أضيف في 10 شتنبر 2016 الساعة 21:50

بنكيران و الحجاج


رشيد اليملولي

بنكيران و الحجاج .

قد يعيد التاريخ نفسه و تصبح حلقاته مسلسلا لا طعم فيها و روح ، و تنكب تفاصيله على معاقرة السذاجة و البساطة ، و يتحول المسار من صناعة مصير دافق بالأمل و الحلم و الحياة و العلم ، إلى ارتداد و ارتجاع ينخر الذات و الذاكرة ، و يمزج كل الألوان بغية فبركة الطواغيت و الشواذ بالمعنى السياسي و العلمي ؛ أي القدرة على " تزبيل " الحضارة و تسليف المجون من نبيذ فراغها ، و تركيع كل القيم من أجل الوهم و إشاعة القهر المادي و النفسي و الذوذ عنه بمساحيق فيها من الغبن ما هو أثقل من حجرة سيزيف و أدمى من سيف خالد و أحقر من قنبلة ناكازاكي و هيروشيما .

ليس يسوغ التشبيه و المقارنة مع وجود الفارق ، و من غير الحكمة أن نقفز فوق العصور و الأزمنة و نحلق فوق مستوياتها ، لنجعل منها صيرورة رتيبة لا عمق فيها و لا معنى ، و لكن الذي يعنينا أن الفعل التاريخي قد يتشابه إلى حد التطابق بعيدا عن الذوات الشخصية الإنسانية ، و ذلك لتلازم الروح و فلسفتها في القول و الفعل ؛ فالمشروعية هنا تتحدد انطلاقا من الفعل و فلسفة امتداده ، و ليس نيته أو خلفيته المرجعية ، لأننا بكل بساطة نتحدث عن الشخصية القاعدية ، بما هي نتاج و إنتاج للفعل في مستويات القول و دلالته ، باعتبار الخطاب إنجاز و سياسة عملية تحتاج إلى قناة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لتصريف " المشروع " الذي يمزج بين سلطة القول و قول السلطة.

لم يكن الحجاج شخصية عادية و لكنه أسطورة تحكي عن بنية سلطة و توجهاتها ، و عن مناخ سياسي و فلسفة اجتماعية تقعد " منظومة " تفكيرها بالوسائل التي تراها شرعية ؛ فرجم الكعبة لم يكن إلا فعلا سياسيا ينبئ بسلطة عبد الملك بن مروان في مواجهة آل الزبير ، و لم ترتعد فرائس الحجاج و لا سيده لهول الفعل و جلل المكان بناء على مبدأ التأسلم ، و نحسب أنه كان مزهوا بتمهيد البلاد لسلطة بني أمية و لا شيء يعلو على ذلك ، و إن انتصب الدين معارضا لمثل هذه المسلكيات .

و بالمقابل لم يكن رجم بنكيران لجيوب المواطنين إلا فعلا سياسيا غايته المثلى إفقار الحركية الاجتماعية و قتل مقومات الحلحلة و التدافع باعتبارها من سنن التاريخ و الحضارة ، بل كان أمينا في تحقير العمل النقابي و السياسي من خلال فرض نموذج موحد و أوحد و هو مجتمع الدولة .

كانت كل الأساليب مباحة لسيف الحجاج حتى ما شذ منها ، قتل و تنكيل و تحقير و تسفيه ، إخلال بكل القيم من أجل مجد شخصي و لو اقتضى الأمر اللجوء إلى العرافات و هو الثابت عن كليب ( كنية الحجاج الذي كان معروفا بها و هو الاسم الذي ارتبط به عندما كان معلما للقرآن ) .

بالمقابل غالبية القوانين و المشاريع تدبر بليل من أجل استدامة النموذج " الإخواني " في السلطة بدءا بتعطيل الشارع في أوج انتفاضات الثورات العربية ، و انتهاء بالتهديد و الوعيد إن لم ينجح الحزب في الانتخابات المقبلة ، لذلك لم تكن ولايته إلا ولاية الأرقام القياسية في الزيادة و التراجع عن كل السياسات الداعمة للمجال الاجتماعي .

الحجاج عمم نموذج القوة في الفتح ، وأرهب بسيفه الطير و الزهر و الماء ، و تدافعت الفتوح في عهده ووصلت مداها من دون أن تفرز ثقافة دينية سمحة ، و بالمقابل حاول بنكيران فرض النموذج الإخواني و اهتبل كل الفرص لترويج " قوته " الاجتماعية تارة بالمغالاة في تمجيد الانتصار الحزبي ، و تارة بقلب الحقائق عن طريق الكتائب و التروس البشرية في الشبكة العنكبوتية .

الحجاج أساء لكل مثقفي عصره لا لشيء سوى محاولاته المتكررة لتوريطهم في اتخاذ موقف من حكم بني أمية ، مثل ما فعل مع سعيد بن جبير حتى وصل الأمر قطع رأسه في مجلسه ( و غيرها من الرؤوس المقطوعة و التي كانت تهدى في طبق لعبد الملك كرأس مصعب ابن الزبير و المختار الثقفي بما يتنافى مع أبسط أدبيات القتال أو الجهاد و هو ما كانت تعنيه كلمة مبير و التي تفيد سفك الدماء بغير حق ) ، و بالمقابل أسقط بنكيران حرية الرأي عن القاضي الهيني لمجرد حكمه لصالح الأساتذة انطلاقا من قراءة قانونية لنص قانوني .

لم يسقط الحجاج الجزية عن من دخل الإسلام من الذميين ، مخافة تضعضع خزينة الدولة ، بالمقابل أسقط بنكيران عن كل رموز الفساد حق المتابعة القضائية بنصه الدستوري " عفا الله عما سلف " .

هزم الحجاج من أسماء بنت أبي بكر ، و من سكينة بنت الحسين ، و هند بنت المهلب ، و غزالة الشيبانية ، و بالمقابل هزم بنكيران أخلاقيا من طرف امرأة " دعوية " على شاطئ و رغبة في متعة ، فمرحى بالنساء حين تهزم أعتى الطواغيث أو بكلمة أدق " أخطاء التاريخ المجانية " .

لم نجد في التاريخ أن للحجاج مشروعا دينيا متكاملا ، بقدر ما قرأنا مشروعا سياسيا ـ عسكريا جوهره قوة ، و نفحاته سنابك خيل و اصطكاك سيوف ، و لم نعثر خلال ولاية بنكيران على ما يفيد وجود مشروع إسلامي لا في المبنى و لا المعنى .

سقط الحجاج مبكرا من طرف دود ألم بمعدته أو ما سمي بسرطان المعدة ، و سيسقط بنكيران بفعل نزوة عابرة ، أليس من سخرية الأقدار أن يتشابه فرعون عبد الملك بن مروان و طاغية ومبير الحقوق الاجتماعية و النفسية والثقافية للمغاربة في الروح و القالب التاريخي ؟

أليست المقارنة ذات معنى و إن اختلفت و تباينت الأنساق التاريخية ؟ .

يقول الشاعر :

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى و لا ما نرقع .

نرجو أن نكون بهذه المقارنة قد أخطأنا رغبة في الفهم و تصويب رؤى الذات ، مادام الخطأ في علوم التربية استراتيجية من استراتيجيات التعلم .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق