أضيف في 10 شتنبر 2016 الساعة 22:45

تقرير عن آكلي تمر العراق


الحبيب عكي

           يحكى والله أعلم ، أن ثلاثة نفر من مدينة عربية معروفة، قد غادروها هذه الأيام في اتجاه بغداد،وهي التي لا زالت تصطلي بويلات الحرب التي قاد فتيل عدوانها وطائفيتها الأمريكان الأوغاد، وربما أراد نفرنا الصنديد هذا أن يحيي في العراق هاتيك البطولات والأمجاد، و معنى الأخوة و التضامن والجهاد، على ما كان من عادات الآباء و الأجداد، وما يلح عليهم من أشواق الأبناء والأحفاد، وضدا على قمع الطغاة الأوغاد، وجبن العبيد والأسياد، أعدوا العدة وجمعوا الزاد، وساروا في المواكب بالأعداد، يهيمون في الأرض عبر النجود والوهاد، اخترقوا الحدود واجتازوا السدود، لا تقيدهم في ذلك قيود، كيف لا وهم على نبل العهود، كمن كان قبلهم من أشاوش الجنود، الذين خضبوا أرض الجولان بدمهم الزهيد، فأحيوا فيها ببطولتهم معنى الحرية والكرامة بدم الشهيد، وفينا معنى الإنسان في زمن العبيد؟!.

         استقبلتهم بغداد بكل الترحاب، وقد أتوا إليها من كل الأسباب، ودخلوا عليها من كل الأبواب، وبعدما قدمت لهم واجب الضيافة بمنتهى الآداب، سألتهم في الحقيقة عمن يكونون، ولماذا هم قادمون، وعن أي شيء هم عازمون، مساندون ضد العدوان، أم مجرد متفرجون تائهون ..؟!. فقام الأول وقال: " ..مسكينة أنت يا بغداد ، تحسبينا من السياسيين الكبار والمثقفين ذووا الأفكار، و أنا مجرد فقيه محتار، قيل لي أن" الزردة "هنا في بغداد، فقلت قريبة و إن تكن في أرض عاد، أخوض من أجلها البر عبر الفجاج، و أمخر البحر عبر الأمواج ، ولا تفوتني مأدبة تشوى فيها الكباش والنعاج، لكن واحسرتاه، قد صارعت الريح والعجاج، وسبقت في طيرانهم المعتمرين والحجاج، ولم أجد فيك غير عناوين إرهاب في جرائد، و رسائل جمرة في طرائد، صور حصار في شاشات و جداريات دمار في فضاءات، أصوات حزن في أغنيات وشعارات غضب في مسيرات.. ؟!. لم أجد فيك غير رجل معتوه يبحث فيك عن مفاتيح لقفله الصدىء المزلاج ، يقظم أظافره في هياج ، يخطب في الفانطوم والميراج ،ليغيروا فيك على المآذن والأبراج، فدعيني أرتل سورة الإسراء والمعراج، لعلها تكون لك يا سيدتي خير السياج وخير الرتاج، مزاج مزاج، لا أدلة ولا حجاج، حصار حصار، دمار دمار، هو النهج هو المسار، به قال اليمين و به قال اليسار:" شك فيما ليس فيه شك، وشك فيما فيه شك"، فبئس المؤتمر وبئس القرار.. ؟!.

         قال النفر الثاني، وهو بالكاد يحرك الأشداق والأهداب: " ..معذرة يا سيدتي يا بغداد، يا محيرة العقول ويا أسطورة الألباب، وحق من سماك بأجمل الأسماء ولقبك بأحسن الألقاب، وكساك بأسدل الستائر وأبهى الثياب، وحباك من الحسن والجمال ما إن ذكرت به حضر الود وإذا الوجد غاب، والله ما نحن بأحباب ولا أصحاب ولا ذووا ألباب ، أنا مجرد فنان زعجري صخاب، قيل لي أن هناك عرسا في البصرة والعامرية وبغداد، فأتيت لعلي أشارك فيه ببعض الموشحات الأندلسية و المقامات الأصفهانية ولما لا" العيطات المرساوية"، وأنا المرساوي بن المرساوي يا بغداد، فأين هاتيك الحفلات والمهرجانات، وأين هاتيك المسابقات والملتقيات، أين هاتيك الليالي الملاح و الأشعار الفصاح والعفاريت الصحاح و الأفاعي الفحاح، أين فيك الأبواب وأين السرداب، وأين شرب الأنخاب وضرب الرباب، أين فيك كما يروي عنك المستشرقون الأجانب، هاتيك الليالي الألفية البغدادية وما كان فيها من الأنس والهوى بين الخلان و الأحباب؟!. واحسرتاه لا أرى فيك غير عتاب وعتاب، وألف حساب وحساب، ونهب واغتصاب، وعنف وطوائف وإرهاب، وما يتهمونك به من لي الأعناق وضرب الرقاب ؟!. بغداد يا بغداد، يا ربيبة الدف والناي، قد نام عنك الليل ورقد السمار، طلقات رصاص وصفارات إنذار، وغاب عنك العشق وعم البلاء، فماذا سأغني عنك يا حليقة الرأس ويا مقطوعة الأثداء ؟!. هذا درع بشري أوروبي أوروبي جاء يخفف عنك آثار الدمار، أم هذا فيلق من الأمريكيين "الأحرار" يرفسون ويحرقون فيك علم بلادهم أمام كاميرات العالم، لعلهم يحرقون فيه شر الحروب ويزرعون في رماده حب السلام والتعايش في الكون بين الأنام، بأية ألحان فنية وأية مقامات صوتية سأردد هذه الشعارات الإنسانية للملايين الغربية والشرقية الذين خرجوا بهذه الأشكال وبهذه الأحجام ولأول مرة بعد الحرب العالمية، خرجوا ضدا على حكومات بلدانهم الفاشستية وما أخرجهم إلا استجابة لنداء الضمير و إحياء لمنظومة القيم، يا أهل القيم والقمم ؟!.

         معذرة يا سيدتي يا بغداد، وحق رب العامرية وما يرفل في سراديبها من أرواح بشرية، وحضارة إنسانية، لا أستطيع فعل هذا ولا عشر معشاره، فقط حتى لا أغضب حكوماتنا الوطنية القومية العربية، فتسلط علي مخابراتها الدولية، وقد وقع في قبضتها الحديدية، كل من كان في أفغانستان، أو حتى نوى التضامن مع الشيشان، ولو بالتظاهر ضد الروس و الأمريكان، ولكم أن تسألوا" غوانتانامو" و"تمارنتانامو" وما عرفته وتعرفه من عذابات وإرهاب الإنسان ؟!. قاتل الله سياسيو هذا الزمان، فما عاد المرء يستطيع العيش بهم ولا معهم في أمان، إذا تعلق الأمر بجائحة داخلية قالوا نحن في أمن وأمان، و إذا تعلق الأمر بكارثة خارجية قالوا هذا مكان وذاك مكان ؟!. الله يازمان، عسكرهم ما عاد يحسن غير الاستعراضات ومناورات حمزة البهلوان، برلماناتهم ما عادت تجدي فيه الخطب الرنانة والمواقف بالبيان، ولا حتى الصدقات للدعاية والإعلان، الله يا زمان، ما أقبح الشيخ الزعيم إذ صبى فاستعاض عن الأوراش العمالية والساحات الجامعية بسهرات فنية في صالونات مخملية، قد ترفع ألف آه وآه، ولكن العدو لا يسمع فيها بآه ولا نصف آه، وحتى من سار منهم في مسيرات نضالية قد فرضه الشعب، فقد رفع شعارات وشعارات أقبحها: " لا لعراقية البلد"، والعراق من أخرجه وسمح له بالكلام ؟!.الله يا زمان، هذه زوجة في سوق الخرفان، وهذا زوج يوصل خبزه إلى "الفران"،وذاك يأتي بقارورة الغاز لسيدته من الدكان،والولد في مدرسة بلا عرفان، ومئراب لألعاب البهلوان، فمن لساحة الشرف من للميدان،الله يا زمان، أهي أزمة الإنسان، أم هي أزمة الرأي بادية للعيان، فيحكى أنه سئل نفر من أبناء العالم عن: " ما رأيكم في اندلاع الحرب الأهلية في العراق" ؟!.فقال نفر:" ما معنى اندلاع" ؟! وقال نفر:" ما معنى الحرب" ؟! أما العرب فقد قالوا :" ما معنى رأيكم" ؟! ونحمد الله أنهم لم يقولوا :"ما معنى العراق، أليس في جزيرة الوقواق، فكيف بعد دحر العدو الخارجي،تندلع فيه الحرب على قدم وساق"؟!.آه وجدتها، ما أحلى هذه الأغنية: على قدم وشاق،" يالشاقي بيا وبيك ما شقيت"؟!.

        وهنا تحرك النفر الثالث فقال:" يا سيدتي يا بغداد ، سأتحدث إليك بصراحة ولا تحسبيها مني وقاحة، نحن من شقونا بك وليس أنت، نحن لسنا سياسيين ولا عسكريين ولا داعشيين، ولا فقهاء ولا فنانين، ولم نأتي إلى هنا إلا من أجل شيء واحد ووحيد ألا وهو الحساب، فالحساب الحساب ورب الأرباب، لقد كنا هنا نزرع حقولكم، و ندير مصانعكم، رعينا أبنائكم وحتى أغنامكم، حتى داهمتنا الحرب الأولى، ففررنا ولنا عليكم بقية أجر لم تؤدوه إلينا، وها نحن قد عدنا في جمعيات منظمة،نريد أخذ حقوقنا العمالية، ونرجو أن يكون ذلك بكل أخوة وإنسانية، وإلا لجئنا إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم ؟!.قالت بغداد مستغربة :"لا داعي لذلك، قد يكون شيئا مما تدعونه علينا صحيحا، ولكن المفتشين أو المخبرين الدوليين قد أخذوا منا كل السجلات، ولكم فقط أن تعيدوها إلينا حتى نتأكد من الحساب، ولن يفعل الله بعد ذلك إلا خيرا وكما تريدون ؟!. تنهد القوم وقالوا:" يا ويلنا ويا لخيبتنا، ما نرانا إلا سنعود خاليي الوفاض، قالت بغداد:" ولماذا الويل والخيبة، أنا عندي لكم مقترح، ما رأيكم أن تشتغلوا عندنا مرة أخرى، نعم وفي ظل الحرب، فستضيفون إلى رصيدكم السابق رصيدا آخر، حتى إذا أخذتم بإذن الله شيئا أخذتم شيئا معتبرا، لا..لا ..لا تخافوا من الحرب فهي ستكون علينا لا عليكم، نعم لن تفعلوا شيئا خطيرا في ظل الحرب، اطمئنوا فلن تدفنوا الموتى ولن تداووا الجرحى، ولن تمددوا حتى الأسلاك الشائكة لحماية بعض الملاجيء والمحميات، فقط ستقومون بجمع الفارغ من علب القنابل التي ستسقط علينا، فهي على كل حال تصلح للتشكيل وعرض لوحاتها القرمزية في أبهى المتاحف العربية، فأثمنتها ستكون مغرية ومبيعاتها غير منتهية"؟!.قال القوم: عرض جيد، ولكن كيف سننجزه في ظل الحرب ونحن من الحرب فررنا، ما نرانا سنعود إلا خاليي الوفاض، أليس عندكم شيء تعطوه لنا ؟!.قالت بغداد :"كل الخيرات كانت موجودة، ولكن في الوقت الراهن نحن نسد الرمق بالتمر ولبن الإبل....قاطعها القوم منبسطين: وجدتيها يا بغداد وجدتيها ، التمر...التمر، فاعطوا لنا شيئا من التمر، فالقوم عندنا يصومون في سبيل الله ولا يفطرون إلا على تمركم،خاصة وأن تمرنا قد أصابها مرض "البيوض" ولا" برادعي" ولا "بردعي"ينقده مما هو فيه، فأعطونا شيئا من التمر لعلنا نبيعه عند عودتنا فنستعيد على الأقل ثمن مركوب الذهاب والإياب ؟!.

          قالت بغداد متعجبة :" التمر، من أجله قامت وتقوم الحرب، قال القوم مندهشين: "أوليس من أجل النفط "؟!. قالت بغداد : ويح أمكم يا عرب، النفط تمر، والكتب العلمية تمر، والسفارات الثقافية تمر،وهيئات محو الأمية والمعاهد والكليات تمر، والسيد الرئيس "صدام" تمر، والتمر.. تمر، ولا تمر لأحد عندنا بعد اليوم، مضى عهد الشمس للجميع، والبحر للجميع، والنفط والتمر لا بد أن يكون للجميع ؟!. وجاء عهد شعار آخر يمكن لكم يا من تأكلون تمرنا وترمونا بعظمها أن تقرؤوه على واجهات المباني، بل وترددوه مع فيروز المعاني :

                               " الويل.. الويل.. لأمة.. كثرت فيها طوائفها.. وقل فيها الدين .

                                الويل ..الويل.. لأمة ..تأكل مما لا تنتج ، وتشرب مما لا تعصر .

                                الويل ..الويل ..لأمة ..مقسمة ..كل ينادي فيها.. أنـــا أمة.

                                يا بني أمي الحق الحق أقول لكم :

                                وطني يأبى السلاسل ..وطني أرض السنابل .

                                وطني الفلاحون .. والكرامون ..والبناؤون.

                               وطني التمر والزيتون ..وطني هو الإنسان ".

         ورغم هذا، فقد عاد القوم بما أرادوا من صناديق التمر العراقي، كما عاد غيرهم بما أرادوا من براميل النفط العراقي، إنها لعنة الحرب و الإرهاب، النفط مقابل السلام، ولا سلام، إنها لعنة الفرجة والخذلان،التمر مقابل الكلام ، ولا كلام ؟؟،يا لبؤس الأيام، نذهب إلى العراق والاستعداد فيه للحرب العدوانية على قدم وساق، فنأتي بالنفط يغرق الأسواق، ونترك الآبار عرضة للنضب والاحتراق،نذهب إلى العراق والحرب الطائفية فيه على قدم وساق،فنأتي بالتمر للترياق،ونترك النخلة الباسقة عرضة للاحتراق، وابنة العامرية في سردابها عرضة للاختناق،لا عيد اضحى ولا نحر ولا أشواق، يا آكلين تمر العراق، وعرباتهم تشهد عليهم في الشوارع والأسواق،أي نفاق، أي نفاق،أي شقاق أي شقاق، ليس هكذا يكون التضامن والانعتاق،يا آكلين تمر العراق،يا آكلين تمر العراق؟!.

الحبيب عكي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق