أضيف في 3 شتنبر 2016 الساعة 21:08

قراءة لديوان (نارنج) للشاعرة نارين ديركي


Ebdullah Peer

إن من يقرا ديوان " نارنج " للشاعرة " نارين ديركي " يخيل إليه انه ينتقل بين دوائر خيالية عبر صور شعرية خلابة وبأسلوب سلس يجانس التراث بالواقع والخيال. فهي بحسب اعتقادي سميت ب “نارنج " لأنها دائرية تحاول الإحاطة بالقارئ من كل جانب وقد جاء هذا من خلال خبرة الشاعرة وإمكانياتها على المستويين، الأول، التلاعب بالألفاظ واعطائها دلالات جديدة وبعيدة عن دلالاتها الاصلية، ثانيا إمكانية توظيف التجارب والمشاكل والتعقيدات اليومية وجعلها مادة شعرية وإعطائها نكهة شعرية بأسلوب سهل ومعقد في نفس الوقت، سهل لأن جملها بسيطة ومعقد لان صورها الشعرية مكثفة ومعقدة، بحيث لا يمكن فهمها الا بعد الدوران حولها وتفكيكها الى قطع أصغر. يخيل للقارئ وكأنه راكبٌ قطارًا سريعًا أوانه مسافر على بساط الريح، سوف يجد بين الفينة والأخرى محطةُ، لها جمالها او حزنها يكفي أن يتوقف الانسان لفترة ليتأمل. إن محطات نارنج كثيرة قد ترى فيها جمالاً خلاباً او حزناً مأساوياً او ربما تكون محطات ثورية حتى.
من قراتي الأولى ل "نارنج"، تبادر الى ذهني فن الملصقات او الكولاج، لأننا نرى في نارنج صوراً شعرية جميلة ومعبرة وملصقة ببعضها البعض بأحكام لتكوين قصيدة جميلة في النهاية، حسب رأيي أن نارنج كلها كديوان هي بالأساس قصيدة شعرية طويلة واحدة تعبر عما مرت به الشاعرة في حياتها من مواقف جميلة ومواقف حزينة، فنارنج هو تعبير صادق عن مسيرة انسان شرق أوسطي عاش في بديات القرن الواحد والعشرين، كابد الحياة ومر خلالها بمراحل جميلة ومراحل صعبة، نرى فيها الامل " المطر "، الشيخوخة والنهاية “الخريف، الجدة والجد “، الحقيقة " الشمس “، الموت .... الخ.
القفز من مكان الى اخر هو الصفة الثابتة والحقيقية في الديوان، تغيير المحطات يتم بشكل سريع ومن الأمور التي تحس بها عند قراءة الديوان، مثلا محطة الزيف، زيف المبادئ، زيف الأفكار، زيف الأفعال وتزييف الحياة هنا في هذا المكان .......
- ما همّ لو كان سوار معصمي مزيفاً، 
- ما دامت الشمس التي تغازله...
حقيقية محطات صوفية او مناجاة في نصوص الديوان نجدها في: 
جنّتي، 
تعجُّ بالورود،
وأنا أمام كلّ وردةٍ،
أعجُّ بالله...
محطات الغربة والاغتراب، يجد القارئ نفسه مغتربا أوان لديه إحساس بالغربة، لدرجة أنه يشعر وكأن ما يقرأه يحكي تجربته الشخصية في الحياة وينسى أنها تجربة شخص اخر لان الشاعرة استطاعت ببراعة فائقة أن تنقل تجربتها بصدق وامان، وتصوير مشاهد اصيلة ومؤثرة عن الغربة:
ليت الله يجمعني 
بحماقاتي 
من جديد 
أعده، 
سوف أكررها...
يتميز أسلوب الشاعرة "نارين ديركي " في ديوانها "نارنج " بالاقتصاد في الكلمات بطريقة رائعة، استخدام اقل الكلمات وبالمقابل إيجاد أوسع المعاني ويتميز كذلك بتكثيف الصور الشعرية بحيث يجد القارئ امامه تدفقاً جارفاً للصور الشعرية ممالا يدع مجالا له لان يخرج من إطار النص بل أن يسبح في فضاءها الشاسع وأن يتجول في عالمها ويحاول تفكيك الشيفرات التي تصادفه كي يصل الى أعماق النصوص ويحصل على ما يريد.
ديوان" نارنج “كالبحر تراه هادئا ورقراقا ثم صدفة يتحول الى بحر هائج يزبد ويرعد لا ترى فيه سكونا وهدوُا، فتضاريس "نارنج" رسمت بحمكه ودراية كي لا تخضع لتوقعات القارئ، بل لأن يبقى حريصا دائما إلى ان ينظر امامه لأنه يرى امامه سهولا واسعة وفي لحظة واحدة يصادفه جبلا شاهقا او وادٍ سحيق.

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Ebdullah Peer

French language   / Duhok , العراق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق