَتْ كتابةً فى فلسطين. وهذا من شأنه ألا يجعلنا نعطيها ثقتنا. أما قول محاور يعقوب إن محمدا نبى مزيف لأن الأنبياء الحقيقيين لا يأتون بسيوف فى أيديهم فهو يناقض حَمْل يشوع بن نون وصمويل وداود وسليمان بن داود مثلا السيف وقتلهم الناس به. ثم إن العبرة بالغاية التى يحمل من أجلها الإنسان السيف، وإلا ففيم العيب فى أن يحمل النبى السيف دفاعا عن أمته ودينه وردا للعدوان عليهما، ملتزما بشريعة الله فى الحرب فلا يعتدى على أحد بدون وجه حق ولا يقتل طفلا أو امرأة أو راهبا غير مشترك فى القتال...؟ وهنا نسأل الكذاب: من يا ترى ذبح نحو ألف نبى من أنبياء البعل بالسيف لا لشىء سوى أن عقيدتهم تختلف عن عقيدته؟ أليس هو إيلياء النبى فى عهدكم القديم حسبما كتبتم بأيديكم؟ ومن يا ترى قائل الكلام التالى الذى يعلن بملء فمه أنه قد أتى بالسيف لا بالسلام: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ"؟ أليس هو المسيح؟ فلم التنطع إذن والتساخف؟ والغريب الشديد الغرابة أن طرفَىِ الحِجَاج يهوديان تم تنصيرهما قسرا، وإن قرأتُ أنهما اقتنعا بعد التنصير القسرى بصواب دينهما الجديد، وليس فى الحجاج شدة ولا توتر ولا حرارة كالتى تُتَوَقَّع من حجاج كهذا، بل هدوء وتفاهم تامان وكأننا إزاء شخص واحد يحاور نفسه حوارا عقليا افتراضيا باردا لا واقعا حيا. ثم إذا كان أحد من أولئك الكذابين قد رأى النبى وهو يحارب فكيف لم يفكر أى منهم فى تقديم وصف له ولتصرفاته وسلوكه، وبخاصة وهو يحمل السيف ويأتى هذا الأمر الشاذ المنكَر كما يزعمون؟ كذلك فبطلا القصة شخصان نكرتان لا يعرف أحد عنهما شيئا ذا قيمة، بل ليسا فى أنفسهما ذَوَىْ قيمة. الحق أنه لا يصح أبدا أن نعول على مثل تلك النصوص التى يحمِّلها المؤلفان ما لا تطيق، ويريدان أن يستخرجا منها وقائع التاريخ زورا وبهتانا. ومن هنا ألفينا روبرت هُويْلاند (Robert Hoyland) مؤلف كتاب "Seeing Islam As Others Saw It A Survey And Evaluation Of Christian Jewish And Zoroastrian Writings On Early Islam"، وهو بالمناسبة من تلامذة باتريشيا كرونه، يفسر أخطاء المؤرخين غير المسلمين فى تقديم تاريخ بعض الحوادث أو تأخيرها عن وقتها الصحيح مثلا بعدم اتخاذهم المصادر الإسلامية أصلا ومعيارا. وهذا هو الموقف السليم على عكس مؤلفَيْنا الملتاثَيْن. ولا ننس أننا فى عصرنا هذا، عصر الاتصالات اللحظية، كثيرا ما نسمع أخبارا رسمية عن وَفَيَات أو هزائم أو جرائم، ثم يتضح أنها تلفيقات كاذبة صنعت خصيصا لغرض من الأغراض السياسية. وهذه وثيقة أخرى من الوثائق المضطربة التى تشبه ما يعتمد عليه المؤلفان فى كتابة تاريخ الإسلام وحضارته، ويرجع تاريخها إلى سنة 705م. وفيها أن محمدا كان مَلِكًا لسبع سنين تلاه أبو بكر لمدة سنتين، ثم عمر لمدة اثنى عشر عاما، ثم عثمان لمدة 12 عاما آخر ظل المسلمون بعدها بدون قائد خلال حرب صِيفِى خمسة أعوام ونصفا، وبعد ذلك معاوية لمدة عشرين عاما، فابنه إيزيد لمدة 3 أعوام... إلخ. وهذه هى الوثيقة المذكورة، وهى موجودة ص394 من كتاب روبرت هويلاند: "Seeing Islam As Others Saw It A Survey And Evaluation Of Christian Jewish And Zoroastrian Writings On Early Islam". "AD ANNUM 705: A report giving information about the kingdom of the Arabs, and how many kings there were from them, and how much territory each of them held after his predecessor before he died. Ml).mt came upon the earth in 932 of Alexander, son of Philip the Macedonian (620-21); then he reigned 7 years. Then there reigned after him Abu Bakr for 2 years. And there reigned after him 'Umur for 12 years. And there reigned after him 'Uthman for 12 years, and they were without a leader during the war of $iffin ($efe) for 5 years. Thereafter Ma'wiya reigned for 20 years. And after him Izîd the son of Ma'wiya reigned for 3 years. (In margin: and after lzîd for one year they were without a leader) And after him 'Abdiilmalik reigned for 21 years. And after him his son Walid took power in AG 1017, at the beginning of first Tishrin (October 705)" أما يوحنا النقيوسى المصرى الذى كان يكتب ما عاصره من أحداث الفتح الإسلامى لمصر فكل ما كتبه فى "تاريخ العالم القديم" عن عمرو بن العاص فى وادى النيل يؤكد أن حاكم المسلمين أيام كانت معارك الفتح الإسلامى للشام ماضية فى طريقها هو عمر بن الخطاب لا الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك قوله ص207: "وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، الذى كان حينئذ فى فلسطين، خطابا يقول له فيه: "إذا لم ترسل لى إمدادات إسلامية فلن يمكننى الاستيلاء على مصر"، فأرسل إليه عُمَرُ أربعة آلاف محارب إسلامى بقيادة ابن العوام" (طبعة القمص بيشوى عبد المسيح، وترجمة ليزة عزيز إسكندر من الفرنسية). وها هو ذا النص فى أصله الفرنسى (ص437 من ترجمة زوتنبرج) ثم فى نسخته الإنجليزية بترجمة ر. هـ. تشارلز على التوالى: '"Amr, fils d'Al-'Âs, écrivit à cOmar, fils d'Al-Khattâb qui était en Palestine, une lettre dans laquelle il lui disait: Si tu n'envoies pas des renforts musulmans, je ne pourrai pas me rendre maître de Misr. 'Omar lui envoya quatre mille guerriers musulmans, commandés par un général nommé Walwâryâ,qui était de race barbare". - "And 'Amr the son of Al-As sent a letter to Omar the son of Al-Khattab in the province of Palestine to this effect: 'If thou dost not send Moslem reinforcements, I shall not be able to take Misr.' 6. And he sent him 4,000 Moslem warriors. And their general's name was Walwarja". وهو نفسه ما نجده عند ساويرس بن المقفع فى "تاريخ البطاركة"، وعند ابن العبرى فى "تاريخ مختصر الدول"، وهما من كبار رجال الدين النصارى، وكذلك فى كتاب إديث لويزا بتشر ( Edith Louisa Butcher) عن تاريخ الأمة المصرية والكنيسة الأرثوذكسية بمصر: " HISTORY OF THE CHURCH OF EGYPT BEING AN OUTLINE OP THE HISTORY OF THE EGYPTIANS UNDER THEIR SUCCESSIVE MASTERS FROM THE ROMAN CONQUEST UNTIL NOW"حيث لا تذكر أبدا سوى ما نعرفه من أن حاكم المسلمين آنذاك هو عمر بن الخطاب. وهى، حين تقول ذلك، لا تفعله اتباعا للمؤرخين المسلمين، إذ هناك أمور كثيرة جدا فى كتابها تناقض تماما ما عندنا، كما أنها دائبة الهجوم على المسلمين والتقليل من شأنهم، ودائما ما تعزو إليهم كل سوء وشر، ولا تكاد تجد لهم ميزة أو حسنة. كذلك فإن ألفرد بتلر فى كتابه: "The Arab Conquest of Egypt" يوافق المؤرخين المسلمين فى هذا الموضوع تمام الموافقة رغم أن له مصادره ومراجعه الأخرى غير الإسلامية ما بين قبطية وسريانية وأرمنية ولاتينية... إلخ. على أنْ ليس هؤلاء وحدهم هم الذين يقولون بما يقول به المؤرخون المسلمون فى تلك النقطة بل يَشْرَكُهم فيه جميع المستشرقين والمبشرين وغير المستشرقين والمبشرين والدنيا كلها طوال هاتيك القرون رغم عدم تقصيرهم بوجه عام فى بغض الإسلام ونبيه وكتابه وتاريخه. بيد أن بغضهم كان يُبْقِى على شىء من التعقل بخلاف كاتبَيْنا وأمثالهما ممن "يسوقون الهبالة على الشيطنة" ويتعمدون التشكيك فى كل شىء يذكره المسلمون حتى تفاصيل التفاصيل مما لم يفكر أحد قبلا على مدار كل هاتيك القرون فى التشكيك فيه، متظاهرين أن بإمكان المؤرخ إهمال كل ذلك التراث التاريخى الهائل والأخذ عوضا عن ذلك بكلمة تائهة هنا أو ههنا لا قيمة لها ولا يجوز الالتفات إليها أو التوقف لديها. إن المستشرقين والمبشرين بوجه عام ينكرون نبوة سيدنا محمد وإلهية القرآن مثلا، أما هؤلاء فلا مانع عندهم أن ينكروا أن يكون هناك محمد أصلا أو أن يكون قد وُلِد فى التاريخ الذى وُلِد فيه، أو مات فى التاريخ الذى نعرف جميعا أنه مات عنده، أو كانت أمه هى السيدة التى أنجبته... وهكذا بحيث ينسفون كل شىء ولا يتركون شيئا على حاله. إنها عملية تدمير شاملة لا تبقى ولا تذر. وبالمثل فإن الدنيا كلها تعرف أن لغة القرآن هى اللغة العربية، لكن هؤلاء يقولون: لا لم يكن القرآن عربيا بل هو عربى سريانى. ولا أستبعد يوما أن يقال: بل هو سريانى فقط مع بعض الكلمات العربية القليلة. ثم فى الخطوة التالية يدعون أنه سريانى خالص السريانية، فيكونون قد بلغوا القاع الأسفل من الوقاحة والخبث. وكان المستشرق البريطانى مونتجمرى وات قد رأى أن الكاتبين ضيعا وقتهما فيما لا طائل تحته، وأكد أن نظريتهما مجرد تخمينات وافتراضات لا تتسق مع الأسلوب العلمى السليم، علاوة على أن المراجع التى استخدماها غير جديرة بالاطمئنان. وتمنى لو أنهما استخدما جهدهما فى شىء مفيد بدلا من الثرثرة والتصايح وتلفيق العناصر المتنافرة من هنا وههنا والظن بأن ذلك الأسلوب كفيل بأن يوصلهما إلى غايتهما. كما قرأت فى المقالة المخصصة للكتاب فى نسخة "ويكبيديا" الإنجليزية أن المؤلفَيْن قد عادا بعد بضعة عشر عاما فتنصلا مما قالاه فيه. ولكن بعد ماذا؟ بعد خراب بصرة؟: "In 1991, Patricia Crone and Michael Cook disavowed the views that they presented in this book" والآن إلى ما قاله المؤلفان عن نص يعقوب المار ذكره: "إذا اخترنا أن نبدأ من جديد فسوف نبدأ بنص "عقيدة يعقوب" (Doctrina Jacobi)، وهو عبارة عن رسالة يونانية معادية لليهود سبّبها الاضطهاد الهراقلي. إنها موجودة على شكل حوار بين اليهود الموجودين في قرطاجة عام 634، لكن من المحتمل أيضا أنها كُتِبت في فلسطين قُبَيْل ذلك التاريخ أو بُعَيْدَه بسنوات قليلة. وفي إحدى نقاط الجدل يُشَار إلى حوادث تجري آنئذ في فلسطين، وذلك على شكل رسالة من يهودي فلسطيني، اسمه ابراهيم: لقد ظهر نبي كاذب بين السَرَسنيين... إنهم يقولون إن النبي الذي ظهر مقبل مع السرسنيين، وهو يعلن عن قدوم الممسوح الذي سيأتي، فذهبت أنا ابراهيم إلى رجل عجوز مطلع للغاية على الأسفار المقدسة وأحلت إليه المسألة، وسألته: "ما رأيك، أيها السيّد والمعلم، بالنبي الذي ظهر بين السرسنيين؟". أجاب، وهو يتأوه للغاية: "إنه دجال. وهل يأتي الأنبياء بسيف ومركبة حربية؟ إن هذه الأحداث اليوم هي حقاً أعمال فوضى... لكن اذهب، يا سيد ابراهيم، واستعلم عن النبي الذي ظهر". وهكذا قمت أنا ابراهيم بتحرياتي، وأخبرني أولئك الذين التقَوْه: "ليس ثمة من حقيقة يمكن أن توجد عند النبي المزعوم سوى إراقة الدماء. أما ما تقوله حول امتلاكه لمفاتيح الجنة، فهو أمر غير قابل للتصديق". وقد جاء تعليق الكاتبَيْن على النص كالآتى: "ثمة نقاط هامة عديدة في هذه الرواية. إحدى هذه النقاط هي عقيدة المفاتيح. إنها بالطبع غير إسلامية، لكن ثمة مؤشرات خفيفة تفيد أنها كانت عقيدة بذل التقليد الإسلامي جهدا كبيرا كي يقمعها: هنالك مجموعة تقاليد تسامت فيها مفاتيح الجنة إلى استعارة غير مؤذية. كذلك فإن قَسَمًا بيزنطيًّا بالتنكّر للإسلام يذكر الاعتقادَ القائل إن النبي كان سيأخذ مفاتيح الجنة، وذلك باعتباره، أي الاعتقاد، جزءا من العقيدة السرّية للسرسنيين". ولا أدرى ماذا يقصدان بأن التقليد الإسلامى قد بذل جهدا كبيرا كى يقمع عقيدة "مفاتيح الجنة". فهذا كلام غريب جدا علينا نحن المسلمين، إذ كان النبى عليه الصلاة والسلام متواضعا تمام التواضع لم يقل يوما إنه يملك مفاتيح الجنة لا حقيقة ولا مجازا، ولم يدَّع قط أنه سيكون مثلا جالسا بجوار الله يوم القيامة ليحاسب الناس معه، بل يأمره ربه فى القرآن بأن يقول: "ما كنتُ بِدْعًا من الرسل، وما أدرى ما يُفْعَل بى ولا بكم"، كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم أنه يستغفر ربه فى اليوم مائة مرة. وطبعا لم يكن يرتكب ذنوبا، فقد كان المثل الأعلى للبشر فى الخلق الكريم، بل المقصود أنه يعرف حدوده مع ربه وأنه ليس سوى عبد له ونبى أرسله لدعوة الناس إلى الصراط المستقيم. وهذا كل ما هنالك. ومن ثم ليس هناك أدنى مبرر للقول بأن المسلمين اجتهدوا بشدة كى يقمعوا تلك العقيدة حسبما يزعم الكاتبان. ذلك أنها لم تكن موجودة عندهم أصلا حتى يفكروا فى قمعها. أما إذا كان المقصود أنهم أرادوا قمعها عند غيرهم فمن هم أولئك الذين كانوا يعتقدون فى "مفاتيح الجنة" أولا؟ وكيف كان باستطاعة المسلمين قمعها عندهم ثانيا؟ ومتى كان المسلمون يتدخلون فى عقائد غيرهم أو يعقدون مجامع ليقرروا كل حين كيف تكون العقيدة عند هذه الفرقة أو تلك من هذا الدين أو ذاك فى المرحلة المقبلة ثالثا؟ فمن الواضح أن الكاتبين يهلوسان، وأنهما يشغلان أنفسهما ويريدان أن يشغلانا معهما ببعض أقاويل العوام التافهين، ويبنيا تاريخ الإسلام من شائعات اليهود السخيفة. ترى هل يظن الكاتبان أن الإسلام يمكن أن يتدهدى إلى هذا الدرك الأسفل من التهافت؟ أية مفاتيح تلك التى يجعلان منها محورا لبحثهما هذا؟ لعلهما يظنان أن الجنة بيت كبيوتنا له مفاتيح معلقة فى سلسلة يحملها أحدهم فى حزام سرواله وتتطوح مع حركات جسده كلما سار أو عدا محدثة شخللة وموسيقى، ويدسها فى فتحة القفل كلما أراد أن يدخل ليجدد هواء الجنة المغلقة منذ دهور حتى لا تتعطن رائحتها! ترى هل هذان باحثان؟ أم هل هما دجالان؟ أم هل هما بهلوانان؟ أيصح أن تُتَناوَل الأديان والعقائد بهذه الخفة الإجرامية؟ إنها خطة مرسومة ومقصودة لإشاعة الفوضى والاضطراب فى كل ما يتعلق بديننا وحضارتنا وتاريخنا واعتقاداتنا فيصير كل شىء متميعا لا يبعث على الثقة والاطمئنان. ثم يمضى المؤلفان قائلين: "لكن الشيء المذهل فعلا في "عقيدة يعقوب" هو قوله إن النبي كان يبشر بقدوم "الممسوح الذي سيأتي". هذا يعني أن جوهر رسالة النبي، في أقدم شهادة متاحة لنا خارج التقليد الإسلامي، يظهر باعتباره مسيانية يهودية. يعزّ على المرء التآلف مع هذه الفكرة، لكننا نكرر أنها موثقة بدليل مستقل على نحو ملفت للنظر. في الموضع الأول لدينا سِفْرٌ رُؤْيَوِيٌّ يهوديٌّ يرجع إلى منتصف القرن الميلادي الثامن يُدْعَى: "أسرار الحبر شمعون بن يوحاي"، والذي يحتفظ بتفسير مسياني للغزو العربي. وبما أن المسيا ينتمي إلى نهاية النص الرؤيوي، وليس إلى منتصفه، فهذا التفسير مأخوذ على الأرجح من سفر رؤيوي أقدم منه كُتِب مباشرة بعد الحوادث التي يشير إليها. أما ما يهمنا في بحثنا الحالي فهو المقطع التالي: حين رأى أن مملكة اسمعيل كانت آتيةً شَرَع يقول: ألم يكف ما فعلته بنا مملكة أدوم الشريرة حتى تأتينا مملكة إسمعيل أيضا؟ وللفور أجابه مِتَاتْرُون أمير التشجيع بقوله: لا تخف يا ابن الإنسان، فالقدوس المبارك لا يأتي بمملكة إسمعيل إلا لتخلّصكم من هذا الشر. إنه بحسب إرادته يقيم عليهم نبيا. وسوف يفتح لهم الأرض، وسوف يأتون ويحيونها بعظمة، وسيكون هنالك خوف مريع بينهم وبين أبناء عيسو. أجاب الحبر شمعون قائلا: كيف نعرف أنهم خلاصنا؟ أجاب: ألم يقل النبي إشعيا: "فيرى ركبًا أزواج فرسان... الخ؟"... إضافة إلى ما سبق تحتوي "الأسرار" بعض الإشارات إلى القينيين المذكورين في سفر العدد 21:24 والتي لا يمكن فهمها إلا كتفسير مسياني بديل لمسألة الغزو". وأحب أن أضيف كلمة سريعة هى أن نبيل فياض نفسه يذكر فى موضع آخر أن ثمة اختلافات حادة بين العلماء المحققين حول تاريخ نص أسرار الحبر شمعون المار ذكره آنفا ما بين فترة الحروب الصليبية على اتساعها وبين زمن الخلافة الراشدة والدولة الأموية على اتساع مساحة ذلك الزمن أيضا، وكذلك حول تفسير ما جاء فى ذلك النص وغير هذا من الاختلافات مما يدل على أن هذه النصوص التى يراد لها أن تحل محل المصادر والمراجع الإسلامية هى نصوص مشكوك فيها ولا تحظى بالإجماع على تاريخها ولا معناها. وقد جاء كلام فياض هذا فى تقديمه لرسالة بعنوان "نصان يهوديان حول بدايات الإسلام" على النحو التالى: "نُشِرَت "صلاة الحاخام شمعون بن يوحاي" للمرّة الأولى على يد أدولف يلنك Adolph Jellinek عام 1855 من مخطوطة نادرة كان يمتلكها ماركو مورتارا Marco Mortara كبير الحاخامين في مانتوا Mantua. وبدا وكأنها تعتمد جزئيا على عمل أقدم من نمط مشابه يحمل عنوان "أسرار الحاخام شمعون بن يوحاي". كان "الأسرار" قد نُشِر للمرة الأولى ضمن مختارات سالونيك عام 1743، ثم أعاد يلنك طباعته بعد ذلك. لقد عزا يلنك العمل إلى الحقبة الصليبية، لكن المؤرخ هاينريش غريتس Heinrich Graetz، عن طريق فحص دقيق، كان قادرا على أن يُظْهِر أن الأحداث والحكّام المُشَار إليهم في النص إنما يرجعون إلى الخلافة الراشدية وخلافة بني أميّة، وأنّ العمل، باستثناء مقطع مضاف من تاريخ أكثر تأخرا، كُتِب أثناء الصراع الذي أنهى الخلافة الأموية. ورغم اعتراضات شتاينشنايدر Steinschneid، الذي ما يزال يفضّل الهوية الصليبية، قُبِلَ هذا الرأي عموما. يمكن أن نجد نسخة أخرى من "الأسرار" أيضا في المدراش الذي يُدْعَى: "الملوك العشرة"، الذي نشره هورفيتس Horovitz. و"الملوك العشرة" هذا يتضمّن مقطعا يبدأ كما يلي: "هذه هي الأمور المستقبلية التي كُشِفَت للحاخام شمعون بن يوحاي"، ويتوافق على نحو واسع، رغم بعض الفروقات الهامّة، مع محتويات "الأسرار". أما زعم هورفيتس بأنّ نسخته أقدم من نسخة "الأسرار" فيصعب القبول به حيث أنّها تتضمن إشارات إلى أحداث بعد التاريخ المرجّح لذلك العمل. من ناحية أخرى فـ"الملوك العشرة" يتضمّن تفاصيل هامّة غير موجودة في نص الأسرار. وربما أنه يعتمد على نسخة أخرى أكثر قدما لم تعد موجودة. وربما أن نسخة كهذه هي التي شكّلت نقطة الانطلاق لمؤلّف "الصلاة". حتى الآن لم يُثَرْ أي جدل جدي بشأن تاريخ "الصلاة". يلنك يعزوه إلى الحقبة الصليبية، ويجد فيه "إشارات واضحة وصريحة إلى الحروب الصليبية". أمّا غريتس فبناءً على مقطع يزعم أنّه يجد فيه دلائل على المغول ينسبه بالتالي إلى القرن الثالث عشر. وهو يفسّر وجود هذا المقطع في "الأسرار" الأكثر قدما على أنه إقحام من النص اللاحق، أي من "الصلاة" ذاته. ورغم أنّ هذا التفسير لم يُقْبَل من قِبَل الكتاب اللاحقين فقد سلّم معظمهم بأن المقطعَ موضعَ التساؤل كان قد أُضِيف فعلا. يعتبر بوتنفيسر Buttenwieser أن إرجاع تاريخ النص إلى الحقبة الصليبية هو فوق التساؤل. أما باير Baer، والذي لحقه كاوفمان، فيعيد الأبوكاليبس على نحو أكثر تحديدا إلى زمن الحملة الصليبية الثالثة، ويحاول أن يصل إلى تحديد تفصيلي للأحداث التي يشير إليها. كلّ وجهات النظر هذه تعتمد على افتراض مفاده أنّ المادة التاريخية في "الصلاة" برمتها التي تعقب المقاطع الموجودة أيضا في "الأسرار" إنما تعود إلى مؤلف واحد، وتشير إلى أحداث زمنه. وقد عزا بعضهم، كما رأينا، جزءا من "الأسرار" إلى مؤلّف "الصلاة"... إلخ". ونزيد نحن بدورنا أن حوادث التاريخ قد أثبتت أن تلك الرؤيا هى هلس فى هلس، إذ لم يثبت أو يتحقق أى حرف فيها. فكيف يأتى الباحثان بعد ذلك كله ويعتمدان عليها ويستنتجان منها النتائج الخطيرة ويدعوان إلى نبذ المصادر والمراجع الإسلامية لصالحها؟ أليس ذلك هو العته بل الجنون بعينه؟ وعودة إلى كلام شمعون فى "الأسرار" نقول إنه يتصل بالنص التالى، وهو موجود فى ص 526- 527 من "Non-Muslim Conceptions of Islam" تحت عنوان "Deliverance from the Wicked Kingdom": "If among the Christians the Persian and Arab victories provoked doubts about the durability of their empire and its favoured status with God, for the Jews it inspired hopes that their unhappy period of clientage might soon be at an end. And their excitement is understandable, for historical reality indeed seemed to conform very closely to eschatological expectations in the early seventh century. The Persian-Byzantine clash was on the scale of the predicted war of Gog and Magog, and it concluded with Roman dominance "over the whole world" for a short time, which, it was said in the Talmud, was required before the Messiah son of David would come. When the emperor Heraclius decreed compulsory baptism of Jews, it was patent that the final showdown between the enemies of God's kingdom and the nation of Israel was at hand. So whereas Christians regarded the invading Arabs as God's rod for their chastisement, many Jews saw them rather as God's instrument for their deliverance. The possibly contemporary poet Yol;annan ha-Kohen called upon God to unleash the rod of his anger (Isaiah x.5), namely "the kingdom of the wild man" ( malkhiit pere ), who is Ishmael (Genesis xvi.l2), and to let him destroy the "sinful kingdom," which is Ed om (the Romans/Byzantines ). And these sentiments are captured in a contemporary apocalypse which was attributed to the second-century rabbi Simon ben Yol;ai: Since he (Simon) saw the kingdom of Ishmael that was coming, he began to say: "Was it not enough what the wicked kingdom of Edom has done to us, but [we deserve] the kingdom of Ishmael too?" At once Meta.tron, the foremost angel, answered him and said: "Do not fear, son of man, for the Almighty only brings the kingdom of Ishmael in order to deliver you from this wicked one (Edom). He raises up over them (Ishmaelites) a prophet according to His will and He will conquer the land for them, and they will come and restore it to greatness, and a great dread will come between them and the sons of Esau". ومن الواضح الجلىّ أن ثم تناغما قويا بين هذا وبين النص التالى من العهد القديم (تثنية/ 18): "15يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. 16حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً: لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ. 17قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. 18أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. 19وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. 20وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلاَمًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ. 21وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلاَمَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ 22فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ". بيد أن اليهود لم يصغوا إلى صوت كتابهم فلم يحترموا رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، بل أرادوا استغلال الفتح الإسلامى لمصلحتهم الضيقة مع البقاء على ما هم عليه بما يعنى عصيانهم لأوامر ربهم. ويأبى الله إلا أن يُظْهِر الحق على أيدى أهل الباطل كما يؤكد القارئ الكريم فى أكثر من موضع منه. ثم يستمر الكاتبان فى سوق الهبالة على الشيطنة فيقولان: "التأكيد المباشر الآخر على مسيانية "عقيدة يعقوب" يمكن أن نجده متحجرا في التراث الإسلامي حيث يكشف لنا عرضيا عن هوية المسيّا ذاته: إنه عمر الخليفة الثاني وفق الترتيب الإسلامي والذي يحتفظ حتى التقليدُ الإسلامي بلقبٍ مسيانيٍّ له هو "الفاروق"، والذي يعني "المخلِّص". في الوقت ذاته فإن دخوله القدس هو أداء مناسب لهذا الدور في حين يبدو أن "الأسرار" يجعله ينهمك في مهمة مسيانية موازية، ألا وهي إعادة بناء الهيكل. وجود عمر بالاسم لم يُتْرَك بالطبع غير مصقول في التقليد الإسلامي. وبعدما نُسِيَ المعنى الآرامي الأصلي للمصطلح بنجاح أخيرا أحرز إيتمولوجيا عربية مأمونة الجانب. كما اعتُقِد أن هذا المصطلح أكّده النبي ذاته. لقد حاول رأي أكثر قِدَمًا أن يجد تملّصا تاريخيا أكثر منه إيتمولوجيا: فإن أهل الكتاب هم الذين سَمَّوْا عمر بـ"الفاروق"، ثم انزلقت التسمية إلى حد ما على ألسنة المسلمين. إن الروايات التاريخية التفصيلية حول الطريقة التي كان يُحَيَّا بها عمر الفضولي ببراءة في سوريا، وذلك بوصفه الفاروق، تُوَازَن من ثم بما يُعْزَى إليه من أفعال تنكر على نحو مؤكّد دوره كمخلّص يهودي. لكن من المثير للسخرية أن عَزْوَ كل شيء للنبي بشكل حتمي قد يكون صحيحا في هذا المثال لأنه إذا كان ثمة دليل معاصر يفيد أن النبي كان يبشّر بقدوم المسيّا يصعب أن يكون أمرا تصادفيا أن الرجل الذي جاء بعده يحمل لقبًا مسيانيًّا صريحًا حتى في التقليد الإسلامي". ونحن المسلمين لا يهمنا ما كان يعتقده اليهود فى ذلك الوقت عن الفتح الإسلامى للشام وفلسطين، فهم أحرار فيما يعتقدون رغم أنهم، كما رأينا، يزيغون دائما عن الحق ولا تلين له أبدا أدمغتهم الصلبة، بل يهمنا أن نبين ضلال الكاتبين ونحبط عملهما الشيطانى الذى يتغيا نشر الاضطراب والالتباس فى كل شىء. ولكن قبل ذلك أود أن أنبه القارئ إلى ما قالاه عن عمر بن الخطاب فى الهامش رقم 18 من الفصل الذى نحن بصدده من كتابهما. قالا: "وجوده التاريخي ليس موضع شك: إنه بوضوح ملك الإسماعيليين الذي تزعّم غزو مصر والأقطار الأخرى، وذلك كما يقول "تاريخ سيبوس" (Sebeos) الأرمني القديم. لكنه اسمه هنا هو عمرو (Amr). فإما أن سيبيوس (ومصادر مسيحية أخرى) دمج بين عمر وعمرو (بن العاص) أو، وفق حدود تصوّرنا، أنهما فُصِلا ضمن التقليد الإسلامي". والحمد لله أنهما تعطفا وقبلا أن يكون لعمر بن الخطاب وجود تاريخى. فهما يتصرفان وكأنهما سجل مدنى يصدر الشهاداتِ التى تثبت وجود الناس أو موتهم، ويذكّراننا بالروتين المصرى الشهير إذ يقف الشخص أمام موظف السجل المدنى ومعه بطاقته، فيصرّ الموظف العبقرى على أنه ميت لأن الأوراق التى أمامه تقول بوفاته. وعبثا يحاول الشخص المعنىّ أن يقنع الموظف العبقرى بخطإ ما فى الأوراق. فالحمد لله أن موظفَيْنا لم يُصِرَّا على أن عمر ليس له وجود، وتركا الأمر هذه المرة يمضى دون ملاحاة. هذه واحدة، أما الثانية فهى أنهما قد رجعا عما قالاه آنفا من أن الرسول كان حيًّا خلال فتح الشام وفلسطين وكان يقود الجيوش الإسلامية بنفسه طبقا لكلمات طائشة وردت فى كلام أحد النكرات، فقبضا هما على تلك الكلمة بأسنانهما وأظافرهما. لقد رجعا وقالا، كما رأينا، إن عمر هو الذى تمت تلك الفتوح فى عهده. أى أنهما قد لحسا ما كانا قد تمسكا به مراغمة لحقائق التاريخ من أن النبى قد مات فى المدينة قبل فتوح الشام بسنوات. لكن كيف فهم الكاتبان أن عمر الموجود فى النص هو عمر بن الخطاب؟ النص لم يذكر سوى اسم "عمر"، بل لم يذكر سوى عمرو، فمن أين أتى كاتبانا بأنه "ابن الخطاب"؟ ومن أين لهما كل ما قالاه عن دولة الإسلام، التى لم يرد ذكرها فى النص، ومع هذا انطلقا يتحدثان عنها كأن الكلام فى النص يدور حولها؟ الواقع أنهما إنما ملآ الفراغات المعلوماتية فى النص بما يعرفانه من أقوال المؤرخين المسلمين، تلك التى أعلنا أنهما سوف ينبذانها وراء ظهريهما لأنها لا مصداقية لها لمجيئها متأخرة عن الأحداث، ويستندان فقط إلى كلام غير المسلمين لكونه مكتوبا فى إبانه. وهو ما يدل على تخبطهما وركوبهما رأسيهما عنادا وتصلبا ليس إلا. فهما إذن من الذين يُحِلُّونه عاما، ويحرّمونه عاما تبعا لأهوائهما: فإذا ما كان كلام المؤرخين المسلمين يتمشى مع ما يريدان تقريره فى العقول والنفوس أخذا به وباركاه. أما إذا خالف ما فى ضميريهما الميتين فإنهما يتنكران له ويتظاهران بالصرامة المنهجية! وهذا مجرد مثال واحد، وإلا فهو أسلوبهما الدائم فى مثل تلك الحالة. ثم كيف يكون الإسلام دنيا مسيحانيا كل وظيفته هى التبشير بمجىء مسيح جديد مع أنه دين عالمى، ومجىء المسيح دين محلى؟ وكيف يكون دينا مسيحانيا، وقد أتى لينظم الحياة من كل نواحيها ويرتقى بالحضارة الإنسانية؟ وكيف يكون دينا مسيحانيا، وقد أكد الرسول أنه آخر الأنبياء، وأنه لو كان موسى حيا لما وسعه سوى اتباعه، وأن المسيح حين يأتى فى آخر العالم سوف يسير على خطاه صلى الله عليه وسلم ويطبق شريعته فيكسر الصليب ويقتل الخنزير؟ وكيف يكون دينا مسيحانيا، وقد أعلن الرسول أن دينه يجبّ ما قبله من الأديان بما فيها دين موسى ودين عيسى؟ ثم أين فى نصوص القرآن أو فى كلامه صلى الله عليه وسلم أو فى أقوال أصحابه ما يشير إلى ذلك من قريب أو من بعيد؟ وكيف يكون دينا مسيحانيا، وقد دعا النبى محمد عليه السلام أهل الكتاب وغير أهل الكتاب إلى اعتناق الإسلام بما فيهم الملوك والعلماء ورجال الدين، واستجاب له واعتنق دعوته الكثيرون منهم؟ وكيف يكون دينا مسيحانيا، وقد تنبأ القرآن والرسول بأنه منتصر على الدين كله وأن كل ما يفعله وينفقه خصومه وأعداؤه لن ينفعهم شيئا وأنهم فى نهاية المطاف سوف يُغْلَبون؟ ثم ما دام الإسلام دينا مسيحانيا، وفسره بعض اليهود فى ضوء ما جاء فى سفر "التثنية" من أنه سبحانه وتعالى سوف يبعث من ذرية إسماعيل رسولا يجب على بنى إسرائيل اتباعه، فلم يا ترى لم يدخل بنو إسرائيل الإسلام طاعة لأوامر دينهم ووصايا ربهم؟ ثم أخيرا وليس آخرا فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح قد جاء، وانتهى الموضوع، فكيف يكون دينهم إذن دينا مسيحانيا؟ وكيف يرافئ اليهودَ على كفرهم بالمسيح وانتظارهم مسيحا جديدا لن يأتى أبدا لأنه قد أتى وطُوِيَتْ بمجيئه تلك الصفحة؟ ترى هل يمكن أن يتنكر الإسلام لعقيدته ولحقائق التاريخ فيتراجع عما كان قاله من قبل فى السيد المسيح وأنه قد أتى فعلا وانتهى الأمر؟ ثم ها هو ذا يوحنا الدمشقى من أهل القرن السابع الهجرى، وكان هو وأبوه وجده من قبله يشتغلون فى البلاط الأموى بدمشق بما يعنى أنه كان على اتصال وثيق بالمسلمين ومعرفة لصيقة بكتابهم ودينهم، يتناول فى كتابه: "De Haeresbius" بعض وقائع حياة النبى عليه الصلاة والسلام، وإن كان، فيما يخص تقويم الإسلام ونبيه، لا يتفق معنا، وهو ما رددت عليه ردا صاعقا فى مقال لى على المشباك بعنوان "الكذاب الجاهل يوحنا الدمشقى رائد الكتابات التشنيعية ضد الإسلام". قال فى كتابه المذكور عن المسلمين: "هم منحدرون من إسماعيل بن إبراهيم من هاجر، ولهذا يقال عنهم: الإسماعيليون أو الهاجريون. كما يطلق عليهم كذلك: السراسينيون، وهي مشتقة من "Sarras kenoi" أو "فقراء سارة" لأن هاجر قالت للملاك: لقد أبعدتْني سارةُ فقيرة"... ظهر بينهم نبي مزيف يدعى: محمدا. وهذا الرجل، بعد أن اطلع على العهد القديم والعهد الجديد، وبعد أن تحدث مع راهب أريوسي قام باخترع هرطقته الخاصة. وحين تسلل إلى قلوب الناس الطيبين بالتظاهر بالتقوى زعم أن كتابا نزل عليه من السماء. وقد وضع بعض المؤلفات السخيفه في ذلك الكتاب، وقدمه إليهم بوصفه شيئا مقدسا. وهو يقول إن هناك إلها واحدا خالقا لكل الأشياء لم يلد ولم يولد، وإن المسيح كلمة الله وروحه، لكنه عبد مخلوق، وهو مولود بدون بذر من مريم أخت موسى وهارون ، وإن اليهود أرادوا صلبه لكنهم قبضوا على شبيه له وصلبوه لأن الله، من محبته له، أخذه إليه في السماء، وعندما صعد إليه قال له: يا يسوع، هل قلت للناس إنك ابن الله أو إنك الله؟ فأجاب يسوع: كن رحيما بي يا إلهي. أنت تعلم أنني لم أقل هذا وأنني لم أرفض أن أكون عبدك، ولكن رجالا مخطئين كتبوا أنني قلت هذا، وقد كذبوا علي ووقعوا في الخطيئة... ثم راح يوحنا الدمشقى يهاجم عقائد الإسلام هجوما شديدا، وهى نفس العقائد التى نعرفها اليوم ولا نعرف غيرها. ولو أن ما قاله المؤلفان عن مسيحانية الدين المحمدى أو خطإ تسمية أتباعه بـ"المسلمين" حسبما جاء فى القرآن المجيد أو لم يكن هناك أصلا قرآن منذ التاريخ الذى يؤمن المسلمون بنزوله فيه على رسول الله لما سكت الدمشقى عن ذلك ولأقام مناحة عليه. وهناك أيضا ثيوفانيس المؤرخ البيزنطى الشهير من أهل القرن الثامن الميلادى، وقد كتب عن الوقائع الكبرى فى حياة الرسول الكريم بما يتفق مع كلام المسلمين بغض النظر عن تفسيره الخاطئ لبعض تلك الوقائع وتكذيبه لنبوته صلى الله عليه وسلم وتجاوزه حدود الأدب معه ورميه إياه بالصَّرْع، تلك التهمة التى فَنَّدْتُها تفصيلا فى كتابى: "مصدر القرآن" من واقع وصف الأطباء لأعراض ذلك المرض. ولو كان ما يريد الكاتبان الضلاليان إيهام القراء به صحيحا من أن دعوته هى مجرد التمهيد للمسيح المنتظر أو أن تسمية القرآن لهم بـ"المسلمين" تسمية خاطئة لأشار ثيوفانيس إلى ذلك. قال فى كتابه:"The Chronicles of Theophanes” عن أحداث سنة 630م: "في هذه السنة تُوُفِّيَ محمد زعيم العرب ونبيهم الكاذب. وقبل موته قام باختيار قريبه أبي بكر ليخلفه فى الزعامة. وعند انتشار أخباره خارج بلاد العرب انتاب الجميع الرعب. وفى البداية صَدَّقه اليهود المغرَّر بهم ظنا منهم أنه المسيح المنتظر، وانضم عدد من زعمائهم إلى دينه، تاركين موسى، الذي رأى الإله. وكان عدد هؤلاء عشرة بَقُوا إلى جانبه إلى أن اغتيل. ولكن حينما رَأَوْه يأكل لحم الإبل عرفوا أنه ليس المسيح المنتظر. ومع هذا كانوا في حيرة من أمرهم لأنهم كانوا يخشَوْن ترك دينِه، فبَقُوا معه وعلموه أشياء غير مشروعة ضدنا نحن النصارى. ومن الضروري، فيما أتصور، الحديث عن أصل ذلك الرجل. فهو ينحدر من قبيلة كبيرة ترجع بدورها إلى إسماعيل بن إبراهيم، ومن إسماعيل ينحدرُ نزار، الذي يُعْتَقَد أنه أبو العرب أجمعين. وكان لدي نزار ابنان هما مضر وربيعة، وأبناء مضر هم قريش وقيس وتميم وأسد وآخرون غير معروفين. وكانوا يعيشون بصحراء مدين في الخيام ويرعون الماشية، وكان هناك قبائل أخرى بعيدون عنهم وغير منتسبين إليهم هم قبائل قحطان، أى الحميريون. ولكون محمد مُعْدِمًا يتيما فقد عَمِل لدى سيدة غنية من أقربائه اسمها خديجة فى التجارة بأموالها مع القوافل في أسواق مصر وفلسطين. ثم أحبته وتزوجته، وكانت أرملة، وصارت له أموالها وإبلها. وعندما كان يذهب إلى فلسطين كان يختلط باليهود والنصارى ساعيا إلى الحصول منهم على المعارف الكتابية. وكان يعانى أيضا من الصَّرْع. وعندما لاحظت زوجته ذلك اعتراها الحزن لأنها، وهى الشريفة، قد ارتبطت برجل يتيم ومريض بالصرع، فعمل على خداعها قائلا إنه يشاهد دائما رؤيا فيها ملاك يدعى: جبريل، وكلما رآه سقط مغشيا عليه. فأخبرت خديجة بتلك الرؤيا صديقا لها راهبا كان قد طُرِدَ جراء عقيدته المنحرفة، فعمل على طمأنتها قائلا لها إن محمدا صادق، وإنّ الملاك المذكور هو الملاك الذى يرسله الله إلى جميع الأنبياء. وقد أصبحت خديجة، جراء كلام ذلك الراهب المزيف، أول المؤمنين بمحمد، وقامت بتبليغ الدين الجديد إلى جميع نساءِ قبيلتها، اللاتى بلغنه بدورهن إلى رجالهن. وأول من صدق به هو أبو بكر، الذي أصبح خليفته. وقد غزت بدعة هذا الرجل يثربَ عن طريق الحرب كحل أخير بعدما ظل يدعو إليها سرا عشر سنوات، ثم تسعا أخرى من خلال القتال. وقد علّم أتباعه أن من قُتِل على يد الأعداء يدخل الجنةحيث يستمتع بالطعام والشراب ومعاشرة النساء وأنهار الخمر والعسل واللبن وغير ذلك من ضروب التهتك والغباء، وأن المسلمين ينبغى أن يتراحموا ويتعاونوا ويقيلوا من يخطئ منهم من عثاره". وها هو ذا الأصل الإنجليزى لتلك السطور من طبعة سيريل مانجو وروچر سكوت ( Roger Scott Cyril Mango and): "In this year died Mouamed, the leader and false prophet of the Saracens, after appointing his kinsman Aboubacharos (to his chieftainship). At the same time his repute spread abroad and everyone was frightened. At the beginning of his advent the misguided Jews thought he was the Messiah who is awaited by them, so that some of their leaders joined him and accepted his religion while forsaking that of Moses, who saw God. Those who did so were ten in number, and they remained with him until his murder. But when they saw him eating camel meat, they realized that he was not the one they thought him to be, and were at a loss what to do; being afraid to abjure his religion, those wretched men taught him illicit things directed against us, Christians, and remained with him. I consider it necessary to give an account of this man’s origin. He was descended from a very widespread tribe, that of Ishmael, son of Abraham; for Nizaros, descendant of Ishmael, is recognized as the father of them all. He begot two sons, Moudaros and Rabias. Moudaros begot Kourasos, Kaisos, Themimes, Asados, and others unknown. All of them dwelt in the Midianite desert and kept cattle, themselves living in tents. There are also those farther away who are not of their tribe, but of that of lektan, the so-called Amanites, that is Homerites. And some of them traded on their camels. Being destitute and an orphan, the aforesaid Mouamed decided to enter the service of a rich woman who was a relative of his, called Chadiga, as a hired worker with a view to trading by camel in Egypt and Palestine. Little by little he became bolder and ingratiated himself with that woman, who was a widow, took her as a wife, and gained possession of her camels and her substance. Whenever he came to Palestine he consorted with Jews and Christians and sought from them certain scriptural matters. He was also afflicted with epilepsy. When his wife became aware of this, she was greatly distressed, inasmuch as she, a noblewoman, had married a man such as he, who was not only poor, but also an epileptic. He tried deceitfully to placate her by saying, ‘I keep seeing a vision of a certain angel called Gabriel, and being unable to bear his sight, I faint and fall down.’ Now, she had a certain monk living there, a friend of hers (who had been exiled for his depraved doctrine), and she related everything to him, including the angel’s name. Wishing to satisfy her, he said to her, ‘He has spoken the truth, for this is the angel who is sent to all the prophets.’ When she had heard the words of the false monk, she was the first to believe in Mouamed and proclaimed to other women of her tribe that he was a prophet. Thus, the report spread from women to men, and first to Aboubacharos, whom he left as his successor. This heresy prevailed in the region of Ethribos, in the last resort by war: at first secretly, for ten years, and by war another ten, and openly nine. He taught his subjects that he who kills an enemy or is killed by an enemy goes to Paradise; and he said that this paradise was one of carnal eating and drinking and intercourse with women, and had a river of wine, honey, and milk, and that the women were not like the ones down here, but different ones, and that the intercourse was long-lasting and the pleasure continuous; and other things full of profligacy and stupidity; also that men should feel sympathy for one another and help those who are wronged". ليس ذلك فحسب، بل كتب ثيوفانيس عن معركة خاضها المسلمون أغلب الظن أنها معركة مؤتة كما يتضح مما يلى: "The Muslim army intended to attack the local Arabs on a feast day. However, the vicarius Theodorus learnt about their plans and gathered a force from the garrisons of local fortresses. He determined from the Saracen the day and hour on which the emirs intended to attack, and attacked them at a place called Mothous. He killed three of them and most of their army, but one emir, Khalid (whom they call the sword of God), got away". أما ما قاله الكاتبان المهلوسان عن عمر بن الخطاب وأنه المسيح المنتظر وما إلى ذلك من الكلام الجنونى فهذا هو نصه الأصلى فى صورته الإنجليزية: "The other direct confirmation of the messianism of the Doctrina is to be found fossilised in the Islamic tradition, and incidentally reveals to us the identity of the messiah himself: 'Umar, the second caliph of the Islamic schema retains even there the messianic designation al-farûq, the Redeemer." At the same time his entry into Jerusalem is anappropriate performance in this role, while the 'Secrets' would seem to have him engage in the equally messianic task of restoring the Temple. 'Umar's embarrassing byname was not of course left unglossed in the Islamic tradition. When eventually the original Aramaic sense of the term had been successfully forgotten, it acquired a harmless Arabic etymology and was held to have been conferred by the Prophet himself. An earlier view attempted a historical rather than an etymological evasion: it was the people of the book who called 'Umar the faruq, and the appellation somehow slipped onto the tongues of the Muslims. Detailed historical accounts of the way in which an innocently curious 'Umar was hailed in Syria as the faruq are accordingly balanced by the attribution to him of acts which emphatically deny his role as a Judaic redeemer. It is ironic that the inevitable attribution of everything to the Prophet is in this instance probably right. For if there is contemporary evidence that the Prophet was preaching the coming of the messiah, it can hardly be fortuitous that the man who subsequendy came bears even in the Islamic tradition a transparently messianic title". وإن الإنسان ليأخذه العجب من طريقة المؤلفَيْن فى التحليل والاستنتاج. إنها تشبه لعبة الـ"jig saw"، التى تقوم على وضع الطفل فى ذهنه منذ البداية تجميع قطعة من هنا وأخرى من هناك ووضعها فى موضعها المرسوم من الأصل بحيث لا يتم شىء غير متوقع، بل كل شىء تحت السيطرة. أى أنك تدخل اللعبة بخطة مسبقة هى ملء الفراغات فى الشكل الجاهز سلفا لا الذى تجهزه أنت حسبما توجهك الأمور المستكشفة. لقد وضع الكاتبان فى ذهنيهما منذ البداية أن ما يقوله المسلمون عن تاريخهم ودينهم غير صحيح، وعليهما إذن أن يبحثا فى كل ما يقابلهما من مصادر ومراجع عما ينصر هذه الفكرة ويعضا عليه بالنواجذ متى وجداه، فإذا لم يجداه أتيا إلى بشىء يلويانه حتى يدل بالقوة على ما يريدان... وهكذا دواليك. ومن هنا نلاحظ بسهولة شديدة كيف أن الصورة التى يركبها الكاتبان تتكون من كلمة طائرة من هنا، وعبارة عامة من هناك، ونصف سطر من رسالة لا علاقة لها بالموضوع، وجملة من نص لا يتصل بما نحن فيه، وحاجة من الشرق وأخرى من الغرب، وشىء من عصر المبعث وشىء ثان من عصرنا... حتى تكتمل الصورة التى كانا قد رسماها فى ذهنهما مسبقا ولم يتركا نفسيهما تقودهما الحقائق المستكشفة كما قلنا. وقد تكون الكلمة أو العبارة جزءا من حلم أو رسالة كتبها أعجمى لا صلة بينه وبين الإسلام والمسلمين أو قد تكون كلاما طائرا يتناقله العوام دون تحقق أو تدقيق. وهكذا يكتب هذان المستشرقان التاريخ الإسلامى. لنأخذ أولا قولهما إن التراث الإسلامى يؤكد أن وظيفة محمد هى التبشير بقدوم المسيح المنتظر. وهو ما يعنى أن رؤيا يعقوب المار ذكرها هى الأساس، وما وظيفة التراث الإسلامى سوى تأكيد صحتها. أى أن الكاتبين يتركان كل ما كتبه المؤرخون والعلماء والمفسرون، وقبل ذلك كله القرآن والحديث، فلا يأخذان بشىء من هذا كله ويجعلان نقطة انطلاقهما بدلا من ذلك هى رؤيا يعقوب المذكور. وفى رأيهما أن محمدا لم يكن سوى مبشر بالمسيح المتوقع. ثم إن هذا المسيح المنتظر هو عمر. كيف؟ لقد نظر اليهود إليه فى الشام فترة من الوقت أثناء فتح تلك البلاد على أنه هو ذلك المسيح، وبالتالى فلا ينبغى أن يكون لنا أى مفر سوى القول بأنه فعلا هو المسيح المرجوّ. ولكن هل هناك دليل على هذا السخف؟ - نعم. أليس كان يلقب بـ"الفاروق"؟ - لكن ما وجه الصلة بين هذا اللقب وبين المسيح المنتظر؟ - الصلة واضحة، وهى أن "الفاروق" معناها "المخلِّص". - لكن الكلمة لا تعنى هذا، بل تعنى الذى يفرق بين الحق والباطل. - لا، بل هى تعنى "المخلِّص" فى الآرامية. - نعم، لكننا لسنا آراميين، ومن ثم لا تعنى عندنا هذا. ولا أحد فى بلاد العرب يعرف أو يتذكر هذا المدلول الآرامى. - لا يهم أن يتذكر العرب أو لا يتذكروا معناها بالآرامية، بل المهم أنها تدل فى الآرامية على ما نقول. فنحن مستشرقان، والمستشرق كلمته لا تنزل الأرض أبدا.... إلخ. - طيب، فلتنزل هذه المرة فقط الأرض كما نزلت كلمة الأسطى ابن حميدو فى فلم "نورماندى تو"! - "لا يمكن" يعنى "لا يمكن". نحن لسنا ابن حميدو ولا بنت حميدو. أنا بنت كرونه، وهذا ابن كوك! إننى، كما يرى القارئ، إنما أصور الأمر تصويرا كاريكاتوريا مضحكا، لكن الأمر لا يخرج فى حقيقته عن هذا، فضلا عن أنه لا يصلح للنقاش مع مثل تلك العقليات سوى ذلك الأسلوب. إن عمر، طبقا لكلام المؤلفين، هو المسيح المنتظر، ومحمد ليس سوى مبشر بعمر. لكن إن كان الأمر كذلك فلم لم يترك محمد الأمر لعمر حين ظهر عمر على مسرح الأحداث وينصرف لحال سبيله فيجلس فى كِسْر بيته يربى أولاده مع خديجة فى هدوء وأمان واستقرار بعيدا عن وجع الدماغ الذى جرّته عليه الدعوة الجديدة من خصومات وعداوات وإهانات وشتائم وقذف بالحجارة واتهامات تنال من الكرامة... إلخ. أليس كذلك؟ لكن الذى حدث هو أن المبشر بالمسيح استحلى الأمر، فاستمر فى مكانه ولم يتنحَّ كما كان ينبغى أن يفعل. ومن ناحية أخرى كان المسيح المنتظر رجلا طيبا على نياته متواضعا كبَّر مخه وسكت هو أيضا، وترك الأمور تجرى فى أعنتها ولم يبت إلا خالى البال. على أنه لم يسكت طوال حياة محمد وحده، بل ترك أبا بكر يتولى الأمر من بعد محمد أيضا. وبلغ من تواضعه وسماحة نفسه أنه، حين مات محمد، حزن أشد الحزن ولم يرد أن يصدق أنه مات وأصر على أنه قد ذهب للقاء ربه وسوف يرجع ويعاقب من أطلقوا شائعة موته. ولكن لماذا كل ذلك، وعمر يعرف أنه هو المسيح المنتظر، ومن ثم لا داعى لوجود محمد بعدما أدى مهمته فى التبشير به، بل بعدما تركه هو فى موضعه عشر سنين أخرى تقريبا؟ والله شىء يحير فعلا! هذا هو ما ينبغى أن تكون عليه الأحداث والأحاديث لو أخذنا بالنظرية الصفيقة التى قدمها لنا المؤلفان فى كتابهما هذا السخيف. ولسوف ينقلب حينئذ كل شىء نعرفه فى تاريخنا رأسا على عقب، ويتداخل كل شىء فى كل شىء آخر، ويفقد كل شىء معناه. لكن كيف يكون عمر هو المسيح المنتظر، وقد كان معاديا للدعوة الجديدة، التى تتلخص، عند كاتبينا، فى التبشير به؟ نعم كيف يكذّب المسيحُ المنتظرُ مَنْ أتى ليعلن أنه هو المسيح المنتظر؟ وبهذه الطريقة تؤلَّف الكتب وتعالَج البحوث وتُسْتَخْلَص النتائج. والمضحك أن لهؤلاء المستشرقين حواريين مخلصين من بيننا يخرون على ما يقولون من سخف عميا بكما وصما. ومن هؤلاء نبيل فياض كاره الإسلام ومصعّد التنهدات والتأوهات والزفرات تدلُّهًا فى هوى المستشرقين، ومطلق الصيحات تأكيدا بأنهم قوم عباقرة لا نظير لهم فى إجراء الدراسات والبحوث العلمية لا من قبل ولا من بعد، وقبل ذلك كله مترجم كتابنا الحالى. ولا مانع من أن يُظْهِر فياض بعض التحفظات على الكتاب الذى ترجمه كى يصدق القارئ الساذج أنه محايد وأنه يسعى وراء الحقيقة رغم ذلك الإعجاب الجامح المنحرف بالمستشرقين. ويمكن القارئ أن يأخذ لمحة عن الصلات الحميمة بين المؤلفَيْن وأمثالهما من جهة وبين فياض ومن على شاكلته من الكلمة التالية التى سجلها على سبيل الشكر فى أول ترجمة الكتاب: "بطاقة شكر: إلى السيدة باتريشيا كرونه على زيارتها لنا في دمشق وعلى كل ما أرسلته إلينا من كتب ومراجع ومصادر ساعدت للغاية في فهم أرضية كتابة هذا العمل. إلى السيد مايكل كوك الذي تفضل مشكورا بإرسال عمله الرائع: "محمد" إلينا والذي ساعدنا أيضا في فهم نظرته لصيرورة تكوين الإسلام. إلى الصديق إيكارت فورتس صاحب فكرة ترجمة هذا العمل. إلى الصديق ينس هانسن، الذي كان واسطتي في التعرّف إلى السيدة كرونه. إلى الصديق لاورانس شيكوريللي على كل مقترحاته البناءة. وأخيرا إلى الصديق د. د. هارتر، الذي لولا جهوده الخيرة لما رأت الكثير من أعمالي النور". ونبيل فياض صيدلى فى الأساس، لكنه اتجه إلى ميدان الدراسات الدينية ودرس اللاهوت النصرانى بلبنان وجعل همه الأول مهاجمة الإسلام والزعم بأنه والعقل خطان متوازيان لا يمكن ان يلتقيا وأنه مستقى من الكتب اليهودية، والتصايح باضطهاده وقمعه للطوائف والأقليات الدينية والمذهبية وإعلاء شأن النصيريين والدروز والتأكيد بأنهم أصحاب فضل علمى كبير عليه والادعاء بأن النبى محمدا عليه الصلاة والسلام إرهابى بل هو الإرهابى الأول وأن الإسلام دين ينشر الدمار وأن العرب أصحاب عقلية تدميرية وأنهم آيلون للانقراض وأن انقراضهم سيكون إنجازا عظيما، فضلا عن ترجمته الأعمال الاستشراقية التى تشكك فى الإسلام وكتابه ونبيه وأصوله وتتهمه بالأخذ عن أهل الكتاب. ومن هنا اهتم به المستشرقون فظهرت دراسات أكاديمية عنه فى بعض الدول الأوربية. ورغم أن مؤلفَىْ كتاب "Hagarism"، الذى غير هو عنوانه إلى "الهاجريون"، قد تراجعا عن "كثير" مما سطراه فيه من سخف وتنطع بارد فإنه يأبى، كأى ذيل تابع، إلا أن يظل على تعظيمه للكتاب والإشادة به. ثم عقب هذا يقول المؤلفان: "تقدّم لنا المصادر التاريخية دلائل على حميمية أكبر في العلاقات بين العرب واليهود في ذلك الوقت... لكن الأكثر وضوحا هو غياب هذه الحرارة بالكامل من ردات فعل المسيحيين المعاصرين، سواء أكانوا أرثوذكسا أم هراطقة". وهو سخف متهافت ما بعده سخف. فاليهود لم يحبوا المسلمين يوما ولم يوادّوهم بل كان كل همهم استغلال تلك الفتوح للانتقام من النصارى، وهو ما لم يحظَوْا به من المسلمين لأن الإسلام دين قائد، وليس أمام اليهود طريق للنجاة فى الآخرة إلا فى الدخول تحت ظله والإيمان بنبيه وكتابه، بينما هم بوجه عام شعب صلب الرقبة متخشب القفا لا يلين للحق، اللهم إلا أفذاذا منهم لا يقاس عليهم. أما النصارى فكيف يزعم الكاتبان أنهم لم يكونوا أودّاء تجاه الدين المحمدى الكريم، وقد اعتنقوه بالملايين؟ وإلا فكيف صارت المنطقة كلها إسلامية الصبغة على هذا النطاق الواسع؟ إن الكاتبين لا يفرقان، أو بالأحرى: لا يريدان أن يفرّقا، بين القاعدة العامة من النصارى، وهؤلاء قد وادُّوا الإسلام وأحبوه واتخذوه دينًا لهم وفاخروا بأَنْ أنقذهم الله مما كانوا مرتكِسين فيه، وبين القِلَّة الذين بَقُوا على دينهم، فمن الطبيعى ألا يحبّوا الإسلام ولا المسلمين لأن عقيدته تختلف اختلافا جذريا عن عقيدتهم فى المسيح وفى الصليب وفى الفداء وفى محمد صلى الله عليه وسلم. كما أن قوله: "ليس ثمة شيء هنا يثبت صحّة الصورة الإسلامية كحركة تخاصمت مع اليهود قبل الغزو"، بما يفيد أنه ينكر التاريخ الإسلامى فى المدينة، ذلك التاريخ الذى وقعت فيه عدة صدامات بين المسلمين وبين اليهود كما هو معروف، هو قول لا معنى له، إذ ما مصلحة المسلمين فى أن يخترعوا تلك الصدامات إذا لم تكن قد حدثت، وبخاصة صدامهم الدامى مع بنى قريظة وقتلهم بعض رجالهم؟ ثم لماذا لم يقم اليهود بعد اختراع المؤرخين المسلمين لها فيكذبوها، وهم فى تكذيبهم لها سوف يحظَوْن من جموع المسلمين بالرضا لأنهم ينفون عن الإسلام قتله بعضهم حتى لو كان هذا القتل مستحَقا مشروعا؟ إنهما يهدفان إلى القول بأن القرآن صناعة بشرية متأخرة. أليس القرآن قد ذكر الصراع الإسلامى اليهودى فى المدينة، وها هما ذان ينكران ذلك؟ ليس معنى هذا إذن سوى أن القرآن من صنع البشر كليا أو جزئيا على الأقل. ولكن إن كان الأمر كذلك فكيف سكت المسلمون جميعا على بكرة أبيهم فلم يعترض أحد على هذا، وكأنهم كلهم كانوا أمة من الكذابين أو المغيبين فانقادوا لجماعة من المزيفين اخترعت القرآن كله أو أضافت إليه ما لم يكن فيه؟ ثم أين ذهب النصارى واليهود والزرادشتيون والملاحدة الذين كانوا يخضعون للسيادة الإسلامية فلم يشنعوا على المسلمين وعلى القرآن، وهم الذين دخلوا مع المسلمين فى جدالات متعددة على طول التاريخ الإسلامى؟ لقد اتهموا المسلمين ونبيهم اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان، لكن أحدا منهم لم يفتح فمه بنأمة واحدة عن حدوث شىء كهذا قط. أما اتخاذ المؤلفَيْن من تقارب اليهود من المسلمين برهانا على أنه لم تكن هناك عداوة قط بين الفريقين فى المدينة فبرهان متهافت، إذ اليهود يغيرون جلدهم دائما حسب اتجاه الريح، علاوة على أن السياسة بحرٌ قُلَّبٌ حٌوَّلٌ لا قرار ولا استقرار له. وها هم أولاء اليهود يتحدثون فى بعض تلك النصوص عن رسول عربى أرسله الله بالمعتقدات السليمة والتشريعات القويمة والفضائل الأخلاقية الكريمة، ويشيرون فى هذا الصدد إلى نص سفر "التثنية" الذى يشتمل على تلك النبوءة، فلماذا لم يؤمنوا به إذن أو على الأقل: لماذا لم يقفوا منه موقفا شريفا يليق بقوم كرام؟ وإذا كان هذا التقارب برهانا على أن العداوات القديمة بين الفريقين ليست صحيحة فيمكننا بالتالى أن نتخذ من العداوة التى قامت بين الفريقين بعد ذلك، وبخاصة فى عصرنا هذا بسبب إسرائيل، برهانا على أنه لم يكن هناك تقارب بينهما عند فتح الشام وفلسطين. ثم ألم تكن أوربا كلها تضطهد اليهود اضطهادا وحشيا وتحيل حياتهم دائما إلى جحيم، وتراهم مصدر كل شر وفساد ومصيبة؟ فكيف بالله نصدق هذا، ونحن نراهم جميعا سمنا على عسل منذ عقود بسبب فلسطين أيضا، ويدا واحدة على المسلمين، الذين يقول الكاتبان إنهم لم يدخلوا فى عداوة مع اليهود فى المدينة بدليل أنهم كانوا عسلا على سمن فى الشام وفلسطين؟ واضح أن مصالح اليهود فى فلسطين هى التى تملى عليهم فى تلك المناسبات المختلفة مواقفهم المتغيرة. ولا داعى لكل تلك الحذلقات الماسخات! ومعروف أن المستشرقين والمبشرين يتهمون نبينا عليه السلام زورا وبهتانا بأنه كان يود اليهود والنصارى فى الوحى المكى، ثم انقلب عليهم وعاداهم واضطهدهم حين اتصل بهم فى المدينة وتحقق أنهم لن يؤمنوا به. فإذا كان هذا جائزا طبقا لكلامهم فكيف لا يجوز أن يكون اليهود والمسلمون خصوما قبل الفتوح الإسلامية الخارجية وأصدقاء عند وقوع تلك الفتوح؟ ومن جهتنا نحن المسلمين نقول إن اليهود قد رحبوا بالرسول أول مقدمه إلى يثرب ثم انقلبوا عليه بعد ذلك. فكيف نفسر هذا الأمر؟ فليحل الكاتبان لنا تلك المشكلة بدلا من ذلك التنطع السمج! ولكى ندرك أن تلك النصوص التى يطنطن بها الكاتبان لا يمكن أن تكون هى المعيار الذى نحاكم إليه الكتابات الإسلامية نسوق ما أورده الكاتبان للمطران سيبيوس، الذى كتب فى العقد السادس من القرن السابع الميلادى يقول: "كان هنالك في ذلك الوقت إسماعيلي اسمه مهميت، وكان يعمل تاجرا. لقد قدّم لهم نفسه كما لو أن الله أمره بذلك، كبشير، كطريق إلى الحقيقة، وعلّمهم كيف يعرفون إله إبراهيم لأنه كان مطلعًا على قصة موسى وملمًّا بها للغاية. ولأن الأمر جاء من العَلِىّ فقد توحدوا كلهم تحت سلطة رجل واحد في ظل شرع واحد، وعادوا إلى الإله الحي الذي كشف ذاته لأبيهم إبراهيم بعد أن هجروا عباداتهم. حرّم عليهم مهميت أكل أي حيوان ميت، شُرْب الخمر، الكذب أو الزنى. لكنه أضاف: "لقد وعد الله بهذه الأرض لإبراهيم ونسله من بعده إلى الأبد. لقد عمل بحسب وعده (الله) حين أحب إسرائيل. والآن أنتم أنتم أبناء ابراهيم، وعَبْرَكم ينجز الله الوعد الذي أعطاه لابراهيم ونسله. أحبوا فقط إله إبراهيم. اذهبوا وخذوا بلدكم التي أعطاها الرب لأبيكم ابراهيم. فما من أحد سيقدر على مقاومتكم لأن الله معكم". ثم اجتمعوا كلّهم من حويلة إلى شور التي تجاه مصر (سفر التكوين 18:25). لقد خرجوا من صحراء فاران مقسّمين إلى اثني عشر سبطا وفق سلالات آبائهم. وبين قبائلهم الاثنتي عشرة قسّموا الاثني عشر ألف إسرائيلي: ألف ألف لكل قبيلة، وذلك لهدايتهم إلى أرض إسرائيل. وانطلقوا، مخيّمًا بعد مخيم، وفق نظام آبائهم: نبايوت، قيدار، أدبئيل، مبسام، مشماع، دومة، مسّا، حدار، تيما، يطور، نافيش وقدمة (سفر التكوين 25: 15-18). هؤلاء هم أسباط اسماعيل... وجاء كل من بقي من شعوب بني إسرائيل لينضم إليهم حتى شكّلوا جيشا عظيما. ثم أرسلوا بسفير إلى إمبراطور اليونان ليقول له: "لقد أعطى الله هذه الأرض إرثا لأبينا ابراهيم ونسله من بعده. ونحن أبناء ابراهيم، وأنت أخذت بلدنا بما فيه الكفاية. تخلَّ عنها بسلام، وسوف لن نغزو بلادك، وإلا فسوف نسترد ما أخذت ونزيد عليه". هذا ما قال المطران سيبيوس، الذى يعتمد عليه هو وأمثاله كاتبانا وكأنهما قد أمسكا بالذئب من ذيله. ونلاحظ على وجه السرعة أن هناك خطأ فى المكان الذى انطلق منه المسلمون. إنه ليس صحراء فاران بل المدينة المنورة، وهى بالمناسبة ليست صحراء. كما أنه من المضحك أن يحتاج المسلمون إلى أدلاء للطريق كى يعرّفوهم خط السير الذى يوصلهم إلى أرض فلسطين، وكأن فلسطين كانت مجهولة للعرب حتى يحتاجوا إلى يهود ليرشدوهم إلى موضعها، وليست ملتصقة بحدود بلادهم. كما أن كلام الرسول والمسلمين عن فلسطين يوحى بأن خروج المسلمين من بلادهم لم يكن إلا لاسترداد بيت المقدس وما حوله، وليس لأن الدين الجديد دين عالمى قُصِد به الناس جميعا. ثم أليس من المضحك أن يتحدث المطران عن العرب وكأنهم كلهم أبناء إسماعيل، فليس هناك عرب آخرون لم ينحدروا من صلبه، وكما لو أن أسماء قبائل العرب لا تزال هى هى كما كانت تسمى طبقا لأولاد إسماعيل: نبايوت وقيدار ومشماع ومبسام... وهى أسماء لم يكن فى عرب المبعث من يتفق اسمه مع أى منها؟ ثم إذا ما كان المسلمون بهذا النقاء العقيدى والخلقى الذى لا ينكره المطران فلماذا لم يدخل فى دينهم؟ أما القول المنسوب للنبى: "اذهبوا وخذوا بلدكم" فهو كلام مضحك فى وقت عز فيه الضحك، إذ يبدو الأمر وكأن فلسطين كيس فاكهة مثلا كل ما على المسلمين أن يفعلوه هو أن يذهبوا ويحضروه ويأكلوا ما فيه! وبالإضافة إلى ذلك نسوق هنا انتقادات الكاتبين بدورهما للقصة السيبيوسية: "تبدو هذه الرواية المتعلقة بأصول الإسلام وكأنها رواية غير مألوفة. إنها أيضا واضحة في لاتاريخيتها، وذلك في مزجها لعلم نشوء الأعراق التوراتي. كما أنها مخطئة حتما في الدور الذي تعزوه لليهود اللاجئين من الرها. هذا الدور، بغض النظر تماما عن استحالته جغرافيا، مستحيل تاريخيا فعلا: فهو يعني أن دولة محمد لا يمكن أن تكون قد أسست قبل عام 628 بكثير في حين أن لدينا دليلا وثائقيا منذ عام 643 يفيد أن العرب كانوا يستخدمون تقويما يبدأ بعام 622. وكانت فلسطين المحتلة آنذاك من قِبَل الفرس ستبدو نقطة بداية أكثر معقولية بكثير بالنسبة لليهود اللاجئين من الرها". ومن هذا وذاك يتضح أن تلك الروايات المكتوبة التى يستند إليها الكاتبان لا تصلح للاعتماد عليها فى كتابة التاريخ. على أن الكاتبين المتنطعين لا يكتفيان بهذا كله، بل يمضيان فى تنطعهما فيرفضان أن يكون "المسلمون" معروفين بهذا الاسم قبل خروجهم من بلاد العرب للفتح، وأن الهجرة التى تعرف الدنيا كلها أنها تمت من مكة إلى المدينة لم يكن لها وجود، بل المقصود الهجرة من الجزيرة العربية إلى الأرض الموعودة. قال المتنطعان الغثيثان: "لا يوجد سبب معقول يدفعنا إلى الافتراض أن حاملي الهوية البدئية هذه دَعَوْا أنفسهم: "مسلمين". وأول ذكر لهذا المصطلح على نحو مبين كان في قبة الصخرة عام 691 وما بعد. ولا نجده من ناحية أخرى خارج التقليد الأدبي الإسلامي حتى القرن الثامن. لكن مصادرنا تكشف عن تسمية للجماعة أكثر قِدَمًا من السابقة، تسمية تتناسب جيدا مع سياق الأفكار التي قدمها سيبيوس. تظهر هذه التسمية في اليونانية بصيغة "ماغاريتاي" Magarita، وذلك في بردية تعود للعام 642. أما في السريانية فهي "ماهغري"Mahgre أو "ماهغرايه" Mahgraye والتي تظهر منذ البدايات، أي من أربعينيات القرن السابع. والمصطلح العربي المقابل هو "مهاجرون". ثمة فكرتان متضمنتان هنا: الأولى، وهي شبه مفقودة في التقليد الإسلامي، لها علاقة بعلم الأنساب. "المهغرايه"، كما يخبرنا مرجع سرياني قديم، هم المنحدرون من إبراهيم عبر هاجر. لكن بجانب هذه المكانة المعزوة إليهم هنالك أيضا مكانة محرزة والتي يحتفظ بها التقليد الإسلامي بالكامل. المهاجرون هم أولئك الذين يشاركون في هجرة، أيْ نَفْي. في التقليد الإسلامي نجد أن الخروج الذي نحن بصدده هو من مكة إلى المدينة، والذي يتطابق موعده مع بداية التقويم العربي عام 622. لكن ما من مصدر تاريخي قديم يشهد على صحة تاريخية هذا الخروج. والمصادر التي تم فحصها في هذا الفصل تقدّم بديلا معقولا، ألا وهو هجرة الإسماعيليين من الجزيرة العربية إلى الأرض الموعودة. هنالك نقطتان تعملان لصالح هذا البديل تستحقان أن تورَدا هنا. ففي الموضع الأول مهاجرو التقليد الإسلامي هم العنصر القائد للجماعة الدينية الغازية ليس إلا. ومع ذلك فالمصادر اليونانية والسريانية تستخدم مصطلحي "ماغاريتاي" و"مهغرايه" مع كل ظهور للإشارة إلى الجماعة ككل. ثانيا يحفظ لنا التقليد الإسلامي نماذج من استخدام "الهجرة" والمصطلحات المرتبطة بها في سياقات حيث لا تكون الهجرة ضمن الجزيرة العربية بل من الجزيرة العربية إلى الأقطار المغزوة. بل هنالك تقليد يحصر التسمية بفلسطين ضمنا: سوف تكون هنالك هجرة بعد هجرة، لكن أفضل الناس هم الذين سيتبعون هجرة إبراهيم. يمكن النظر إلى "المهغرايه" إذن باعتبارهم المشاركين الهاجريين في هجرة إلى الأرض الموعودة. وفي هذه التورية تكمن أقدم هوية للدين الذي كان عند تمام الزمن سيصبح الإسلام". وأول شىء نقوله هو أن رسائل الرسول عليه السلام إلى حكام عصره من حوله كانت تتضمن كلمات "أَسْلِمْ" و"الإسلام" و"المسلمون". وتجرى رسالة المقوقس مثلا على النحو التالى: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد فإنى أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن تَوَلَّيْتَ فعليك إثم القبط. يا أهل الكتاب، تعالَوْا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم: ألا نعبدَ إلا الله ولا نشركَ به شيئا ولا يتخذَ بعضُنا بعضًا أربابا من دون الله. فإن تَوَلَّوْا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون". وقد عُثِرَ فى العصر الحديث على رسالة المقوقس فى أحد الأديرة بمصر، وهى بطبيعة الحال مكتوبة، وهذا يحقق شرط الكاتبين. وثانيا كيف قبل الكاتبان تسمية المسلمين بـ"الإسماعيليين"، وليس هناك وثيقة بهذا مكتوبة ومختومة من السجل المدنى العربى فى عصر إسماعيل أو ممهورة من اثنين من الموظفين من أيام إسماعيل لا يقل مرتب كل منهما عن ثلاثين جنيها. وهذا إذا قبلنا بوجود إسماعيل التاريخى أصلا طبقا لتنطع كاتبينا لأنه ليست هناك وثيقة مكتوبة بذلك. وعلى نفس الشاكلة كيف يقبل المتنطعان تسمية العرب بـ"الهاجريين" نسبة إلى هاجر، التى لا نملك وثيقة مكتوبة تدل على أنها شخصية حقيقية وأنها زوجة إبراهيم، وإبراهيم أيضا يحتاج إلى دليل مكتوب يدل على أنه إنسان ذو وجود تاريخى إذ لا شهادة ميلاد له فى أيدينا، ولا أنها بعد ذلك أم إسماعيل، الذى رأينا أنه لا يتوافر أى دليل مكتوب على وجوده التاريخى. فانظر كيف يؤدى بنا تنطع الكاتبين إلى تلك النتائج المزعجة التى لا يمكننا تخطى أى منها لا بالتى ولا باللتيا. وحتى لو كان هناك شهادات رسمية بوجودهم فمن يا ترى يضمن لنا أنها ليست شهادات مضروبة؟ ثم إن هناك تسميات أخرى للمسلمين استعملها أصحاب تلك الوثائق المكتوبة منها العرب وعرب محمد والسراسنة والإسماعيليون والكفار والأتراك والبرابرة والوثنيون، والتسميتان الأخيرتان تسميتان خاطئتان وتدلان على سفالة، فلا العرب برابرة ولا كانوا يعبدون الأوثان، إذ أين العرب من البرابرة، والبرابرة من العرب؟ كما أن الإسلام هو الدين الوحيد الذى يتشدد فى رفض عبادة الأوثان تشددا رهيبا. فلماذا ترك المؤلفان المخبوطان فى عقليهما كل تلك الأسماء وتمسكا بـ"الهاجريين" رغم سرعة اختفاء تلك التسمية من الاستعمال حتى خارج ديار الإسلام لدرجة أن يخلو منها قاموس أكسفورد التاريخى ذاته بما يعنى أن اللغة الإنجليزية لا تعرفها، وبقاء "السراسنة" و"الإسماعيليين" مثلا؟ ثم لماذا يقبل المؤلفان كلام خصوم المسلمين فى تسميتهم ولا يقبلان كلامهم هم فى أنفسهم، وهم بكل تأكيد أعرف بأنفسهم من غيرهم؟ إن اتهمهم الكاتبان بالكذب فهذا الكذب يسرى على الكتابة كما يسرى على الكلام الشفوى، وكذلك ينطبق على خصومهم انطباقه عليهم هم أنفسهم. وهكذا سنظل طوال العمر فى ملاحاة كما هو الأمر فى فزورة "أيتهما أقدم: البيضة أم الدجاجة؟". ثم إن الكاتبين لم ولن يقدما أية وثيقة إسلامية تقول بأن المسلمين كانوا يطلقون على أنفسهم اسم "الهاجريين" نظرا لعدم وجود تلك الوثيقة، فلماذا يتمسكان بتلك التسمية إذن، وهى قد انكمشت وتوارت عن الأسماع؟ أهى مناقرة والسلام؟ ناس يقولون إن اسمنا المسلمون، فيأتى متنطعان فيقولان: لا بل اسمكم الهاجريون. أليست هذه رذالة؟ طبعا أنا أحاول ألا أستشهد بالقرآن والحديث وكلام المسلمين جريا فى طلق الكاتبين السخيفين لا لشىء إلا لكى أهزمهما بمنطقهما. وقد لاحظت، فى الترجمات الثلاث (الفرنسية والإنجليزية والعربية) لكتاب يوحنا النقيوسى المصرى، الذى كان معاصرا للفتح الإسلامى لمصر، استعمال كلمة "مسلمون" أكثر من ستين مرة فى الجزء الصغير الأخير من الكتاب، وهو الجزء الذى تعرض لهم فيه، إلى جانب عدة مرات ضئيلة استعمل كلمة "الإسماعيليون"، ومرات أضال: كلمة "العرب". ولم يحدث أن قابلنى فى الترجمات الثلاث اسم "الهاجريون"؟ ذلك أن مترجمى كتب غيره إلى الإنجليزية أو الفرنسية حين يأتون إلى كلمة "الهاجريين" يترجمونها بـ"المسلمين" مع إثبات كلمة "mhaggre" عقب ذلك بين قوسين، بخلاف الحال فى ترجمة كتابه إلى الفرنسية والإنجليزية والعربية، إذ لم يورد المترجمون الثلاثة إلا كلمة "المسلمين" ليس غير. كذلك قرأت فى "ويكيبيديا" الإنجليزية، وكذلك تحت عنوان "mhaggre" بموقع "mhaggre"، أن كلمة "Hagarenes" (و"mhaggre") كانت تستعمل فى الكتابات اليهودية والنصرانية والبيزنطية والسريانية فى القرن السابع الميلادى فى الأصل للحنفاء العرب، ثم اتسعت فى الاستخدام لتدل بعد ذلك على القوات المشارِكة فى الفتوح الإسلامية. فليس المسلمون إذن هم الذين كانوا يطلقون على أنفسهم ذلك الاسم بل الرومان وغيرهم، ولم يكن يطلَق على المسلمين فى الأصل بل على الحنفاء. أما إذا كان هناك نص ثنائى بالعربية ولغة أخرى فى ذلك الزمان فقد كانت تُسْتَعْمل، فى مقابل هذا اللفظ، كلمة "الجيوش". أى أن كلمة "mhaggre"، بعد هذا التطور، لم تكن تعنى "المسلمين" بل الجيوش الإسلامية، ثم تُوُسِّع فى استعمالها مرة أخرى، فيما يبدو، لتطلق على المسلمين بوجه عام. ومعنى هذا أن الكاتبَيْن قد ملآ الدنيا صراخا على الفاضى. هذا، وبعد أن انتهيت من بحثى هذا تصادف أن عثرت، بجريدة "الحياة" اللبنانية بتاريخ الجمعة، ١٨ كانون الثاني ٢٠١٣م، على المقال التالى لهيثم مزاحم، فوجدت من المفيد أن أضمنه بحثى، وهذا نصه: "كتاب "الإسلام المبكّر- الاستشراق الأنغلوسكسوني الجديد: باتريسيا كرون ومايكل كوك أنموذجًا" هو في الأصل أطروحة جامعية للباحثة التونسية آمنة الجبلاوي. والمستشرقان: الدنماركية باتريشيا كرون والبريطاني الأميركي مايكل كوك ينتميان إلى "مدرسة الاستشراق الجديد" أو ما يعرف بـ"المدرسة الجذرية أو التصحيحية" (Reviosinism)، التي برزت في سبعينات القرن العشرين مع المستشرق الأميركي جون وانسبرو في محاولة لإعادة فهم جذور الإسلام ونشأته عبر التشكيك بوثائقية النصوص الإسلامية واللجوء إلى مصادر غير إسلامية معاصرة لنشأة الإسلام من يونانية وآرامية وبيزنطية وأرمينية وعبرية. يرى أستاذنا الدكتور رضوان السيّد، في دراسته: "المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصائر"، أن طرائق هؤلاء النقديين والمراجعين الجذريين للاستشراق تفكيكية وأنثروبولوجية تسعى لتحطيم الصورة السائدة في الدراسات العلمية الاستشراقية عن ماضي المسلمين وحاضرهم. باتريشيا كرون ومايكل كوك، وهما تلميذان لوانسبرو، نشرا كتابًا مشتركًا أطلقا عليه اسم "الهاجرية" (Hagarism) أثار ردودًا في الدراسات الاستشراقية، إذ وجّه المستشرقُ الألمانيُّ الشهيرُ جوزيف فان أس نقدًا موجعًا لهما في مراجعة لعملهما: "الهاجرية" بسبب سوء فهمهما للإسلام وتقاليده وآثاره. ولاحظت آمنة الجبلاوي أن كوك وكرون قد تشبثا بمنهج واحد غلب على المدرسة الأنغلوساكسونية في أعمالها، وهو المنهج المادي الأركيولوجي (المتعلق بعلم الآثار) فيما اتبعت المدرسة الألمانية خطًا فيلولوجيًّا تاريخيًّا، واتبعت المدرسة الفرنكوفونية خطًّا تفكيكيًّا في مقاربتها للدراسات الإسلامية. وأوضحت أن كوك قد ركز على الجانب العرقي في كتابه: "محمد"، واعتبر أن السامية العربية غير أصيلة بما أن هاجر أم إسماعيل هي أمة مصرية سوداء فيما خصّص أكثر من صفحة للتشكيك في توحيدية إسماعيل، وجعل وراثة الجذور الإبراهيمية من حق إسحاق وذريته فحسب. ولا شك أن يهودية كوك قد لعبت دورًا في هذا الموقف العنصري والذي يفسّر محاولته وكرون في "الهاجرية" أن يصوّرا الإسلام وكأنه استنساخ مشوّه للمذهب السامري اليهودي. وتنقل الجبلاوي عن كرون وكوك قولهما إن كل ما قيل عن الإسلام "المبكّر" ينطلق من مسلمة فحواها أنه يمكن استخراج الخطوط الكبرى لعملية نشأة الإسلام من خلال المصادر الإسلامية. ولكننا نعلم جيدًا أن هذه المصادر متأخرة، فأول أثر عن وجود القرآن يعود إلى آخر عقد من القرن السابع الميلادي، أي القرن الأول الهجري. أما الحديث وغيره من الروايات التي تتعلق بعملية كتابة الوحي فلا أثر يقرّها قبل بداية النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، أي الثاني للهجرة. ويدعو الباحثان إلى النظر إلى السنّة الإسلامية (Tradition) على أنها خالية من مضمون تاريخي محدد، ويزعمان أن ما يُعْتَبَر روايات لأحداث دينية تعود إلى القرن الأول للهجرة لا تصلح إلا كي تُعْتَمَد في دراسة الأفكار الدينية في القرن الثاني للهجرة. ويزعم المستشرقان أن جوهر الرسالة المحمدية يهودي النزعة بسبب قول الرسول إنه الرسول المنتظر واعتقاد بعض اليهود أن محمدًا هو مسيحهم المنتظر. ويدعمه سفر الرؤيا المعنون: "أسرار الحاخام شمعون بن يوحاي". وينقل كرون وكوك أن في تاريخ الإمبراطور هرقليوس الذي وضعه الأب سيبيوس بالأرمينية شخصًا يدعى: المسيح المنتظر "عمر"، ويعتقدان أن هناك خلطًا قد وقع بين شخصية عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص في بعض المصادر المسيحية، ويشيران إلى رواية تاريخ الطبري عن زيارة عمر الرابعة إلى سورية راكبًا حمارًا. ولعل هذه المزاعم ينقض بعضها بعضًا. فإذا كانت المصادر غير الإسلامية، وهي مسيحية أو يهودية معادية للإسلام وذات طبيعة سجالية لاهوتية، تخلط بين محمد وعمر، وبين عمر وعمرو بن العاص، فكيف نستند إليها في فهم نشأة الإسلام ونستغني عن المصادر الإسلامية؟ يتهم المستشرقان النصوص العربية بعدم الموثوقية وبكثرة النحل انطلاقًا من دافع بناء الدولة الإسلامية، ومن انتماء واضعي النصوص إلى نخبة متواطئة مع سلطة سنّية حاكمة، ومن حاجة العلماء إلى تقديم صورة مثالية ومتماسكة عن الدين الذي رفع من شأنهم. ولكن ألا يصح الأمر نفسه على النصوص غير العربية: المسيحية واليهودية المعاصرة لنشأة الإسلام؟ ألا ينتمي واضعوها إلى نخب دينية قد تكون متواطئة مع السلطة الحاكمة المسيحية أو اليهودية المعادية للدين الجديد؟ وألا يمكن اتهامهم بعدم الموثوقية والنحل والتحريف لتشويه الإسلام؟ ويواصل كوك وكرون بناءهما التخيّلي لنشأة الإسلام اعتمادًا على مخطوطات سريانية ويونانية، فيزعمان أن المسلمين الأوائل لم يحملوا اسم "المسلمين" في بداية الدعوة، بل حملوا اسمًا مبكرًا هو "مهجراي" أو "هاجري" Mahgraye بحسب برديٍّ يونانيٍّ يعود الى عام 642م ومصدر سرياني يعود الى عام 640م، بينما أول أثر ترد فيه عبارة "إسلام" يمكن أن يؤرخ بشكل دقيق عام 691م في قبة الصخرة في القدس. ويذهبان في تخيلاتهما إلى أن هجرة المسلمين لم تكن من مكة إلى يثرب بل من الجزيرة العربية إلى الأرض الموعودة: فلسطين. ولعل الكاتبين يخلطان بين تسمية "المهاجرين"، أي المسلمين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وبين لفظ "المهجراي أو الهاجريين"، الذي يبدو أن اليهود والمسيحيين في سورية وفلسطين قد أطلقوه على المسلمين لتعريفهم نسبةً إلى نسبهم الممتد إلى هاجر زوجة النبي إبراهيم، أم اسماعيل. ويشير كرون وكوك إلى أن المسلمين الهاجريين قد تأثروا باليهود السامريين ونقلوا عنهم بحيث يمثّل الحرم المكي أول أثر للتأثر الإسلامي بالسامرية. فقد ارتكزت السامرية على رفض قداسة "أورشليم" وتعويضها بحرم إسرائيلي أشد قِدَمًا. ويشكّك المستشرقان في صحة نسبة الكعبة، الحرم الإبراهيمي الإسماعيلي بحسب المدوّنة الإسلامية، إلى اسماعيل، بل يشكّكان في وجود مكة نفسها في فترة نشأة الإسلام. وذلك لأن أول مصدر غير إسلامي يتحدث عنها ، وهو مصدر سرياني يعود إلى أواخر القرن السابع، هذا المصدر المسيحي الذي يعود إلى بداية حكم هشام يحدد موقع بيت إبراهيم بين مدينة "أور" (جنوب العراق) وحرّان (في سورية). ويتابعان نقد الجغرافيا المقدسة الإسلامية فيشكّكان في موقع الحجاز ويثرب ويعتقدان أن الطائف تتلاقى في أكثر من صفة مع مدينة "سخيم" الواقعة في سفح جبل "الجارزيم"، وهو جبل يقع في سلسلة جبال مدينة نابلس الفلسطينية. ونابلس هي السامرة قديمًا. ويحاول الباحثان في عملهما الكبير: "الهاجرية" وفي أعمال أخرى التشكيك بالمسلمات الإسلامية بدءًا من "تسمية الإسلام" وصولًا إلى وجود مكة ومكان الكعبة وجغرافية يثرب والطائف وغيرهما، والاستدلال بالمصادر غير الإسلامية للقول إن الإسلام نشأ في فلسطين وإن الرسول محمد قد نقله عن السامرية محاولين المقارنة بين تلقي محمد الوحي في غار حراء وتلقي موسى الوحي في سيناء، أو بين الحج في عرفات وحج السامريين إلى جبل الجارزيم في نابلس. وهي مقارنة لا تخلو من تبسيط وقلة فهم للإسلام وطبيعية تشابهه وتقاطعه مع الديانتين السماويتين المسيحية واليهودية في الكثير من العقائد والطقوس لكون مصدرهما واحدا. كما يعتبر كوك وكرون أن النقل الثاني الذي نقله المسلمون عن السامرية هو البحث عن مشروعية للنفوذ السياسي الهاجري، فكانت الإمامة الإسلامية تقليدا للسامرية السياسية، التي أضفت مشروعية مستمرة على الكهانة الهارونية، وجعلت تمازجًا بين النفوذ الديني والسياسي. وتأخذ الباحثة الجبلاوي على المستشرقين كرون وكوك عيوبًا عدة في أعمالهما أبرزها المنهج التجريبي الذي يبني النظرية التاريخية حول ثلاثة معطيات: أولها المصادر غير الإسلامية، وثانيها المخطوطات العربية، وثالثها الشهادات التي نستقيها من الآثار (قطعة نقود، شاهد قبر... إلخ). وتحصر الجبلاوي العيوب الأخرى التي يمكن نسبتها إلى الموروث النظري الاستشراقي في نقاط خمسة هي: الإسقاطات والخلط التاريخي والذرائعية والإلغائية الآلية وأخيرًا الانتقائية. أما الإسقاط الكتابي فيتمثل بتطبيق المستشرقين للمناهج الفيلولوجية في نقد النصوص المقدسة اليهودية والمسيحية على النصوص الإسلامية، وهذا تصوّر قاصر لأن تأخر هذه النصوص عن تاريخ الوحي الحيّ هو تصوّر يقترن بتاريخ هذه النصوص الكتابية ولا ينطبق على الوحي القرآني. يعلّق المستشرق البريطاني سرجنت على مقالة كرون في تاريخ الإسلام الأول قائلًا إن "جلّ حجج كرون قائمة على نفي البديهيات وتقديم حجج قائمة على السلب، وإن مفاهيمها خاطئة ومثيرة للجدل". أما بشأن الاعتماد على المصادر غير الإسلامية فإن الجبلاوي تؤكّد استحالة اعتبار هذه المصادر بريئة تماما أو على الأقلّ أكثر تجرّدًا من المصادر الإسلامية، فهي نابعة من شهادات مَنْ هم في موقع المنخرط في الصراعات الدينية والعسكرية والسياسية مع الحضارة الإسلامية. وقد وجّهت الجبلاوي نقدًا شديدًا لمنهج كوك وكرون وأظهرت التنافر الكبير بين ادّعاءاتهما العلمية وبين حقيقة الاختيارات المتبعة من قِبَلهما، من خلال محاولة تطويع المادة التاريخية بحيث تتناسب والنتائج التي يريدانها. فهل قلة الثقة في سلامة المادة المصدرية العربية هي ما يدفع المستشرقين حقا لعدم إيلائها العناية اللازمة؟ ذلك ما يصرح به كلاهما على الأقل، لكنهما لا يحترمان مبدأ القرب الزمني دائمًا، فيستعملان مثلا مادة مسيحية تعود إلى القرن العاشر الميلادي، بل يعودان أحيانًا إلى المصادر العربية التي قالا بإقصائها بصفة مطلقة إذا ما صادف أن وافقت افتراضاتهما!". ولا بأس فى نهاية المقال أن أرفه على القراء فأنقل مقالا كان إبراهيم المازنى قد كتبه يرد به ساخرا على د. طه حسين لاعتماده فى رفض وجود مجنون ليلى الشاعر الأموى المشهور على مثل ما يعتمد عليه مؤلفانا فى رفض الروايات الإسلامية كلها عند التأريخ لحضارة الإسلام وتاريخه والأخذ بدلا من ذلك ببعض السطور من هنا أو من هاهنا لبعض المجاهيل الذين لم تكن لهم صلة بالعرب ولا ببلاد العرب أو تاريخ العرب، ويعتمدون فى كلامهم عن العرب على "كلام الناس" لا على المعاينة أو القرب من الأحداث أو سؤال من له علاقة مباشرة بالأحداث ويُطْمَأَنّ إليه فيضحكان الناس عليهما. وهذا المقال موجود فى كتاب المازنى المسمى: "حصاد الهشيم" تحت عنوان "طه ومجنون ليلى". قال المازنى: "باسم الله وما توفيقي إلا بالله. وبعد، أيها القراء، فقد هداني البحث والتقصي مع الأسف إلى حقيقةٍ خَفِيَتْ عليكم، حقيقةٍ إِنْ سَرَّني أني وُفِّقْتُ إليها لقد ساءني والله أنها نَسَخَتْ حُلْمًا لذيذًا عشت به زمنًا رَغْدًا. فليست كلُّ حقيقةٍ سارةً، وما كلُّ حُلْمٍ يشتهي المرء أن يفيق من أضغاثه. ولكنه "التعمق في البحث والإلحاح في التحقيق العلمي" قاتلهما الله! والتحقيق العلمي كالجيلوتين! لا يرحم ولا يدركه العطف على الأوهام التي يحصدها والخرافات التي يطير رءوسها عن أبدانها التي تتكون على الأيام كجزائر المرجان. وأوجز على خلاف عادتي فأقول: إن "صديقي" الدكتور طه حسين الذي سمعتم به وقرأتم ما كتبته عنه شخص لا وجود له في دنيانا هذه، وإنه من مخلوقات الخيال ليس إلا! أتهزُّون رءوسكم إنكارًا؟ يا سبحان الله! وهل هو أضخم شأنًا أو أحقّ بأن يكون مخلوقًا حقيقيًّا من هومر الذي يذهب الكثيرون من جِلّة العلماء المحققين إلى أنه اسم خرافي، أو من شكسبير الذي يزعم بعضهم أنه اسم انتحله واستتر وراءه خلافه؟ كلا! لا محل للإنكار ورفض التصديق. والقدرة الإلهية التي تفني الموجود لا يعجزها ألا توجده أصلًا. والمرء بعد أن يعود ترابًا في تراب تحت تراب كما يقول الخيام يجري ذكره على "بعض" الألسنة ثم يقل وروده عليها يومًا بعد يوم حتى تُطْوَى صحيفته ويتم محوه فكأنه ما كان. وذاك مرجوعنا جميعًا بإذن الله في هذه الدنيا التي لا تتسع لنا إلا فوجًا في إثر فوج. وهَبُوا الدكتور حقيقة مادية نلمسها ونحسها إذا شئنا فماذا يضيره أن ننكر وجوده؟ أليس الثابت على كل حال أنه، بعد عمر طويل إن كان يشتهي طول العمر، سيَحُور صدًى تتجاوب به كهوف بعض النفوس أو على الأكثر كتابًا أو كتبًا تتداولها الأيدي؟ نعم، وما أحسبه يمكن أن يطمع في أكثر من هذا لأنه ليس ثم ما هو أكثر من ذلك. وهذه كتبه بين أيدينا، فماذا إذن؟ ما حاجتنا إلى صاحبها؟ لماذا ينبغي أن يكون لها صاحب موجود؟ ويا سيدي القارئ، إن هذا الذي "يتسمى" الدكتور طه حسين ينكر في إحدى مقالاته المعزوّة إليه أن شخصًا اسمه "مجنون ليلى" دبَّ على ظهر الأرض، ويزعمه طائفة محشودة من القصص ابتكرها أكثر من واحد. ودليله على ذلك أن الرواة تضاربوا في شأن هذا المجنون وبالغوا وجاوزوا المعقول. ولا أدري ماذا صنعوا أيضًا! أفلا نستطيع نحن، قياسًا على هذا المنطق، أن نشك في وجود من نشاء، بل أن ننكر وجوده بتاتًا؟ نعم يسعنا ذلك بلا ريب. ومن ترى أحق بأن يطبق عليه هذا المنطق من صاحبه؟ ويعز علينا أن نمحو من الدنيا رجلًا قبل أن تُعَفِّيَ عليه الأيام كما ستعفّي علينا أجمعين، ولكن المثل يقول: "كما تدين تدان". ولقد أسلفنا لك أن الدكتور لم يتحرج أن ينكر أن مجنون ليلى وُجِد في الدنيا ولم يصده عن هذا الإنكار القاسي حتى ولا العاطفة الفنية. ورحم الله ابن الرومي، فقد كان يقول: ولو أنني أحييت مَيْتًا عشقتُه بحُسْنِ الذي آثرتُ فيه من الحسنى ولكن الدكتور يعمد إلى صورة حية فيحاول بمنطقه أن يقضي عليه ويفجعنا فيها ويسلبنا إياها، ويحسب أن قصة المجنون يمكن أن تبقى لها روعتها وجمالها وأخذها بعد أن تفقد الأصل وتخسر عنصر الوحدة فيها، وبعد أن تصبح مرقَّعة كأسمال المتسوِّلين! فها قد قيَّض الله للدكتور مجنونًا آخر ينكر وجوده كما أنكر هو وجود المجنون القديم! وإنه لانتصاف! فما يضير صاحبَ ليلى ما يقول الدكتور فيه. فأما الدكتور فسيحتاج بعد اليوم إلى كل من عنده من الشهود وما في جَعْبَته من الأوراق ليثبت أن لاسمه مسمًّى. وهيهات! كنت جالسًا ذات يوم مع صديقي الأستاذ العقاد، فتذاكرنا حديث الأربعاء وصاحبه بمناسبة ما كتبته عنه، واستطردنا إلى طريقته في البحث: "التحقيق العلمي" ثم إلى سيرة مجنون ليلى، فقال الأستاذ العقاد: عن أي شيء يُسْفِر البحث يا ترى لو نسجنا على منوال الدكتور فيما كتبه عن المجنون؟ إنه لا يبقى منه شيء كما لم يُبْقِ هو شيئًا من المجنون. والحق أقول إن مقترح العقاد راقني، وإن نفسي ظلت تنازعني بعد ذلك أن أتولى إمضاء هذه الفكرة، فلبثت أتردد حتى لم أعد أستطيع المقاومة. وقد أقنعت نفسي بقولي لها إن العقاد لا يضيره أن أسطو على فكرة أو أفكار له، فإنه أغنى من ذلك، وأنا أفقر من أن أدعها له، وإن كنت أردها بهذا الإعلان إليه. وبعد هذا البيان الذي لا بد منه أقول: لنفترض أن مؤرخًا في القرن الثالث والعشرين مثلًا تناول حياة الدكتور بمثل تمحيصه وتحقيقه العلمي، فهل تكون النتيجة إلا كما يأتي: يزعمون أن رجلًا اسمه الدكتور طه حسين عاش بمصر في أوليات القرن العشرين، وأنه صاحب هذه الكتب المختلفة التي نسبوها إليه ونحلوه إياها. ولكن كل ما اطلعت عليه مما يُعْزَى له يحملني على التردد بين رأيين: أحدهما أن يكون هناك أناس كثيرون يتسمَّوْن: "طه حسين"، وثانيهما أن يكون هذا اسمًا استعاره فردٌ أو عدة أفراد لما كتبوه ونشروه. ذلك أنه، على ما رُوِيَ، أزهري النشأة، والأزهر هذا جامعة إسلامية كبرى يلبس طلابها الجبة والقفطان والعمامة أو ما ماثل ذلك من ثياب العامة في ذلك الوقت مما تجد نماذج منه في المتاحف. فهو على هذا "شيخ". ويقولون إنه كان في صدر أيامه هذه يكتب في صحيفة يومية اسمها "الجريدة"، ولكني راجعت مجموعة هذه "الجريدة" في دار الكتب فألفيت أحد أدباء ذاك العصر واسمه "عبد الرحمن شكري" يسميه: "طه أفندي حسين" في مقال له. وهو ما لا سبيل إلى حمله على أنه خطأ أو زلة قلم لأن الفرق بين الأفندي والشيخ كان من الوضوح، والاختلاف في التعليم وفي النشأة والوسط والزي كان من الشدة، بحيث لا يعقل أن يقع الخلط بينهما. فهل طه أفندي حسين هو عين الشيخ طه حسين؟ ولا شك أن شكري كان يعرف المعنيّ ﺑ"طه أفندي حسين"، فقد كانت بينهما ملاحاة تدل على ذلك قصيدة نشرتها الجريدة بإمضاء "طه حسين" ومطلعها: قل لشكري، فقد غلا وتمادى: بعض ما أنت فيه يشفي الفؤادا وأَحْرِ بمتهاجيَيْن أن يعرف كل منهما صاحبه وألا يجعله "أفنديًّا" وهو شيخ. ومما هو خليق أن يضاعف الشك في أنهما شخص واحد أن الشعر لم يكن من أدوات الشيخ طه حسين، وأن ناشري كتبه ومترجمي حياته لم ينسبوا إليه بيتًا واحدًا. ويعزى إلى طه حسين، ولا أدري أيهما، مقال بل عدة مقالات في الجريدة يدعو فيها إلى تغيير الهجاء ورسم الكلمات. فهل كان الداعي إلى هذا والملحُّ فيه الشيخ طه أو طه أفندي؟ أما الشيخ طه فكان، على ما يقولون، مكفوف البصر، وكان في ذلك الوقت لا يزال طالبًا بالأزهر، ومن المعلوم أن طلبة الأزهر كانوا من "المحافظين" ومن أشد طبقات المتعلمين استنكارًا للبدع ونفورًا من أصحابها، وكثيرًا ما كانوا يتجاوزون الاستهجان بالقلب أو باللفظ ويتضاربون بما كانوا يتفكَّهون بأن يسموه: "السلاح الأحمر". يعنون به النعال! ولم يُرْوَ أن الشيخ طه كان من أبطال هذه المعارك الحمراء ولا من ضحاياها، وأخلق به ألا يكون وقد كان، كما يزعمون، ضريرًا. فلو أنه صاحب هذه البدعة والمنادي بها لأصابه رشاش من قذائفها. زد على ذلك أنه ضرير. وما اهتمام الضرير برسم الكلمات؟ ما له ولهذا وهو لا يعانيه ولا يكابد صعوباته؟ إن الاهتمام لذلك والتحمس له أحق بأن يكون من رجل يكابد الكتابة بنفسه لا من كفيف ما عليه إلا أن يُمْلِي. وهو على كل حال خاطر أَوْلَى به أن يجري ببال مبصرٍ لا ضرير. فالأرجح في الاحتمال والأقرب إلى المعقول أن يكون هناك شخصان اسم كل منهما "طه حسين"، وأحدهما أفندي مبصر يقول الشعر ويدعو إلى تغيير الهجاء، والثاني شيخ ضرير يكتب في الأدب. والآن من هو الدكتور طه حسين صاحب "حديث الأربعاء"؟ أهو الشيخ أم الأفندي؟ أم هو لا هذا ولا ذاك بل شخص ثالث؟ أمّا إنه أحدهما فإني أقطع بنفيه. وحسبك الفرق بين أسلوب هذين وأسلوب ثالثهما. وسننقل لك فقرات تريك من التباين ما لا يدع مجازًا للشك في أن الكُتـَّاب عديدون. قال الشيخ طه حسين في كتابه ذكرى أبي العلاء: "كان أبو العلاء يحرص أشد الحرص على أن يُخْفِيَ نفسه على القارئ في بعض رسائله، ولكن شخصه كان يأبى إلا الظهور. وكان يُلْقِي بينه وبين القارئ أستارًا صفيقةً من غريب اللفظ، وحجبًا كثيفةً من ثقيل السجع، ويقيم حوله أسوارًا منيعةً من المباحث اللغوية والصور الدينية، ولكن عواطفه الحادة تأبى إلا أن تخترق هذه الموانع كافة لتصل إلى قلب القارئ فتترك فيه ندوبًا لَدَغَاتُ الجمر أخف منها وقعًا وأهون منها احتمالًا". وهو أسلوب لا شذوذ فيه كما ترى، ولكن اقرأ الآن الفقرة الآتية من كلام "الدكتور" طه حسين في نفس الموضوع والمعنى. قال: "ذلك أن أبا العلاء كان، كما تعلم، من أشد الناس إيثارًا للغريب وتهالكًا عليه، ثم كان أبو العلاء إلى هذا، فيما أعتقد أنا، يتكلَّف الغريب ويتعمَّده ليصد عامة الناس وجهَّالهم، سواء في ذلك العلماء وغير العلماء، عن قراءته والظهور على ما فيه. وكأن أبا العلاء كان لا يكتب لعصره، وكأن أبا العلاء كان يحس أن عصره خليق ألا يكتب له، وكأنه كان يكتب لهذا العصر الحديث الذي نحن فيه وللعصور التي ستليه، وكأنه كان يخشى على آثاره الأدبية أن يفهمها أهل زمانه فيفسدوها ويشوهوها ويَحُولُوا بيننا وبين فهمها، وكأنه إنما أقام من الغريب وقواعد النحو والصرف والعروض والقافية طلاسمَ وأرصادًا شغل بها أهل عصره عن هذا الكنز حتى لا يصلوا إليه وحتى تسلم لنا نحن خلاصته، فنترك للقدماء نحوهم وصرفهم وغريبهم وعروضهم وقوافيهم، ونفرغ لخلاصة هذا الكنز من فلسفة في الخلق والجماعة والدين". ثم اقرأ للشيخ طه حسين قوله من "ذكرى أبي العلاء" أيضًا: "من قرأ "رسالة الغفران" وأراد أن يفقه معناها حقَّ الفقه احتاج إلى دقة ملاحظة، وحذق فطنة، وبُعد نظر، ونور بصيرة، وإلى أن يدرس روح الكاتب فيحسن درسه ويعرف أغراضه. فإذا لم يوفق إلى ذلك مرت به "رسالة الغفران" وهو يظنها من أقوم كتب الدين". وقِسْ هذا إلى ما كتبه "الدكتور": "أراد أبو العلاء أن يتفكَّه، وأراد أبو العلاء أن ينقد، وأراد أن يكفر وأراد أن يؤمن. ولست أحتاط في لفظ ولا أتحرج من معنى، وإنما أريد أن أكون حرًّا فيما أفهم وفيما أقول. فالحرية وحدها هي السبيل إلى فهم أبي العلاء. وقد أراد أبو العلاء هذا كله: أراد أن يتفكه فتفكه إلى غير حد، وأراد أن ينقد فنقد في غير رحمة، وأراد أن يكفر فكفر بغير حساب، وأراد أن يؤمن فآمن في غير شك. أراد هذا كله ووفق إلى هذا كله أحسن توفيق… إلخ". وإنما أكثرت من المقتطفات ليتيقَّن القارئ أن الكاتبين شخصان مختلفان، ولا عجب أن يكونا كذلك، فإن الأسلوب صورة من النفس. وهكذا صار عندنا من المشتركين في حمل هذا الاسم ثلاثة أشخاص متباينين: شيخ، وأفندي، ودكتور. ويظهر أن هناك أكثر من دكتور طه حسين واحد. ففي بعض المقالات المعزوَّة إلى هذا المتسمي: "الدكتور طه حسين" تنويه بأن كاتبها كفيف، وفي البعض الآخر ما يفيد أنه مبصر، فهو يقول: "قرأت ورأيت وشهدت" وما إلى ذلك من الألفاظ الدالة على الرؤية، ويصف لك بعض المشاهد لا تخيلًا بل كما هي كائنة. مثال ذلك بعض رسائل بعث بها من فرنسا، وفيها يصف مناظر البلدان، ومقالات عن روايات شهد تمثيلها ولم يقتصر في كلامه عنها على تناول القصة، بل جاوز هذا إلى التمثيل والأداء. ومما يؤكد هذا التعدد أيضًا أن لأحد هؤلاء الدكاترة، فإنهم على ما يبدو لي كثر، أبناء يسميهم أسماءً إفرنجية، وأن الصحف المحفوظة في دار الكتب مختلفة، فبعضها يقول: الشيخ طه حسين، والبعض يذكر الدكتور طه، وواحدة تزعمه أستاذًا في الجامعة، وأخرى صحفيًّا، ومعروف أن قوانين ذلك العصر لا تجيز أن يكون المرء موظفًا في جامعة أميرية وصحفيًّا في الوقت عينه. وأحد هؤلاء الدكاترة كان مولعًا باللاتينية واليونانية، وكان يلح على وزارة المعارف أن تدرّسهما في المدارس الثانوية، ولا يكاد يتفق ذلك مع الصبغة الأزهرية الأولى. أضف إلى ذلك أن "الشيخ طه حسين" كان ذا لحية، وأن دكتور الجامعة أو الصحفي كان أفنديًّا حليقًا. فالأمر كما ترى لا يعدو إحدى اثنتين: أن يكون هناك أشخاص عديدون لهذا الاسم وهو غير محتمل، أو أن يكون هذا الاسم مستعارًا وهو الأرجح. وبعد فكيف يرى القراء هذا المنطق؟ أليس مهلهلًا واهن الأركان متداعي البنيان؟ نعم هو كذلك بلا نزاع! ولكنه ليس أوهى من منطق الدكتور في كلامه عن المجنون. ولقد أردنا أن نثبت بهذا التطبيق أنه ما هكذا يكتب التاريخ ولا على هذا النحو يكون "التعمق في البحث والإلحاح في التحقيق العلمي"، وأنه إذا كان مجرد التضارب في الروايات والعجز عن التوفيق بينها يكفي لمحو رجل من الوجود، فقد صار ذلك سبيلًا إلى إنكار كل شيء. ولقد تعمَّدنا فيما أوردنا أن نسوق أشياء من هنا وههنا، وأن نهمل الصلات الكائنة بينها لأن كثيرًا من حلقات السلسلة يسقط مع الزمن، ولأن هذا على الأرجح هو كل ما يبقى معروفًا عن المترجَم له بعد قرن أو قرون. وهل في تراجم العرب مثلًا أكثر من هذا؟ هل يعرف أحدنا عن شاعر أموي أو جاهلي ما هو أوفى أو أشد اتساقًا مما أوردنا من حياة الدكتور؟ كلا! فإذا كان الدكتور طه حسين يبيح لنفسه أن ينكر وجود المجنون اعتمادًا على التضارب في الروايات ونقصها وتشويهها فقد ضاع الدكتور نفسه والله! وشبيه بهذا أن يختلف شهود حادثة فننكر وقوعها".


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق