أضيف في 10 شتنبر 2016 الساعة 22:34

الفن بين صلاح الدين وعماد الدين


الحبيب عكي

        في المشهد الثالث من المسرحية التاريخية الواقعية حول السلطان صلاح الدين الأيوبي " يدخل الخادم ليعلن أن الشعراء بالباب يودون إلقاء قصائدهم بين يدي السلطان…ويلاحظ وزير دفاعه عماد الدين..أن المقام غير مناسب لمثل هذه الأشياء..لكن صلاح الدين يرى غير ذلك ، فهم بالنسبة إليه ناشرو فضل السلطان..ومخلد و ذكراه ، ولا ينبغي تجاهلهم في وقت الحرب…"؟. وهذا الموقف من صلاح الدين يذكرنا بالمنزلة التي كان يحتلها الشاعر العربي في قبيلته الجاهلية وعند الخلفاء الأمويين والعباسيين وغيرهم..كما أنه يحاول أن يشير إلى جانب من شخصية السلطان القائد وهو الجانب الأدبي..بل وأكثر من ذلك يحتج السلطان صلاح الدين بحديث نبوي في الموضوع ، هو قوله (ص): " إن في الشعر لحكمة " ثم يطالب الغلام أن يقوم بإكرامهم وأن يدعو الوزراء إلى الدخول لسماعهم…" كتاب : " بنية التأليف المسرحي بالمغرب من البداية إلى الثمانينات " لصاحبه " محمد الكغاط ".

            هذا هو السلطان صلاح الدين الذي كان يدور على الخيام في الحرب فإذا وجد إحداها تغط في النوم ولا تقوم الليل ولا تتلو فيه القرآن قال : " من هنا ستأتينا الهزيمة " ؟.لم يمنعه اهتمامه بالقرآن الكريم أن يهتم بالشعر والأدب ولا منعه اهتمامه بالجند أن يهتم بالشعراء والأدباء فكلاهما عنده في جميع الأحوال مجاهد، ورب جهاد سبق جهادا أو على الأقل دعا له وأسسه…؟.أما موقف عماد الدين هذا فيذكرني بشيخ جليل يفتي في برجه العاجي بتحريم الفنون المسرحية والغنائية وجميع الأجهزة السمعية البصرية بغض النظر عما يمكن أن يمر عبرها من صلاح أو فساد..؟. ويسود الفن والتقنية ويمر بعض الصلاح من حيث مر الفساد وتتجاوز فتواه – زاده الله حرصا ولا يعد - ؟. يذكرني أيضا برئيس جمعية ثقافية لا يكترث بالنشاط المسرحي الذي يزاول في جمعيته ولو من باب المقاربة والتسديد خاصة وأنه ومكتبه هما المسؤولان قبل غيرهم عن هذه العروض الفنية واجتهاداتها شكلا ومضمونا – زادهم الله ثقة وانشغالا ولا يعودوا - ؟. يذكرني أيضا بأحد المسؤولين في مخيم تربوي للكبار..حضرته الصيف الماضي ، فكان كلما جاءت حصة السمر بالليل لا يكترث بها إن لم يعمل على الد وس عليها بتغيير طارىء في البرنامج يفرضه على الناس وهم الذين ينتظرون وبأحر من الجمر فترة السمر بعد طول عناء واحتقان لا يزيله بالتجربة إلا المسامرة. ولكن لأن السيد المسؤول لا يحب إلا " الأمخاخ " كما قال فزاده الله مخا ولا يعد ؟.يذكرني أخيرا بمنظمي مهرجان خطابي كادوا يحذفون منه الفقرات الترفيهية والتنشيطية " السكيتشات والأناشيد والأزجال " بدعوى أن لا الزمن ولا المكان ولا المجال ولا طبيعة الجمهور يسمحون بذلك..فالموضوع أجد من جاد.. والوقت أضيق من ضيق..والمكان أرقى من راقي..والناس أكبر عن اللهو واللعب..وإذا بالكلمات والمداخلات..والبيانات والتحليلات..تتهاطل على الجمهور الحاشد..بعضها مرتجل طويل ..وبعضها مبتذل ثقيل..وبعضها فصيح صريح مقنبل مجلجل..ورغم هذا فالسأم والضجر..والغدوة والروحة..والحديث الثنائي والشرود ..يملأون القاعة المملوءة عن آخرها ، ولا يعيد للناس حيويتهم وانتعاشهم وارتباطهم الجديد بالموضوع ، إلا فقرات تنشيطية تجود بها علينا منصة التسيير ، في شكل قصيدة شعرية أو زجلية..أو" سكيتش " هزلي أو نشيد في الموضوع..حتى كادت كل المداخلات الأخيرة في المهرجان تنسج على الشكل الدرامي والكوميدي لشباب الحزب المؤتمرين وأطفاله المنشدين…؟.نعم لست أنسى كيف كانت القاعة الكبرى تهتز عن آخرها رجالا ونساء ، معانقة بصدق وحرارة كل ما قدمته فرقة الإنشاد والمسرح من فقرات فنية هادفة بكلماتها الطيبة وإيقاعاتها الجميلة ومواقفها المعبرة الساخرة…مما جعل منها – بدون منازع – أنجح فقرات المهرجان ، بل أطولها أثرا حتى بعد المهرجان إذ اعتبرت أناشيدها بمثابة أناشيد الموسم..ولا زالت تتردد حتى الآن في الجمعيات والرحلات ، والمدارس والمخيمات وحتى في الشوارع والحفلات ..لاشك أن الخطاب السياسي كان مهما ولكن الذي صنع نجاحه الباهر ، هو الإخراج الفني الرائع ، والذي دفع بالعديد من الأباء والأمهات بالدفع بأبنائهم وفلذات أكبادهم – بعد تخوف وممانعة - إلى جمعيات الحزب وودا دياته.. لينالوا حظهم من هذه التربية الفنية الرائعة ؟.

        وعلى أي فإن أصحاب عماد الدين كثيرون..وهم الذين يرون كما يقول الدكتور عماد الدين خليل في مقدمة مسرحيته " المأسورون " ص 28 : " إن مسلمي اليوم الذين تحاصرهم الجاهلية في كل مكان ..بل وأفسدت عليهم كل شيء حتى الماء الذي يشربونه والهواء الذي يتنفسونه..هم في حاجة إلى " الثورة " لا إلى الفن.. وإلى الجد لا إلى الترف… " وعليهم يجيب الدكتور عماد نفسه : " ولكن من قال أن الفن الإسلامي ليس قطاعا واسعا من قطاعات الثورة الإسلامية…إنه الجد كل الجد حين يحين الجد " ؟.وفي هذا الصدد يذكر " عبد الرحمان بن زيدان " في كتيبه " المقاومة في المسرح المغربي " : أن المسرح المغربي كان دائما مسرح المقاومة والجهاد ، فأيام محاربة الاستعمار..كان الجنود بسكاكينهم وقنابلهم..والمسرحيون بتجمعاتهم التحريضية وصرخاتهم الشهبية..حمما تحرق كل شيطان ، وبذلك كان الفنانون يساهمون في بلورة خط الجهاد وتحريض الناس عليه..يفضحون أغراض المستعمر الدنيئة..ومبيتاته ضد العقيدة واللغة وهوية الشعب…وبعد طرد المستعمر شارك المسرحيون في معركة البناء والتنمية فذموا في مسرحياتهم الجهل والأمية والخرافات والشعوذة..وحرضوا على العلم والعمل.. والدين والخلق..والعـــــــــــــــــدل الإجتماعي..كان المسرح بمثابة المدرسة الوطنية للتربية الشعبية..ودون أي إشكالات فقهية..كان أساتذة هذه المدرسة الشعبية من علية القوم و" أمخاخه " كالزعيم " عبد الخالق طريس" ..والأستاذ " المهدي بن بركة" ..والفقيه المجاهد..شهيد المسرح المغربي : "محمد القري" الذي دفع حياته ثمنا لأدواره المسرحية الجهادية… " ؟. واليوم اليوم يكرر التاريخ نفسه بتفوق المسرح والمسرحيين دائما..إذ في الوقت الذي اختفت فيه أو بهتت أصوات العلماء والحزبيين والحركيين…اتجاه مآسي الفساد والمخدرات والفيضانات وبطالة الموجزيـــــن والهجرة السرية وفبركة المؤسسات وتزوير الإرادة الشعبية …يتعالى صوت الفنان الساخر" أحمـــــــد السنوسي " أمام النقابة العمالية التي احتضنت اعتصامات الدكاترة المعطلين في الرباط ..فيترجم مباد ئه الفنية في التضامن والدفاع عن حقوق المواطن وكرا مة الشعب..وتكسر عظامه أمـــــــــام الجميع بما في ذلك الصحافة وأجهزة الإعلام..ويظل شامخا كالجبل..يفضح مؤامرات الصمت الرهيبة..يبتك الأذان بسخريته اللادغة وكأني به يقول :

                                         يا عابد الأمخاخ لو أبصرتــــــــــــــنــــــــــــا *** لعلمت أنك بأمخــــــأأأأأــــاخك تلـعـب .

                                        إن يكن هجر القرآن ليلا عندك هزيمة***فكبت الفنون في القرآن شر هزيمة .

الحبيب عكي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق