أضيف في 2 شتنبر 2016 الساعة 21:39

العفيف الأخضر ذلك الكلب المسعور!


إبراهيم عوض

العفيف الأخضر ذلك الكلب المسعور!

بقلم إبراهيم عوض

 

فى حوار معه فى موقع "الحوار المتمدن" بتاريخ 2014م بعنوان "جذور الإرهاب فى الإسلام المدنى" عرض العفيف الأخضر (التونسى) خلاصة أفكاره الموجودة فى كتابه: "من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ"، وحمل على الإسلام والنبى محمد حملة شعواء غاشمة. وهذه خلاصة لما جاء فى ذلك الحوار التزمت فيها عباراته بنصها: "لم يُكْتَب عن محمد شيء مهم من الزاوية النفسية حتى الآن، ومنذ ظهور الجهاد الإرهابي في مصر في السبعينات، وخاصة منذ مأساة 11 سبتمبر، لم تُطْرَح على بساط النقاش العلمي علاقة الإسلام الأول، خاصة المدني، بالإرهاب. وعلاقة محمد بذلك علاقة وثيقة. فالمجاهدان: أسامة بن لادن ود. أيمن الظواهري هما في طليعة الإسلام المدني، الذي أسس الجهاد: جهاد الدفع وجهاد الطلب، أي الجهاد الداخلي ضد غزو "دار الحرب" لـ"دار الإسلام"، والجهاد الخارجي لإدخال العالم كله في الإسلام. جهاد الطلب هو اليوم الإرهاب الإسلامي المُعَوْلَم.

ومنذ السنة الثانية للهجرة فإن القرآن والسنة، أي أقوال وأفعال نبي الإسلام، إرهاب غالبًا غير حميد. هذا إذا جاز الإدّعاء بأنّه يوجد إرهاب حميد! تاريخيًّا يوجد محمدان وإسلامان: كان محمد في مكة شاعرًا ونبيًّا، وإسلامه كان خاليًا من العنف، أي من الشريعة والجهاد، وهما أعلى درجات العنف ضد الأبرياء أفرادًا وشعوبًا. الجلد وقطع اليد والرجم ودق عنق المرتد وغزو الشعوب الأخرى لإدخالها في الإسلام. هي جميعًا جرائم ضد الإنسانية. كما كان محمد معترفًا بجميع ديانات عصره من اليهودية إلى المجوسية، ديانة أحد معلميه سلمان الفارسي، مرورًا بالمسيحية والصابئة. أما في المدينة فقد استحال إلى مشرّع ومحارب: يقطع الطريق على القوافل، ويغزو القبائل لإدخالها بالسيف في الإسلام، ويقتل الشعراء الذين هجوه، أو يقتل أسرى قريش وأسرى اليهود. ولم يكن في مكة يفعل شيئًا من ذلك. كان يرد على هجاء مثقفي قريش بالهجاء. وعندما طلب منه وفد الأنصار، عشية هجرته، الهجوم على حي من قريش أجابهم "ما أومرت بذلك"، وكان يوصي أصحابه: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (46، العنكبوت). أما في المدينة، فقد جادلهم هو وأصحابه بالتي هي أخشن.

والواقع أن فَهْم طفولة أيِّ شخص أمر ضروري لفهم تصرفاته في باقي أيام حياته. ومحمد، كما حللت ذلك في طفولة محمد، وهو تحليل غير مسبوق، ولد مكتئبًا. موت أبيه بعد زواجه ببضعة أشهر أورث آمنة اكتئابًا حداديًّا طويلًا على الأرجح. نعرف اليوم طبيًّا، أن مشاعر الحامل، السارة أو المحزنة، تنتقل إلى جنينها. عادة الأم، بدافع غريزة إعادة الإنتاج النرجسية، تنتظر أن يكون مولودها البكر بنتًا، كما يتمنى الأب العكس. لذلك يكون البكر غير مرغوب فيه، لا شعوريًّا على الأقل، من أحد الأبوين. أضف إلى ذلك، أن القبائل العربية تتشاءم من المولود، الذي يموت أبوه وهو جنين. وهكذا فالطفل محمد كان على الأرجح غير مرغوب فيه من أمه. ربما لهذا السبب سرعان ما تخلصت منه للمرضعات: أولًا لثويبة مولاة أبو لهب، ثم حليمة، وربما لمرضعات أخريات. محمد كان كلَّ شيء إلا طفلًا محبوبًا أو سعيدًا. أمه لم ترغب فيه، وآباؤه المربّون عاملوه على الأرجح بقسوة. وهذا ما أورثه، بين أمراض أخرى، الشعور الساحق بالذنب، الذي تحول إلى عدوانية وانحراف في المدينة حيث كانت الظروف الموضوعية مساعدة على ذلك.

شعور محمد الساحق بالذنب يتجلى في القرآن، فقد كانت قريش تقول: "إن قرآنَه أشقاه"، فأملت هذياناته وهلاوسه ردًّا عليهم بـ"طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" (1، طه). ما قيل عن أسباب نزول هذه الآية يلقي أضواء كاشفة عن شعور نبيّ الإسلام بالخطيئة أمام ضميره الأخلاقي الشديد العقاب، على صورة الله- الأب، الذي يعذبه ويشقيه. هذا العقاب الذاتي القاسي هو ما عاقب به نبي الإسلام نفسه: "عن ابن عباس أن النبي (ص)، أول ما نزل عليه الوحي، كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى. فأنزل الله: "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"؛ وعن ابن عباس أيضًا أن خصومه من مشركي قريس قالوا: "لقد شقي هذا الرجل بربّه". وعن ابن عباس أيضا: "كان رسول الله إذا أقام الليل يربط نفسه بحبل كي لا ينام، فأنزل الله: طه". وعن مجاهد: "كان النبي (ص) يربط نفسه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى. وعن أنس (خادم آل البيت): كان النبي (ص) إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى". نحن هنا أمام ما يسميه علم النفس العقاب الذاتي، تكفيرًا عن جريمة قتل الأب الوهمية، بمحاولة المذنب قتل نفسه رمزيًّا أو فعليًّا!

هذا الضمير الأخلاقي المبكر، كان في منتهى القسوة، التي تجلت في السادية ضد الذات في مكة: من الاتهام الذاتي إلى محاولات الانتحار المتجدّدة. ستتحول السادية ضد الذات إلى سادية ضد الآخر في المدينة: ضد الشعراء الذين هجوه، وضد اليهود الذين لم يسلّموا بنبوته وضد أسرى قريش، الذين جادلوه واستهزأوا منه في مكة. الاضطرابات الوسواسية القهرية، التي تتجسد في الشعائر بما هي سادية ضد الذات، تجسدت عند نبي الإسلام في شعائر دينية معقدة كثيرة ومرهقة: 5 صلوات في اليوم من الفجر إلى شطر من الليل، وقد تستغرق الليل كله إلا قليلا بالنوافل، وفي شعائر الطهارة للصلاة، ولقراءة القرآن أو حتى لمجرد مسه: "لا يمسه إلا المطهرون" (79، الواقعة) وللصلاة: الإغتسال الأكبر بعد الجماع أو الإحتلام أو خروج المني بأية وسيلة كانت. الوضوء، أي غسل اليدين والرجلين والوجه والمسح على الرأس، بعد التبول، والتغوط والضراط، والفساء وحتى مجرد مس الذكر سهوًا، وشعيرة الحج الطويلة المكلفة والخطرة، وشعيرة رمضان المؤذية للصحة والاقتصاد...

قال فرويد إن "الشعور المتعاظم بالذنب قد يجعل من الإنسان مجرمًا". و"الجنوح مرتبط ارتباطا وثيقًا بسوء تصرف الأم مع طفلها طوال فترة رضاعته، خاصة إذا كان الوسط العائلي لا يقدم للطفل مساندة ضرورية، فإن هذا الشعور بالذنب يصبح عبئًا لا يطاق" كما يؤكد النفساني ويسكونط. "العبء الذي لا يطاق" عبر عنه اللاشعور العاري لنبي الإسلام تعبيرًا دقيقًا: "وِزْرَك الذي أَنْقَضَ ظَهْرَك" (2، الشرح). وقد تجلى هذا الجنوح والإجرام خلال الفترة المدنية في قطع الطريق على تجارة قريش، في قتال القبائل وتحويل مكاسبها إلى غنائم لنبي الإسلام والمقاتلين في جيشه، في اغتيال الشعراء الذين هجوه، في إجلاء قبائل اليهود ومصادرة ثرواتهم.

وهكذا فهذيان الشعور الساحق بالذنب هو المغذي النفسي الأول حتى الآن للتعصب الديني والمطالبة بالعنف الشرعي والإنغماس في ممارسة الإرهاب الداخلي والخارجي. وهذا ما ينبغي أن يعطيه الإخصائيّون في الإرهاب الأهميّة التي يستحق.

الإرهابيون المنفذون هم صواريخ موجَّهة. المسؤول حقًا هم فقهاء الإرهاب، الذين يغسلون أدمغتهم "ويوعزون" لهم بالقتل. هؤلاء هم الذين يجب تحييدهم بالقانون، وليس الجنود التعساء الذين غُسِلَت أدمغتهم بثقافة الاستشهاد: قصر و72 حورية في انتظار قدوم الشهيد في يوم استشهاده. استشهاديو حماس، الذين غُسلت أدمغتهم، يُعْطَى لكل واحد منهم واقي ذكري فولاذي يقيه من عواقب انفجار الحزام الناسف لينكح به الحوريات الموعودات!

وقد أخذ محمد هذه الآية من الديانة المجوسية. أخذها من أحد معلميه: الكاهن المجوسي سلمان الفارسي.كما أخذ عنه أساطير الجنة القرآنية. أحد آلهة يوم الحساب في الديانة الماجوسية يكافئ المجوسي الطيب بعذراء عمرها 15 عامًا. ولمواجهة هذا الإرهاب الديني لا بد من إنشاء مؤسسة عالمية من الاخصائيين في علوم النفس والسسيولوجيا والسياسة وفي مكافحة الإرهاب لدراسة أسبابه الدينية والنفسية والاجتماعية... إلخ. قتل الإرهابيين المنفذين يحولهم إلى شهداء ويخلد قضيتهم. المطلوب هو تحييد رؤوس الإرهاب المدبرة بتجفيف ينابيعه الدينية والنفسية والاجتماعية.

رهان إصلاح الإسلام هو تلطيف الشعور الساحق بالذنب منذ نبي الإسلام إلى اقصى اليمين الإسلامي المعاصر، مما جعل قطاعًا من المسلمين اليوم هاذيًا دينيًّا. 15% من مسلمي العالم، حسب الإحصائيات الأمريكية، متطرفون: يمارسون الإرهاب أو مهيّأون لممارسته.

ويمكن تحقيق ذلك أساسًا بتغيير صورة الله في اللاشعور الجمعي الإسلامي من جلاد شديد العقاب، أي قاسي وخاصي، إلى أب حنون يفيض حبًّا لعياله وأبنائه المسلمين والناس أجمعين. المطالبون بجلد شارب الخمر 80 جلدة وقطع يد السارق ورجم الزاني والزانية ودق عنق المرتد والجهاد في "الكفار" لإدخالهم في الإسلام إكراهًا، هؤلاء هم ضحايا الشعور اللاشعوري بالذّنب. بإمكانهم ارتكاب مذبحة كونيّة إذا امتلكوا أسلحة الدمار الشامل. وهي إمكانية ليست أفلاطونيّة. ممارسة هذا الإرهاب الشرعي أو المطالبة بممارسته هما اليوم الدافع الديني القوي للجهاد: الإرهاب المُعَوْلَم! لابد من خارطة طريق مرصودة لتغيير علاقة المسلم بالله: من الله- الأب الذي يشوينا في "نار حامية" إلى الله- الأب الذي يحمينا من مخاوفنا الطفولية. هذه الخارطة تتحقق بـ1- إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان من الإبتدائي إلى العالي بما هو المعلَم الأساسي في طريق إسلام العقلانية الدينية المنفتحة على الإيمان كرهان وعلى الشك أيضًا. 2- التوقف عن تدريس الآيات التي تغسل أدمغة الأجيال الطالعة بالشعور السّاحق بالذنب، وعن استخدامها في الإعلام وتلاوتها في الصلاة خاصة الجماعية، وعن تدريس آيات الإيمان بالقدر: خيره وشره، أي الإيمان المازوشي بأن "المكتوب" على الجبين تراه العين، وتاليًا الانتهاء من تدريس وترويج آيات التسيير المخربة لثقة المسلمين في أنفسهم وتقديرهم لها، وبدلًا منها تدريس آيات التخيير، التي تمسك بها المعتزلة، والتي تجعل من المسلم منذ نعومة أظفاره يؤمن بأنه هو، وليس الله، خالق أفعاله وصانع حاضره ومستقبله بالقرار الصائب الذي يصنعه العلم. لقد أخذ محمد من اليهودية آيات التسيير، وأخذ من الماجوسية آيات التخيير، فجاء القرآن شكشوكه تونسية.

4- تدريس حقوق الإنسان، التي هي ترياق الشعور العُصَابيّ والذُّهَانيّ بالذنب. أُلح على هذه النقطة لأن استبطان حقوق الإنسان يحوّل ما اعتبره الدين ذنوبًا إلى حقوق يمارسها الفرد المسلم ببراءة واعتزاز. لا شيء كتدريس حقوق الإنسان للوصول إلى التحرر الذهني الضروري لتأسيس الحرية وميلاد الفرد المستقل عن روح القطيع.

5- تشجيع وتعميم زواج الحب على أنقاض زواج الإكراه التقليدي السائد. فقد أكدت الدراسات النفسية أن أطفال زواج الحب يكونون محبوبين من آبائهم. هذا الحب الأبوي منذ الطفولة يعطيهم الثقة في أنفسهم، التي هي ترياق سم الشعور بالذنب. 6- تدريس الفن والأدب الباسمين المنشطين لغرائز الحياة. 7- تعميم ثقافة الإقبال على التحليل النفسي، الذي يساعد الفرد على أن يعرف نفسه ويعترف بها. عندئذ لا تعود الآيات المحكمات او المتشابهات هي التي تتحكم في تقرير مصيرنا، بل يعوضها العلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية والمؤسسات العلمانية والديمقراطية.

لقد كان محمد في مكة يشعر بالذنب الساحق لمجرد أنه تهاون بابن أم مكتوم، فتنزِّل عليه هذياناته وهلاوسه سورة لتأنيبه وتذنيبه. وينتابه شعور مماثل عندما يفضل مجالسة المشركين على مجالسة عبيدهم الذين آمنوا به. لكن نبي الإسلام نفسه يأمر بقتل، في يوم ونصف، بين 700 إلى 900 من ذكور بني قريظة دون أن يشعر بأي ذنب، بل ربما شعر براحة ضمير لأنه تقرّب إلى الله بتعذيبهم وسفك دمائهم!

في مكة كان يدعم شرعيته بما أُنْزِل على أهل الكتاب ويوصي أصحابه: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (46، العنكبوت). أما في المدينة فجادلهم هو نفسه وأصحابه بالتي هي أخشن قولًا وفعلًا.

وهناك هذيان التراجع عن المكاسب والانجازات التي حققها نبي الإسلام في القرآن المكي، وفي السنتين الأوليتين من الإسلام المدني، قبل أن يُشّرع للجهاد: وصايا بالعدل والإحسان والرحمة ومكارم الأخلاق، والاعتراف بالديانات المعروفة في عصره، كاليهودية والمسيحية والمجوسية والصابئة، بما هن طريق ممكن للخلاص الروحي للمؤمنين بهن، والاعتراف بالحريات الدينية، بل وحتى بحرية الضمير، أي عدم الأخذ بأي دين: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (69، المائدة)، ويعترف لمشركي قريش: "وإنا وإياكم لَعَلَى هُدًى أو في ضلال مبين" (24، سبأ)، بل واعترف حتى بحرية الضمير، أي عدم الإيمان بأي دين: "فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر" (29، الكهف).

حسب منطق النسخ اللامعقول، الذي وصفتُه بالهذيان، نَسَخَتْ آية واحدة من الإسلام المدني: "فإذا انسلخ الأشهر الحُرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (165، التوبة) 123 آية أسست للتسامح الديني. كما أن آية النرجسية الدينية: "إن الدين عند الله الإسلام" (19، آل عمران) نسخت جميع آيات الاعتراف بالحريات الدينية وبالديانات السابقة كاليهودية والمسيحية، التي، كما قيل بعد نسخها، لم تكن ديانات بل كانت مجرد شرائع نسختها الشريعة الإسلامية! وهكذا نُسِخَت جميع الأديان والشرائع سواء منها التوحيدية أو الوثنية. وباتت البشرية، حسب فقه جهاد الطلب، أي غزو البلدان الأخرى، واقعة تحت تهديد جيوش الجهاد: إما الدخول في الإسلام وإما الجزية وإما الحرب! ونسخت آية تشريع القتال في المدينة: "أُذن للذين يُقاتلون (بفتح التاء) بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" (39، الحج) حوالي 70 آية من آيات التسامح والمسالمة، ودخل النبي المشرّع والمسلّح في جدال عقيم مع اليهود والنصارى ما زال الجميع يكابد عواقبه الوخيمة حتى الساعة: "هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبةً عند الله؟ من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير" (60، المائدة)، و"لتجدن أكثر الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا النصارى" (82، المائدة). لكن سرعان ما سيتدخل هذيان النسخ لنسخ آخر الآية محولًا اليهود والنصارى معًا إلى أعداء ألّداء للمسلمين: "يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض. ومن يتولاهم منكم فإنه منهم" (51، المائدة)، أي خرج من الإسلام ودخل في دينهم. تمسَّك الإسلام الصوفي بالإسلام المكي، وتمسَّك أقصى اليمين الإسلامي بالإسلام المدني.

في المدينة اختفت السادية ضد الذات واختفت محاولات الانتحار، واختفى "التسامي" بغرائزه الجنسية المتفجرة في الانتاج القرآني وفي الدعوة اليومية لدينه وفي العبادة الطويلة والشاقة. وهكذا انطلقت جميع غرائز نبي الإسلام العدوانية المكبوتة من عقالها لتصول وتجول. كان في مكّة يحاول إعطاء الموت الفعلي لنفسه بالإنتحار، أو الرمزي بالتأنيب والتذنيب وتعذيب نفسه بالعبادة. فأصبح في المدينة يعطي الموت الفعلي والرمزي والتعذيب للآخرين.

مازال قطاعٌ من النخب والجمهور متسمرًّا في الولاء والبراء، الذي أسس له الإسلام المدني: "يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض. ومن يتولاهم منكم فإنه منهم" (51، المائدة): الولاء للمسلمين حصرًا، وعداء اليهود والنصارى و"الكفار" عامة، أي عداء أشخاصهم ومعبوداتهم ومؤسساتهم وعلومهم وقيمهم وأنماط تفكيرهم وتدبيرهم. وهذا ما شكّل حتى الآن عائقًا دينيًّا وذهنيًّا لتكيّف المسلمين مع ضرورات العالم الذي يعيشون فيه. ثمة وسيلتان أساسيتان لتكسير عائق الولاء والبراء: الأولى حوار الأديان التوحيدية والوثنية، الذي يحرمه ويجرمه شيوخ الولاء والبراء. رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا صرح في 2001: لا معنى لحوار الأديان إلا بدعوة البابا للدخول في الإسلام. والثانية هي تثقيف الجمهور الإسلامي بثقافة المشاركة العالمية لرفع التحديات الكونية، التي لا حل لها إلا في اطار دولي: نزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني، حماية البيئة، التصدي للإرهاب الإسلامي المعولم، وقف انتشار أسلحة الدمار الشامل، مكافحة الأوبئة العالمية والفقر والمجاعة في العالم.

حروب محمد على يهود المدينة والتنديد بهم وبالنصارى في آيات القرآن المدني أسست لهذه الإنعزالية الإنتحارية. حتى أقل واجبات المجاملة الإنسانية واللياقة الدبلوماسية نهى القرآن عنها. كواجب العزاء في جار أو رئيس دولة غير مسلم: "فلا تأسى على القوم الكافرين" (68، المائدة)، فضلًا عن آيات التحريض على مقاطعة "الكفار" وقتلهم: "واقتلوهم حيث وجدتموهم" لغسل دماغ المسلم لجعله يستسهل سياسيًّا ويستحل دينيًّا وأخلاقيًّا قتل "الكفار" خبط عشواء. وهو ما يجري أمام عيوننا. رأينا ذلك في 11 سبتمبر 2001، وفي الإنتفاضة الثانية حيث كان استشهاديو حماس ينحرون وينتحرون في الإسرائيليين سواء أكانوا واقفين أمام محطة باص أو مصطفين في الطابور للدخول إلى مرقص أو في مكدونالد... إلخ. ورأينا ذلك أيضًا في يهود المغرب سنة 2003، وبعد ذلك في كنيس الغريبة في جزيرة جربه التونسية، وفي مسلمي الجزائر "المرتدين". استئصال قبائل يهود المدينة ومصادرة املاكهم وقتل جميع ذكور يهود بني قريظة البالغين ثم تم بِيعُ نسائهم وأطفالهم في الحبشة طبعةٌ أولى من مذابح الكنيسة الكاثوليكية التفتيشيّة لهم.

مشروع دستور الإخوان المسلمين الذي قدموه في سنة 2011 شاهد بليغ على استمرار الإسلام المدني بكل ثقافة الإنطواء على الذات، وثقافة كراهية اليهود والنصارى فضلًا عن المؤمنين بالديانات الوثنية، التي لا يعترف بها الإسلام، مخيرًا المؤمنين بها بين اعتناق الإسلام أو القتل. إليكم مثلًا عيِّنة من مشروع هذا الدستور الخاصة بالسياسة الخارجية: المادة 177- الإسلام هو المحور الذي تدور حوله السياسة الخارجية، وعلى أساسه تُبْنَى علاقة الدولة بجميع الدول. المادة 178- الدول التي ليس بيننا وبينها معاهدات، والدول الإستعمارية فعلًا كإنجلترا وأمريكا وفرنسا، والدول التي تطمع في بلادنا كروسيا، تعتبر دولًا محاربة... ولا يصح أن تنشأ معها علاقات دبلوماسية... الدول المحاربة فعلًا كإسرائيل مثلًا، يجب أن تتخذ معها حالة الحرب أساسًا لكافة التصرفات، ويمنع جميع رعاياها من دخول البلاد، وتستباح دماء غير المسلمين منهم". وهكذا فصدى مذبحة يهود بني قريظة مازال يتردد بقوة!".

هذا عرض لما يهمنا من الأفكار التى وردت فى ذلك الحوار بشىء من الاختصار. والآن تبدأ مناقشة هذه الأفكار دون الوقوف لدى الأخطاء الإملائية والنحوية والصرفية، والخطإ فى نقل الايات القرآنية، وتوهُّم بعض الأحاديث قرآنا. ولكن قبل البدء لا بد أن نوضح أن المرحلة المكية لا بد أن تكون مختلفة عن نظيرتها المدنية نظرا إلى أن النبى فى الأولى كان رسولا فقط، أما فى الأخيرة فقد كان، إلى جانب الرسالة، حاكم دولة بكل ما يعنيه ويقتضيه حكم الدول من علاقات سياسية وتشريعات وحروب وتدبير لأمور الرعية وفصل بين المتنازعين... وهكذا. وهذا ما تنبه إليه رونالد ڤكتور بودلى فى كتابه عن سيرة الرسول، إذ قال: "لقد كان محمد على نقيض من سبقه من الأنبياء. فإنه لم يكتف بالمسائل الإلهية، بل تكشفت له الدنيا ومشاكلها، فلم يغفل الناحية العملية الدنيوية في دينه، فوفق بين دنيا الناس ودينهم. لذلك تفادى أخطاء من سبقوه من المعلمين الذين حاولوا خلاص الناس من طريق غير عملي. لقد شبه الحياة بقافلة مسافرة يرعاها الله، وأن الجنة هي المطاف".

ويقول العفيف الأخضر إنه لم يُكْتَب عن النبى محمد شىء مهم من الزاوية النفسية حتى الآن. وهذا غير صحيح، فقد اتُّهِم النبى من قبل العفيف الأخضر بأنه مصاب بالصرع وبأنه إنما يَصْدُر فيما يسميه: "وحيا" عن رغباته النفسية الدفينة، وبأن ما يراه ليس من أكثر من هوس وهلاوس. فالعفيف الأخضر يكذب حينما يدعى أنه أول من يتناول الرسول من الناحية النفسية القائمة على الاتهام والتشكيك. وفى مادة "محمد" فى "The Encyclopaedia of Islam" مثلا تلخيص لهذه الاتهامات. وهناك كتابٌ كامل يقع فى نحو 350ص اسمه: "Psychology of Mohammad" لمسعود الأنصارى، وكله هجوم على الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم. ولى كتاب ظهر فى منتصف ثمانينات القرن الماضى لأول مرة ثم أعيد إصداره فى منتصف تسعيناته، وهو دراسة شديدة التفصيل للرسول وللقرآن من الناحية النفسية لا تورى ولا تجمجم، بل تطرح كل الافتراضات التى تخطر على البال بل والتى لا تخطر على بال البشر الأسوياء ولكن يقدمها المتنطعون الكارهون للإسلام ونبيه، وعنوان الكتاب هو "مصدر القرآن". فالعفيف الأخضر لا يأتى بشىء جديد إذن، وإمكاناته العقلية والثقافية لا تسمح له بأكثر من اتباع الخطوط التى رسمها له بالنقط من يستخدمونه لمصلحتهم وغاياتهم، وتركوا له مهمة المشى على تلك النقط بالقلم، فكأنه هو الذى كتبها، بالضبط كما يفعل معلمو الخط مع الأطفال والصبيان فيما يسمونه: "المشق".

وسبق أن قام العبد لله فى ثمانينات القرن الماضى بمناقشة هذه الاتهامات مناقشة مستفيضة فى الباب الأول من كتابى: "مصدر القرآن"، وهذا الباب يستغرق نحو مائتى صفحة استعنت فيها، ضمن ما استعنت، بعلمى الطب والنفس حتى يكون الكلام قائما على أساس علمى بدلا من رميه على عواهنه بجهل وتغشمر كما يفعل أعداء الإسلام اعتمادا على أن الناس قلما تقرأ، وبخاصة إذا كانوا ممن يكرهون دين التوحيد الخالص، فهم يستلذون الهجوم عليه ولا يتوقفون لحظة لتمحيص ما يقرأون، بل إن بعضهم ليعلم أن ما يقرؤه كذب فى كذب ولا وشيجة تصله بالعلم، لكنه يرحب به ترحيبا هائلا لأنه يشبع حاجة بل حاجات فى نفسه المريضة المتقيحة يبغض الإسلام والحقد على نبيه.

وفوق هذا هناك فى الدول الغربية، وبخاصة فى أمريكا، مؤسسات مخصصة لتوظيف الكلاب النابحة (كالعفيف الأخضر ذلك الكلب العقور، الذى سوف نثرّم أسنانه تثريما فى هذه الدراسة وندعه بلا أسنان)، فهم يطلقونها لتنبح على الفاضى وعلى الملآن لتوهم المارة أن ثمة لصا أتى ليسرق البيت نبحته الكلاب اليقظى ولم تمكنه من السرقة. ولو تريث بعض المارة ليَرَوْا مصداق ذلك فلن يجدوا لصا ولا دياولو، بل سوف يكتشفون أن المتَّهَم باللصوصية غير موجود فى المكان ولا فى الجوار ولا فى جوار الجوار ولا فى جوار جوار الجوار ولا فى جوار جوار جوار الجوار ولو على مبعدة سبعين خريفا. ولكنها الأجهزة المخابراتية الخبيثة التى توظف تلك الكلاب وأشباهها فى الحرب الباردة ضد الإسلام كما صنعت مع الشيوعية قبل سقوط الاتحاد السوفييتى وتوابعه، ثم استدارت تطلب رقبة الإسلام بعدما استفاقت من صداع الشيوعية، وصار التركيز من ساعتئذ على دين محمد وأتباع محمد بعدما كان الاهتمام بهم وبدينهم يأتى متأخرا عن الاهتمام بالماركسية ومعتنقيها.

بل لقد كانت تستعين بالإسلام والمسلمين لمحاربة الشيوعية والشيوعيين حتى نجحوا فى ذلك، فتحولوا بطبعهم الخائن الذى لا يعرف وفاء ولا يرعى ذمة ولا إخلاصا ليضربوا من وقفوا معهم ضربات يراد لها أن تكون ضربات ساحقة ماحقة قاتلة مستأصلة، بينما المسلمون ذاهلون لأنهم لا يتمتعون، فى هذه المرحلة البائسة من تاريخهم، بطول النظر ولا سعة الأفق ولا العين المحيطة، بل يركزون بصرهم فيما أمامهم مباشرة فحسب كالحصان الذين يضعون حول عينيه غِمَامتين فلا يبصر إلا ما هو أمامه على مدى سنتيمترات فقط، فلو جاءته مصيبة من يمينه أو شماله أو من فوقه أو تحته أو من ورائه أو من أمامه لم يستطع أن يرى بَلْهَ أن يدرك الموقف بَلْهَ أن يتصرف التصرف المطلوب، ولوقعت الكارثة.

ولكن إذا كان هذا تصرف الحصان الذى غُمِّىَ وليس فى مكنته إزالة الغمامتين فهل يليق هذا التصرف ببنى البشر، الذين حباهم الله عقلا وخيالا وقدرة على التوقع ووضع الخطط والخطط المضادة قبل حدوث المصيبة حتى لا تأخذهم على حين بغتة؟ طبعا لا يليق. لكن هذا إنما يصدق على البشر الذين يشغّلون عقولهم لا البشر الذين تَكَلَّس فكرهم ولم يعودوا يحبون إرهاق أمخامهم مفضلين دخان الأفيون والحشيش العقلى على الهواء الصحى النقى المنعش الذى يليق بمن كرمهم الله على سائر مخلوقاته واصطفى من بينهم الأنبياء والمرسلين وعلى رأسهم النبى الأعظم، الذى حباهم الله به ففرطوا فى تراثه، وشغلوا أنفسهم بالتفاهات، فكانت حياتهم فى القرون الأخيرة تافهة مثلهم.

والعفيف الأخضر يتهم الإسلام فى المدينة بأنه دين إرهابى بعد أن كان فى المرحلة المكية دينا منفتحا يعترف بصحة الأديان السابقة ويقر بنجاة أصحابها حتى لو لم يؤمنوا به، فقد كان فى مكة يقول: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن"، وصار فى المدينة يجادلهم بالتى هى أخشن ويجتهد فى إكراههم على اعتناقه بالقوة، وإلا فعليهم دفع الجزية، كما صار يقطع الأيدى ويرجم ويجلد ويقتل المرتدين من المسلمين وأسارى الكفار واليهود. والعجيب الغريب أنه يتهم الإسلام بأنه دين نرجسى لا يطيق أى دين آخر. وبغض النظر عن أن هذه تهمة سخيفة سمجة كاذبة فإن العفيف الأخضر يمارس نرجسية قميئة مثله يتهم بمقتضاها الإسلام بكل نقيصة فى الدنيا، ويتصور نفسه كامل المعانى والأوصاف. فهلا وجه كلامه إلى نفسه ورأى الخشبة التى فى عينه بدلا من الانشغال بالقشة التى يحسبها فى عين جاره مع أنه لا قشة هناك ولا يحزنون؟ إن كل كلام هذا الكلب فى الحوار الذى نحن بصدده، وفى الكتاب الذى يعد ذلك الحوار تلخيصا لما فيه، هو سباب مرضى من سبّاب مريض جُنّ،َ فقام فى نفسه العمل بكل وسيلة على محاولة إهانة الرسول الأكرم كى يرضى من يمونونه بالمال والطعام والمسكن والملبس والرحلات هنا وهناك. وفى الدنيا جائعون وعراة ومشردون لا مأوى لهم، لكنى لم أقابل فى حياتى مثل هذا الحاقد ذى اللسان السام والقلب العفن والعقل المدوّد! إنه بكابورت لا غطاء له يقى المارة نتانته وقبحه وخطر السقوط فيه. لعنة الله على كل بكابورت نتن مثله يغثى النفس ويملؤها اشمئزازا وتفززا.

يقول البكابورت المنتن: "الإسلام المدني، منذ السنة الثانية للهجرة قرآنًا وسنة، أي أقوال وافعال نبي الإسلام، إرهاب غالبا غير حميد. هذا إذا جاز الإدّعاء بأنّه يوجد إرهاب حميد! الإرهاب، بما هو عنف أعمى، لا يستطيع أن يكون حميدًا... فالإسلام المدني العنيف شبحٌ قاتلٌ يلاحق المسلمين وغير المسلمين في القارّات الخمس تاريخيا يوجد محمدان وإسلامان: كان محمد في مكة شاعرا ونبيا، وإسلامه كان خاليًا من العنف، أي من الشريعة والجهاد، وهما أعلى درجات العنف ضد الأبرياء أفرادًا وشعوبًا. الجلد وقطع اليد والرجم ودق عنق المرتد وغزو الشعوب الأخرى لإدخالها في الإسلام هي جميعًا جرائم ضد الإنسانية. كما كان محمد معترفا بجميع ديانات عصره من اليهودية إلى المجوسية، ديانة أحد معلميه، سلمان الفارسي، مرورا بالمسيحية والصابئة. أما في المدينة فقد استحال إلى مشرّع ومحارب يقطع الطريق على القوافل، ويغزو القبائل لإدخالها بالسيف في الإسلام، ويقتل الشعراء الذين هَجَوْه، أو يقتل أسرى قريش وأسرى اليهود. ولم يكن في مكة يفعل شيئًا من ذلك. كان يرد على هجاء مثقفي قريش بالهجاء. وعندما طلب منه وفد الأنصار، عشية هجرته، الهجوم على حي من قريش أجابهم: "ما أومرت بذلك"، وكان يوصي أصحابه: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (46، العنكبوت). أما في المدينة فقد جادلهم هو وأصحابه بالتي هي أخشن. إسلام المدينة نسخ الأساسي من الإسلام المكي، أي اللاَّعنف والإعتراف بجميع الأديان بما هي طريق للخلاص الروحي للمؤمنين بها، وأدخل العنف الشرعي الدموي الذي مازال ضحاياه بالآلاف: رجم أقصى اليمين الإسلامي الإيراني في 35 عاما حوالي ألفي امرأة؛ ولم يوقف جريمة الرجم إلاّ منذ شهور. وبدأت الحكومة الإسلامية الدموية في السودان ترجم منذ 1913".

وهذه الفقرة مفعمة بالأخطاء القميئة والجهل غير الحميد: فأولا من قال من العقلاء عن القرآن إنه شعر؟ إن كل العقلاء يعلمون تمام العلم أن القرآن ليس بشعر، إذ الشعر وزن وقافية ومديح وهجاء وغزل وخمر وفخر وبكاء على الأطلال ووصف لمناظر الصحراء وخيالات ومبالغات، ووراء كل ذلك شحنة عاطفية يريد الشاعر تصريفها عن طريق نظم الشعر. والقرآن بخلاف ذلك على طول الخط. والعفيف الأخضر، حين يقول هذا، إنما يجرى على سنة بعض المستشرقين الذين يتحدثون عن القرآن المدنى بوصفه شعرا. فهو إذن لا يأتى هنا أيضا بأى جديد.

وقد كان المشركون فى غمرة عنادهم وضيق أفقهم وكراهيتهم للدعوة الإصلاحية الكريمة التى أتاهم بها محمد عليه الصلاة والسلام يزعمون أنه شاعر. ولا أظنهم كانوا يقصدون أن القرآن شعر كالشعر الذى ينظمونه، كما لا أظنهم أنهم كانوا يقصدون قصائد النثر التى شاعت واستفاضت فى العقود الأخيرة وصار كل من هب ودب ويريد أن يقال إنه شاعر يلجأ إليها حتى يحسب من الشاعرين، وإلا فهم من الغباء بمكان راسخ، بل كانوا يقصدون أن محمدا لا يتلقى وحيا من السماء، وإنما يستعين بخيالاته (أو فلنقل: بشياطينه) فى تأليف هذا القرآن مثلما يستعين الشعراء بالشياطين.

ولقد أحرج الوليد بن المغيرة المشركين حين قال بعضهم فى حضوره إنه شعر، فاعترض الوليد على هذا الكلام مبينا لهم الفرق بين الشعر والقرآن، فلم يعترض عليه أحد بكلمة مما يدل على أنهم إنما كانوا يكذبون ويعاندون. عن عبد الله بن عباس "أنَّ الوليدَ بنَ المغيرةِ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلم فقرأَ عليْهِ القرآنَ فكأنَّه رقَّ له، فبلغَ ذلِكَ أبا جهلٍ فأتاهُ فقالَ: يا عمُّ، إنَّ قومَكَ يرونَ أن يجمعوا لَكَ مالًا. قال: لِمَ؟ قالَ: ليعطوك، فإنَّكَ أتيتَ محمَّدًا لتعرضَ لما قبلَهُ. قالَ: قد علِمَتْ أنِّي من أَكثرِها مالًا. قالَ: فقل فيهِ قولًا يبلغُ قومَكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لها أو أنَّكَ كارِهٌ لَهُ. قالَ: وماذا أقولُ؟ فواللَّهِ ما فيكم رجلٌ أعلم بالأشعارِ مني ولا أعلم برَجَزه ولا بقصيدِهِ منِّي ولا بأشعارِ الجنِّ. واللَّهِ ما يُشْبِه الذي يقولُ شيئًا من هذا. وواللَّهِ إنَّ لقولِهِ الذي يقولُ حلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنه لمثمرٌ أعلاهُ مغدقٌ أسفلُهُ، وإنَّهُ ليعلو وما يُعْلَى، وإنَّهُ ليَحْطِمُ ما تحتَه. قال: لا يرضى عنْكَ قومُكَ حتَّى تقولَ فيهِ. قالَ: فدَعْني حتى أفَكِّر فيه. فلما فَكّر قالَ: هذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يأثره عن غيرِه. فنزلَت: "ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا". يعني الآياتِ". وبالمناسبة فالمستشرقون والمبشرون يرون فى كثير من أنبياء العهد القديم شعراء.

هذا عن وصف العفيف الأخضر للنبى عليه السلام بالشاعر، وأما صفة النبوة التى أثبتها له صلى الله عليه وسلم فدليل على رسوخ تخبطه واستحكام جهله. أتراه يريد إلى القول بأن محمدا كان نبيا فى مكة، ثم انحرف عن النبوة وصار قاطع طريق فى المدينة؟ وهل النبوة تغادر الإنسان بعد أن يَكْسُوَهُهَا الله؟ كيف؟ إن النبى يظل طول عمره نبيا، وإلا فمعنى ذلك أن الله لم يحسن اختياره ولا صنعه على عينه، اللهم إلا إذا كان العفيف الأخضر يرى أن النبوة مكتسبة، ومن ثم يمكن أن يفقدها صاحبها كما اكتسبها. فكما يرى القارئ من الواضح أن العفيف الأخضر لا يضبط القول ولا تنضج فى ذهنه الأفكار والآراء لأنه لا يفكر لنفسه بل يقلد غيره من الغربيين كارهى الإسلام. فكفره هو وأمثاله كفر بالأمر لا عن اقتناع وتقليب آراء.

ومن جهله المبين قوله إن محمدا فى مكة كان يرد على مثقفى شعراء المشركين شعرا ولا يقتلهم. فهل كان فى مكة معارك شعرية كالتى قامت فى المرحلة المدنية حين كان حسان وابن رواحة وكعب بن مالك يتبادلون الهجاء والفخر مع ابن الزِّبَعْرَى وسفيان بن الحارث وكعب بن زهير وكعب بن الأشرف وغيرهم من قريش والقبائل الأخرى بما فى ذلك شعراء يهود، الذين كانوا يساكنون المسلمين فى المدينة. فانظر إلى هذا الجهل الغليظ أو الكذب الوقح ذى الجلد السميك! فهل مثل هذا المتخلف يصلح أن يكتب فى سيرة سيد البشر عليه الصلاة والسلام؟ يقينا لقد كان تائه الوعى منمَّل الذهن وهو يكتب هذا الكلام مثلما كان تائه الوعى منمل الذهن وهو يؤكد أن سلمان الفارسى كان معلما للرسول عليه الصلاة والسلام. بل إن الكلام ليوحى أن سلمان كان إلى جانب النبى منذ الفترة المكية، وهو خطأ ساطع صراح لأن اسم سلمان لم يظهر فى صحيفة الإسلام إلا بعد الهجرة بفترة حين انتهت به الأقدار إلى أن صار عبدا لأحد يهود يثرب بعدما طاف فى بلاد المنطقة يبحث عن الدين الحق حتى قابل النبى هناك فدخل دينه.

ولكن العفيف الأخضر بغبائه المتأصل وحقده المتلظى يقلب الأمور قلبا تاما فيجعل من التلميذ التابع أستاذا متبوعا. وهو فى هذا يجرى خلف ما جاء فى كتاب "شدو الربابة" لخليل عبد الكريم، الذى رددتُ عليه فى كتابى: "اليسار الإسلامى وتطاولاته المفضوحة على الله والرسول والصحابة"، مبينا جهالاته وسفالاته فى حق النبى والقرآن والصحابة، وهو الكتاب الذى قام خليل عبد الكريم نفسه بعرضه فى مجلة "أدب ونقد" فى أوائل هذا القرن وأثنى على صاحبه ثناء شديدا واصفا إياى بالعالم الحقيقى الذى يقرأ ولا يكتفى بالسماع ولا يفكر فى استعداء السلطات على مخالفيهَ، أو كلام من هذا القبيل. لكنه فى غمرة هذا لم ينس أن يجرى على سنة كارهى الإسلام فى الكذب والتدليس، إذ كتب عنوان كتابى فى عنوان مقاله هكذا: "اليسار الإسلامى وتطوراته..." بالكلمة والحرف بغية تضليل القراء حتى لا يعرفوا أنه يتطاول على الله والرسول والصحابة بل يقوم بتطوير أفكاره. وهكذا تكون الأمانة العلمية التى يفرقع بها فى الجو مبغضو الإسلام.

إن سلمان الفارسى، الذى ساح فى بلاد الله بحثا عن نور اليقين حتى التقى بالرسول عليه السلام فى المدينة، يتحول على يدى العفيف الأخضر إلى معلم له صلى الله عليه وسلم يمده بأوصاف الجنة وصور النعيم الأخروى رغم أن أوصاف الجنة وصور نعيمها كان قد انتهى الكلام فيها تقريبا فى القرآن المكى. ومن جهل العفيف الأخضر وخبثه قوله إن هناك آية تتحدث عن قصر واثنتين وسبعين حورية فى انتظار قدوم الشهيد، وإن النبى الكريم قد أخذها من معلمه المجوسى سلمان. ترى أين تلك الآية فى القرآن؟ نعم هناك حديث عن الحور العين، لكن ليس هناك تحديد عدد ولا كلام عن قصر يضمهن. وعلى كل حال ليس فى القرآن كلام عن الحور العين إلا فى الفترة المكية، ولم يكن سلمان قد وصل إلى النبى بعد ولا عرفه النبى ولا سمع به. وهذه هى النصوص التى ورد فيها الحديث عنهن: "وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ" (الدخان/ 54)، "وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ" (الطور/ 20)، "حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ" (الرحمن/ 72)، "وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ" (الواقعة/ 22- 23). وهذه النصوص كلها بل جميع سورها التى وردت بها هى قرآن مكى. ولك، أيها القارئ، أن تحكم بما تراه مناسبا على هذا المسعور السفيه المجهال!

وتعال، أيها القارئ الكريم، معى لتعرف من يمد العفيف وأمثاله بما يقولون. ففى موقع "الكلمة" النصرانى نقرأ ما يلى تحت عنوان "الجنة حورها وولدانها": "أخذ القرآن الاعتقاد بوجود الحور في الجنة مما قاله الزردشتية القدماء عن وجود أرواح الغادات الغانيات المضيئات في السماء، وأن مكافأة أبطال الحروب هي الوجود مع الحور وولدان الحور. وكان الاعتقاد بوجود الحور ساريًا عند الهنود أيضًا. وكلمة "حوري" في لغة أوستا (وهي من لغات الفرس القديمة) تعني الشمس وضوءها. وفي اللغة البهلوية "هور"، وفي لغة الفرس الحديثة "حنور". ولفظها العرب "حور" (كتاب "شرائع منوا"، فصل 5، البيت 89). فجريًا على هذه العقيدة الفارسية والتعبير الفارسي قال القرآن: "حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الخِيَامِ" (سورة الرحمن 55: 72)، "وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُون" (سورة الواقعة 56: 22 و23)".

ملقِّن محمد سلمان الفارسي: شهد القرآن أن المقصود بإملائه القصص الفارسية على محمد هو سلمان الفارسي، فقال: "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَالسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ" (سورة النحل 16: 103). وسلمان هذا فارسيٌّ أسلم، وكان من الصحابة، وهو الذي أشار على محمد وقت حصار المدينة بحفر الخندق، فنفّذ محمد نصيحته. وهو الذي أشار على محمد باستعمال المنجنيق في غزوة ثقيف الطائف. وقد اتهم العرب محمدا أن سلمان هذا هو الذي ساعده على تأليف قرآنه، ومنه استقى الكثير من قصصه وعباراته. ومع أن محمدا قال إن سلمان أعجمي، والقرآن عربي، ولكن هذا لا يمنع أن تكون المعاني لسلمان، وصياغتها في أسلوبها العربي لمحمد".

فكما ترى ليس للعفيف الأخضر أى فضل فى هذا الكلام، إذ هو منقول عن ذلك الموقع. أما أن المعنى للفرس، بينما الأسلوب لمحمد فقد أثبتنا فى كتابى: "القرآن والحديث- مقارنة أسلوبية"، على مدى 600 صفحة، أن أسلوب القرآن يختلف تمام الاختلاف عن أسلوب الحديث. ومن هنا لا يمكن القول بِجِدٍّ إن القرآن من تأليف محمد. وعلى كل ليس ذلك هو المعنى الذى يقصده القرآن، بل المقصود أن الأعاجم الذين كانوا فى مكة ويشتغلون بالِحَرف اليدوية كجبر ويسار مثلا لم يكونوا يستطيعون الحديث بالعربية إلا فى أضيق الحدود فى مجال حرفتهم، وهو ما لا يسعفهم بالكلام فى الموضوعات الدينية بأى حال لا أنهم أعطوه المضمون، ثم صاغه هو بأسلوبه. أما سلمان فالأغبياء هنا يصرون على أنه كان موجودا بجوار النبى فى مكة. خيبة الله على تلك العقول الزنخة. ثم ما قول الأغبياء فى أن أولئك الأعاجم قد أسلموا جميعا كما أسلم سلمان فيما بعد حين التقى الرسولَ فى المدينة؟ بل ما رأيهم فى أن الذين اتهموا الرسول بالتعلم على أيدى هؤلاء الأعاجم قد أسلموا كلهم مكذبين هكذا أنفسهم بأنفسهم؟ ولا عزاء للأغبياء!

والمخزى لكل من يبغض محمدا أن أحدا من هؤلاء الأعاجم لم يقل يوما إنه قد عَلَّم محمدا شيئا رغم أنهم كانوا ضعفاء فى المجتمع القرشى، ومن مصلحتهم أن يتقربوا إلى المكيين على حساب الرسول، الذى لم يكن فى يديه ما يضر أو ينفع. ومع ذلك لم يحدث قط أن صرح أحد منهم بشىء من هذا الذى يسنده المكيون باطلا إليهم. كما أن القرآن لم يقل، كما يزعم الأغبياء، إن هؤلاء الأعاجم قد علموا محمدا القرآن، بل قال إن المشركين يتهمونه بهذا. وشتان، أيها الأغبياء الكذابون المدلسون، هذا وذاك! ليس ذلك فقط بل زاد القرآن الكريم فقال: "إنما يفترى الكذبَ الذين لا يؤمنون آيات الله. وأولئك هم الكاذبون". أى أن من يتهمون الرسول بالكذب هم الكاذبون لا هو. ألا يكفى هذا لأن يضع الأغبياء ألسنتهم تحت نعالهم ويريحونا؟

ولكى يعرف القراء الكرام مدى عراقة العفيف الأخضر فى الكذب والتدليس أسوق إليهم عبارته التالية: "استشهاديو حماس، الذين غُسِلَتْ أدمغتهم، يُعْطَى لكل واحد منهم واقي ذكري فولاذي يقيه من عواقب انفجار الحزام الناسف لينكح به الحوريات الموعودات!". إنه أولا يسخر من الفلسطينيين المظلومين الذين امتلخت القوى العالمية بلادهم وأعطتها اليهود ونكلت بهم أيما تنكيل وسدت فى وجوههم كل أبواب الرحمة والأمل. ثم يأتى هذا الوغد فيهاجمهم ويفترى عليهم الأضاليل بقلب صلد لا يبضّ بأية قطرة من التعاطف فى الوقت الذى يناصر فيه الصهاينةَ وينهش عِرْض كل من يمسهم، ويتهمه بمعاداة السامية، ويرى فيهم وفى ديانتهم الخير كله. وليس شىء من هذا بغريب، فولاؤه للصهاينة واليهود لا للعرب ولا للفلسطينيين ولا للمسلمين. إن كل هؤلاء فى نظره إرهابيون لا بد من استئصالهم من على وجه الأرض. ذلك أن الشيوعيين هم أبناء هنرى كورييل الصهيونى ورفاقه، الذين أدخلوا الشيوعية بلادنا، وواطأهم عليها أوباشنا وأوسخ من فينا، ومنهم العفيف الأخضر قبل أن يتحول إلى معسكر الغرب. وكان الشيوعيون يناصرون إسرائيل فى حرب 1948 ضد العرب والمسلمين، ويعدونها دولة تقدمية تواجه أمما متخلفة تستحق الجزر والإبادة. ثم إن الأمريكان الآن هم ضامنو حياة إسرائيل وبقائها وتفوقها على العرب جميعا، ويمدونها بالسلاح والجنود ولا يتركونها تواجهنا وحدها، "إن" رضى أحد من قادتنا بمواجهتها، وهو ما لا يمكن أن يكون، بل تحميها وتمدها بالخطط والأسرار وتقف معها فى المفاوضات وتضغط علينا لصالحها. فالعفيف الأخضر إذن هو ربيب للصهاينة، مبغض للعروبة والإسلام والفلسطينيين فى الحالين!

لكن هل يصدق عاقل بأن رجال حماس يصنعون ما يقولون من تركيب واق ذكرى من الفولاذ حتى إذا ما بعث الشهيد يوم القيامة كان عضوه جاهزا لأنه لم ينفجر ويتحطم مع بقية جسده؟ بالله عليكم أهذا كلام يقوله "بنى أدوم" عنده إحساس أو رجولة؟ وحتى هذه أيضا ليست من بنات فكره، فقد سبقت المخابرات الأمريكية أن أمدت السحاقية البانجلاديشية المتكنّدة إرشاد مانجى بفكرة مثل هذه، لكنها كانت فكرة نيئة، وهى أن الاستشهاديين يضعون بين أفخاذهم حشوة من ورق الجرائد يلفون بها أعضاءهم التناسلية حتى لا يصيبها أذى متى انفجرت القنابل أو الأحزمة الناسفة التى يفجرون بها أنفسهم، كى تكون جاهزة لمباشرة المهام إياها مع الحور العين. ويبدو أن سخريتى من هذه الفكرة أيامَ كتبتُ عن رشاد مانجى قبل 13 عاما قد نبهتهم إلى أنها تحتاج بعض الصقل، فطوروا حشوة الجرائد إلى واق ذكرى. فيهم الخير والله، فهم يقبلون التعلم ويحسّنون من أدائهم على الدوام. وهذه شهادة منى بذلك. وأظن أن الخطوة التالية بعد هذا هى كتابة اسم كل شهيد على واقيه حتى لا تختلط الأمور فى زحمة يوم القيامة، فيذهب واقى ألف إلى باء، وواقى سين إلى صاد، مع اختلاف المقاييس مما يترتب عليه عدم صلاحية أى واق لأى شهيد، وتضيع الأموال التى أنفقت على شراء الأَواقى فى الهواء.

وعودا إلى سلمان الفارسى نقول: لقد وضع رضى الله عنه نفسه منذ أول دقيقة فى خدمة دين محمد واشترك فى الغزوات الحربية التى اصطدم فيها الإسلام بالوثنية واليهودية، ورغم ذلك يجعله العفيف الأخضر هو الأساس، أما محمد فظِلٌّ تابعٌ له. كيف؟ علم ذلك عند هذا الجاهل الحقود. وهذه الفكرة الكاذبة ليست من بنيات أفكار العفيف الأخضر على عكس ما يدعيه ويزعمه، فقد قرأناها آنفا منشورة فى موقع كنسى. كما سبق أن ادعاها سلمان رشدى فى روايته: "الآيات الشيطانية"، إذ جعل من سلمان، كذبا وزورا، كاتبا من كتاب الوحى يشارك فى تأليفه أو بالأحرى: فى إفساده، وإن كان رشدى، على عادته فى إشاعة الاضطراب فى روايته، قد أحل سلمان الفارسى هنا محل عبد الله بن أبى السرح، إذ هو الرجل الذى كان يكتب الوحى للنبى فى مكة (فى مكة لا فى المدينة)، فكان يعبث به تغييرا وتبديلا، ثم انتهى الأمر به إلى الارتداد عن الإسلام، ليعود فى المرحلة المدنية إلى دين محمد مجددا.

ومعروف أن رواية سلمان رشدى رواية مهلهلة يتداخل فيها العصر النبوى مع العصر الحديث، والفترة المكية من سيرة الرسول مع الفترة المدنية، وأحداث الإسلام الأولى مع وقائع الثورة الإيرانية فى العصر الحالى، وعائشة مع الشاهبانو، وبلاد العرب مع بريطانيا، وشخصيات الصحابة مع بعض الشخصيات الأمريكية... إلخ. ومن ثم فلا قيمة لما قاله رشدى، إذ هو هلوسات يسودها الاضطراب والتعقيد. ومن هنا وجدنا سلمان الفارسى فى رواية سلمان رشدى يبدأ بالإيمان القوى بمحمد ثم ينتهى شاكا كافرا بعكس ما وقع فى التاريخ حيث بدأ رضى الله عنه شاكا فيما يدرسه ويَخْبُره من أديان لينتهى مؤمنا صلب الإيمان بمحمد ودينه وكتابه. ثم جاء بعد ذلك خليل عبد الكريم وفتح، فى كتابه: "شدو الربابة"، موضوع سلمان الفارسى واصفا ما عنده بأنه كنز معرفى ثمين كان يمتح منه محمد فى سهراته الليلية التى كان يقضيانها وحدهما بعيدا عن العيون فى بيت الرسول عليه السلام، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يعيش فى قصر ذى أجنحة، فكان يسهر هو وصاحبه الفارسى فى جناح يبعد عن أعين زوجاته وأسماعهن حتى لايكتشفن الملعوب، وليس فى غرفة بسيطة ساذجة كل شىء فيها معروف ومكشوف ومرأىٌّ ومسموع. خيبة الله على خيالات السكارى عديمى الوعى!

وهذه قصة سلمان وتطوافه فى الآفاق إلى أن التقى الرسول عليه السلام وآمن به، فأضحى من اللحظة الأولى من أخلص تابعيه. يقول رضى الله عنه: "كنتُ رجلًا فارسيًّا مِن أهلِ أصبهانَ، ومِن أهلِ قريةٍ منها يُقالُ لها: جي. وكان أبي دهقانَ قريتِه، وكنتُ أحَبَّ خلقِ اللهِ إليه، فلم يزَلْ به حبُّه إياي حتى حبسني في بيتِه، أي ملازمَ النارِ، كما تُحبَسُ الجاريةُ. وأجهدتُ في المجوسيةِ حتى كنتُ قطنَ النارِ الذي يوقِدُها لا يترُكُها تخبو ساعةً. قال: وكانتْ لأبي ضيعةٌ عظيمةٌ. قال: فشُغِل في بُنْيانٍ له يومًا فقال لي: يا بُنَيَّ، إني شُغِلتُ في بنيانٍ هذا اليومَ عن ضَيْعَتي، فاذهَبْ فاطَّلِعْها. وأمَرني فيها ببعضِ ما يريدُ، فخرَجتُ أريدُ ضَيعتَه، فمرَرتُ بكنيسةٍ من كنائسِ النصارى، فسمِعتُ أصواتَهم فيها وهم يصلُّونَ، وكنتُ لا أدري ما أمرُ الناسِ لحبسِ أبي إياي في بيتِه. فلما مرَرتُ بهم وسمِعتُ أصواتَهم دخَلتُ عليهِم أنظُرُ ما يصنَعونَ. قال: فلما رأيتُهم أعجَبَني صلاتُهم ورغِبتُ في أمرِهم وقلتُ: هذا واللهِ خيرٌ منَ الدينِ الذي نحن عليه. فواللهِ ما تركتُهم حتى غرَبَتِ الشمسُ. وتركتُ ضيعةَ أبي ولم آتِها. فقلتُ لهم: أين أصلُ هذا الدينِ؟ قالوا: بالشامِ. قال: ثم رجَعْتُ إلى أبي، وقد بعَث في طلبي وشغَلتُه عن عملِه كلِّه. قال فلما جِئتُه قال: أي بُنَيَّ، أين كنتَ؟ ألم أكُنْ عهِدتُ إليكَ ما عهِدتُ؟ قال: قلتُ: يا أبَتِ، مرَرتُ بناسٍ يصلُّونَ في كنيسةٍ لهم، فأعجَبَني ما رأيتُ من دينِهم. فواللهِ ما زِلتُ عندَهم حتى غرَبَتِ الشمسُ. قال: أي بُنَيَّ، ليس في ذلك الدينِ خيرٌ. دينُكَ ودينُ آبائِكَ خيرٌ منه. قال: قلتُ: كلا واللهِ إنه خيرٌ من ديننِا. قال: فخافَني فجعَل في رِجلي قيدًا ثم حبسَني في بيتِه. قال: وبعَثْتُ إلى النصارى فقلتُ لهم: إذا قَدِم عليكم رَكْبٌ من الشامِ تجارٌ من النصارى، فأخبِروني بهِم. قال: فقدِم عليهِم رَكْبٌ من الشامٍ تجارٌ من النصارى. قال: فأخبَروني بهم. قال فقلتُ لهم: إذ قضَوْا حوائجَهم وأرادوا الرَّجْعةَ إلى بلادِهم فآذِنُوني بهم. قال: فلما أرادوا الرَّجْعَةَ إلى بلادِهم أخبَروني بهم. فألقيتُ الحديدَ مِن رِجلي، ثم خرَجتُ معهم حتى قدِمتُ الشامَ. فلما قدِمْتُها قلتُ: مَنْ أفضلُ أهلِ هذا الدينِ؟ قالوا: الأسقُفُّ في الكنيسةِ. قال: فجِئتُه فقلتُ: إني قد رغِبتُ في هذا الدينِ وأحبَبتُ أن أكونَ معكَ أخدمُكَ في كنيستِكَ وأتعلَّمُ منكَ وأصلِّي معكَ. قال: فادخُلْ. فدخَلتُ معه. قال: فكان رجلَ سوءٍ يأمُرُهم بالصدقةِ ويُرَغِّبُهم فيها. فإذا جمَعوا إليه منها أشياءَ اكتَنَزه لنفسِه، ولم يُعطِه المساكينَ حتى جمَع سبعَ قلالٍ من ذهبٍ ووَرِقٍ. قال: وأبغَضتُه بُغضًا شديدًا لِمَا رأيتُه يَصْنَعُ. ثم مات فاجتمعَتْ إليه النصارى ليَدْفِنوه، فقلتُ لهم: إنَّ هذا كان رجلَ سوءٍ يأمُرُكم بالصدقةِ ويُرَغِّبُكم فيها، فإذا جِئتُموه بها اكتَنَزها لنفسِه ولم يُعْطِ المساكينَ منها شيئًا. قالوا: وما عِلمُكَ بذلك؟ قال: قلتُ: أنا أدُلُّكم على كَنْزِه. قالوا: فدُلَّنا عليه. قال: فأريتُهم مَوْضِعَه. قال: فاستَخْرَجوا منه سبعَ قلالٍ مملوءةٍ ذهبًا ووَرِقًا. فلما رأَوها قالوا: واللهِ لا نَدْفِنُه أبدًا. فصلَبوه ثم رجَموه بالحجارةِ، ثم جاءوا برجلٍ آخرَ فجعَلوه بمكانِه. قال: يقولُ سلمانُ: فما رأيتُ رجلًا لا يصلِّي الخمسَ أرى أنه أفضل منه أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرةِ ولا أدأَب ليلًا ونهارًا منه. قال: فأحبَبتُه حُبًّا لم أُحِبَّه مَنْ قبلَه، وأقَمْتُ معه زمانًا. ثم حضرَتْه الوفاةُ، فقلتُ له: يا فلانُ، إني كنتُ معكَ وأحبَبتُكَ حبًّا لم أُحِبَّه مَنْ قبلَكَ، وقد حضَركَ ما ترى من أمرِ الله، فإلى مَنْ توصي بي؟ وما تأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلمُ أحدًا اليومَ على ما كنتُ عليه. لقد هلَك الناسُ وبدَّلوا وترَكوا أكثرَ ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالموصلِ، وهو فلانٌ. فهو على ما كنتُ عليه، فالحَقْ به. قال: فلما مات وغُيِّبَ لحِقتُ بصاحبِ الموصلِ فقلتُ له: يا فلانُ، إنَّ فلانًا أوصاني عندَ موتِه أن ألحَق بكَ، وأخبَرني أنكَ على أمرِه. قال: فقال لي: أقِمْ عندي. فأقَمتُ عندَه، فوجَدْتَه خيرَ رجلٍ على أمرِ صاحبِه. فلم يَلبَثْ أن مات. فلما حضرَتْه الوفاةُ قلتُ له: يا فلانُ، إنَّ فلانًا أوصى بي إليكَ، وأمرَني باللحوقِ بكَ، وقد حضَرك منَ اللهِ عزَّ وجلَّ ما ترى، فإلى مَنْ توصي بي وتأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلمُ رجلًا على مثلِ ما كنا عليه إلا رجلًا بنصيبينَ، وهو فلانٌ، فالحَقْ به. قال: فلما مات وغُيِّبَ لحِقْتُ بصاحبِ نَصيبينَ، فجِئتُه فأخبَرتُه بخبري وما أمرَني به صاحبي. قال: فأقِمْ عندي. فأقَمتُ عندَه، فوجَدتُه على أمرِ صاحبَيه. فأقَمتُ مع خيرِ رجلٍ، فواللهِ ما لبِث أن نزَل به الموتُ. فلما حُضِر قلتُ له: يا فلانُ، إنَّ فلانًا كان أوصى بي إلى فلانٍ ثم أوصى بي فلانٌ إليكَ. فإلى مَنْ توصي بي؟ وما تأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما نعلمُ أحدًا بقي على أمرِنا آمُرُكَ أن تأتيَه إلا رجلًا بعَمُّوريةَ، فإنه بمثلِ ما نحن عليه. فإن أحبَبتَ فَأْتِه قال: فإنه على أمرِنا. قال: فلما مات وغُيِّبَ لحِقْتُ بصاحبِ عَمُّوريةَ، وأخبَرْتُه خبري، فقال: أقِمْ عندي. فأقَمْتُ مع رجلٍ على هَدْيِ أصحابِه وأمرِهم. قال: واكتسَبتُ حتى كان لي بقراتٌ وغُنَيمةٌ. قال: ثم نزَل به أمرُ الله.ِ فلما حُضِر قلتُ: يا فلانُ، إني كنتُ مع فلانٍ فأوصَى بي فلانٌ إلى فلانٍ، وأوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ، ثم أوصى بي فلانٌ إليكَ، فإلى مَنْ توصي بي؟ وما تأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلمُه أصبَح على ما كنا عليه أحدٌ منَ الناسِ آمُرُكَ أن تأتيَه. ولكنَّه قد أظلَّكَ زَمانُ نبيٍّ هو مبعوثٌ بدينِ إبراهيمَ يخرُجُ بأرضِ العربِ مُهاجِرًا إلى أرضٍ بين حرَّتَينِ بينهما نخلٌ، به علاماتٌ لا تَخفى. يأكُلُ الهديةَ ولا يأكُلُ الصدقةَ. بين كتِفَيه خاتَمُ النبوةِ. فإنِ استَطَعتَ أن تَلحَقَ بتلك فافعَلْ. قال: ثم مات وغُيِّبَ، فمكَثتُ بعَموريةَ ما شاء اللهُ أن أمكُثَ، ثم مرَّ بي نفَرٌ من كلبٍ تجارًا، فقلتُ لهم: تَحمِلوني إلى أرضِ العربِ وأُعطيكم بقَراتي هذه، وغُنَيْمَتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطَيتُهموها وحمَلوني، حتى إذا قدِموا بي واديَ القرى ظلَموني فباعوني من رجلٍ من يهودَ عبدًا. فمكَثتُ عندَه، ورأيتُ النخلَ، ورجَوتُ أن تكونَ البلدَ الذي وصَف لي صاحبي، ولم يحِقَّ لي في نفسي. فبينما أنا عندَه قدِم عليه ابنُ عمٍّ له منَ المدينةِ من بني قُرَيْظَةَ فابتاعني منه، فاحتمَلني إلى المدينةِ. فواللهِ ما هو إلا أن رأيتُها فعرَفتُها بصفةِ صاحبي بها. فأقَمتُ بها وبعَث اللهُ رسولَه، فأقام بمكةَ ما أقام لا أسمَعُ له بذكرٍ مع ما أنا فيه من شغلِ الرِّقِّ. ثم هاجَر إلى المدينةِ، فواللهِ إني لفي رأسِ عِذْقٍ لسيدي أعمَلُ فيه بعضَ العملِ، وسيدي جالسٌ، إذ أقبَل ابنُ عمٍّ له حتى وقَف عليه فقال: فلانُ، قاتَل اللهُ بني قيلةَ. واللهِ إنهم الآنَ لمجتمِعونَ بقُبَاءَ على رجلٍ قدِم عليهم من مكةَ اليومَ يزعُمونَ أنه نبيّ.ٌ قال: فلما سمِعتُها أخَذَتْني العُرَوَاءُ حتى ظنَنتُ أنني سأسقُطُ على سيدي. قال: ونزَلتُ عنِ النخلةِ فجعَلتُ أقولُ لابنِ عمِّه ذلك: ماذا تقولُ؟ ماذا تقولُ؟ قال: فغضِب سيدي، فلكَمني لكمةً شديدةً ثم قال: ما لَكَ ولهذا؟ أقبِلْ على عملِكَ! قال: قلتُ: لا شيءَ. إنما أرَدتُ أن أستَثبِتَ عما قال. وقد كان عندي شيءٌ قد جمَعتُه. فلما أمسَيتُ أخَذْتُه ثم ذهَبتُ به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم وهو بقُبَاءَ، فدخَلتُ عليه فقلتُ له: إنه قد بلَغني أنَّكَ رجلٌ صالحٌ، ومعكَ أصحابٌ لكَ غُرَباءُ ذَوو حاجةٍ، وهذا شيءٌ كان عندي للصدقةِ، فرأيتُكم أحقَّ به من غيرِكم. قال: فقرَّبتُه إليه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم لأصحابِه: كُلُوا. وأمسَك يدَه فلم يأكُلْ. قال: فقلتُ في نفسي: هذه واحدةٌ. ثم انصرَفْتُ عنه فجمَعْتُ شيئًا، وتحوَّل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم إلى المدينةِ، ثم جِئتُ به فقلتُ: إني رأيتُكَ لا تأكُلُ الصدقةَ، وهذه هديةٌ أكرَمتُكَ بها. قال: فأكَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم منها وأمَر أصحابَه فأكَلوا معه. قال فقلتُ في نفسي: هاتانِ اثنَتانِ. ثم جِئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم وهو ببقيعِ الغَرْقَد.ِ قال: وقد تبِع جنازةَ رجلٍ من أصحابِه عليه شملتانِ له، وهو جالسٌ في أصحابِه. فسلَّمتُ عليه ثم استدَرتُ أنظُرُ إلى ظهرِه: هل أرى الخاتَمَ الذي وصَف لي صاحبي؟ فلما رآني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم استدَرْتُه عرَف أني أستَثبِتُ في شيءٍ وُصِف لي. قال: فألقى رِداءَه عن ظهرِه، فنظَرتُ إلى الخاتَمِ فعرَفتُه. فانكبَبتُ عليه أُقَبِّلُه وأبكي، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: تحوَّلْ. فتحوَّلتُ فقصَصتُ عليه حديثي كما حدَّثتُكَ يا ابنَ عباسٍ. قال: فأعجَب رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم أن يسمَعَ ذلك أصحابُه. ثم شغَل سلمانَ الرقُّ، حتى فاته مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم بدرٌ وأحُدٌ. قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: كاتِبْ يا سلمانُ. فكاتَبتُ صاحبي على ثلاثمائةِ نخلةٍ أُحْيِيها له بالفقيرِ، وبأربعينَ أوقيةً. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: أعينوا أخاكم. فأعانوني بالنخلِ: الرجلُ بثلاثينَ وديةً، والرجلُ بعشرينَ، والرجلُ بخمسَ عشرةَ، والرجلُ بعشرٍ. يعني: الرجلُ بقدْرِ ما عندَه حتى اجتمعَتْ لي ثلاثُمائةِ وديةٍ. فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: اذهَبْ يا سلمانُ ففَقِّرْ لها، فإذا فرَغتَ فائتِني أكونُ أنا أضعُها بيدي. ففقَّرتُ لها، وأعانني أصحابي. حتى إذا فرَغتُ منها جِئتُه فأخبَرتُه، فخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم معي إليها. فجعَلْنا نقربُ له الوديَ ويضَعُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم بيدِه. فوالذي نفسُ سلمانَ بيدِه، ما ماتتْ منها وديةٌ واحدةٌ. فأدَّيتُ النخلَ وبقي عليَّ المالُ، فأتى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم بمثلِ بيضةِ دجاجةٍ من ذهب من بعضِ المَغَازي فقال: ما فعَل الفارسيُّ المكاتَبُ؟ قال: فدُعيتُ له. فقال: خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليكَ يا سلمانُ. فقلتُ: وأين تقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ مما عليَّ؟ قال: خُذْها فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سيؤدِّي بها عنكَ. قال: فأخَذتُها فوزَنتُ لهم منها، والذي نفسُ سلمانَ بيدِه، أربعينَ أوقيةً، فأوفَيتُهم حقَّهم وعُتِقتُ. فشهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم الخندقَ، ثم لم يَفُتْني معه مَشهَدٌ".

فأين أستاذية سلمان للنبى؟ وأين تلمذة النبى له؟ إن الرجل قد لف المنطقة كلها بحثا عن الحق حتى بلغ الرسول عليه السلام فألفاه هو الحق الذى كان يبحث طوال الوقت عنه، وآمَن به ولزمه وأعطى المسلمين عصارة خبرته وتجاريبه، وخاصة فى حفر الخندق، وشهد معه صلى الله عليه وسلم الغزوات كلها ما عدا بدرا وأحدا، إذ كان لا يزال عبدا لليهودى لم يُفْدَ بعد، وشهد من بعده عددا آخر من فتوح المسلمين. ولو كان هو أستاذ النبى فلم رضى أن يكون تابعا لتلميذه الذى يعرف هو أكثر مما يعرف، وعنده علم بالدين وصناعة الدين أفضل منه، وينتسب إلى أمة ذات حضارة لا أمة تعيش فى الصحراء، ويكتب ويقرأ ويتحدث بالفارسية والعربية، وبغير الفارسية والعربية أيضا، بينما محمد ليست له سوى لغة واحدة، وفضلا عن ذلك فهو أمى لا يكتب ولا يقرأ ولا علاقة له بالكتب ولا بمقارنة الأديان طبقا لهلوسات العفيف الأخضر ومن والاه؟ وفوق هذا اشترك سلمان فى فتح بلاده للدين المحمدى، ومحو الزرادشتية التى كان من سدنتها ومشعلى نارها حتى لا تنطفئ أبد الدهر، وولاه عمر بن الخطاب إدارة مدينة المدائن حاضرة الفرس ذاتها، فقام بالمهمة خير قيام. ترى ما الذى يدفع رجلا مثله إلى هذا كله لو كان هو الأستاذ، ومحمد هو التلميذ؟ أهو غاوى نكد وبهدلة؟ إن الأستاذ هو فريد شوقى يا هذا، أما العفيف الأخضر فهو عميل لزين العابدين بن على والأمريكان وكل من يبغض الإسلام ويزنى ويلوط ويشرب الخمر ولا يتطهر ولا يصوم ولا يصلى ولا يحج ولا يضحى ولا يعرف ربنا، كما أنه ينصر الشيوعية والكاثوليكية واليهودية وعبادة البقر والحمير على الإسلام، ثم يتظاهر الثعلب الخبيث بالفقر والمسغبة. يريد أن يوصل لنا نحن البله فى نظره أنه لا يعمل لحساب أحد، ومن ثم لا توجد معه فلوس، وحياته ضنك فى ضنك. وهذه كلها ألاعيب مكشوفة لا تنطلى على عاقل!

وهذه ترجمة سلمان الفارسى كما وردت فى "الموسوعة العربية العالمية"، فالتكرار مفيد للشطار، لكنه لا يفيد العفيف الأخضر لأنه حمار: "سَلْمان الفارسي (؟- 36هـ/ ؟- 656م): صحابي أنصاري من سكان المدينة (يثرب- طيبة) أصله فارسي من أصبهان. رحل سلمان إلى بلاد الشام والموصل ونصيبين وعمورية بحثا عن عقيدة يطمئن إليها واتصل بالرهبان. قرأ كتب الفرس والروم واليهود، ولم يجد ضالته، وقصد بلاد العرب، وفي طريقه لقيه ركب من بني كلب فاسترقّوه وباعوه إلى رجل يهودي، وانتهى به المقام إلى المدينة يعمل بالزراعة. علم بخبر النبي. ولما تمت هجرة الرسول جاء إليه وتحرى أوصافه مما اطلع عليه في التوراة والإنجيل فتيقَّن من نبوته، فآمن به ولازمه وشارك في غزواته. بعد أن اعتنق رضي الله عنه الإسلام آخى الرسول بينه وبين أبي الدرداء (عويمر بن مالك)، وكاتب مالكَه على عمل معين يتعلق بغراس النخيل، وقال رسول الله: "أعينوا أخاكم بالنَّخْل"، وتم تحريره من الرق. كان سلمان رضي الله عنه قوي الجسم، راجح العقل. أشار بحفر الخندق في غزوة الأحزاب التي سميت أيضًا بـ"غزوة الخندق" لهذا السبب، وشارك فيه. ولاه الخليفة عمر رضي الله عنه المدائن وظل فيها مؤمنا متواضعا. وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به. وكان، وهو أمير، ينسج الخوص، ويأكل خبز الشعير، ويعيش من كسب يده. روى، رضي الله عنه، 60 حديثا للنبي".

واضح أن العفيف الأخضر قد أكل داتورة، فهو لا يدرى من أمره ولا من أمر الموضوع الذى يكتب عنه شيئا. وهو يعلن أنه يشرب الخمر، كما يهاجم الإسلام هجوما ناريا لأنه يحرمها ويكلف الشخص حجًّا وصلواتٍ وطهاراتٍ وأصوامًا لا قبل له بها ولا فائدة له من ورائها بل الضرر كل الضرر من جرائها كما كتب وأكد، خيبه الله. فمن الطبيعى أن تلحس الخمر والمخدرات مخه وتتركه خرابا يبابا يعيث فيه الدود ويسرح فيه السوس، وإن ظن هو والأغبياء الذين يؤمرون بالتهليل له أنه عبقرى العبقريين! ولا أدرى لم كل هذه الضجة جراء تلك المسألة؟ هل قال الإسلام إن كل ما أتى به لم يسبق إليه أى دين؟ إن الأمم كلها تقريبا تؤمن بالآخرة والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار على نحو أو على آخر. وتفسيرى للأمر أن هذا كلام السماء انتشر بين الأمم كما هو أو بعد تحويره لسبب أو لآخر، وإلا فهل كان على الإسلام أن يعاند ويقول إنه لن تكون هناك حور عين ما دام الآخرون يقولون ذلك؟ إن اليهودية مثلا تخلو من الكلام عن الآخرة، وهذا خلل. كما دخلت النصرانيةَ عقيدةُ التثليث فابتعدت عن التوحيد الصافى. أما الكلام عن نعيم الآخرة والحور العين فهو كلام فى صميم الدين كما أنزله الله. ثم يبقى بعد ذلك تفسير ذلك النعيم: هل سيكون هو نفسه ما نتلذذ به فى الدنيا كحذوك القذة بالقذة؟ أم هل سيكون مجرد لذة روحانية فحسب؟ أم هل سيكون لذة روحانية مادية لكن بشكل مختلف؟ وأنا من الذين يعتقدون الاعتقاد الأخير، إذ القرآن والحديث يتكلمان عن تلك اللذائذ ويؤكدان أن المؤمنين سوف يتمتعون بها يوم القيامة، لكنها فى نفس الوقت سوف تكون شيئا مختلفا عما نعرفه منها هنا على الأرض كما هو واضح من نصوصهما المختلفة.

أما أن القرآن فى مكة كان يوصى بمجادلة أهل الكتاب بالتى هى أحسن فهذا صحيح، وأما أن الرسول والمسلمين فى المدينة قد صاروا يجادلونهم بالتى هى أخشن فهو كذب صراح ودجل منتن. لقد كان اليهود كلما أذّن المسلمون للصلاة سخروا من الأذان وشبهوا صوت المؤذن بنهاق الحمير، وكانوا يقولون إن يد الله مغلولة، ويقولون إن الله فقير ونحن أغنياء، وكانوا يقولون للنبى عليه السلام بعد انتصاره فى بدر: لا يَغُرَّنَّك أنك انتصرت على القرشيين. فلئن حاربناك لتَعْلَمَنَّ أننا نحن الناس، وكانوا يعملون على إثارة الفتن والمعارك بين الأنصار، وكانوا يقولون للمشركين إن وثنيتهم خير من الإسلام، وكانوا وكانوا وكانوا. كما عَرَّى بنو قينقاع سَوْأَةَ امرأة مسلمة كانت تتسوق عندهم، وصاروا يتصايحون كالهمج فى السوق شماتةً بها وبِعُرْيِها، ولما تدخل أحد المسلمين لحمايتها اشتعلت معركة حامية سقط فيها قتلى، وبالمثل تآمروا على حياة النبى وأوشكوا أن يلقوا برحى على رأسه من فوق سور الحصن الذى كان مستندا إليه حين ذهب إلى بنى النضير فى أمر من أمور الصحيفة التى كُتِبَتْ عقب الهجرة بين طوائف المدينة المختلفة من مسلمين ويهود ومهاجرين وأنصار، فأوهموه أنهم موافقون على ما جاء من أجله، وصعد بعضهم فوق الحصن ليقذفوا الرحى الصخرية فوق رأسه من أعلى السور حتى يتخلصوا منه إلى الأبد لولا أن الله أوحى إليه بما يدبرون، فنهض وغادر المكان قبل ووقع الكارثة، ووُجِد بعض المسلمين قتلى تحت أسوار حصونهم، واتهم أهلُ القتيل يهودَ بأنهم هم القتلة، بيد أن الرسول العظيم الرحيم الكريم لم يأخذهم بظاهر الأمر بل طالب أولياء الدم بالدليل، ثم دفعت الدولة ديته لعدم تقدمهم بما يبرهن على أن يهود هم قتلته رغم أن الشواهد كلها تقول ذلك. ثم كانت الطامة حين انحاز بنو قريظة إلى الأحزاب وذهب وفد منهم يؤرث الكراهية فى قلوب المشركين أكثر مما هى مؤرَّثة، ويتفقون على خطوط المؤامرة والخيانة. ولولا نجاح نعيم بن مسعود الغطفانى الذى أسلم سرا أوانذاك فى الإيقاع بين اليهود والأحزاب لضاع المسلمون. وهنا كان العقاب الصارم الذى أوقعه المسلمون بقريظة، وأخذ الكلب العقور يولول ويلطم خديه على أن بنى قريظة والأحزاب فشلوا فى تدمير الإسلام ودولته، ويتهم النبى بأنه ارتكب مجزرة فى حق بنى قريظة مع أنه كان بهم أرحم من حكم كتابهم بمحق كل نفس حية من إنسان أو حيوان أو نبات عند جيرانهم فى حالة انتصارهم عليهم فى معركة. فما بالنا بارتكابهم الخيانة العظمى فى حق المسلمين، الذين لم يمدوا إليهم يومًا يَدًا بالأذى؟ ومرة أخرى ينبغى ألا نخلط بين العلاقات الشخصية وبين أمور الدولة. فاليهود لم يخونوا الرسول بصفة شخصية، بل خانوا الدولة كلها خيانة عظمى هدفوا من ورائها تدميرها واستئصال مواطنيها والقضاء المبرم على دينهم ووضع اليد على أموالهم ومملتكاتهم.

وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فإلى القارئ ما يحكيه سفر "صموئيل الأول" عن إبادة شاول للشعوب المحيطة بإسرائيل رغم أنه لم تكن هناك خيانة بل عداوة من العداوات التى تكون بين الدول، وهى السياسة التى تتبعها إسرائيل اليوم، والتى كان يمكن أن يكون تنفيذها لها أبشع وأشنع وأفظع إجراما لولا ما يسمى بـ"الرأى العام العالمى"، الذى نعرف أنه مصاب بالصمم والعمى، لكنه ليس صمما وعمى تامين. يقول السفر المذكور: "1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا». 4فَاسْتَحْضَرَ شَاوُلُ الشَّعْبَ وَعَدَّهُ فِي طَلاَيِمَ، مِئَتَيْ أَلْفِ رَاجِل، وَعَشَرَةَ آلاَفِ رَجُل مِنْ يَهُوذَا. 5ثُمَّ جَاءَ شَاوُلُ إِلَى مَدِينَةِ عَمَالِيقَ وَكَمَنَ فِي الْوَادِي. 6وَقَالَ شَاوُلُ لِلْقَيْنِيِّينَ: «اذْهَبُوا حِيدُوا انْزِلُوا مِنْ وَسَطِ الْعَمَالِقَةِ لِئَلاَّ أُهْلِكَكُمْ مَعَهُمْ، وَأَنْتُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ مَعْرُوفًا مَعَ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ صُعُودِهِمْ مِنْ مِصْرَ». فَحَادَ الْقَيْنِيُّ مِنْ وَسَطِ عَمَالِيقَ. 7وَضَرَبَ شَاوُلُ عَمَالِيقَ مِنْ حَوِيلَةَ حَتَّى مَجِيئِكَ إِلَى شُورَ الَّتِي مُقَابَِلَ مِصْرَ. 8وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيًّا، وَحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ. 9وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا.

10وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ قَائِلاً: 11«نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي». فَاغْتَاظَ صَمُوئِيلُ وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ. 12فَبَكَّرَ صَمُوئِيلُ لِلِقَاءِ شَاوُلَ صَبَاحًا. فَأُخْبِرَ صَمُوئِيلُ وَقِيلَ لَهُ: «قَدْ جَاءَ شَاوُلُ إِلَى الْكَرْمَلِ، وَهُوَذَا قَدْ نَصَبَ لِنَفْسِهِ نَصَبًا وَدَارَ وَعَبَرَ وَنَزَلَ إِلَى الْجِلْجَالِ». 13وَلَمَّا جَاءَ صَمُوئِيلُ إِلَى شَاوُلَ قَالَ لَهُ شَاوُلُ: «مُبَارَكٌ أَنْتَ لِلرَّبِّ. قَدْ أَقَمْتُ كَلاَمَ الرَّبِّ». 14فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «وَمَا هُوَ صَوْتُ الْغَنَمِ هذَا فِي أُذُنَيَّ، وَصَوْتُ الْبَقَرِ الَّذِي أَنَا سَامِعٌ؟» 15فَقَالَ شَاوُلُ: «مِنَ الْعَمَالِقَةِ، قَدْ أَتَوْا بِهَا، لأَنَّ الشَّعْبَ قَدْ عَفَا عَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. وَأَمَّا الْبَاقِي فَقَدْ حَرَّمْنَاهُ». 16فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «كُفَّ فَأُخْبِرَكَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ إِلَيَّ هذِهِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ لَهُ: «تَكَلَّمْ». 17فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «أَلَيْسَ إِذْ كُنْتَ صَغِيرًا فِي عَيْنَيْكَ صِرْتَ رَأْسَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ وَمَسَحَكَ الرَّبُّ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، 18وَأَرْسَلَكَ الرَّبُّ فِي طَرِيق وَقَالَ: اذْهَبْ وَحَرِّمِ الْخُطَاةَ عَمَالِيقَ وَحَارِبْهُمْ حَتَّى يَفْنَوْا؟ 19فَلِمَاذَا لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ، بَلْ ثُرْتَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَعَمِلْتَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ؟». 20فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ لِصَوْتِ الرَّبِّ وَذَهَبْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَرْسَلَنِي فِيهَا الرَّبُّ وَأَتَيْتُ بِأَجَاجَ مَلِكِ عَمَالِيقَ وَحَرَّمْتُ عَمَالِيقَ. 21فَأَخَذَ الشَّعْبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ غَنَمًا وَبَقَرًا، أَوَائِلَ الْحَرَامِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْجِلْجَالِ». 22فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. 23لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ».

24فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «أَخْطَأْتُ لأَنِّي تَعَدَّيْتُ قَوْلَ الرَّبِّ وَكَلاَمَكَ، لأَنِّي خِفْتُ مِنَ الشَّعْبِ وَسَمِعْتُ لِصَوْتِهِمْ. 25وَالآنَ فَاغْفِرْ خَطِيَّتِي وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ». 26فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «لاَ أَرْجعُ مَعَكَ لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ، فَرَفَضَكَ الرَّبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ». 27وَدَارَ صَمُوئِيلُ لِيَمْضِيَ، فَأَمْسَكَ بِذَيْلِ جُبَّتِهِ فَانْمَزَقَ. 28فَقَالَ لَهُ صَمُوئِيلُ: «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. 29وَأَيْضًا نَصِيحُ إِسْرَائِيلَ لاَ يَكْذِبُ وَلاَ يَنْدَمُ، لأَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا لِيَنْدَمَ». 30فَقَالَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ. وَالآنَ فَأَكْرِمْنِي أَمَامَ شُيُوخِ شَعْبِي وَأَمَامَ إِسْرَائِيلَ، وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ إِلهِكَ». 31فَرَجَعَ صَمُوئِيلُ وَرَاءَ شَاوُلَ، وَسَجَدَ شَاوُلُ لِلرَّبِّ.

32وَقَالَ صَمُوئِيلُ: «قَدِّمُوا إِلَيَّ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ». فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَجَاجُ فَرِحًا. وَقَالَ أَجَاجُ: «حَقًّا قَدْ زَالَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ». 33فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «كَمَا أَثْكَلَ سَيْفُكَ النِّسَاءَ، كَذلِكَ تُثْكَلُ أُمُّكَ بَيْنَ النِّسَاءِ». فَقَطَعَ صَمُوئِيلُ أَجَاجَ أَمَامَ الرَّبِّ فِي الْجِلْجَالِ. 34وَذَهَبَ صَمُوئِيلُ إِلَى الرَّامَةِ، وَأَمَّا شَاوُلُ فَصَعِدَ إِلَى بَيْتِهِ فِي جِبْعَةِ شَاوُلَ. 35وَلَمْ يَعُدْ صَمُوئِيلُ لِرُؤْيَةِ شَاوُلَ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ، لأَنَّ صَمُوئِيلَ نَاحَ عَلَى شَاوُلَ. وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيل".

ثم ها هو ذا شاهد آخر من "صموئيل الثانى"، وهو عن داود، الذى غدر غدرا خسيسا بشعا بقائد جيشه وجاره المخلص وزنى بزوجته وهو غائب عنها ثم تآمر عليه بوضعه دون حماية فى خط النار أمام الأعداء مباشرة حتى قُتِل وتخلص منه بهذه الطريقة الإجرامية ودخل بالزوجة حسبما يقول العهد القديم، مما كانت ثمرته أن عاقبه الله بإماتة ابنه الذى حملت به منه فى الحرام امرأة قائده المغدور المظلوم، ثم نشبت معركة بينه وبين أعدائه انتصر فيها عليهم، فنشر شعوب جميع المدن المهزومة بالمناشير وعجلات النوارج الحديدية الحادة كالسيوف وحطمهم برؤوس الفؤوس لم يبق على نسمة واحدة، ثم وضعهم كلهم فى أفران النار. كل ذلك ولم تكن هناك من جانبهم أية خيانة، بل هو الذى حاربهم وهزمهم فسحقهم ومزقهم: "وَضَرَبَ الرَّبُّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ امْرَأَةُ أُورِيَّا لِدَاوُدَ فَثَقِلَ. 16فَسَأَلَ دَاوُدُ اللهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ دَاوُدُ صَوْمًا، وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعًا عَلَى الأَرْضِ. 17فَقَامَ شُيُوخُ بَيْتِهِ عَلَيْهِ لِيُقِيمُوهُ عَنِ الأَرْضِ فَلَمْ يَشَأْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ خُبْزًا. 18وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ، فَخَافَ عَبِيدُ دَاوُدَ أَنْ يُخْبِرُوهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: «هُوَذَا لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا كَلَّمْنَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِصَوْتِنَا. فَكَيْفَ نَقُولُ لَهُ: قَدْ مَاتَ الْوَلَدُ؟ يَعْمَلُ أَشَرَّ!». 19وَرَأَى دَاوُدُ عَبِيدَهُ يَتَنَاجَوْنَ، فَفَطِنَ دَاوُدُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِعَبِيدِهِ: «هَلْ مَاتَ الْوَلَدُ؟» فَقَالُوا: «مَاتَ». 20فَقَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبّ وَسَجَدَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَطَلَبَ فَوَضَعُوا لَهُ خُبْزًا فَأَكَلَ. 21فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: «مَا هذَا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلْتَ؟ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتَ وَبَكَيْتَ، وَلَمَّا مَاتَ الْوَلَدُ قُمْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزًا». 22فَقَالَ: «لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتُ وَبَكَيْتُ لأَنِّي قُلْتُ: مَنْ يَعْلَمُ؟ رُبَّمَا يَرْحَمُنِي الرَّبُّ وَيَحْيَا الْوَلَدُ. 23وَالآنَ قَدْ مَاتَ، فَلِمَاذَا أَصُومُ؟ هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَرُدَّهُ بَعْدُ؟ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجعُ إِلَيَّ».

24وَعَزَّى دَاوُدُ بَثْشَبَعَ امْرَأَتَهُ، وَدَخَلَ إِلَيْهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا فَوَلَدَتِ ابْنًا، فَدَعَا اسْمَهُ سُلَيْمَانَ، وَالرَّبُّ أَحَبَّهُ، 25وَأَرْسَلَ بِيَدِ نَاثَانَ النَّبِيِّ وَدَعَا اسْمَهُ «يَدِيدِيَّا» مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ. 26وَحَارَبَ يُوآبُ رِبَّةَ بَنِي عَمُّونَ وَأَخَذَ مَدِينَةَ الْمَمْلَكَةِ. 27وَأَرْسَلَ يُوآبُ رُسُلًا إِلَى دَاوُدَ يَقُولُ: «قَدْ حَارَبْتُ رِبَّةَ وَأَخَذْتُ أَيْضًا مَدِينَةَ الْمِيَاهِ. 28فَالآنَ اجْمَعْ بَقِيَّةَ الشَّعْبِ وَانْزِلْ عَلَى الْمَدِينَةِ وَخُذْهَا لِئَلاَّ آخُذَ أَنَا الْمَدِينَةَ فَيُدْعَى بِاسْمِي عَلَيْهَا». 29فَجَمَعَ دَاوُدُ كُلَّ الشَّعْبِ وَذَهَبَ إِلَى رِبَّةَ وَحَارَبَهَا وَأَخَذَهَا. 30وَأَخَذَ تَاجَ مَلِكِهِمْ عَنْ رَأْسِهِ، وَوَزْنُهُ وَزْنَةٌ مِنَ الذَّهَبِ مَعَ حَجَرٍ كَرِيمٍ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِ دَاوُدَ. وَأَخْرَجَ غَنِيمَةَ الْمَدِينَةِ كَثِيرَةً جِدًّا. 31وَأَخْرَجَ الشَّعْبَ الَّذِي فِيهَا وَوَضَعَهُمْ تَحْتَ مَنَاشِيرَ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسِ حَدِيدٍ وَأَمَرَّهُمْ فِي أَتُونِ الآجُرِّ، وَهكَذَا صَنَعَ بِجَمِيعِ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ. ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِلَى أُورُشَلِيمَ".

وإلى القارئ أيضا ما يقوله سفر "الملوك الأول" عن ذبح إيليا مئات من أنبياء البعل لم يسيئوا إليه أو إلى بنى إسرائيل بشىء ولا قامت حرب بين الطرفين: "1وَبَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى إِيلِيَّا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ قَائِلاً: «اذْهَبْ وَتَرَاءَ لأَخْآبَ فَأُعْطِيَ مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ». 2فَذَهَبَ إِيلِيَّا لِيَتَرَاءَى لأَخْآبَ. وَكَانَ الْجُوعُ شَدِيدًا فِي السَّامِرَةِ، 3فَدَعَا أَخْآبُ عُوبَدْيَا الَّذِي عَلَى الْبَيْتِ، وَكَانَ عُوبَدْيَا يَخْشَى الرَّبَّ جِدًّا. 4وَكَانَ حِينَمَا قَطَعَتْ إِيزَابَلُ أَنْبِيَاءَ الرَّبِّ أَنَّ عُوبَدْيَا أَخَذَ مِئَةَ نَبِيٍّ وَخَبَّأَهُمْ خَمْسِينَ رَجُلاً فِي مُغَارَةٍ وَعَالَهُمْ بِخُبْزٍ وَمَاءٍ. 5وَقَالَ أَخْآبُ لِعُوبَدْيَا: «اذْهَبْ فِي الأَرْضِ إِلَى جَمِيعِ عُيُونِ الْمَاءِ وَإِلَى جَمِيعِ الأَوْدِيَةِ، لَعَلَّنَا نَجِدُ عُشْبًا فَنُحْيِيَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَلاَ نُعْدَمَ الْبَهَائِمَ كُلَّهَا». 6فَقَسَمَا بَيْنَهُمَا الأَرْضَ لِيَعْبُرَا بِهَا. فَذَهَبَ أَخْآبُ فِي طَرِيق وَاحِدٍ وَحْدَهُ، وَذَهَبَ عُوبَدْيَا فِي طَرِيق آخَرَ وَحْدَهُ. 7وَفِيمَا كَانَ عُوبَدْيَا فِي الطَّرِيقِ، إِذَا بِإِيلِيَّا قَدْ لَقِيَهُ فَعَرَفَهُ، وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: «أَأَنْتَ هُوَ سَيِّدِي إِيلِيَّا؟» 8فَقَالَ لَهُ: «أَنَا هُوَ. اذْهَبْ وَقُلْ لِسَيِّدِكَ: هُوَذَا إِيلِيَّا». 9فَقَالَ: «مَا هِيَ خَطِيَّتِي حَتَّى إِنَّكَ تَدْفَعُ عَبْدَكَ لِيَدِ أَخْآبَ لِيُمِيتَنِي؟ 10حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُكَ، إِنَّهُ لاَ تُوجَدُ أُمَّةٌ وَلاَ مَمْلَكَةٌ لَمْ يُرْسِلْ سَيِّدِي إِلَيْهَا لِيُفَتِّشَ عَلَيْكَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لاَ يُوجَدُ. وَكَانَ يَسْتَحْلِفُ الْمَمْلَكَةَ وَالأُمَّةَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوكَ. 11وَالآنَ أَنْتَ تَقُولُ: اذْهَبْ قُلْ لِسَيِّدِكَ هُوَذَا إِيلِيَّا. 12وَيَكُونُ إِذَا انْطَلَقْتُ مِنْ عَِنْدِكَ، أَنَّ رُوحَ الرَّبِّ يَحْمِلُكَ إِلَى حَيْثُ لاَ أَعْلَمُ. فَإِذَا أَتَيْتُ وَأَخْبَرْتُ أَخْآبَ وَلَمْ يَجِدْكَ فَإِنَّهُ يَقْتُلُنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ أَخْشَى الرَّبَّ مُنْذُ صَبَايَ. 13أَلَمْ يُخْبَرْ سَيِّدِي بِمَا فَعَلْتُ حِينَ قَتَلَتْ إِيزَابَلُ أَنْبِيَاءَ الرَّبِّ، إِذْ خَبَّأْتُ مِنْ أَنْبِيَاءِ الرَّبِّ مِئَةَ رَجُل، خَمْسِينَ خَمْسِينَ رَجُلاً فِي مُغَارَةٍ وَعُلْتُهُمْ بِخُبْزٍ وَمَاءٍ؟ 14وَأَنْتَ الآنَ تَقُولُ: اذْهَبْ قُلْ لِسَيِّدِكَ: هُوَذَا إِيلِيَّا، فَيَقْتُلُنِي». 15فَقَالَ إِيلِيَّا: «حَيٌّ هُوَ رَبُّ الْجُنُودِ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ، إِنِّي الْيَوْمَ أَتَرَاءَى لَهُ». 16فَذَهَبَ عُوبَدْيَا لِلِقَاءِ أَخْآبَ وَأَخْبَرَهُ، فَسَارَ أَخْآبُ لِلِقَاءِ إِيلِيَّا.

17وَلَمَّا رَأَى أَخْآبُ إِيلِيَّا قَالَ لَهُ أَخْآبُ: «أَأَنْتَ هُوَ مُكَدِّرُ إِسْرَائِيلَ؟» 18فَقَالَ: «لَمْ أُكَدِّرْ إِسْرَائِيلَ، بَلْ أَنْتَ وَبَيْتُ أَبِيكَ بِتَرْكِكُمْ وَصَايَا الرَّبِّ وَبِسَيْرِكَ وَرَاءَ الْبَعْلِيمِ. 19فَالآنَ أَرْسِلْ وَاجْمَعْ إِلَيَّ كُلَّ إِسْرَائِيلَ إِلَى جَبَلِ الْكَرْمَلِ، وَأَنْبِيَاءَ الْبَعْلِ أَرْبَعَ الْمِئَةِ وَالْخَمْسِينَ، وَأَنْبِيَاءَ السَّوَارِي أَرْبَعَ الْمِئَةِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ عَلَى مَائِدَةِ إِيزَابَلَ». 20فَأَرْسَلَ أَخْآبُ إِلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَمَعَ الأَنْبِيَاءَ إِلَى جَبَلِ الْكَرْمَلِ. 21فَتَقَدَّمَ إِيلِيَّا إِلَى جَمِيعِ الشَّعْبِ وَقَالَ: «حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ». فَلَمْ يُجِبْهُ الشَّعْبُ بِكَلِمَةٍ. 22ثُمَّ قَالَ إِيلِيَّا لِلشَّعْبِ: «أَنَا بَقِيتُ نَبِيًّا لِلرَّبِّ وَحْدِي، وَأَنْبِيَاءُ الْبَعْلِ أَرْبَعُ مِئَةٍ وَخَمْسُونَ رَجُلاً. 23فَلْيُعْطُونَا ثَوْرَيْنِ، فَيَخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ ثَوْرًا وَاحِدًا وَيُقَطِّعُوهُ وَيَضَعُوهُ عَلَى الْحَطَبِ، وَلكِنْ لاَ يَضَعُوا نَارًا. وَأَنَا أُقَرِّبُ الثَّوْرَ الآخَرَ وَأَجْعَلُهُ عَلَى الْحَطَبِ، وَلكِنْ لاَ أَضَعُ نَارًا. 24ثُمَّ تَدْعُونَ بِاسْمِ آلِهَتِكُمْ وَأَنَا أَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ. وَالإِلهُ الَّذِي يُجِيبُ بِنَارٍ فَهُوَ اللهُ». فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَقَالُوا: «الْكَلاَمُ حَسَنٌ». 25فَقَالَ إِيلِيَّا لأَنْبِيَاءِ الْبَعْلِ: «اخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمْ ثَوْرًا وَاحِدًا وَقَرِّبُوا أَوَّلاً، لأَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأَكْثَرُ، وَادْعُوا بِاسْمِ آلِهَتِكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَضَعُوا نَارًا». 26فَأَخَذُوا الثَّوْرَ الَّذِي أُعْطِيَ لَهُمْ وَقَرَّبُوهُ، وَدَعَوْا بِاسْمِ الْبَعْلِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الظُّهْرِ قَائِلِينَ: «يَا بَعْلُ أَجِبْنَا». فَلَمْ يَكُنْ صَوْتٌ وَلاَ مُجِيبٌ. وَكَانُوا يَرْقُصُونَ حَوْلَ الْمَذْبَحِ الَّذِي عُمِلَ. 27وَعِنْدَ الظُّهْرِ سَخِرَ بِهِمْ إِيلِيَّا وَقَالَ: «ادْعُوا بِصَوْتٍ عَال لأَنَّهُ إِلهٌ! لَعَلَّهُ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ فِي خَلْوَةٍ أَوْ فِي سَفَرٍ! أَوْ لَعَلَّهُ نَائِمٌ فَيَتَنَبَّهَ!» 28فَصَرَخُوا بِصَوْتٍ عَال، وَتَقَطَّعُوا حَسَبَ عَادَتِهِمْ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ حَتَّى سَالَ مِنْهُمُ الدَّمُ. 29وَلَمَّا جَازَ الظُّهْرُ، وَتَنَبَّأُوا إِلَى حِينِ إِصْعَادِ التَّقْدِمَةِ، وَلَمْ يَكُنْ صَوْتٌ وَلاَ مُجِيبٌ وَلاَ مُصْغٍ، 30قَالَ إِيلِيَّا لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «تَقَدَّمُوا إِلَيَّ». فَتَقَدَّمَ جَمِيعُ الشَّعْبِ إِلَيْهِ. فَرَمَّمَ مَذْبَحَ الرَّبِّ الْمُنْهَدِمَ. 31ثُمَّ أَخَذَ إِيلِيَّا اثْنَيْ عَشَرَ حَجَرًا، بِعَدَدِ أَسْبَاطِ بَنِي يَعْقُوبَ، الَّذِي كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَيْهِ قَائِلاً: «إِسْرَائِيلَ يَكُونُ اسْمُكَ» 32وَبَنَى الْحِجَارَةَ مَذْبَحًا بِاسْمِ الرَّبِّ، وَعَمِلَ قَنَاةً حَوْلَ الْمَذْبَحِ تَسَعُ كَيْلَتَيْنِ مِنَ الْبَزْرِ. 33ثُمَّ رَتَّبَ الْحَطَبَ وَقَطَّعَ الثَّوْرَ وَوَضَعَهُ عَلَى الْحَطَبِ، وَقَالَ: «امْلأُوا أَرْبَعَ جَرَّاتٍ مَاءً وَصُبُّوا عَلَى الْمُحْرَقَةِ وَعَلَى الْحَطَبِ». 34ثُمَّ قَالَ: «ثَنُّوا» فَثَنَّوْا. وَقَالَ: «ثَلِّثُوا» فَثَلَّثُوا. 35فَجَرَى الْمَاءُ حَوْلَ الْمَذْبَحِ وَامْتَلأَتِ الْقَنَاةُ أَيْضًا مَاءً. 36وَكَانَ عِنْدَ إِصْعَادِ التَّقْدِمَةِ أَنَّ إِيلِيَّا النَّبِيَّ تَقَدَّمَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ، لِيُعْلَمِ الْيَوْمَ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ فِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنِّي أَنَا عَبْدُكَ، وَبِأَمْرِكَ قَدْ فَعَلْتُ كُلَّ هذِهِ الأُمُورِ. 37اسْتَجِبْنِي يَا رَبُّ اسْتَجِبْنِي، لِيَعْلَمَ هذَا الشَّعْبُ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ الإِلهُ، وَأَنَّكَ أَنْتَ حَوَّلْتَ قُلُوبَهُمْ رُجُوعًا». 38فَسَقَطَتْ نَارُ الرَّبِّ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالْحَطَبَ وَالْحِجَارَةَ وَالتُّرَابَ، وَلَحَسَتِ الْمِيَاهَ الَّتِي فِي الْقَنَاةِ. 39فَلَمَّا رَأَى جَمِيعُ الشَّعْبِ ذلِكَ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَقَالُوا: «الرَّبُّ هُوَ اللهُ! الرَّبُّ هُوَ اللهُ!». 40فَقَالَ لَهُمْ إِيلِيَّا: «أَمْسِكُوا أَنْبِيَاءَ الْبَعْلِ وَلاَ يُفْلِتْ مِنْهُمْ رَجُلٌ». فَأَمْسَكُوهُمْ، فَنَزَلَ بِهِمْ إِيلِيَّا إِلَى نَهْرِ قِيشُونَ وَذَبَحَهُمْ هُنَاكَ".

أما بالنسبة إلى النصارى فقد أتى مثلا إلى الرسول منهم وفد من نجران يضم كبارهم، ودخل مع النبى فى مناقشات، فعرض عليهم صلى الله عليه وسلم الإسلام أو الجزية أو المباهلة، فنكلوا عن المباهلة، وآثروا دفع الجزية. وحين أتى الأحباش تركهم يصلون ويزفنون فى مسجده صلى الله عليه وسلم بحرية تامة مع أنه لم يكن يجب عليه ذلك. وحين ذهب المغيرة بن شعبة إلى نصارى اليمن اعترضوا على ما جاء فى القرآن من أن بنى إسرائيل كانوا ينادون مريم أم المسيح بـ"يا أخت هارون"، فلم ينلهم المغيرة بأى أذى، وكل ما فعله أنه عند عودته أنبأ النبىَّ بما كان منهم رغبة فى معرفة رده على ذلك، فلم يفكر صلى الله عليه وسلم هو أيضا فى إنزال الأذى بهم، مكتفيا بتبيين السبب فى هذا النداء إذ كانوا يَتَسَمَّوْن بأسماء أهل التقوى منهم. فأين الخشونة فى هذا كله من جانب المسلمين؟ واضح أن الطرف الآخر هو الذى كان يخاشن ويتحرش ويستفزّ ويبحث عن المشاكل! وفى الفصل الخاص بأحداث السنة التاسعة للهجرة من حياة الرسول عليه السلام يؤكد الكاتب الرومانى فيرجيل جيورجيو (Virgil Gheorghiu) فى كتابه: "La Vie de Mahomet" أنه، رغم انتشار الإسلام وسلطانه فى بلاد العرب كلها فى ذلك العام، لم يتغير من شخصية محمد أو أسلوب معيشته أى شىء، إذ ظل على بساطته وتواضعه وديمقراطيته وبُعْده عن الكبر أو التجبر. ولم يُكْرِه اليهود أو النصارى على تغيير دينهم واللحاق بالإسلام، بل احتفظوا بدينهم كما يحبون. وفى هذا السياق لا يفوت الكاتب الرومانى الإشارة إلى سماح النبى لنصارى نجران بالصلاة فى مسجده والتوجه ناحية بيت المقدس أثناء ذلك. ثم يضيف قائلا: لقد كان محمد مثالا للتسامح لم يستطع أحد تجاوزه.

ويستمر العفيف الكذاب فى تضليل قرائه وافتراء الباطل عليه صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: "كان محمد (يقصد: فى مكة) معترفا بجميع ديانات عصره، من اليهودية إلى المجوسية، ديانة أحد معلميه، سلمان الفارسي، مرورا بالمسيحية والصابئة... إسلام المدينة نسخ الأساسي من الإسلام المكي، أي اللاعنف والإعتراف بجميع الأديان بما هي طريق للخلاص الروحي للمؤمنين بها". لكن أين الاعتراف بجميع ديانات العصر المحمدى فى القرآن؟ الواقع أن الآية التالية هى الآية الوحيدة التى تتحدث عن الأديان المذكورة جميعا فى القرآن المكى أو أول القرآن المدنى قبل أن يتغير موقف محمد من هذا الأمر حسب مزاعم العفيف الأخضر: "إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (الحج/ 17). فهل يستطيع أحد أن يدلنا على وجود شىء مما يقول الكذاب المدلِّس فى الآية عن اعتراف محمد بتلك الديانات؟ هل قول القرآن إن الله سوف يفصل بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين يوم القيامة معناه اعتراف الإسلام بصحة أديانهم؟ إن كل ما تتحدث عنه الآية هو أن هناك اختلافات بين أصحاب هذه الديانات سوف يفصل فيها الله يوم القيامة، ولا تدل أبدا على اعتراف بها. ثم لم أتى محمد إذن بدين جديد، وعالمى أيضا، ما دام يقر بصحة الديانات الأخرى؟ لقد كان المفروض، أو على الأقل: كان الأحرى الحفاظ على الوضع الدينى كما هو ما دام كل دين موجود على الساحة ينجى صاحبه؟ أليس كذلك؟ لكن متى كان للباطل والتدليس عقل ومنطق؟

وهل يمكن أن يكون معنى القصص التى أوردها القرآن المكى عن بنى إسرائيل وعنادهم وعبادتهم العجل وكفرهم فور عبورهم البحر بعد انشقاقه لهم وتَوْقهم إلى أيام العبودية والمذلة على يد الفرعون بعد أن خلصهم الله منها واستحلالهم السبت واتهامهم مريم بالزنى وكفرهم بعيسى عليه السلام هو اعتراف القرآن بصحة دينهم؟ أم هل قول القرآن فى سورة "مريم" إن المسيح ليس ابنا لله بل مجرد عبد ورسول له وتهديد من يؤلهونه بمشهد يوم عظيم معناه أنه يعترف بدينهم؟ ترى كيف كان يفكر العفيف الأخضر؟ لا أظنه كان يفكر بعقل كعقولنا موجود فى رأسه، بل أغلب الظن أنه كان يفكر بقدمه، وربما بحذائه!

ومما قاله أيضا العفيف الأخضر المدلس المبغض للحق ونوره، المغرم بظلام الحقد والسعار، المتآمر بالباطل على دين محمد: "أما في المدينة فقد استحال محمد إلى مشرّع ومحارب يقطع الطريق على القوافل، ويغزو القبائل لإدخالها بالسيف في الإسلام، ويقتل الشعراء الذين هجوه، أو يقتل أسرى قريش وأسرى اليهود. ولم يكن في مكة يفعل شيئًا من ذلك". وهنا أيضا نجد العفيف الأخضر الأفاق يردد ما يقوله المستشرقون والمبشرون من أمثال كلود إيتيين ساڤارى وچورچ سيل ووليم موير وهربرت چورچ ويلز ووليم مونتجمرى وات وغيرهم. وهناك فعلا بعض اغتيالات قد طالت اليهود، ومنهم شاعرة أو شاعران. لكن لا بد أن نعرف الظروف التى تم فيها هذا الاغتيال. ولسوف أنقل ما كتبه المستشرق البريطانى ستانلى لين ڀول عن هذه النقطة فى مقدمته للمختارات القرآنية التى ترجمها خاله إدوارد وليم لين. وهو يدين اليهود لمشاغباتهم ضد المسلمين ونبيهم، وتآمراتهم عليهم، واستفزازاتهم المستمرة لهم، وموالستهم الدائمة مع المشركين لضربهم والقضاء عليهم، وكذبهم بشأن كتبهم التى ينكرون أن تكون إشارات القرآن إليها موجودة فيها رغم أنها كانت فعلا هناك، وكذلك أشعارهم فى العدوان على أعراض السيدات المسلمات التى لم يكن من الممكن احتمالها وغض البصر عنها مهما أوتى النبى والمسلمون من حلم وسعة صدر، لما لها من ثمار سامة مدمرة، فضلا عن أنه ليس هناك دليل على أن الرسول كان يعلم بتلك الاغتيالات، بله أن يكون قد أمر بها. وهو يؤكد أن واجب الرسول كحاكم للمدينة يقتضيه أن يعاقب المسىء حتى لا تتدهدى الأحوال إلى ما لا تحمد عقباه. بل إنه ليرى إن الاغتيالات السرية فى مثل تلك الظروف العصيبة لهى أفضل كثيرا من العقاب الصريح أمام قبائل المجرمين، إذ كان من شأن ذلك العقاب إثارة الفتنة وانجرار جميع قبائل المدينة إلى هذا الأتون المشتعل. وهذا كله إنما يشير فى اتجاه واحد هو أن العفيف الأخضر، جراء كراهيته السامة للإسلام ونبيه وأتباعه، يأخذ على الدوام جانب اليهود الظلمة المعتدين ضد المسلمين المظلومين المعتدى عليهم. قال ستانلى لين بول فى مقدمته لكتاب خاله: "Selections from the Kur'án":

"Mohammad, indeed, treated them kindly so long as kindness was possible. He made a treaty with them, whereby the rights of the Muslims and the Jews were defined. They were to practise their several religions unmolested; protection and security were promised to all the parties to the treaty, irrespective of creed ; each was to help the other if attacked; no alliance was to be made with the Koreysh; war was to be made in common, and no war could be made without the consent of Mohammad: crime alone could do away with the protection of this treaty. But the Jews would not content themselves with standing aloof; they must needs act on the offensive. They began by asking Mohammad hard questions out of their law, and his answers they easily refuted from their books.

They denied all knowledge of the Jewish stories in the Qur'an though they knew that they came from their own Haggadah, which was ever in their mouths in their own quarter,— and they showed him their Bible, where, of course, the Haggadistic legends were not to be found. Mohammad had but one course open to him— to say they had suppressed or changed their books ; and he denounced them accordingly, and said that his was the true account of the patriarchs and prophets, revealed from heaven. Not satisfied with tormenting Mohammad with questions on that Torah which they were always wrangling about them- selves, they took hold of the every day formulas of Islam, the daily prayers and ejaculations, and, 'twisting their tongues,' mispronounced them so that they meant something absurd or blasphemous. When asked which they preferred, Islam or idolatry, they frankly avowed that they preferred idolatry. To lie about their own religion and to ridicule another religion that was doing a great and good work around them was not enough for these Jews; they must set their poets to work to lampoon the women of the believers in obscene verse, and such outrages upon common decency, not to say upon the code of Arab honour and chivalry, became a favourite occupation among the poets of the Jewish clans.

These were offences against the religion and the persons of the Muslims. They also conspired against the state. Mohammad was not only the preacher of Islam, he was also the king of Medina, and was responsible for the safety and peace of the city. As a prophet, he could afford to ignore the jibes of the Jews, though they maddened him to fury; but as the chief of the city, the general in a time of almost continual warfare, when Medina was kept in a state of military defence and under a sort of military discipline, he could not overlook treachery. He was bound by his duty to his subjects to suppress a party that might (and nearly did) lead to the sack of the city by investing armies. The measures he took for this object have furnished his European biographers with a handle for attack. It is, I believe, solely on the ground of his treatment of the Jews that Mohammad has been called 'a bloodthirsty tyrant' it would certainly be difficult to support the epithet on other grounds. The bloodthirstiness consists in this: some half-dozen Jews, who had distinguished themselves by their virulence against the Muslims, or by their custom of carrying information to the common enemy of Medina, were executed; two of the three Jewish clans were sent into exile, just as they had previously come into exile, and the third was exterminated— the men killed, and the women and children made slaves.

The execution of the half-dozen marked Jews is generally called assassination, because a Muslim was sent secretly to kill each of the criminals. The reason is almost too obvious to need explanation. There were no police or law-courts or even courts-martial at Medina; some one of the followers of Mohammad must therefore be the executor of the sentence of death, and it was better it should be done quietly, as the executing of a man openly before his clan would have caused a brawl and more bloodshed and retaliation, till the whole city had become mixed up in the quarrel. If secret assassination is the word for such deeds, secret assassination was a necessary part of the internal government of Medina. The men must be killed, and best in that way. In saying this I assume that Mohammad was cognisant of the deed, and that it was not merely a case of private vengeance; but in several instances the evidence that traces these executions to Mohammad's order is either entirely wanting or is too doubtful to claim our credence".

ولو كان الإسلام يشرع الحرب الإكراهية كما يزعم هذ الكذاب فلم قال سبحانه وتعالى فى سورة "البقرة" و"الممتحنة"، وهما سورتان مدنيتان لا مكيتان: "وقَاتِلُوا فى سَبِيلِ اللهِ الذين يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا. إنَّ الله لا يُحِبُّ المعتَدِين"، "فمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ"، "عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"؟ من الواضح أن القرآن لا يأخذ العاطل مع الباطل، بل يفرق بينهما تفرقة دقيقة. كذلك لو كانت الحرب العدوانية شريعة إسلامية لما قال رسوله الكريم: "يا أيها الناس، لا تتمنَّوْا لقاء العدو، وسَلُوا الله تعالى العافية. فإذا لقيتموهم فاصبروا"، ولما رضى بشروط الحديبية المجحفة مبديًا استعداده للعمل بكل سبيل إلى حقن الدماء!

وبالمثل ينتقد الكاتب الحقود القرآن لأمره المسلمين فى سورة "الأنفال" أن يُعِدّوا لأعدائهم ما استطاعوا من أدوات القتال يرهبونهم بها هم وغيرهم ممن لا يظهرون على الساحة لكنهم يخططون للإضرار بالمسلمين فى الخفاء ولا يعلمهم إلا الله، مع أن هذه الآية دليل لا يُصَدّ ولا يُرَدّ على تهافت مثل هذا الاتهام. والكذاب المدلس يزعم أنه لا يوجد إرهاب حميد، بل كله عنده إرهاب خبيث. كيف والإرهاب الذى يتحدث عنه القرآن هو تخويف العدو حتى لا يطمع فى دولتنا وأمتنا؟ إنه ردع بقوة الاستعداد دون أى لجوء إلى الحرب والقتل والتدمير. فما وجه العيب فى هذا؟ لكن المجرم يكره كل ما يقوله الإسلام دون أن يكلف نفسه أى تفكير فى الأمر. ولنبدأ بهؤلاء الذين يتآمرون على الإسلام فى السر ولا يعلم بأمرهم المسلمون، فما معنى هذا؟ معناه أن الأمر متوقف على الطرف الآخر: فإن بادأ هذا الطرفُ المسلمين بالعدوان وقف المسلمون فى وجهه بما استعدوا به من سلاح، وإلا فلا مواجهة ولا يحزنون كما هو واضح من مفهوم الآية. أما الأعداء الظاهرون فإن هذا الاستعداد من شأنه أن يلقى الرهبة فى صدورهم فلا يجرؤوا على مهاجمة المسلمين، وينتهى الأمر هنا أيضا، وإلا فإن لم يرعووا كان المسلمون مستعدين لهم فلا يؤخَذوا على حين غِرّة. ليس ذلك فحسب، بل إن الكاتب الخبيث قد تعمَّد تعمُّدًا تجاهلَ الآيات التى تلى ذلك، ونصها: "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، وهو ما يؤكد ما قلناه من قبل من أن الأمر متوقف على موقف الطرف الآخر: إن شاء المسالمة سالمه المسلمون، وإن شاء الحرب كان المسلمون مستعدين فلا يُضْرَبون على غفلة. بل إن الإسلام ليمضى فى إيثار السلام إلى الحد الذى لو عُرِض على أتباعه هذا السلامُ فليجنحوا له ولا يخشَوْا أن يغدر بهم أولئك الأعداء، وهى مسألة واردة، والله معهم ولن يتخلى عنهم. أما إن تيقنوا فعلا أنهم ينوون بهم غدرا فعندئذ فعليهم أن ينبذوا إليهم ما كان بين الطرفين من معاهدة ولا يبدأوا هم الغِرّة، إذ لا بد أن يكون كل شىء واضحا. فبالله عليكم أيها القراء، ما الذى يمكن أن يؤخذ على هذا النبل الراقى الشاهق؟

وفى مقال عنوانه: "العنف النصرانى فى التاريخ- القول بأن الإسلام المعتدل خرافة هو الخرافة"، موجود بترجمتى فى منتدى الدكتور إبراهيم عوض بموقع "واتا" (الجمعيةالدولية للمترجمين واللغويين العرب) يقول مؤلفه فنسينزو أوليفيتى ردا على باتريك سوكديو الزعيم الأنجليكانى، الذى نشر بصحيفة "السبكتيتر" البريطانية فى 30 يونيه 2005م مقالا يتهم فيه الإسلام بأنه دين إرهابى: "الحق أنه لا وجود فى أى مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامى لمثل ذلك المبدإ الذى كان ينادى به القديس أوغسطين، وهو : "عليكم أن تنصِّروهم قَسْرًا وإكراهًا". بل إن القرآن ليقول العكس من ذلك تماما كما فى الآية السادسة والخمسين بعد المائتين من سورة "البقرة"، ونصها: "لا إكراه فى الدين". لقد أدت فكرة أوغسطين المرعبة التى توجب إكراه الجميع على "التطابق" مع "العقيدة النصرانية الصحيحة" إلى قرون من سفك الدماء الذى ليس له فى تاريخ البشرية نظير. أجل، لقد عانى النصارى أثناء سلطان الحضارة النصرانية أكثر مما عانَوْا تحت سلطان الرومان قبل مجىء النصرانية أو أى سلطان آخر طوال التاريخ. لقد تجرع الملايين غصص التعذيب وذُبِحوا ذبحا باسم النصرانية أثناء البدع الآريوسية والدوناتية والألبيجينية، ودعنا من محاكم التفتيش المختلفة أو الحروب الصليبية التى كانت الجيوش الأوربية تقول فيها وهى تجزر رقاب المسلمين والنصارى معا: "اقتلوهم عن بَكْرة أبيهم، ولسوف يميز الله من يخصّونه ممن لا يخصّونه". وغَنِىٌّ عن القول أن هذه الاعتداءات التى قام بها النصارى، بل كل الاعتداءات النصرانية على مدار التاريخ، لا صلة بينها على الإطلاق وبين السيد المسيح أو حتى بينها وبين الأناجيل كما نعرفها. أجل لا يوجد مسلم واحد يمكن أن يؤاخذ السيد المسيح (الكلمة التى صارت جسدا بالنسبة للنصارى والمسلمين جميعا)، فكيف إذن تواتى سوكْدِيو نفسُه على محاسبة القرآن (كلمة الله التى صارت كتابا بالنسبة للمسلمين) على الاعتداءات الإسلامية (التى تقلّ كثيرا جدا عن نظيرتها النصرانية)؟

والواقع أن ذلك العنف الأعمى الذى لا يعرف التمييز لا يقتصر البتة على "عصور الظلام" فى أوربا أو على فترة واحدة من التاريخ النصرانى دون سواها، فحركات الإصلاح الدينى والحركات المضادة لها قد دفعت كلتاهما بالمجازر التى ارتكبها النصارى بعضهم فى حق بعضهم إلى آمادٍ قياسيةٍ غير مسبوقة، إذ تمت إبادة ثلثى النصارى فى أوربا خلال تلك الفترة. ثم لا ينبغى أن ننسى الحروب النابليونية من 1792 إلى 1815م، ولا تجارة الرقيق الأفريقى التى حصدت أرواح عشرة ملايين إنسان، أو الغزو الاستعمارى المتلاحق، فضلا عن الحروب والبرامج والثورات والإبادات الأخرى. إن أعداد السكان الأصليين الذين أبيدوا فى شمال أمريكا ووسطها وجنوبها لترتفع إلى رقم العشرين مليونا فى خلال ثلاثة أجيال لا غير.

وبالإضافة إلى ألوان التخريب والعنف الأوربى فى الماضى، أخذت الحضارة الغربية الحروب مرة أخرى إلى مسافاتٍ لم تعرفها البشرية من قبل حتى إن أحد الإحصاءات المتحفظة ليصل بعدد المقتولين قتلا وحشيا فى القرن العشرين إلى أكثر من مائتين وخمسين مليونا يتحمل المسلمون منها وِزْر أقل من عشرة ملايين ليس إلا، على حين يُسْأَل النصارى أو المنتمون إلى النصرانية عن مائتى مليون من ذلك العدد. و يعود معظم أعداد هؤلاء القتلى إلى الحرب العالمية الأولى (20 مليونا، 90 % منها على الأقل تمت على أيدى "نصارى") والحرب العالمية الثانية (90 مليونا، 50 % منها على الأقل تمت على أيدى "نصارى"، أما الباقى فقد وقع أغلبه فى الشرق الأقصى). وبالتأمل فى ذلك التاريخ المرعب يجب علينا نحن الأوربيين جميعا أن نعى تماما الحقيقة الساطعة التى تؤكد أن الحضارة الإسلامية أقل بما لا يقاس من ناحية القسوة والوحشية من الحضارة النصرانية.

ترى هل كانت المحرقة التى راح ضحيتها 6 ملايين يهودى من صنع حضارة المسلمين؟ وفى القرن العشرين وحده نجد أن الغربيين والنصارى قد ارتكبوا من جرائم القتل أضعاف ما وقع من الدول الإسلامية عشرين مرة على أقل تقدير. ولقد تسببنا نحن الغربيين فى هذا القرن الذى لم يشهد التاريخ مثله دموية فى إيقاع الإصابات بين المدنيين بما لا يقاس به ما صنعه المسلمون على مدار تاريخهم جميعا: انظر إلى إزهاق أرواح 900000 رواندى عامى 1992م و1995م فى بلدٍ أكثر من 90% من سكانه نصارى، أو انظر إلى إبادة أكثر من 300000 مسلم، وكذلك الاغتصاب المنظم لأكثر من 100000 امرأة مسلمة فى البوسنة، على يد نصارى الصرب. فهذه الحقائق البشعة تقول بلغة الأرقام والإحصاءات التى لا تعرف الكذب إن الحضارة النصرانية هى أشد حضارات التاريخ عنفا ودموية، وإنها مسؤولة عن إزهاق مئات الملايين من الأرواح.

لقد كان إنتاج الأسلحة النووية واستعمالها كفيلا فى حد ذاته بأن يجعل الغرب يتوارى خجلا أمام باقى شعوب العالم: فأمريكا هى التى صنعت الأسلحة النووية، وأمريكا هى الدولة الوحيدة التى استخدمت الأسلحة النووية، والدول الغربية هى التى تسعى إلى الحفاظ على احتكار الأسلحة النووية. وعلى هذا الأساس فليس لنا الحق بتاتا فى الاعتراض على حيازة الدول الأخرى لهذه الأسلحة إلا إذا أثبتنا أننا متجهون إلى التخلص منها تماما. ولا بد من القول بأن الإسلام، رغم اشتماله على مفهوم الحرب المشروعة دفاعا عن النفس (كما هو الحال فى النصرانية، وكذلك البوذية)، لا مكان فى ثقافته (أو فى أية ثقافة أخرى من الثقافات الموجودة الآن) لإمكانية تحويل العنف إلى مثلٍ أعلى أو جعله وثنا معبودا كما فعلت الثقافة الغربية.

إن الغربيين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ناس مسالمون، بيد أن الرقة والسموّ اللذين يطبعان الأناجيل بطابعهما، وكذلك الطبيعة المحبة للسلام التى تتسم بها الديموقراطية، ليس لها فى الحقيقة أى انعكاس فى الثقافة الغربية الشعبية إلا على سبيل الندرة. بل على العكس نرى الاتجاه التام لتلك الثقافة، متمثلا فى أفلام هوليوود وبرامج التلفاز الغربية وألعاب الفيديو والموسيقى الشعبية والمسابقات الرياضية، ينحو منحى تمجيد العنف وتزيينه. ومن ثم فإن المعدلات النسبية لجرائم القتل (وبخاصة القتل العشوائى والقتل المسلسل) فى العالم الغربى (وبالذات فى الولايات المتحدة الأمريكية، بل حتى فى أوربا كلها بصفة عامة) أعلى من مثيلاتها فى العالم الإسلامى فى البلاد التى لا يوجد فيها حروب طائفية، وذلك على الرغم من أن الغرب يتمتع بثروة أضخم كثيرا. ترى هل قرعت سمعَ سوكْدِيو يومًا الكلماتُ التالية من إنجيل متى7؟:"1 لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا،2لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. 3وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ 4أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ 5يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ"!".

والغريب أن العفيف وأمثاله لا يتطرقون فى كلامهم أبدا إلى الأسلحة النووية والهيدروجينية والبيولوجية التى تضرب بها أمريكا الشعوب فى كل مكان دون مبالاة بقانون أو عرف أو دين. كما لا يتطرقون أبدا إلى القواعد العسكرية الأمريكية هنا وهناك حول العالم، تلك القواعد التى تنطلق منها الطائرات والبواخر والأسلحة الفتاكة تقصف وتنسف البلاد والعباد. إن العفيف شيطان مريد وقح لا يستحى ولا يرعوى ولا يهتم بالدفاع عن حق أو بالهجوم على باطل. وبالمثل لا يتطرق هو وأشباهه إلى ترسانة إسرائيل المدمرة ولا عدواناتها المجرمة على الفلسطينيين منذ أنشئت بل من قبل إنشائها حتى يومنا هذا رغم أنها ليس لها حق أصلا فى أن تكون حيث هى، ويتناسون أنها دولة دينية لا تتمشى مع مفهوم الدولة حسب طنطناتهم. إنه كلب مستأجر لنبح الإسلام والمسلمين فقط، فهو ينبح كما أُمِر، ولا يستطيع إلا أن ينبح، كما لا يستطيع أن ينبح إلا الإسلام والمسلمين. هل رأيت مرة حذاء يتمرد على لابسه ويرفض أن يمشى معه؟ فهو وأمثاله مجرد جزم يلبسها أعداء الإسلام. وليس للجزم إرادة ولا ضمير ولا عقل ولا قلب. إنها أحذية وكفى!

أما حوادث قطع الطريق التى أشار إليها العفيف الأخضر فإنى، وإن أكد مثلا الكاتب الهندى سراج على، الذى كان معاصرا للسيد أحمد خان، لأسباب يراها منطقية منها أن الأمور لم تكن قد استقرت بعد للرسول وأصحابه فى يثرب ومن ثم لا يمكنه أن يفكر فى قطع طريق أو خلافه وأن اتفاق العقبة بين الأنصار وبين رسول الله عليه السلام لا يوجب عليهم الخروج معه لمحاربة أحد من أعدائه خارج مدينتهم، أرى أنها أمر عادل تماما. لقد اضطهد المشركون النبى وأتباعه فى مكة أيما اضطهاد، وأكرهوهم فى نهاية المطاف على ترك بلدهم ودورهم وممتلكاتهم والخروج منها منفَّضين أو بأقل ما يمكنهم حمله، مع الاعتداءات المتكررة عليهم عند مغاردتهم البلد وتركهم الجمل بما حمل، ومنهم بعض بنات الرسول صلى الله عليه وسلم. وفوق ذلك قتلوا بعض المهاجرين، ووضعوا خطة لاغتيال الرسول عليه الصلاة والسلام دون أن يكون صَدَرَ منه أى إضرار بهم مهما كان، وطاردوه فى الجبال يريدون الظفر برقبته بعدما أفلت من مؤامرتهم الدنيئة التى كانت تقضى باغتياله فى بيته وعلى فراشه. فما الذى كان العفيف الأخضر يريده من المسلمين؟ أن يبتلعوا كل تلك الإهانات والمظالم والعدوانات والاغتيالات والمصادرات والاستيلاء على البيوت والممتلكات وكأن شيئا لم يكن؟ من غير المعقول ولا المنتظر أن يظل المظلوم يتلقى الصفع على قفاه والركل فى مؤخرته واستحلال البلطجية أمواله وبيته وتعديهم على نسائه وأعراضهن إلى الأبد دون أن يفكر فى الثورة على هذا يوما. كما أن العفيف الأخضر لا يفرق بين الأشخاص والدول فى هذه المسألة، فالشخص قد يتنازل عن حقه ويتسامح، لكن من الصعب على الدول انتهاج تلك السبيل كيلا تضيع هيبتها ويتجرأ الأعداء عليها وتأكلها الذئاب. ثم إن الحاكم لا يستطيع التنازل عن حقوق رعيته التى يهتضهما الأعداء.

إن العفيف معروف ببغضه الحارق للإسلام والمسلمين حتى إنه كان يعضد المجرم زين العابدين بن على فيما يفعله بالتونسيين من استبداد وبطش وإجرام ولصوصية وقتل واعتقال وترويع وخنق للمساجد ومرتاديها وتتبع لهم وتنكيل بهم. بل إنه كان يدعو إلى الانقلاب العسكرى على الثورة التونسية فى شماتة وسعار غريب لا يليق ببشر، فكأنه وحشٌ ضارٍ لا عقل عنده ولا رحمة ولا ارعواء ولا حياء! بل إنه ليناشد الغرب مرارا لاستئصال الإسلام والمسلمين من العالم إذا لم ينصاعوا للصياغة التى يعمل الغرب على صوغهم إياها على النحو الذى يشتهى ويخرجهم تماما من ملتهم فيصبحون بلا إسلام ولا هوية. ثم ها هو ذا الآن يتباكى من أجل شاعرة أو شاعرين من يهود كانا يعملان على إثارة القلاقل ويشعلان نار العداوة والعدوان ضد الدولة التى تؤويهما ولا تتعرض بأى شر لهما، واشتركا فى التآمر عليها لتدميرها والقضاء على دينها. والعفيف بهذا ينبئ عن أنه نسل حقيقى لليهودى الصهيونى هنرى كورييل زارع شجرة الشيوعية السامة فى مصر، وفى بلاد العرب. وهو هو موقفه من الفلسطينيين، الذين يتطاول عليهم ويدين أعمالهم البطولية دفاعا عن حقوقهم السليبة المهضومة ويناصر الصهاينة فى فلسطين ويدعو إلى فرم أهل البلاد المستضعفين المظلومين. إنه ليس إنسانا سويا، بل ليس إنسانا أصلا. هذا وحشٌ مسعور!

والآن مع بعض المعارك التى دارت بين المسلمين فى المدينة وأعدائهم: ففى غزوة صفوان، وهي غزوة بدر الأولى، يقول ابن هشام: "قال بن إسحاق: ولم يُقِمْ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر حتى أغار كُرْز بن جابر الفِهْرِيّ على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه واستعمل على المدينة زيد بن حارثة فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر، فلم يدركه".

وهذه واقعة أخرى بطلها رجل من مشركى قريش وقع ابنه أسيرا فى يد المسلمين ببدر، فلم ينله هو أو غيره من جانب المسلمين أى أذى. وبالمناسبة لا يحل الإسلام قتل الأسير فى المعارك، إذ ليس له عند المسلمين سوى أحد مصيرين: إما المن عليه وإطلاق سراحه بلا مقابل، وإما مفاداته، أى أخذ فدية من أهله لقاء إعطائه حريته. فالعفيف الأخضر إذن كذاب أشر حين يتهم رسول الله والمسلمين بقتل الأسرى. وعلى كُلٍّ فقد سافر الأب من مكة إلى المدينة عازما على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه هى القصة مفصلة حسبما أوردها ابن هشام فى السيرة النبوية: "قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش في الحجر بيسير، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويَلْقَوْن منه عناء وهو بمكة. وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر. قال ابن هشام: أسره رفاعة بن رافع أحد بني زريق. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: فذكر أصحاب القليب ومصابهم. فقال صفوان: والله إِنْ في العيش بعدهم خير. قال له عمير: صدقت والله! أمَا والله لولا دَيْنٌ عليَّ ليس له عندي قضاء، وعيالٌ أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قِبَلَهم عِلَّة. ابني أسير في أيديهم. قال: فاغتنمها صفوان وقال: عليَّ دَيْنُك. أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بَقُوا، لا يسعني شيء، ويعجز عنهم. فقال له عمير: فاكتم شأني وشأنك. قال: أفعل. قال: ثم أمر عمير بسيفه، فشُحِذَ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة.

فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب! والله ما جاء إلا لشر! وهو الذي حرَّش بيننا وحَزَرَنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه. قال: فأَدْخِلْه عليَّ. قال: فأقبل عمر حتى أخذ بِحِمَالة سيفه في عنقه، فلَبَّبَه بها وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر آخذٌ بحمالة سيفه في عنقه، قال: أرسله يا عمر. اُدْنُ يا عمير. فدنا ثم قال: انعموا صباحا. وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير: بالسلام تحية أهل الجنة. فقال: أما والله يا محمد إنْ كنتُ بها لَحَدِيثَ عهد. قال: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم. فأحسنوا فيه. قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئا؟ قال: اُصْدُقْني! ما الذي جئتَ له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. قال: بل قعدتَ وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلتَ: لولا دَيْنٌ عليَّ وعيالٌ عندي لخرجتُ حتى أقتل محمدا. فتحمَّلَ لك صفوان بدَيْنك وعيالك على أن تقتلني له. والله حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله. قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي. وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان. فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله. فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَقِّهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره. ففعلوا.

ثم قال: يا رسول الله، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل. وأنا أحب أن تأذن لي، فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحق بمكة. وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيامٍ تنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا. قال ابن إسحاق: فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير".

ثم هذه واقعة ثالثة. جاء فى "سيرة ابن هشام" تحت عنوان "ذِكْر يوم الرجيع في سنة ثلاث": "حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحُدٍ رهطٌ من عضل والقارة... قال ابن إسحاق: فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرًا ستة من أصحابه، وهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وخالد بن البكير الليثي حليف بني عدي بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وخبيب بن عدي أخو بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة بن معاوية أخو بني بياضة بن عمرو بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غصب بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. وأَمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي، فخرج مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع (ماء لهذيل بناحية الحجاز) على صدور الهدأة غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غَشُوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة. ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم. فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا...

وكان عاصم بن ثابت يكنى: أبا سليمان، ثم قاتل القوم حتى قُتِل وقتل صاحباه. فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخْذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرتْ على رأس عاصم لتشربنَّ في قحفه الخمر. فمنعه الدَّبْرُ. فلما حالت بينه وبينهم قالوا: دعوه يمسي، فتذهب عنه، فنأخذه. فبعث الله الوادي، فاحتمل عاصمًا فذهب به. وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدًا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا تنُّجًسا. فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن. كان عاصم نَذَرَ ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدا في حياته. فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورَقُّوا ورغبوا في الحياة فأَعْطَوْا بأيديهم، فأسروهم ثم خرجوا إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم فرَمَوْه بالحجارة حتى قتلوه. فقبره، رحمه الله، بالظهران.

وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة: قال ابن هشام: فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة. قال ابن إسحاق: فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل. وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لأمه، فقتله بأبيه. قال ابن هشام: الحارث بن عامر خال أبي إهاب، وأبو إهاب أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم ويقال: أحد بني عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم من بني تميم. قال ابن إسحاق: وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له يقال له: نسطاس إلى التنعيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه. واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدِّم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت في الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. ثم قتله نسطاس، يرحمه الله.

وأما خبيب بن عدي فحدثني عبد الله بن أبي نجيح أنه حدث عن ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان خبيب عندي، حُبِس في بيتي. فلقد اطلعت عليه يوما، وإن في يده لقِطْفًا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبًا يؤكل. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي نجيح جميعًا أنها قالت: قال لي حين حضره القتل: ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل. قالت: فأعطيت غلامًا من الحي الموسَى، فقلت: ادخل بها على هذا الرجل البيت. قالت: فوالله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام فيكون رجلًا برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لَعَمْرُك ما خافت أمُّك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إليَّ؟ ثم خَلَّى سبيله. قال ابن هشام: ويقال: إن الغلام ابنها. قال ابن إسحاق: قال عاصم: ثم خرجوا بخبيب، حتى إذا جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا: دونك، فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طَوَّلْتُ جزعًا من القتل لاستكثرت من الصلاة. قال: فكان خبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين. قال: ثم رفعوه على خشبة. فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يُصْنَع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحدًا. ثم قتلوه رحمه الله. فكان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرتُه يومئذ فيمن حضره مع أبي سفيان، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقًا من دعوة خبيب. وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دُعِيَ عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.

قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عقبة بن الحارث قال: سمعته يقول: ما أنا والله قتلت خبيبًا لأني كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار. أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية وهو بين ظهري القوم، فذُكِر ذلك لعمر بن الخطاب وقيل: إن الرجل مصاب. فسأله عمر في قَدْمَة قَدِمَها عليه فقال: يا سعيد، ما هذا الذي يصيبك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس. ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قُتِل، وسمعت دعوته. فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غُشِيَ عليَّ. فزادته عند عمر خيرًا. قال ابن هشام: أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت الأشهر الحرم ثم قتلوه".

ثم هذه واقعة رابعة وأخيرة، فقد تكرر هذا العدوان والغدر من جانب المشركين مرارا، فيكفى أربعة شواهد عن غيرها، وإلا أمللنا القراء. يقول ابن هشام: "حديث بئر معونة في صفر سنة أربع: قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة، ووَلِيَ تلك الحجةَّ المشركون، والمحرم، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد. وكان من حديثهم كما حدثني أبي إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره من أهل العلم. قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام وقال: يا محمد، لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدَعَوْهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد. قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم، فليدعوا الناس إلى أمرك.

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلًا من أصحابه من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق في رجال مُسَمَّيْن من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب. فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل. فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبَوْا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا. فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم من عصية ورعل وذكوان، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غَشُوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم. فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قُتِلوا من عند آخرهم يرحمهم الله، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث من بين القتلى فعاش حتى قُتِل يوم الخندق شهيدًا رحمه الله.

وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف. قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح. قال ابن إسحاق: فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنًا. فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قُتِل فيه المنذر بن عمرو، وما كنتُ لتخبرني عنه الرجال. ثم قاتل القوم حتى قُتِل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا. فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.

فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر. قال ابن هشام: ثم من بني كلاب، وذكر أبو عمرو المدني أنهما من بني سليم. قال ابن إسحاق: حتى نزلا معه في ظلٍّ هو فيه. وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر. فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد قتلت قتيلين لأَدِيَنَّهما! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عمل أبي براء. قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا. فبلغ أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم بسببه وجواره. وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة.

قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة عن أبيه: أن عمر بن الطفيل كان يقول عن رجل منهم لما قُتِل: رأيته رُفِع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة. قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض بني جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر قال: وكان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم. قال: فكان يقول: إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلًا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول: فزت والله! فقلت في نفسي: ما فاز! ألست قد قتلت الرجل! قال: حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: للشهادة. فقلت: فاز لعمرو الله... قال ابن إسحاق: فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح، فوقع في فخذه، فأشواه، ووقع عن فرسه فقال: هذا عمل أبي براء. إن أمت فدمي لعمي، فلا يُتْبَعَنَّ به. وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتى إلي".

ونبلغ ما زعمه العفيف الأخضر الكذوب من أن النبى صلى الله عليه وسلم فى المدينة قد انقلب على نفسه، فبعدما كان متسامحا فى مكة مع غير المسلمين ويقول: "من شاء فليؤمنْ، ومن شاء فليكفر"، "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين" قال: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلَّ مرصَدٍ"، "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّم اللهُ ورسولُه ولا يَدينُون دِينَ الحقِّ من الذين أُوتُوا الكتاب حتى يعطوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون". وهو زعم كذوب كصاحبه، إذ إن قوله عز وجل فى النص الأول، وهو جزء من الآية الخامسة من سورة "التوبة"، ليس أمرا مطلقا بالقضاء على المشركين كما يحاول الكذابُ إيهامَ القارئ الغُفْل، بل هو رد على فريق من المشركين كانت بينهم وبين المسلمين معاهدة لم يحترموها، بل غدروا بها وقتلوا المسلمين وحلفاءهم غير راقبين فيهم إلًّا ولا ذمة ولا وفاء بكلمتهم معهم كما وصفهم القرآن المجيد. ومع هذا لم يصدر القرآن الأمر بمعاملتهم بالمثل فى الوقت واللحظة، بل تسامح معهم غاية التسامح، وأعطاهم مهلة أربعة أشهر يسيحون خلالها بطول البلاد وعرضها دون أن يتعرض أحد من المسلمين لهم بأى أذى، وبحيث إذا ما أتى المسلمين أحد المشركين مستجيرا فليجيروه وليُسْمِعوه كلام الله وليبلغوه فى نهاية الأمر مأمنه، ثم حين تنتهى مدة السماح يبدأ سريان مفعول البيان الخاص بعقابهم بمثل ما عاملوا المسلمين به. ومع هذا لم يوضع هذا الإعلان موضع التنفيذ، إذ سرعان ما فتحت مكة، ودخل الناس من تلقائهم فى دين الله أفواجا. وبقية الآيات تعضد ما نقول، إذ نجدها تعلن قولها: "إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم. إن الله يحب المتقين". فالآيات تستثنى من هذا الحكم الخاص بالخونة الغدارين كل من حافظ على اتفاقاته مع المسلمين فى شرف ورجولة. لكن منذ متى يفهم العفيف الأخضر ومن على شاكلته المنحطة الشرف والرجولة؟

وأما قوله سبحانه: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر..." فهو خاص بالروم، الذين بلغ المسلمين أنهم يجمعون قواتهم العسكرية على الحدود الشمالية من بلادهم فى أطراف الشام كى يغزوهم، فنزل الوحى بالقصد إليهم لمقاتلتهم. ذلك أن الأمر هنا هو أمر كرامة الدولة وتأمين حدودها وحياة أبنائها وممتلكاتهم. وإن فرطت الدولة فى ذلك فقل: عليها السلام. ولقد لبى الرسول والمسلمون النداء القرآنى رغم قلة الإمكانات بالنسبة إلى ما لدى الروم من تجهيزات واستعدادات وأسلحة وجيوش وخطط واستخبارات ومؤن وما إلى ذلك، وقاد الرسول بنفسه جيوشه فى تلك الظروف الصعبة حتى وصل إلى المنطقة المذكورة، فألفى الروم قد تركوها وعادوا من حيث جاؤوا، فبقى هناك قليلا ثم عاد إلى قاعدة انطلاقه فى المدينة بعد أن عقد بعض الاتفاقات مع القبائل هناك. فما وجه الخطإ فى هذا؟

إن ذلك الوحش المسعور لا يرضيه شىء أقل من تدمير الإسلام واستئصال المسلمين وقتل الرسول. إنه يدعو الغربيين إلى استئصال شأفة الإسلام بشبهة أنه دين إرهابى، عاكسا الوضع الصحيح وجاعلا من الغربيين سادةِ الاستعمار والاحتلال وسرقة ثروات الأمم وقاتلى الأحرار فى كل مكان ومضيقى الخناق على الشرفاء المناضلين ومزيلى الهنود الحمر بالملايين من أمريكا والسكان الأصليين من أستراليا ومالخى فلسطين من يد العرب والمسلمين ومعطيها لليهود ومستفزى أصحابها الفلسطينيين من بلادهم ليهيموا على وجوههم فى أرجاء الأرض ومفككى العراق وقاتلى مليون عراقى وممزقى السودان وحماة كل مستبد فى كل مكان على وجه البسيطة ومعاونيه ضد شعبه وأمته ليقتلهم ويسرقهم ويعتقلهم ويعذبهم ويروعهم براحته خدمة لهم وتحقيقا لأهدافهم و... و... و... مما لا يمكن إحصاؤه وحصره، جاعلا منهم دعاة سلام ونصراء عدل، ومصيِّرا الضحية هى المعتدية الإرهابية. كل ذلك ببحاسة قلب وقساوة ضمير وعمى بصيرة وحقد مسعور على الإسلام والمسلمين.

اسمعه يقول مثلا: "حروب محمد على يهود المدينة والتنديد بهم وبالنصارى في آيات القرآن المدني أسست لهذه الإنعزالية الإنتحارية... رأينا ذلك في 11 سبتمبر 2001، وفي الإنتفاضة الثانية حيث كان استشهاديو حماس ينحرون وينتحرون في الإسرائيليين سواء أكانوا واقفين أمام محطة باص، أو مصطفين في الطابور للدخول إلى مرقص أو في مكدونالد... إلخ... مازال جمهور أقصى اليمين الإسلامي في العالم العربي يهدد اليهود المعاصرين بتكرار مذبحة يهود بني قريظة. الشعار المركزي في مظاهرات الإخوان المسلمين في الأردن لمساندة حماس: "خيبر خيبر! يا يهود، جيش محمد سيعود". وعندما زار اسماعيل هنية تونس أستقبله جمهور الإسلاميين بنفس الشعار".

إنه، كما نرى، يحمل حملة شعواء مسعورة على الفلسطينيين، الذين يكاد العالم كله أن يكون ضدهم، ثم يأتى هذا المتخلف عقليا وأخلاقيا ونفسيا فيهاجمهم ويتهمهم اتهامات عجيبة، إذ يرى فى مناضليهم الذين يحاولون بما فى أيديهم من وسائل بدائية إيلام العدو الصهيونى بعضا من الألم مقابل ما يوقعه بهم هذا العدو الهمجى المجرم من كوارث ومصائب لا تحصى ولا تعد من تدمير البيوت والاعتقالات وهتك أعراض النساء وتقتيل الرجال والأطفال والسيدات ومصادرة أراضيهم وإغلاق أبواب الحياة عليهم بالضبة والمفتاح، يرى فى أولئك المناضلين النبلاء جماعات إرهابية تريد قتل الصهاينة المساكين المسالمين. إى والله! ولولا أننا قرأنا بالنص بعض ما قاله فى هذا الصدد لما صدقنا أن يكون هناك شخص ينتمى فى الأصل إلى العروبة والإسلام ينتهى به الحال إلى أن يصير وحشا كاسرا مسعورا على هذا النحو ينهش فى أعراض العرب والمسلمين ويغرس فى أجسادهم أنيابه السامة الموبوءة لحساب الصهاينة المجرمين القتلة الذين نكلوا وما زالوا ينكلون بهم تنكيلا لم يعرفوه طوال تاريخهم. ومن هنا قلت آنفا: إنه ليس إنسانا. إنه وحش مسعور! ثم ما قوله فى الآية التالية من سورة "البقرة"، وهى آية مدنية لا مكية: "لا إكراه فى الدين. قد تَبَيَّن الرُّشْدُ من الغَىِّ"؟ وقد نزلت فى بعض من أبناء الأنصار كانوا يعيشون منذ الصغر يهودا مع اليهود، ولما أجلى هؤلاء عن المدينة خرجوا معهم، فأراد آباؤهم أن يستبقوهم ويكرهوهم على ترك اليهودية، لكن القرآن كان له موقف آخر.

ومن أكاذيبه السمجة التى لا تنتهى قوله إن "مشروع دستور الإخوان المسلمين الذي قدموه (يقصد فى مصر) في سنة 2011 شاهد بليغ على استمرار الإسلام المدني بكل ثقافة الإنطواء على الذات، وثقافة كراهية اليهود والنصارى، فضلا عن المؤمنين بالديانات الوثنية، التي لا يعترف بها الإسلام، مخيرا المؤمنين بها بين اعتناق الإسلام أو القتل. إليكم مثلا عيِّنة من مشروع هذا الدستور الخاصة بالسياسة الخارجية: المادة 177- الإسلام هو المحور الذي تدور حوله السياسة الخارجية، وعلى أساسه تُبْنَى علاقة الدولة بجميع الدول. المادة 178- (...) الدول التي ليس بيننا وبينها معاهدات، والدول الإستعمارية فعلًا كإنجلترا وأمريكا وفرنسا، والدول التي تطمع في بلادنا كروسيا، تعتبر دولًا محاربة (...)، ولا يصح أن تنشأ معها علاقات دبلوماسية (...). الدول المحاربة فعلًا كإسرائيل مثلا يجب أن تتخذ معها حالة الحرب أساسًا لكافة التصرفات، ويمنع جميع رعاياها من دخول البلاد، وتستباح دماء غير المسلمين منهم". وهكذا فصَدَى مذبحة يهود بني قريظة مازال يتردد بقوة!".

ووجه الكذب فى هذا الكلام الوقح كصاحبه أنه لم يكن هناك فى مصر إعداد دستور فى عام 2011م بل فى سنة 2012. هذه واحدة. والثانية أنه لا يوجد شىء اسمه دستور الإخوان المسلمين بل الدستور المصرى فى عام 2012 ثم الدستور المصرى مرة أخرى بعد ذلك بعامين. والكذبة الثالثة هى أنه لا يوجد فى الدستور المصرى لعام 2012م، وهو الدستور المقصود لأنه تم فى عهد د. محمد مرسى الإخوانى، أى شىء مما قاله هذا الكذاب المدلس. فأما المادتان الـ177 والـ178 فها هما تان: "يعرض رئيس الجمهورية أو مجلس النواب مشروعات القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية وللانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية على المحكمة الدستورية العليا قبل إصدارها لتقرير مطابقتها للدستور... إلخ"، "تنشر فى الجريدة الرسميةأحكام المحكمة الدستورية العليا وقرارتها الصادرة بشأن الرقابة السابقة بمشروعات القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية وللانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية...". ومن الجلى الساطع سطوع الشمس أنهما تتحدثان عن شىء آخر تماما.

أما الإشارة إلى الإسلام فترد فى أول الدستور خلال الحديث عن المقومات السياسية للبلاد حيث نقرأ فى المواد 1- 3 ما يلى: "جمهورية مصر العربية دولة مستقلة ذات سيادة موحدة لا تقبل التجزئة، ونظامها ديمقراطى. والشعب المصرى جزء من الأمتين العربية والإسلامية، ويعتز بانتمائه لحوض النيل والقارة الأفريقية وبامتداده الآسيوى، ويشارك بإيجابية فى الحضارة الإنسانية"، "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع"، "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية". وليس فيها، كما يلمس القارئ بيده لمسا، أى شىء مما يفتريه هذا المفترى. بل كل ما فيها يناقض ما يقول الكذاب الأشر.

لكن لماذا انقلب الرسول على نفسه فصار عدوانيا متعصبا بعدما كان متسامحا واسع الأفق يعترف بالأديان الأخرى ويراها منفذا للنجاة فى الآخرة كما يزعم الكذاب الأشر؟ يقول العفيف الذى ليس بعفيف البتة: "فَهْمُ طفولة أيِّ شخص ضروريٌّ لفهم تصرفاته في باقي أيام حياته. ومحمد... ولد مكتئبًا. موت أبيه بعد زواجه ببضعة أشهر أورث آمنة اكتئابًا حداديًّا طويلًا على الأرجح. نعرف اليوم طبيًّا أن مشاعر الحامل السارة أو المحزنة تنتقل إلى جنينها. عادةً الأم، بدافع غريزة إعادة الإنتاج النرجسية، تنتظر أن يكون مولودها البكر بنتًا، كما يتمنى الأب العكس. لذلك يكون البكر غير مرغوب فيه، لا شعوريًا على الأقل، من أحد الأبوين. أضف إلى ذلك أن القبائل العربية تتشاءم من المولود الذي يموت أبوه وهو جنين. في تونس، إلى الخمسينات، يسمونه "أحرف"، أي مشؤوم. وهكذا فالطفل محمد كان على الأرجح غير مرغوب فيه من أمه. ربما لهذا السبب سرعان ما تخلصت منه للمرضعات: أولًا لثويبة مولاة ابو لهب، ثم حليمة، وربما لمرضعات أخريات. محمد كان كلَّ شيء إلا طفلًا محبوبًا أو سعيدًا. أمه لم ترغب فيه، وآباؤه المربّون (الأب نفسيا ليس الوالد بل المربي) عاملوه على الأرجح بقسوة. وهذا ما أورثه، بين أمراض أخرى، الشعور الساحق بالذنب، الذي تحول إلى عدوانية وانحراف في المدينة حيث كانت الظروف الموضوعية مساعدة على ذلك".

فانظر جرأته وتغشمره فى الكلام عن النبى صلى الله عليه وسلم: فمن أين له يا ترى أن الأم تريد أن يكون بكرها بنتا؟ ألا إن ذلك لهو الجنون بعينه من العفيف الأخضر، إذ من المعروف للبعيد والقريب، والغبى والذكى، أن العرب كانوا يكرهون خلفة البنات ويرونها شؤما وعارا. وكانت النساء أحرى أن يكرهنهن لما يمكن أن يقع لهن بسببهن من الطلاق وانهدام الأسرة. بل كان العرب، من بغضهم للإناث، يئدونهن ويدسونهن فى التراب صغيرات. فكيف يقول العفيف الأخضر هذا الكلام المجنون؟ وكيف عرف أن آمنة كانت تكره ابنها؟ يجيب بأنها تركته لغيرها من النساء يرضعنه. لكنه، لجهله، نسى أن المكيين كانوا يعهدون بأبناءهم للبدويات يأخذنهم معهم إلى الصحراء ويرضعنهم هناك حتى يشب الصبى جلدا قويا متحملا لمصاعب الحياة فصيح اللسان. فليس محمد بدعا فى هذا. بل إن الطفل الذى لا تستطيع أسرته إرساله إلى الصحراء لضعف إمكاناتها المادية لتشعر الغضاضة لأنه يظهرها أقل من غيرها مالا وجاها. ولقد جاءت المرضعات إلى مكة أيام رضاعة محمد، وطفن بالبيوت، وأخذت كل منهن نصيبها من الأطفال ضامنة شيئا من الانتعاش جراء ما تحصل عليه مقابل ذلك من أموال وهدايا، اللهم إلا حليمة، التى لم يقدَّر لها أن تجد رضيعا غنى الأسرة، فاضطرت إلى أن تأخذ محمدا رغم قلة ذات اليد عند أهله حتى لا ترجع فارغة فاشلة. وهل هناك أم تكره طفلها، وبخاصة إذا لم يكن معيبا أو يسبب لها مشاكل لا تقدر على مواجهتها ولا حلها؟ ثم من أين للكاتب الملتاث بأن العرب كانت تتشاءم بالطفل الذى يموت أبوه وهو رضيع؟ وأين ذلك التشاؤم الذى كان المكيون يكنونه لمحمد يا ترى؟ هل أنبأه بعض المكيين بذلك فيما بينهما سرا؟ ألا إن هذا للسخف بعينه! ثم هل كان المكيون، الذين لم يتركوا تهمة دون أن يلصقوها بالنبى مَيْنًا وزورًا حين جاءهم بالوحى، ليتركوه دون أن يرموه بالشؤم على أهله ومن حوله؟ لكنهم لم يفعلوا ولم يأتنا عنهم فى هذا الأمر أى شىء ولو على سبيل التلميح البعيد. فعلام يدل ذلك؟ يدل على أن كلام العفيف الأخضر كلام حشاشين لا قيمة له إلا فى مجالس السكارى الضائعين!

بالعكس إن المرأة التى تأيمت لخليقة بأن تحب ابنها هذا حبا جما كتعويض عن زوجها الذى فقدته. ثم لو كانت آمنة تكره ابنها فلماذا لم تتزوج بعد موت والده، وقد كانت شابة تليق بالزواج ويليق بها جدا؟ ولقد كان محمد كذلك محبوبا من أهله جميعا ومن كل من له صلة بهم. فكانت أمه تلح فى استرداده دائما من حليمة السعدية مرضعته البدوية، لكن حليمة كانت تتمسك به لما وقع فى قلبها من حبه وللبركة التى أصابت حياتهم وهو فى حضانتها. فكيف يقال إن أمه كانت تكرهه؟ وهل تكره أم فلذة كبدها بهذه السهولة السخيفة؟ وحين كبر قليلا اصطحبته معها فى زيارة أخواله بيثرب، ثم ماتت فى طريق العودة إلى مكة، فحزن محمد الطفل الصغير عليها حزنا شديدا يدل على أنها كانت تحبه، وكان يحبها حبا قويا جد قوى على عكس ما يزعم مسعورنا الذى فقد عقله. ولو كانت نكرهه لتركته فى مكة وانطلقت إلى أهلها بيثرب خفيفة من عبئه الباهظ طبقا لما يدعيه العفيف الأخضر الملحوس! كما كانت أم أيمن مرضعته فى بيت أمه تحبه حبا جميلا، وظل هو يذكر لها حنانها وعطفها حتى فى المدينة بعد كل تلك الأعوام الطوال، ويكرمها ويقربها إليه ويقر لها بالبنوة مسويا بينها وبين أمه. وكانت هى من جانبها تعامله أحيانا وهو نبى رسول معاملتها لولد من أولادها، فيتقبل صلى الله عليه وسلم منها ذلك بكل رحابة صدر وإكرام.

كذلك كان جده عبد المطلب يحبه ويتعلق به تعلقا عجيبا. يقول ابن هشام فى "السيرة النبوية": "قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بن هاشم. وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا. ثم يجلسه معه على الفراش ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع".

وكان عمه أبو طالب، الذى آلت إليه كفالته بعد جده يحبه هو أيضا حبا هائلا، ويعطف عليه عطفا كريما، ويحرص على اصطحابه معه كلما سافر. وهو الذى خطب له خديجة بنت خويلد وألقى خطبة النكاح مباهيا به مثنيا عليه مادحا خلائقه وكرم نحيزته. وحين نزل عليه الوحى كان يحميه بكل ما لديه من قوة وجاه من بطش قومه رغم ما كان يسببه له ذلك من إحراج مع كبارهم، ولم تبدر منه كلمة سيئة حين ألفى ابنه عليا ينحاز لابن عمه ويسارع على الفور إلى اعتناق دينه وهو صغير. وسواء اعتنق أبو طالب الإسلام كما يقول الشيعة أو ظل على دين قومه حتى فاضت روحه إلى بارئها كما يعتقد أهل السنة فقد ظل دائما يرعاه ويحنو عليه ولا تخرج من فمه له أبدا كلمة مؤلمة، ويتدخل فى حسم بينه وبين كفار قريش فيكفّهم عن أذاه وإزعاجه حتى إن الرسول والمسلمين قد سَمَّوُا العام الذى تُوُفِّىَ فيه هو وخديجة وارتفعت عنه صلى الله عليه وسلم حمايته الكريمة بـ"عام الحزن". فأين تلك الكراهية المزعومة التى يزعجنا بالحديث عنها العفيف المبغوض أبغضه الله، وزاده بعدا عن القلوب، وضاعف نصيبه من الشنآن! ثم لو كان قد لقى فى بيت أبى طالب ما يؤذيه أكان يأخذ إلى بيته عليا ابنه وينفق عليه ويعامله كأنه ابنه؟

ولقد ظل رسول الله يحفظ فى قلبه، لثويبة مولاة عمه أبى لهب التى أرضعته أول واحدة ولأم أيمن حاضنته فى البيت ولحليمة السعدية مرضعته البدوية وأسرتها، الشعور بالجميل رغم كرور الأعوام والعقود حتى إن هناك حديثا يذكر تخفيف العذاب قليلا عن أبى لهب عمه صلى الله عليه وسلم لأنه أعتق ثويبة هذه حين بشرته بميلاد النبى عليه السلام. فكيف يقال إن مولده كان غير مرحب به بل مكروها، وهذا أبو لهب، الذى سوف ينقلب عليه شر منقلب عندما يأتيه الوحى، يهب مولاته حريتها فرحا بمقدمه؟ وكيف يرى بعض أهل الرسول فى المنام أن أبا لهب خُفِّف عنه العذاب لهذا السبب؟ وكيف يظل الرسول ذاكرا ثويبة، وبكل خير، بعد هذا العمر الطويل لو كانت تؤذيه أو تتبرم به أو تفقد صبرها معه أو تنهره أو تبعده عنها؟ كان ينادى أم أيمن وهو نبى بـ"يا أمَّهْ"، ويقولُ : "هذه بقيَّةُ أهلِ بيتي"، ويقول أيضا: "أم أيمن أمي بعد أمي". بل لقد بلغ من إدلالها عليه وشعورها بأمومتها نحوه حتى بعدما كبر أنْ قدمت له ماء ذات مرة فلم يشربه لأنه كان صائما أو لم يكن عطشان ساعتئذ، فجعلت تصخب وتَذْمُر عليه دون أن يحس صلى الله عليه وسلم بأية غضاضة. كما أن الشيماء بنت حليمة السعدية، وهى أخته من الرضاع، حين سبيت يوم هوازن من قِبَل المسلمين وقالت لمن سباها: "أنا أخت صاحبكم"، وحملوها إليه، وقالت: يا رسول الله، "أنا أختك"، قال مستفسرا: وما علامة ذلك؟ قالت: "عضة منك في ظهري". فعرفها صلى الله عليه وسلم ثم قام بنفسه، وهو النبى والحاكم والقائد والزعيم، وبسط رداءه وأجلسها عليه، ودمعت لها عيناه. فهل هذا تصرف رجل ذاق على أيدى هؤلاء الناس القسوة والإهمال والكراهة؟ خيبة الله على كل متهوس ذائب العقل!

إن هذا الغبى، الذى يزعم أن أم محمد ومرضعاته وكافلاته كن يكرهنه يرتب على تلك الكراهية المدعاة أنه نشأ ساديا يتلذذ بتعذيب نفسه. وتتجسد هذه السادية عنده فى أنه كان يقسو على نفسه بالصلاة ليلا فى بداية الوحى والقيام أثناء ذلك على قدم واحدة أحيانا، ولا أدرى كيف، إذ لسنا فى سيرك بهلوانات. كما أنه من الصعب جدا جدا أن يبقى الشخص طوال الليل قائما على قدم واحدة يناجى ربه دون أن يتراقص ويفقد توازنه ويسقط بعد قليل. والحق أنه لو كان صلى الله عليه وسلم مكروها كما يزعم كذبا هذا المدلس الحاقد على كل شخص شريف نبيل راقٍ لتولد لديه شعور الحقد والمرارة والقسوة على الآخرين لا على نفسه. أليس كذلك؟ لكن على من تتلو مزاميرك يا داوود؟ كذلك لو كان مكروها أو على الأقل: مزهودا فيه أكان أهله يختارون له أجمل الأسماء؟ لقد كانوا أحرياء أن يطلقوا عليه اسما قبيحا يشى بما يكنونه له من مشاعر الضيق والازدراء بدلا من "محمد"، الذى يدل على أن صاحبه جد محبوب وجد محمود على كل الألسنة، وفى كل الأفواه، وبخاصة أنه لم يكن من آبائه من كان اسمه محمدا، بل ولا كان محمد اسما شائعا بين العرب آنذاك، بخلافه الآن، فهو أكثر أسماء الأعلام انتشارا فى الأرض. بل لقد سمعنا مرارا فى الفترة الأخيرة أنه أكثر أسماء المواليد الجدد فى أوربا ذاتها.

وبمناسبة اسم "محمد" فهشام جعيط، وهو من الأفاقين مثل صاحبنا، يتظرف تظرفا غبيا زاعما أن اسم الرسول فى الأصل هو قُثَم، لكنه غيَّره فى المدينة إلى محمد حتى يتطابق مع بشارة الكتاب المقدس برسول يأتى بعد عيسى بهذا الاسم. وفاته أن المخضرمين الذين ذكروه فى أشعارهم سمَّوْه: "محمدا"، وأن شعراء الشرك كانوا، يسمونه أحيانا من باب المكايدة: "مذمَّما" مقلوب محمد، فكان يقول متعجبا من غبائهم، الذى يسول لهم أن يشتموا "مذمما" بينما اسمه هو محمد، فينصرف السباب بذلك إلى مذمم، ويبقى اسم محمد نقيا لم يلوث! وقد رددتُ طويلا على هذا الهوس فى دراسة لى من عشرات الصفحات يجدها القارئ فى كتابى: "أفكار مارقة". وهذه هى الشواهد على ما نقول. فمن شعر الأعشى الشاعر المعروف:

أَجِدَّكَ لَم تَسْمَع وَصَاةَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الإِلَهِ حينَ أَوْصَى وَأَشْهَدا؟

ومن شعر أبى سفيان بن الحارث:

لَعَمْرُكَ إنِّي يومَ أحملُ رايةً لِتَغْلِبَ خيلُ اللَّاتِ خيلَ محمَّدِ

ومن شعر أوس بن دنى القرظى حين دعته إلى الإسلام زوجته، التى كانت قد أسلمت، فراغ منها بكلام لا رأس له ولا ذنب رافضا الدخول فى الدين الجديد مع إقراره فى نفس الوقت من طرف اللسان بأنه دين طيب:

دَعَتْني إلى الإسلام يَوْمَ لَقِيتها فقلتُ لها: لا بَلْ تعالَيْ تَهَوَّدي

فنحن على توارةِ موسى ودينهِ وَنِعْمَ، لَعَمْرِي الدينُ، دينُ محمدِ

وقالت أم جميل زوجة أبى لهب حمالة الحطب:

مُذَمَّمًا عَصَيْنا وأَمْرَه أَبَيْنا

ودِينَه قَلَيْنا

ومن مظاهر السادية أيضا عند النبى الكريم صلى الله عليه وسلم، حسب دعاوى العفيف الأخضر البلهاء لعنه الله، كثرة الواجبات الدينية من صلاة وطهارة وصيام وحج وما إلى ذلك. والغريب أنه يزعم أيضا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد تخفف من تلك السادية وذلك التشديد فى المرحلة المدنية وانطلق فيها خفيف الضمير مما كان يثقله قبلا، بينما نرى أن تلك الواجبات الدينية فى الحقيقة لم تقلّ أو تضمحل، بل على العكس قد زادت، إذ لم يكن المسلمون فى مكة يحجون مثلا أو يصومون أو يغتسلون من الجنابة أو يحاربون وينفقون أموالهم وأنفسهم فى سبيل الله. فكيف يفسر ذلك المجنون الرسمى هذا؟ ومع ذلك كله كان النبى عليه الصلاة والسلام، فيما تنبهت إليه وعجبت له عجبا شديدا من كثرة ما لاحظته فى نفسى وفى الناس من حولى من ضيق الصدر وشدة الانفعالات وسرعة الملل وتأثير الميول القوى فينا وما هو من هذا بسبيل، أنه كان متزن النفس معتدل الانفعالات متئدا هاشا باشا لا يمل ولا يضيق صدره إلا نادرا لو حصل. ولقد كان هذا هو السر الأعظم لنجاحه صلوات الله عليه وسلاماته فى نبوته ورئاسته وقيادته المتعددة الجوانب للمسلمين، وتأثيراته المذهلة على صعيد التاريخ الإنسانى والحضارة العالمية رغم ضآلة الوسائل فى يديه وبدائيتها.

يقول ألفونس دى لامارتين عنه صلى الله عليه وسلم فى الجزء الثانى من كتابه: "Histoire de la Turquie" مبرزا هذه النقطة، وملقيا الضوء على مواهبه العقلية والقيادية والروحية العظيمة التى تعلو به فوق المقارنة مع أى إنسان: "Si la grandeur du dessein, la petitesse des moyens, l'immensité du résultat sont les trois mesures du génie de l'homme, qui osera comparer humainement un grand homme de l'histoire moderne à Mahomet", "Philosophe, orateur, apôtre, législateur, guerrier, conquérant d'idées, restaurateur de dogmes rationnels d'un culte sans images, fondateur de vingt empires terrestres et d'un empire spirituel, voilà Mahomet. A toutes les échelles où l'on mesure la grandeur humaine, quel homme fut plus grand?".. وهذا هو السبب فى أن مايكل هارت قد وضعه فى كتابه الشهير على رأس المائة الذين كان لهم تأثير قوى على مسيرة التاريخ الإنسانى. وهذا ما قاله هارت عن ذلك بنفسه: "My choice of Muhammad to lead the list of the world's most influential persons may surprise some readers and may be questioned by others, but he was the only man in history who was supremely successful on both the religious and secular levels. Of humble origins, Muhammad founded and promulgated one of the world's great religions, and became an immensely effective political leader. Today, thirteen centuries after his death, his influence is still powerful and pervasive. The majority of the persons in this book had the advantage of being born and raised in centers of civilization, highly cultured or politically pivotal nations". كما قرأت على المشباك السطور التالية عن المؤلف الأمريكى وسبب وضعه محمدا على القمة وتركه السيد المسيح عليهما معا السلام: "Surprenant les lecteurs, Muhamed, le prophète de l'Islam (qsssl), a été la première personne sur la liste de Hart, au lieu de Jessus ou de Moise. Hart émis également l'avis que le rôle de Muhammad dans le développement de l'Islam a été beaucoup plus influent que la collaboration de Jésus dans le développement de la Chrétieneté. Il attribue le développement du christianisme à Saint-Paul qui a joué un rôle essentiel dans sa diffusion".

ولقد توقف العفيف الأخضر عند العُصَاب والاكتئاب، اللذين يزعم أن رسول الله كان يعانى منهما عناء شديدا. وهذا كله كذب رخيص هو ثمرة نفس العفيف المريضة، فهو يسقط ما عنده على سيد البشر. ياله من شيطان! إن العُصَاب (Neurosis) هو نوع من انواع الخوف الذي يؤدي إلى اضطراب في الشخصية وفي الاتزان النفسي. وهو اضطراب عصبي وظيفي غير مصحوب بتغير بنيوي في الجهاز العصبي. ترافقه في كثير من الأحيان أعراضُ هستيريا, وحَصَرٌ نفسي, وهواجسُ مختلفة. مريض العصاب لا يعاني من الهلوسة أو من فقدان الصلة مع الواقع. سلوك الأشخاص الذين يعانون من العصاب هو سلوك عادي وطبيعي (سلوك مقبول ضمن المعايير الاجتماعية السائدة). والعصاب هو مرض كغيره من الامراض، إذ لدى كثير من الناس انطباع بأن الإرادة يمكنها التغلب على العصاب. وهذا خطأ بصورة مطلقة. وثمة اعتقاد بأن المصاب بالعصاب شخص يفتقر للطاقة لأنه غير قادر أن يشفي نفسه بنفسه. وهذا خطأ لأن العقل أو الإرادة لا تستطيع شفاء شيء ما لاشعوري لا يبلغه هذا العقل أو هذه الإرادة. فالعُصَاب اضطراب من تضافر عدة عوامل علي رأسها صراعات لاشعورية تبدو في صورة أعراض جسمية ونفسية، ومنها القلق والوساوس والأفكار المتسلطة والمخاوف الشاذة واضطرابات جسمية وحركية وحسية متعددة تعوق الفرد عن ممارسة حياته السوية في المجتمع الذي يعيش فيه، وقد يدفع الفرد إلى القتل أو الانتحار. ويعاني الشخص الذي يعاني من عصاب غالبا من اكتئاب، خوف، غياب الشعور بالعواطف والأحاسيس، غياب الاتزان النفسي والعاطفي، القلق والوساوس والشكوك التي لا أساس لها، أو قد يظهر المرض النفسي في شكل حدوث شلل أو تيبس أو ارتعاش لعضو في الجسم بدون أن يكون لها سبب فزيولوجي أو قد تظهر أعراض داخلية كالشعور بألم في أحد أجزاء الجسم كالمعدة دون سبب فزيولوجي. وتتنوع الأعراض الجسمية بشكل كبير حسب استجابات كل شخص. وفقا للدكتور George Boeree يمكن أن تتضمّن آثارُ العصاب القلقَ، الحزن، الاكتئاب، الغضب، التشوش الذهني، انخفاض التقييم الذاتي... إلخ، أعراض سلوكية مثل تجنب رهابي، يقظة، أعمال متهوّرة، خمول وغيرها،مشاكل معرفية مثل أفكار مزعجة، تكرار الأفكار والهوس، تخيلات معتادة، سلبية وسخرية الخ. يؤدي العصاب إلى التبعية، العدوانية، الكمالية، العزلة الاجتماعية والسلوك غير المناسب بين الأفراد... إلخ.

أما الاكتئاب فحالة من الشعور بالقلق والحزن والتشاؤم والذنب مع انعدام وجود هدف للحياة. وأهم ما يميزه هو الانخفاض في المزاج والنفور من الأنشطة التى يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على أفكار الشخص وسلوكه ومشاعره ونظرته إلى العالم والرفاهية المادية. وقد يشعر المصابون بالكآبة بالحزن والقلق والفراغ وانعدام الأمل والقيمة وقلة الحيلة والشعور بالذنب وتعكر المزاج والألم المعنوي والاضطراب: فقد يفقدون الاهتمام بنشاطات كانت محببة لهم، وقد يعانون أيضا من فقدان الشهية أو الإفراط في الأكل. كذلك يكون لديهم مشاكل في التركيز و تذكر التفاصيل واتخاذ القرارات، وقد يقدمون على محاولة الانتحار أو التفكير فيه أيضًا. وأعراض الاكتئاب الظاهرية هي الأرق والنوم المفرط والتعب وقلة الطاقة والآلام والأوجاع ومشاكل الهضم وغيرها من الأعراض التي لا تستجيب للعلاج التقليدي.

هذه هى أعراض العصاب والاكتئاب، وهذه هى آثارهما. وليس هناك فى حياة محمد وشخصيته ما يمكن أن يدعونا إلى وصفه بهذا أو بذاك أبدا. لقد كان، على النقيض من ذلك تماما، متزن العقل والتفكير، قوى الذاكرة، معتدل النوم واليقظة، لا يشكو شيئا فى معدته أو فى صحته إلا الصداع مرة فى آخر حياته. ولم يكن يعانى من أية أوجاع فى جسده أو فى نفسه ومشاعره إلا بعض الآلام البدنية قبيل وفاته. وكانت شهيته إلى الطعام مثالية، فلم يكن أكولا ولا مشغولا بالطعام بل كان يأكل ما حضر، وإذا لم يجد كان يصوم دون تبرم. وإذا لم يعجبه لون من ألوان الطعام كان يمسك عنه بلا تحقير أو شكوى. ومن ناحية الذنب كان يستغفر الله كثيرا كلون من ألوان الإقرار بالعبودية له سبحانه دون أى رعب أو قلق أو تشاؤم. وأحاديثه عن رحمة الله وكرمه وحبه لعباده ورغبته لغفران ذنوبهم والحسنات الكثيرة التى يمكن اكتسابها بسهولة عجيبة هى أحاديث مذهلة تفتح دائما أبواب الأمل مشرعة أمام العباد. وفى القرآن أن الله لن يفعل شيئا بعذابنا إن شكرْنا وآمنّا، وأن التوبة مفتوحة أبدا، وأن الذنوب جميعا يمكن غفرانها بمنتهى السهولة. وكان أنس يقول رضى الله عنه إنه خدم رسول الله أعواما طوالا، فما نهره يوما ولا عاقبه ولا سمع منه كلمة سيئة. وكان يحب مداعبة الأطفال ويتعاطف مع أحزانهم الصغيرة، ولم يؤذ أحدا من زوجاته أو ينفعل عليهن رغم تغايرهن بعضهن من بعض ورغم اختلافهن فى السن والبيئة، وحين استعاذت منه مخدوعةً إحدى زوجاته، بعدما عقد عليها وقبل الدخول بها، نزل على رغبتها ولم يفكر فى استبقائها بل أرسلها إلى قومها معززة مكرمة مطيبة الخاطر، ولم ينظر إلى الأمر على أنه إهانة له وهو النبى الزعيم الحاكم القائد. وهنا أود أن أشير إلى ما قاله الكولونيل رونالد ڤكتور بودلى فى كتابه عن الرسول عليه الصلاة والسلام: "The Messenger- The Life of Mohammed" من أنه قد فهم طبيعة النساء كما لم يفهمها أحد، إذ نصح الأزواج ألا يحاولوا تغيير طبيعتها حتى لا يكسروها، بل عليهم الاستمتاع بها على عوجها، إذ هو جزء من طبيعتها التى خُلِقَتْ عليها لا مَعْدَى لها عن ذلك.

وكان واسع الصدر والصبر، يتعامل مع كل الطبقات والفئات والمستويات الفكرية والنفسية والخلقية، فما فشل يوما فى ذلك التعامل. ولم يكن يعرف التغيرات المزاجية المباغتة أو الحادة، كما لم يمر به يوما شعور بالاكتئاب أو القلق والتبرم، وكان متفائلا دائما حتى إنه ظل يتحدى المشركين وغيرهم بأنه منتصر عليهم مهما تكن الظروف، وهو ما حدث، ومع هذا لم يزدهه النصر ولا كسره وقوف الناس ضده ولا عداوتهم له، وكان كذلك منبسط النفس يحب الاجتماع بالناس والتواصل معهم، وظل ينتقل من نصر إلى نصر حتى أدى مهمته كأحسن ما يكون لم يتفوق عليه أحد من عظماء العالم قديما أو حديثا. ولقد أذكر الآن شهادة وليم مونتجمرى وات فى حقه صلى الله عليه وسلم، التى قرأتها فى كتاب له فى أكسفورد منذ عشرات السنين، وهو "Muhammad Prophet and Statesman"، فهالتنى إعجابا قائمة الصفات الطويلة والنبيلة التى ذكرها ذلك المستشرق له عليه السلام فى آخر الكتاب، وكل شىء فيها أروع من صاحبه، ومع ذلك يقول فى نهاية الشهادة ما معناه أن محمدا ليس هو الشخص الذى يرضى تطلعاته، فقلت له: يا للعناد يا وات! أوأنت تستطيع أن تجد له بين عظماء العالم نظيرا يا رجل؟

كما أن حياته صلى الله عليه وسلم كانت مفعمة بالنشاط الدعوى لم يفتر يوما ولم ييأس أو يفكر فى النكوص على عقبيه، وكان بعيد مطارح الأمل، إذ بعثه الله لا لقومه فحسب بل للعالم أجمع. وظل يعمل من أجل هذه الغاية، وقطع فيها شوطا عظيما ممهدا الطريق لأتباعه، الذى أكملوا المسيرة ونشروا نور الإسلام ساطعا وهاجا فى أرجاء الأرض. ومعروف أن كل قائد ما إن يموت حتى تنفجر الأحقاد التى كانت متراكمة فى الصدور نحوه يحبسها الخوف والرعب، إلا محمدا، فقد ازدادت محبة أتباعه له بعد موته، ولم تصدر عن أحد منهم ولو كلمة تشى ببغض له أو ضيق به أو ملل منه. وكان صلى الله عليه وسلم متواضعا لين الجانب مع الجميع، وبخاصة المسحوقون والمهمشون حتى لقد كان ينزل قبور الفقراء يوسدهم التراب بيديه الحنونتين، ويحزن إذا علم أن أحدهم قد مات ودُفِن دون أن يؤاذنه أصحابه بالأمر.

ولقد تبدت عظمته فى أجلى بريقها وسطوعها يوم فَتْح مكة حين تكأكأت عند البيت الحرام جموع قريش عقب هزيمتها النهائية، إذ ظنوا أن تلك فرصة له كى يذلهم ويسحقهم، لكنهم بوغتوا به يقول لهم بكل سلاسة: اذهبوا، فأنتم الطلقاء. ثم لم يحدث قط أن فتح لهم صفحتهم الماضية معه التى كانت كلها هبابا وسخاما، بل طوى تلك الصفحة إلى الأبد. وكان شعاره دائما أن الإسلام يجبّ ما قبله. وفى أيامه الأخيرة وضعت نساؤه فى فمه دواء مرا، فطلب أن يوضع نفس الدواء فى فم كل من فى البيت على سبيل الدعابة، ولم يصدر منه فى تلك الأيام والساعات العصيبة ما يمكن أن يستشف منه سخط على ما ابتلى به من مرض وألم أو ما يومئ إلى أنه نبى غير صادق، بل كان آخر ما تفوه به: "إلى الرفيق الأعلى"، فكان هذا دليلا على صدقه المطلق! فأية عظمة نفسية تلك يا إلهى؟ ثم يأتى كلب نجس فى آخر الزمان، فينبحه صلى الله عليه وسلم ويظن أنه قادر على هبشه وعضه، لعنه الله وأخزاه جزاء حقارته وخيانته وبيعه نفسه الوضيعة فى سوق الغدر والنتانة!

ويقترح الكلب المسعور أن يُسْتَبْدَل بإله الإسلام القاسى السادى، حسب وصفه، الإله الكاثوليكى الرحيم: "تغيير صورة الله من إلاه- أب سادي، يعذب أبناءه العاصين لأوامره ونواهيه بشوائهم في نار جهنم: "كلما نضجت جلودهم بّدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب" (56، النساء) ليتلذذ بمواصلة تعذيبهم! يا له من إلاه جلاد! لا ينبغي بعد اليوم أن يكون الله هو هذا الأب الجبار، القاسي الخاصي، الذي يُحقننا بالشعور الساحق بالذنب، كشهادة قاطعة على طاعته طاعة عمياء وتكريس معظم وقتنا لأداء شعائره. هذه الصورة الشبيهة بصورة الوالدين الغاشمين في العائلة الإسلامية التقليدية جديرة بالتجاوز إلى نموذج إلاهي أرقّ قلبًا: إلى إلاه– أب كلُّه حُبّ. كالإلاه الكاثوليكي اليوم"، لينسى بعد قليل فى نفس الحوار فيقول، عن الكاثوليكية التى يدعو المسلمين إلى استيحائها والاستفادة منها، إن المذبحة التى أوقعها المسلمون ببنى قريظة وهول فيها وأظهرهم أهل براءة مظلومين لا خونة غدارين أرادوا القضاء على المسلمين ودينهم ونبيهم بتآمرهم مع المشركين على خنق المدينة على أن يقوموا هم بمهمة الطابور الخامس وحصان طروادة، إنها "طبعةٌ أولى من مذابح الكنيسة الكاثوليكية التفتيشيّة لهم" دون أن يشعر بخجل مما يدعو المسلمين إليه. وهو هنا يكذب أيضا، فيذكر ما صنعه الكاثوليك فى أسبانيا باليهود، ويتجاهل ما صنعوه بالمسلمين من إبادة وتنصير بالإكراه وتعذيب وقتل واعتقال ومصادرة أملاك إلى أن قضوا تماما على الإسلام والمسلمين فى الأندلس. كل ذلك رحمة من الإله الكاثوليكى الرقيق!

وهذا الإله الكاثوليكى الرحيم هو نفسه الإله الذى ألهم الصليبيين من قبل بقتل عشرات الآلاف من المسلمين فى بيت المقدس حتى كانوا يخوضون فى دمائهم إلى منتصف سيقانهم ويأكلون جثثهم. وهو نفسه الإله الرحيم الذى أوحى لأتباعه فى فرنسا أن يقتلوا سبعين ألفا من الهوجنوت المخالفين لهم فى المذهب فى ليلة واحدة فى أغسطس 1572م، بالإضافة إلى الملايين الذين سقطوا قتلى فى حرب الثلاثين عاما بألمانيا بين البروتستانت والكاثوليك من 1618 إلى 1648م. وهو ذاته الإله الرحيم الذى أوحى لفاتحى أمريكا بسلخ جلود الهنود الحمر وشيهم أحياء على النار ونشر الأمراض القاتلة بينهم واصطيادهم بالرصاص كالحيوانات وقَشْر جلود جماجمهم وعمل المحافظ الجلدية من بشرتهم، إلى أن استأصلوهم استئصالا تاما حاشا بقية شحيحة لا قيمة لها ولا خشية منها احتفظوا بها فى معازل وكأنهم بقايا حيوانات منقرضة يأتى الناس ليتفرجوا عليها للتسلية. وهو نفسه الإله الرحيم الذى قضى الفرنسيون المؤمنون به على مليون فى الجزائر فقط، ودعك مما قتلوه فى تونس بلد الكلب المسعور وفى المغرب وغيرها من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية التى احتلوها واستعمروها واستنزفوا ثرواتها وحملوها إلى بلادهم ليعيشوا عيشة الترف بينما يتمرغ أهل تلك البلاد فى الفقر والبؤس والأمراض والتعاسة والجوع والأسمال البالية، فضلا عن محاولتهم القضاء على هوية الجزائريين المسلمة وعملهم الدائب على استلحاق بلادهم بفرنسا بوصفها جزءا منها. وهو ذاته الإله الرحيم الذى سول للإيطاليين التنكيل الوحشى والتقتيل بإخواننا فى ليبيا وإلقائهم من الطائرات على الأرض. وهو هو الإله الرحيم الذى أشعل المعارك الطاحنة بين الكاثوليك والبروتستانت فى أيرلندا، تلك التى سقط بسببها عشرات الآلاف من القتلى، وما زال الحبل على الجرار! وهو نفسه الإله الذى ترك النصارى الأوربيين فى الحربين العالميتين يتقاتلون ويتفانَوْن حتى هلكت الملايين فى أوربا وحدها. فلم يا ترى لم يوح لهم أنْ: حرام ما تصنعونه بعضكم ببعض؟ وهو نفس الإله الذى يعتدى قساوسته فى الفاتيكان على الأطفال اغتصابا وهتكا جنسيا دنيئا لأجسادهم الصغيرة البريئة مما تتكشف عنه الفضائح بين الحين والحين هذه الأيام! يا له من إله رحيم ينبغى فعلا أن نترك إلهنا ونتبعه هو ونؤمن به! ثم يا من أنت معجب بالإله الكاثوليكى، لماذا لم يقل لك: عيب عليك، يا عفيف يا زفت، الشتائم التى توجهها لمحمد ولأتباع محمد، ولا يصح منك هذا الجهل المبين الذى يطوع لك اتهامه بأنه عصابى والتهكم على النظافة والطهارة التى أتى بها؟ أى إله رحيم هذا يا كذاب يا مدلس؟

ومن مظاهر قسوة إله الإسلام عنده كثرة الأمور التى تستوجب النظافة والطهارة. وهذه بعضها كما أوردها بقلمه المهذب: "في شعائر الطهارة للصلاة ولقراءة القرآن أو حتى لمجرد مسه: "لا يمسه إلا المطهرون"، (79، الواقعة). وللصلاة الإغتسال الأكبر بعد الجماع أو الإحتلام أو خروج المني بأية وسيلة كانت. الوضوء، أي غسل اليدين والرجلين والوجه والمسح على الرأس، بعد التبول والتغوط والضراط والفساء وحتى مجرد مس الذكر سهوا، وشعيرة الحج الطويلة المكلفة والخطرة، وشعيرة رمضان المؤذية للصحة والاقتصاد... وقد أكون نسيت". ولا أدرى كيف أُفْهِم ذلك الحمار القذر أن المقصود هو مراعاة المسلم دائما للنظافة فى حياته وجسده وملابسه. ومن ثم يهتبل الإسلام أية فرصة لدفعه إلى النظافة والطهارة. وقد تكون هناك حكم أخرى لاهتمام الإسلام بتلك الشعيرة. لكن ألا يكفى أن يحرص دين محمد على النظافة والطهارة حتى يحظى بالمديح والثناء؟ بلى، ولكن من جانب العاقلين النظفاء الطاهرين. أما الأوساخ الأدناس فيكرهون الطهارة وكل ما يتصل بها كراهية العمى والبرص والسرطان. وأمثال العفيف الأخضر من المغرمين بالخمر والعهر وسائر القاذورات لا يمكن أن يحبوا النظافة. إنهم كصراصير البكابورتات لا يلوذون إلا بالعفونات والنتانات والفضلات والبول والخراء.

وكنت اليوم أتناقش مع أحد زملائى ممن كانوا يوما من تلامذتى، فجاءت سيرة أحد الصحفيين الشيوعيين الكبار المشاهير ممن ماتوا قبل فترة، فذكر لى أنه زاره، بناء على طلبه كى يعطيه كتابين له كان حريصا على قراءتهما، فلاحظ أنه كان قد قام من النوم لتوه، وكانت زجاجات الخمر تملأ الغرفة التى استقبله فيها، وكانت سروال منامته مبلولا بللا واضحا فاضحا بالبول والصنان. فالعفيف من هذا الصنف المبلل بالبول والمنتن بالصنان، ومن هنا نراه يكره النظافة بهذه الحدة وهذا العنف! وبالمناسبة فإنه يقلد سلمان رشدى هنا أيضا، إذ إنه فى روايته: "الآيات الشيطانية" يسخر من كلام الإسلام فى ذلك الموضوع، موضوع الريح والفضلات التى يخرجها الإنسان، ويأمر الإسلام أتباعه بالتطهر منها. وعلى الناحية الأخرى يبدى رونالد ڤكتور بودلى إعجابه الشديد بشعيرة الطهارة فى الإسلام مؤكدا أن "هذا التشريع قد جعل العرب من أكثر الناس اغتسالا فى العالم. فبينما الأجناس الأخرى يهيمون قذرين إذا ما ابتعدوا عن الماء فإن العرب يستمرون فى المحافظة على نظافتهم" حسبما جاء فى الترجمة العربية لكتابه: "The Meesenger- The Life of Mohammed".

وأنا، كما أشرت آنفا، أرى فى هذا حرصا من الإسلام على إلزام المسلم بالحد الأدنى من مراعاة النظافة. أما إن كان من الذين يراعونها أصلا فزيادة الخير خيران. وهل هناك من يكره المزيد من الخير إلا منكوس الطبع كصاحبنا السكير المغرم بالقذارة الكاره للطهارة؟ وأخبرنى ذات مرة تلميذ سابق لى يدرّس بإحدى الجامعات الإيطالية أن مستشرقا إيطاليا كان يحدثه ذات مرة عن الرسول محمد مبديا إعجابه بالدور العظيم المذهل الذى نهض به مع أتباعه، إذ قال له إنه كان يعلمهم كل شىء بدءا من ألف باء الحياة والتحضر حتى إنه حين رأى طفلا يأكل مما أمام الآخرين نبهه إلى ذلك قائلا: يا غلام، كل مما يليك! فحتى هذه لم يتركها الرسول تمضى دون أن يشفعها بأصول اللياقة التى ينبغى مراعاتها فى تناول الطعام مع الآخرين. ولكن كيف يفهم العفيف ما نقول؟ وعلى كل حال فالطهارة والصلاة كلتاهما لا تأخذ من الفرد أكثر من ساعة طوال اليوم ليله ونهاره. فهو، كما يرى القارئ، يهوّل تهويلا كاذبا.

وأما حملته على الصيام وقوله بضرره الشديد على صحة الإنسان فهو يردد كلام الزرادشتية، التى ترى أن العالم المادى يحيا على التغذية، فإذا صام هلك، ولم يستطع البشر ساعتئذ العمل فى الحقول، مع أننا نحن المسلمين نصوم صياما كاملا طوال النهار طوال أكثر من أربعة شعر قرنا، ومع هذا لم نمت، بل نصحّ، ونشعر بقرصة الجوع والعطش فى بطوننا، وهى قرصة إرادية من شأنها أن تعطفنا على من يقرصهم الجوع والعطش دوما بغير إرادتهم لما يعانونه من فقر ومسكنة وذلة حاجة. والحمد لله أن الزرادشتية لا تدعو إلى صيام، وإلا ما فرغنا منه ومن تنطعه وتساخفاته! وكنا نحب أن نسأله: ترى كيف انتصر المسلمون كل انتصاراتهم المذهلة على أعدائهم وحققوا جميع تلك الإنجازات الحضارية التى جعلت منهم فى مدى زمنى قياسى سادة العالم رغم تمسكهم بشريعة الصيام؟ ثم هل سمع أحد أن أحدا مات بسبب الصيام؟ كما أن الإسلام، حين يرهق الصيام المسلم، يجيز له الإفطار مع إطعام عدد من المساكين بحيث يتحقق أحد أهداف الصيام حتى أثناء إفطاره، ألا وهو الإحسان إلى المحتاجين. والطريف أن يكون العفيف الأخضر وخليل عبد الكريم فى هذه النقطة على طرفى نقيض، إذ يقول عبد الكريم، فى مقال بجريدة "الأهالى" المصرية عنوانه: "مجرد اجتهاد: الصيام فريضة المجتمع المعسكر" منشور بتاريخ 7/ 2/ 1969م، إن الصيام قد شُرِع لإنجاح عسكرة المجتمع الإسلامى، التى وضعها الرسول نصب عينيه فى المدينة حتى يتعود المسلمون الشدة والتقشف والجوع والعطش فيصيروا أقدر على تحمل ويلات الحروب وما فيها من حرمان. أى أن الصوم يقوى الإنسان ولا يضعفه، ويهيئه لتحمل الشدائد لا الانهيار تحت ثقلها كما يزعم العفيف الأخضر السكير الذى لا يقوى على مفارقة زجاجات الخمر والمزة. وعند خليل عبد الكريم لا يوجد وحى ولا خلافه، بل الأمر لا يزيد عن طموحه صلى الله عليه وسلم لإقامة دولة هاشمية. ومعروف أن الصيام موجود فى كثير من الأديان كالإسلام والنصرانية واليهودية والطاوية والچينية وغيرها من الأديان وفى عدد من شعائر البدائيين أيضا، وإن كان يختلف نوعا وباعثا وغاية، وطولا وقصرا، وشمولا واجتزاء كما تذكر مادة " \Fasting Jeûne" فى كل من "Encyclopaedia of Religion and Ethics" و"Encyclopaedia Britannica" و"Encarta" بنسختيها: الإنجليزية والفرنسية مثلا. كما يستعان به فى الطب كعلاج لكثير من الأمراض ووسيلة لتحسين الصحة والحفاظ على الجمال. بل إن المساجين والمعتقلين قد يمارسون الامتناع التام عن الطعام احتجاجا على أوضاعهم أو أوضاع طائفتهم أو أمتهم المزرية أو تعبيرا عن موقفهم الرافض لبعض الأمور كالحرب مثلا، وهو ما يسمى: الإضراب عن الطعام. لكن الكلب المسعور لا يحاول النيل والتحقير إلا من الصوم الإسلامى.

وأما ما يدعو إليه من وجوب قيام الزواج على حرية الاختيار والحب لا على الإكراه فمن الواضح أنه كان سكران وهو يكتب هذا الكلام، إذ إن الإسلام، الذى يعيبه هذا الجاهل الحقود ويحاول النيل منه ومن رسوله بغشم عجيب، قد نَهَى بكل حسم عن إجبار المرأة على التزوج ممن لا تريد، سواء كانت بكرا أو ثيبا، كما يعرف ذلك كل مسلم. وقد تشدد النبى فى تلك النقطة تشددا كبيرا حرصا على سعادة الفتيات والنساء فى بيوتهن الجديدة. ومن كلامه العظيم فى ذلك الصدد أنه لا بد من استئذان الفتاة البكر واستئمار المرأة الثيب فى هذا الشأن والحصول على موافقتهما قبل المضى فى إجراءات الزواج. وأتت فتاة إلى النبى عليه السلام تعلن اعتراضها على عزم أبيها تزويجها من ابن عمها لأنها ليست سلعة. فوافقها النبى على موقفها تماما، وهو ما جعلها تغير ذلك الموقف فى الحال معلنة أنها لا تعترض على ابن عمها فى ذاته، بل على أن أباها لم يستشرها وأراد إمضاء العقد دون الحصول على رضاها أولًا لأنه كان يريد رفع شأنه عن طريق هذا الزواج بسبب علو منزلة أخيه الاجتماعية وتفوقه المالى عليه، ومؤكدة أنها إنما أرادت أن تنبه الفتيات اللاتى فى مثل وضعها إلى حقوقهن الاجتماعية فى هذا الصدد. وحين قالت له عليه السلام امرأة كان قد عقد عليها لكنه لم يدخل بها بعد: "أعوذ بالله منك" ظنا منها، حسبما أفهمها بعض زوجاته الأخريات، أنها ستزداد غلاوة عنده كف يده عنها فى الحال وسرَّحها معززة مكرمة مطيَّبة الخاطر إلى أهلها، ولم يفكر فى المضى فى إتمام الزواج. ولدينا أيضا بريرة، وكانت هى وزوجها من الرقيق، لكن أسيادها أعتقوها، وبقى هو يرسف فى العبودية، وأراد أن يستمر الزواج بينهما، لكنها رفضت ذلك، ولم تقبل بكاءه الحاد وتعلقه الشديد بها ولا تشفُّع النبى له، فكان لها ما أرادت. وفى الإسلام هناك الخلع، وهو حق المرأة فى طلب الطلاق حين تجد نفسها نافرة من الاستمرار فى عش الزوجية. وكل ما عليها فى هذه الحالة أن ترد المهر لمن صارت تبغض العيش معه. وإذن فكلام العفيف الأخضر هو سخف ما بعده سخف، وتنطع عديم الذوق والعقل.

وعلى أية حال ها هى ذى بعض الشعائر اليهودية المعنتة على الفاضى، وهى بعض ما ينبغى عمله لدن تقديم بعض القرابين: بعض القرابين لا كلها. فهل يستطيع العفيف أو غيره أن يفتح فمه بكلمة انتقاد لها؟: "1وَدَعَا الرَّبُّ مُوسَى وَكَلَّمَهُ مِنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلًا: 2«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا قَرَّبَ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ تُقَرِّبُونَ قَرَابِينَكُمْ. 3إِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مُحْرَقَةً مِنَ الْبَقَرِ، فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبْهُ. إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يُقَدِّمُهُ لِلرِّضَا عَنْهُ أَمَامَ الرَّبِّ. 4وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الْمُحْرَقَةِ، فَيُرْضَى عَلَيْهِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْهُ. 5وَيَذْبَحُ الْعِجْلَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيُقَرِّبُ بَنوُ هَارُونَ الْكَهَنَةُ الدَّمَ، وَيَرُشُّونَهُ مُسْتَدِيرًا عَلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 6وَيَسْلَُخُ الْمُحْرَقَةَ وَيُقَطِّعُهَا إِلَى قِطَعِهَا. 7وَيَجْعَلُ بَنُو هَارُونَ الْكَاهِنِ نَارًا عَلَى الْمَذْبَحِ، وَيُرَتِّبُونَ حَطَبًا عَلَى النَّارِ. 8وَيُرَتِّبُ بَنُو هَارُونَ الْكَهَنَةُ الْقِطَعَ مَعَ الرَّأْسِ وَالشَّحْمِ فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ الَّتِي عَلَى الْمَذْبَحِ. 9وَأَمَّا أَحْشَاؤُهُ وَأَكَارِعُهُ فَيَغْسِلُهَا بِمَاءٍ، وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ الْجَمِيعَ عَلَى الْمَذْبَحِ مُحْرَقَةً، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ.

10«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مِنَ الْغَنَمِ الضَّأْنِ أَوِ الْمَعْزِ مُحْرَقَةً، فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبُهُ. 11وَيَذْبَحُهُ عَلَى جَانِبِ الْمَذْبَحِ إِلَى الشِّمَالِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ الْكَهَنَةُ دَمَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. 12وَيُقَطِّعُهُ إِلَى قِطَعِهِ، مَعَ رَأْسِهِ وَشَحْمِهِ. وَيُرَتِّبُهُنَّ الْكَاهِنُ فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ الَّتِي عَلَى الْمَذْبَحِ. 13وَأَمَّا الأَحْشَاءُ وَالأَكَارِعُ فَيَغْسِلُهَا بِمَاءٍ، وَيُقَرِّبُ الْكَاهِنُ الْجَمِيعَ، وَيُوقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ. إِنَّهُ مُحْرَقَةٌ، وَقُودُ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ.

14«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ لِلرَّبِّ مِنَ الطَّيْرِ مُحْرَقَةً، يُقَرِّبُ قُرْبَانَهُ مِنَ الْيَمَامِ أَوْ مِنْ أَفْرَاخِ الْحَمَامِ. 15يُقَدِّمُهُ الْكَاهِنُ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَيَحُزُّ رَأْسَهُ، وَيُوقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَيُعْصَرُ دَمُهُ عَلَى حَائِطِ الْمَذْبَحِ. 16وَيَنْزِعُ حَوْصَلَتَهُ بِفَرْثِهَا وَيَطْرَحُهَا إِلَى جَانِبِ الْمَذْبَحِ شَرْقًا إِلَى مَكَانِ الرَّمَادِ. 17وَيَشُقُّهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ. لاَ يَفْصِلُهُ. وَيُوقِدُهُ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ. إِنَّهُ مُحْرَقَةٌ، وَقُودُ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ.

«وَإِذَا قَرَّبَ أَحَدٌ قُرْبَانَ تَقْدِمَةٍ لِلرَّبِّ، يَكُونُ قُرْبَانُهُ مِنْ دَقِيق. وَيَسْكُبُ عَلَيْهَا زَيْتًا، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا لُبَانًا. 2وَيَأْتِي بِهَا إِلَى بَنِي هَارُونَ الْكَهَنَةِ، وَيَقْبِضُ مِنْهَا مِلْءَ قَبْضَتِهِ مِنْ دَقِيقِهَا وَزَيْتِهَا مَعَ كُلِّ لُبَانِهَا، وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ تَذْكَارَهَا عَلَى الْمَذْبَحِ، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ. 3وَالْبَاقِي مِنَ التَّقْدِمَةِ هُوَ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ، قُدْسُ أَقْدَاسٍ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ.

4«وَإِذَا قَرَّبْتَ قُرْبَانَ تَقْدِمَةٍ مَخْبُوزَةٍ فِي تَنُّورٍ، تَكُونُ أَقْرَاصًا مِنْ دَقِيق، فَطِيرًا مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، وَرِقَاقًا فَطِيرًا مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ. 5وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُكَ تَقْدِمَةً عَلَى الصَّاجِ، تَكُونُ مِنْ دَقِيق مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، فَطِيرًا. 6تَفُتُّهَا فُتَاتًا وَتَسْكُبُ عَلَيْهَا زَيْتًا. إِنَّهَا تَقْدِمَةٌ.

7«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُكَ تَقْدِمَةً مِنْ طَاجِنٍ، فَمِنْ دَقِيق بِزَيْتٍ تَعْمَلُهُ. 8فَتَأْتِي بِالتَّقْدِمَةِ الَّتِي تُصْطَنَعُ مِنْ هذِهِ إِلَى الرَّبِّ وَتُقَدِّمُهَا إِلَى الْكَاهِنِ، فَيَدْنُو بِهَا إِلَى الْمَذْبَحِ. 9وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنَ التَّقْدِمَةِ تَذْكَارَهَا وَيُوقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ. 10وَالْبَاقِي مِنَ التَّقْدِمَةِ هُوَ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ، قُدْسُ أَقْدَاسٍ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ.

11«كُلُّ التَّقْدِمَاتِ الَّتِي تُقَرِّبُونَهَا لِلرَّبِّ لاَ تُصْطَنَعُ خَمِيرًا، لأَنَّ كُلَّ خَمِيرٍ، وَكُلَّ عَسَل لاَ تُوقِدُوا مِنْهُمَا وَقُودًا لِلرَّبِّ. 12قُرْبَانَ أَوَائِلَ تُقَرِّبُونَهُمَا لِلرَّبِّ. لكِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ لاَ يَصْعَدَانِ لِرَائِحَةِ سَرُورٍ. 13وَكُلُّ قُرْبَانٍ مِنْ تَقَادِمِكَ بِالْمِلْحِ تُمَلِّحُهُ، وَلاَ تُخْلِ تَقْدِمَتَكَ مِنْ مِلْحِ عَهْدِ إِلهِكَ. عَلَى جَمِيعِ قَرَابِينِكَ تُقَرِّبُ مِلْحًا.

14«وَإِنْ قَرَّبْتَ تَقْدِمَةَ بَاكُورَاتٍ لِلرَّبِّ، فَفَرِيكًا مَشْوِيًّا بِالنَّارِ. جَرِيشًا سَوِيقًا تُقَرِّبُ تَقْدِمَةَ بَاكُورَاتِكَ. 15وَتَجْعَلُ عَلَيْهَا زَيْتًا وَتَضَعُ عَلَيْهَا لُبَانًا. إِنَّهَا تَقْدِمَةٌ. 16فَيُوقِدُ الْكَاهِنُ تَذْكَارَهَا مِنْ جَرِيشِهَا وَزَيْتِهَا مَعَ جَمِيعِ لُبَانِهَا وَقُودًا لِلرَّبِّ.

1«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ ذَبِيحَةَ سَلاَمَةٍ، فَإِنْ قَرَّبَ مِنَ الْبَقَرِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَصَحِيحًا يُقَرِّبُهُ أَمَامَ الرَّبِّ. 2يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ قُرْبَانِهِ وَيَذْبَحُهُ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ الْكَهَنَةُ الدَّمَ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. 3وَيُقَرِّبُ مِنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ وَقُودًا لِلرَّبِّ: الشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، 4وَالْكُلْيَتَيْنِ، وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا. 5وَيُوقِدُهَا بَنُو هَارُونَ عَلَى الْمَذْبَحِ عَلَى الْمُحْرَقَةِ الَّتِي فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ.

6«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مِنَ الْغَنَمِ ذَبِيحَةَ سَلاَمَةٍ لِلرَّبِّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَصَحِيحًا يُقَرِّبُهُ. 7إِنْ قَرَّبَ قُرْبَانَهُ مِنَ الضَّأْنِ يُقَدِّمُهُ أَمَامَ الرَّبِّ. 8يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ قُرْبَانِهِ وَيَذْبَحُهُ قُدَّامَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ دَمَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. 9وَيُقَرِّبُ مِنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ شَحْمَهَا وَقُودًا لِلرَّبِّ: الأَلْيَةَ صَحِيحَةً مِنْ عِنْدِ الْعُصْعُصِ يَنْزِعُهَا، وَالشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، 10وَالْكُلْيَتَيْنِ، وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا. 11وَيُوقِدُهَا الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ طَعَامَ وَقُودٍ لِلرَّبِّ.

12«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مِنَ الْمَعْزِ يُقَدِّمُهُ أَمَامَ الرَّبِّ. 13يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَذْبَحُهُ قُدَّامَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ دَمَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. 14وَيُقَرِّبُ مِنْهُ قُرْبَانَهُ وَقُودًا لِلرَّبِّ: الشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، 15وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا. 16وَيُوقِدُهُنَّ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ طَعَامَ وَقُودٍ لِرَائِحَةِ سَرُورٍ. كُلُّ الشَّحْمِ لِلرَّبِّ. 17فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ: لاَ تَأْكُلُوا شَيْئًا مِنَ الشَّحْمِ وَلاَ مِنَ الدَّمِ».

1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 2«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: إِذَا أَخْطَأَتْ نَفْسٌ سَهْوًا فِي شَيْءٍ مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَعَمِلَتْ وَاحِدَةً مِنْهَا: 3إِنْ كَانَ الْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ يُخْطِئُ لإِثْمِ الشَّعْبِ، يُقَرِّبُ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ ثَوْرًا ابْنَ بَقَرٍ صَحِيحًا لِلرَّبِّ، ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. 4يُقَدِّمُ الثَّوْرَ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الثَّوْرِ، وَيَذْبَحُ الثَّوْرَ أَمَامَ الرَّبِّ. 5وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَيَدْخُلُ بِهِ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، 6وَيَغْمِسُ الْكَاهِنُ إِصْبَعَهُ فِي الدَّمِ وَيَنْضِحُ مِنَ الدَّمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى حِجَابِ الْقُدْسِ. 7وَيَجْعَلُ الْكَاهِنُ مِنَ الدَّمِ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ الْعَطِرِ الَّذِي فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَسَائِرُ دَمِ الثَّوْرِ يَصُبُّهُ إِلَى أَسْفَلِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 8وَجَمِيعُ شَحْمِ ثَوْرِ الْخَطِيَّةِ يَنْزِعُهُ عَنْهُ. الشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، 9وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا، 10كَمَا تُنْزَعُ مِنْ ثَوْرِ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. وَيُوقِدُهُنَّ الْكَاهِنُ عَلَى مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ. 11وَأَمَّا جِلْدُ الثَّوْرِ وَكُلُّ لَحْمِهِ مَعَ رَأْسِهِ وَأَكَارِعِهِ وَأَحْشَائِهِ وَفَرْثِهِ 12فَيُخْرِجُ سَائِرَ الثَّوْرِ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ إِلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ، إِلَى مَرْمَى الرَّمَادِ، وَيُحْرِقُهَا عَلَى حَطَبٍ بِالنَّارِ. عَلَى مَرْمَى الرَّمَادِ تُحْرَقُ.

13«وَإِنْ سَهَا كُلُّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ، وَأُخْفِيَ أَمْرٌ عَنْ أَعْيُنِ الْمَجْمَعِ، وَعَمِلُوا وَاحِدَةً مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَأَثِمُوا، 14ثُمَّ عُرِفَتِ الْخَطِيَّةُ الَّتِي أَخْطَأُوا بِهَا، يُقَرِّبُ الْمَجْمَعُ ثَوْرًا ابْنَ بَقَرٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. يَأْتُونَ بِهِ إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، 15وَيَضَعُ شُيُوخُ الْجَمَاعَةِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الثَّوْرِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَذْبَحُ الثَّوْرَ أَمَامَ الرَّبِّ. 16وَيُدْخِلُ الْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، 17وَيَغْمِسُ الْكَاهِنُ إِصْبَعَهُ فِي الدَّمِ، وَيَنْضِحُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى الْحِجَابِ. 18وَيَجْعَلُ مِنَ الدَّمِ عَلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ الَّذِي أَمَامَ الرَّبِّ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَسَائِرَ الدَّمِ يَصُبُّهُ إِلَى أَسْفَلِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 19وَجَمِيعَ شَحْمِهِ يَنْزِعُهُ عَنْهُ وَيُوقِدُهُ عَلَى الْمَذْبَحِ. 20وَيَفْعَلُ بِالثَّوْرِ كَمَا فَعَلَ بِثَوْرِ الْخَطِيَّةِ. كَذلِكَ يَفْعَلُ بِهِ. وَيُكَفِّرُ عَنْهُمُ الْكَاهِنُ، فَيُصْفَحُ عَنْهُمْ. 21ثُمَّ يُخْرِجُ الثَّوْرَ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ وَيُحْرِقُهُ كَمَا أَحْرَقَ الثَّوْرَ الأَوَّلَ. إِنَّهُ ذَبِيحَةُ خَطِيَّةِ الْمَجْمَعِ.

22«إِذَا أَخْطَأَ رَئِيسٌ وَعَمِلَ بِسَهْوٍ وَاحِدَةً مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ إِلهِهِ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَأَثِمَ، 23ثُمَّ أُعْلِمَ بِخَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا، يَأْتِي بِقُرْبَانِهِ تَيْسًا مِنَ الْمَعْزِ ذَكَرًا صَحِيحًا. 24وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ وَيَذْبَحُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَذْبَحُ فِيهِ الْمُحْرَقَةَ أَمَامَ الرَّبِّ. إِنَّهُ ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. 25وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ دَمِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ بِإِصْبَعِهِ وَيَجْعَلُ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ، ثُمَّ يَصُبُّ دَمَهُ إِلَى أَسْفَلِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ. 26وَجَمِيعَ شَحْمِهِ يُوقِدُهُ عَلَى الْمَذْبَحِ كَشَحْمِ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ، وَيُكَفِّرُ الْكَاهِنُ عَنْهُ مِنْ خَطِيَّتِهِ فَيُصْفَحُ عَنْهُ.

27«وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ مِنْ عَامَّةِ الأَرْضِ سَهْوًا، بِعَمَلِهِ وَاحِدَةً مِنْ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَأَثِمَ، 28ثُمَّ أُعْلِمَ بِخَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا، يَأْتِي بِقُرْبَانِهِ عَنْزًا مِنَ الْمَعْزِ أُنْثَى صَحِيحَةً عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ. 29وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ، وَيَذْبَحُ ذَبِيحَةَ الْخَطِيَّةِ فِي مَوْضِعِ الْمُحْرَقَةِ. 30وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ دَمِهَا بِإِصْبَعِهِ وَيَجْعَلُ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ، وَيَصُبُّ سَائِرَ دَمِهَا إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. 31وَجَمِيعَ شَحْمِهَا يَنْزِعُهُ كَمَا نُزِعَ الشَّحْمُ عَنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ، وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ رَائِحَةَ سَرُورٍ لِلرَّبِّ وَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ فَيُصْفَحُ عَنْهُ.

32«وَإِنْ أَتَى بِقُرْبَانِهِ مِنَ الضَّأْنِ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، يَأْتِي بِهَا أُنْثَى صَحِيحَةً. 33وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ، وَيَذْبَحُهَا ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَذْبَحُ فِيهِ الْمُحْرَقَةَ. 34وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ دَمِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ بِإِصْبَعِهِ وَيَجْعَلُ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ، وَيَصُبُّ سَائِرَ الدَّمِ إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. 35وَجَمِيعَ شَحْمِهِ يَنْزِعُهُ كَمَا يُنْزَعُ شَحْمُ الضَّأْنِ عَنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ، وَيُوقِدُهُ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ عَلَى وَقَائِدِ الرَّبِّ. وَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ فَيُصْفَحُ عَنْهُ.

«وَإِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ وَسَمِعَ صَوْتَ حَلْفٍ وَهُوَ شَاهِدٌ يُبْصِرُ أَوْ يَعْرِفُ، فَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ حَمَلَ ذَنْبَهُ. 2أَوْ إِذَا مَسَّ أَحَدٌ شَيْئًا نَجِسًا: جُثَّةَ وَحْشٍ نَجِسٍ، أَوْ جُثَّةَ بَهِيمَةٍ نَجِسَةٍ، أَوْ جُثَّةَ دَبِيبٍ نَجِسٍ، وَأُخْفِيَ عَنْهُ، فَهُوَ نَجِسٌ وَمُذْنِبٌ. 3أَوْ إِذَا مَسَّ نَجَاسَةَ إِنْسَانٍ مِنْ جَمِيعِ نَجَاسَاتِهِ الَّتِي يَتَنَجَّسُ بِهَا، وَأُخْفِيَ عَنْهُ ثُمَّ عُلِمَ، فَهُوَ مُذْنِبٌ. 4أَوْ إِذَا حَلَفَ أَحَدٌ مُفْتَرِطًا بِشَفَتَيْهِ لِلإِسَاءَةِ أَوْ لِلإِحْسَانِ مِنْ جَمِيعِ مَا يَفْتَرِطُ بِهِ الإِنْسَانُ فِي الْيَمِينِ، وَأُخْفِيَ عَنْهُ، ثُمَّ عُلِمَ، فَهُوَ مُذْنِبٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذلِكَ. 5فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هذِهِ، يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ. 6وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا: أُنْثَى مِنَ الأَغْنَامِ نَعْجَةً أَوْ عَنْزًا مِنَ الْمَعْزِ، ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ. 7وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهُ كِفَايَةً لِشَاةٍ، فَيَأْتِي بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ الَّذِي أَخْطَأَ بِهِ: يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ إِلَى الرَّبِّ، أَحَدُهُمَا ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ وَالآخَرُ مُحْرَقَةٌ. 8يَأْتِي بِهِمَا إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُقَرِّبُ الَّذِي لِلْخَطِيَّةِ أَوَّلًا. يَحُزُّ رَأْسَهُ مِنْ قَفَاهُ وَلاَ يَفْصِلُهُ. 9وَيَنْضِحُ مِنْ دَمِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ عَلَى حَائِطِ الْمَذْبَحِ، وَالْبَاقِي مِنَ الدَّمِ يُعْصَرُ إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. إِنَّهُ ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. 10وَأَمَّا الثَّانِي فَيَعْمَلُهُ مُحْرَقَةً كَالْعَادَةِ، فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ. 11وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهُ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ فَيَأْتِي بِقُرْبَانِهِ عَمَّا أَخْطَأَ بِهِ عُشْرَ الإِيفَةِ مِنْ دَقِيق، قُرْبَانَ خَطِيَّةٍ. لاَ يَضَعُ عَلَيْهِ زَيْتًا، وَلاَ يَجْعَلُ عَلَيْهِ لُبَانًا لأَنَّهُ قُرْبَانُ خَطِيَّةٍ. 12يَأْتِي بِهِ إِلَى الْكَاهِنِ فَيَقْبِضُ الْكَاهِنُ مِنْهُ مِلْءَ قَبْضَتِهِ تَذْكَارَهُ، وَيُوقِدُهُ عَلَى الْمَذْبَحِ عَلَى وَقَائِدِ الرَّبِّ. إِنَّهُ قُرْبَانُ خَطِيَّةٍ. 13فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا فِي وَاحِدَةٍ مِنْ ذلِكَ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ. وَيَكُونُ لِلْكَاهِنِ كَالتَّقْدِمَةِ».

14وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 15«إِذَا خَانَ أَحَدٌ خِيَانَةً وَأَخْطَأَ سَهْوًا فِي أَقْدَاسِ الرَّبِّ، يَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ: كَبْشًا صَحِيحًا مِنَ الْغَنَمِ بِتَقْوِيمِكَ مِنْ شَوَاقِلِ فِضَّةٍ عَلَى شَاقِلِ الْقُدْسِ، ذَبِيحَةَ إِثْمٍ. 16وَيُعَوِّضُ عَمَّا أَخْطَأَ بِهِ مِنَ الْقُدْسِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ خُمْسَهُ، وَيَدْفَعُهُ إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُكَفِّرُ الْكَاهِنُ عَنْهُ بِكَبْشِ الإِثْمِ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ.

17«وَإِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ وَعَمِلَ وَاحِدَةً مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ، كَانَ مُذْنِبًا وَحَمَلَ ذَنْبَهُ. 18فَيَأْتِي بِكَبْشٍ صَحِيحٍ مِنَ الْغَنَمِ بِتَقْوِيمِكَ، ذَبِيحَةَ إِثْمٍ، إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ سَهْوِهِ الَّذِي سَهَا وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ. 19إِنَّهُ ذَبِيحَةُ إِثْمٍ. قَدْ أَثِمَ إِثْمًا إِلَى الرَّبِّ».

1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 2«إِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ وَخَانَ خِيَانَةً بِالرَّبِّ، وَجَحَدَ صَاحِبَهُ وَدِيعَةً أَوْ أَمَانَةً أَوْ مَسْلُوبًا، أَوِ اغْتَصَبَ مِنْ صَاحِبِهِ، 3أَوْ وَجَدَ لُقَطَةً وَجَحَدَهَا، وَحَلَفَ كَاذِبًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ الإِنْسَانُ مُخْطِئًا بِهِ، 4فَإِذَا أَخْطَأَ وَأَذْنَبَ، يَرُدُّ الْمَسْلُوبَ الَّذِي سَلَبَهُ، أَوِ الْمُغْتَصَبَ الَّذِي اغْتَصَبَهُ، أَوِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهُ، أَوِ اللُّقَطَةَ الَّتِي وَجَدَهَا، 5أَوْ كُلَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَاذِبًا. يُعَوِّضُهُ بِرَأْسِهِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ خُمْسَهُ. إِلَى الَّذِي هُوَ لَهُ يَدْفَعُهُ يَوْمَ ذَبِيحَةِ إِثْمِهِ. 6وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ: كَبْشًا صَحِيحًا مِنَ الْغَنَمِ بِتَقْوِيمِكَ، ذَبِيحَةَ إِثْمٍ إِلَى الْكَاهِنِ. 7فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ فِي الشَّيْءِ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَهُ مُذْنِبًا بِهِ».

8وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 9«أَوْصِ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلًا: هذِهِ شَرِيعَةُ الْمُحْرَقَةِ: هِيَ الْمُحْرَقَةُ تَكُونُ عَلَى الْمَوْقِدَةِ فَوْقَ الْمَذْبَحِ كُلَّ اللَّيْلِ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَنَارُ الْمَذْبَحِ تَتَّقِدُ عَلَيْهِ. 10ثُمَّ يَلْبَسُ الْكَاهِنُ ثَوْبَهُ مِنْ كَتَّانٍ، وَيَلْبَسُ سَرَاوِيلَ مِنْ كَتَّانٍ عَلَى جَسَدِهِ، وَيَرْفَعُ الرَّمَادَ الَّذِي صَيَّرَتِ النَّارُ الْمُحْرَقَةَ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَيَضَعُهُ بِجَانِبِ الْمَذْبَحِ. 11ثُمَّ يَخْلَعُ ثِيَابَهُ وَيَلْبَسُ ثِيَابًا أُخْرَى، وَيُخْرِجُ الرَّمَادَ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ، إِلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ. 12وَالنَّارُ عَلَى الْمَذْبَحِ تَتَّقِدُ عَلَيْهِ. لاَ تَطْفَأُ. وَيُشْعِلُ عَلَيْهَا الْكَاهِنُ حَطَبًا كُلَّ صَبَاحٍ، وَيُرَتِّبُ عَلَيْهَا الْمُحْرَقَةَ، وَيُوقِدُ عَلَيْهَا شَحْمَ ذَبَائِحِ السَّلاَمَةِ. 13نَارٌ دَائِمَةٌ تَتَّقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ. لاَ تَطْفَأُ.

14«وَهذِهِ شَرِيعَةُ التَّقْدِمَةِ: يُقَدِّمُهَا بَنُو هَارُونَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلَى قُدَّامِ الْمَذْبَحِ، 15وَيَأْخُذُ مِنْهَا بِقَبْضَتِهِ بَعْضَ دَقِيقِ التَّقْدِمَةِ وَزَيْتِهَا وَكُلَّ اللُّبَانِ الَّذِي عَلَى التَّقْدِمَةِ، وَيُوقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ رَائِحَةَ سَرُورٍ تَذْكَارَهَا لِلرَّبِّ. 16وَالْبَاقِي مِنْهَا يَأْكُلُهُ هَارُونُ وَبَنُوهُ. فَطِيرًا يُؤْكَلُ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ. فِي دَارِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يَأْكُلُونَهُ. 17لاَ يُخْبَزُ خَمِيرًا. قَدْ جَعَلْتُهُ نَصِيبَهُمْ مِنْ وَقَائِدِي. إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ كَذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ وَذَبِيحَةِ الإِثْمِ. 18كُلُّ ذَكَرٍ مِنْ بَنِي هَارُونَ يَأْكُلُ مِنْهَا. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ. كُلُّ مَنْ مَسَّهَا يَتَقَدَّسُ».

19وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 20«هذَا قُرْبَانُ هَارُونَ وَبَنِيهِ الَّذِي يُقَرِّبُونَهُ لِلرَّبِّ يَوْمَ مَسْحَتِهِ: عُشْرُ الإِيفَةِ مِنْ دَقِيق تَقْدِمَةً دَائِمَةً، نِصْفُهَا صَبَاحًا، وَنِصْفُهَا مَسَاءً. 21عَلَى صَاجٍ تُعْمَلُ بِزَيْتٍ، مَرْبُوكَةً تَأْتِي بِهَا. ثَرَائِدَ تَقْدِمَةٍ، فُتَاتًا تُقَرِّبُهَا رَائِحَةَ سَرُورٍ لِلرَّبِّ.

22وَالْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ عِوَضًا عَنْهُ مِنْ بَنِيهِ يَعْمَلُهَا فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً لِلرَّبِّ. تُوقَدُ بِكَمَالِهَا. 23وَكُلُّ تَقْدِمَةِ كَاهِنٍ تُحْرَقُ بِكَمَالِهَا. لاَ تُؤْكَلُ».

24وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 25«كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلًا: هذِهِ شَرِيعَةُ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي تُذْبَحُ فِيهِ الْمُحْرَقَةُ، تُذْبَحُ ذَبِيحَةُ الْخَطِيَّةِ أَمَامَ الرَّبِّ. إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ. 26الْكَاهِنُ الَّذِي يَعْمَلُهَا لِلْخَطِيَّةِ يَأْكُلُهَا. فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ تُؤْكَلُ فِي دَارِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 27كُلُّ مَنْ مَسَّ لَحْمَهَا يَتَقَدَّسُ. وَإِذَا انْتَثَرَ مِنْ دَمِهَا عَلَى ثَوْبٍ تَغْسِلُ مَا انْتَثَرَ عَلَيْهِ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ. 28وَأَمَّا إِنَاءُ الْخَزَفِ الَّذِي تُطْبَخُ فِيهِ فَيُكْسَرُ. وَإِنْ طُبِخَتْ فِي إِنَاءِ نُحَاسٍ، يُجْلَى وَيُشْطَفُ بِمَاءٍ. 29كُلُّ ذَكَرٍ مِنَ الْكَهَنَةِ يَأْكُلُ مِنْهَا. إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ. 30وَكُلُّ ذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ يُدْخَلُ مِنْ دَمِهَا إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِلتَّكْفِيرِ فِي الْقُدْسِ، لاَ تُؤْكَلُ. تُحْرَقُ بِنَارٍ.

1«وَهذِهِ شَرِيعَةُ ذَبِيحَةِ الإِثْمِ: إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ. 2فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَذْبَحُونَ فِيهِ الْمُحْرَقَةَ، يَذْبَحُونَ ذَبِيحَةَ الإِثْمِ، وَيَرُشُّ دَمَهَا عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا، 3وَيُقَرِّبُ مِنْهَا كُلَّ شَحْمِهَا: الأَلْيَةَ، وَالشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، 4وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا، الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا. 5وَيُوقِدُهُنَّ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ وَقُودًا لِلرَّبِّ. إِنَّهَا ذَبِيحَةُ إِثْمٍ. 6كُلُّ ذَكَرٍ مِنَ الْكَهَنَةِ يَأْكُلُ مِنْهَا. فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ تُؤْكَلُ. إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ. 7ذَبِيحَةُ الإِثْمِ كَذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ، لَهُمَا شَرِيعَةٌ وَاحِدَةٌ. الْكَاهِنُ الَّذِي يُكَفِّرُ بِهَا تَكُونُ لَهُ. 8وَالْكَاهِنُ الَّذِي يُقَرِّبُ مُحْرَقَةَ إِنْسَانٍ فَجِلْدُ الْمُحْرَقَةِ الَّتِي يُقَرِّبُهَا يَكُونُ لَهُ. 9وَكُلُّ تَقْدِمَةٍ خُبِزَتْ فِي التَّنُّورِ، وَكُلُّ مَا عُمِلَ فِي طَاجِنٍ أَوْ عَلَى صَاجٍ يَكُونُ لِلْكَاهِنِ الَّذِي يُقَرِّبُهُ. 10وَكُلُّ تَقْدِمَةٍ مَلْتُوتَةٍ بِزَيْتٍ أَوْ نَاشِفَةٍ تَكُونُ لِجَمِيعِ بَنِي هَارُونَ، كُلِّ إِنْسَانٍ كَأَخِيهِ.

11«وَهذِهِ شَرِيعَةُ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. الَّذِي يُقَرِّبُهَا لِلرَّبِّ: 12إِنْ قَرَّبَهَا لأَجْلِ الشُّكْرِ، يُقَرِّبُ عَلَى ذَبِيحَةِ الشُّكْرِ أَقْرَاصَ فَطِيرٍ مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، وَرِقَاقَ فَطِيرٍ مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ، وَدَقِيقًا مَرْبُوكًا أَقْرَاصًا مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، 13مَعَ أَقْرَاصِ خُبْزٍ خَمِيرٍ يُقَرِّبُ قُرْبَانَهُ عَلَى ذَبِيحَةِ شُكْرِ سَلاَمَتِهِ. 14وَيُقَرِّبُ مِنْهُ وَاحِدًا مِنْ كُلِّ قُرْبَانٍ رَفِيعَةً لِلرَّبِّ، يَكُونُ لِلْكَاهِنِ الَّذِي يَرُشُّ دَمَ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. 15وَلَحْمُ ذَبِيحَةِ شُكْرِ سَلاَمَتِهِ يُؤْكَلُ يَوْمَ قُرْبَانِهِ. لاَ يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا إِلَى الصَّبَاحِ. 16وَإِنْ كَانَتْ ذَبِيحَةُ قُرْبَانِهِ نَذْرًا أَوْ نَافِلَةً، فَفِي يَوْمِ تَقْرِيبِهِ ذَبِيحَتَهُ تُؤْكَلُ. وَفِي الْغَدِ يُؤْكَلُ مَا فَضَلَ مِنْهَا. 17وَأَمَّا الْفَاضِلُ مِنْ لَحْمِ الذَّبِيحَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيُحْرَقُ بِالنَّارِ. 18وَإِنْ أُكِلَ مِنْ لَحْمِ ذَبِيحَةِ سَلاَمَتِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لاَ تُقْبَلُ. الَّذِي يُقَرِّبُهَا لاَ تُحْسَبُ لَهُ، تَكُونُ نَجَاسَةً، وَالنَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا تَحْمِلُ ذَنْبَهَا. 19وَاللَّحْمُ الَّذِي مَسَّ شَيْئًا مَا نَجِسًا لاَ يُؤْكَلُ. يُحْرَقُ بِالنَّارِ. وَاللَّحْمُ يَأْكُلُ كُلُّ طَاهِرٍ مِنْهُ. 20وَأَمَّا النَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ لَحْمًا مِنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ الَّتِي لِلرَّبِّ وَنَجَاسَتُهَا عَلَيْهَا فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. 21وَالنَّفْسُ الَّتِي تَمَسُّ شَيْئًا مَا نَجِسًا نَجَاسَةَ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةً نَجِسَةً أَوْ مَكْرُوهًا مَا نَجِسًا، ثُمَّ تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ الَّتِي لِلرَّبِّ، تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا».

22وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 23«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: كُلَّ شَحْمِ ثَوْرٍ أَوْ كَبْشٍ أَوْ مَاعِزٍ لاَ تَأْكُلُوا. 24وَأَمَّا شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَشَحْمُ الْمُفْتَرَسَةِ فَيُسْتَعْمَلُ لِكُلِّ عَمَل، لكِنْ أَكْلًا لاَ تَأْكُلُوهُ. 25إِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ شَحْمًا مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي يُقَرِّبُ مِنْهَا وَقُودًا لِلرَّبِّ تُقْطَعُ مِنْ شَعْبِهَا، النَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ. 26وَكُلَّ دَمٍ لاَ تَأْكُلُوا فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ مِنَ الطَّيْرِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. 27كُلُّ نَفْسٍ تَأْكُلُ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا».

28وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 29«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: الَّذِي يُقَرِّبُ ذَبِيحَةَ سَلاَمَتِهِ لِلرَّبِّ، يَأْتِي بِقُرْبَانِهِ إِلَى الرَّبِّ مِنْ ذَبِيحَةِ سَلاَمَتِهِ. 30يَدَاهُ تَأْتِيَانِ بِوَقَائِدِ الرَّبِّ. الشَّحْمُ يَأْتِي بِهِ مَعَ الصَّدْرِ. أَمَّا الصَّدْرُ فَلِكَيْ يُرَدِّدَهُ تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ. 31فَيُوقِدُ الْكَاهِنُ الشَّحْمَ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَيَكُونُ الصَّدْرُ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ. 32وَالسَّاقُ الْيُمْنَى تُعْطُونَهَا رَفِيعَةً لِلْكَاهِنِ مِنْ ذَبَائِحِ سَلاَمَتِكُمْ. 33اَلَّذِي يُقَرِّبُ دَمَ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ وَالشَّحْمَ مِنْ بَنِي هَارُونَ، تَكُونُ لَهُ السَّاقُ الْيُمْنَى نَصِيبًا، 34لأَنَّ صَدْرَ التَّرْدِيدِ وَسَاقَ الرَّفِيعَةِ قَدْ أَخَذْتُهُمَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ ذَبَائِحِ سَلاَمَتِهِمْ وَأَعْطَيْتُهُمَا لِهَارُونَ الْكَاهِنِ وَلِبَنِيهِ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ». 35تِلْكَ مَسْحَةُ هَارُونَ وَمَسْحَةُ بَنِيهِ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ يَوْمَ تَقْدِيمِهِمْ لِيَكْهَنُوا لِلرَّبِّ، 36الَّتِي أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ تُعْطَى لَهُمْ يَوْمَ مَسْحِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِهِمْ. 37تِلْكَ شَرِيعَةُ الْمُحْرَقَةِ، وَالتَّقْدِمَةِ، وَذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ، وَذَبِيحَةِ الإِثْمِ، وَذَبِيحَةِ الْمِلْءِ، وَذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ، 38الَّتِي أَمَرَ الرَّبُّ بِهَا مُوسَى فِي جَبَلِ سِينَاءَ، يَوْمَ أَمْرِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِتَقْرِيبِ قَرَابِينِهِمْ لِلرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ سِينَاءَ".

وقد جاء الإسلام ليخلص اليهود من كل هذا العنت. قال تعالى عن رسوله وما أتى ليقدمه من خير لبنى إسرائيل: "ويَضَعُ عنهم إِصْرَهم والأغلالَ التى كانت عليهم". ولو عرف القارئ ما يجب على المرأة الحائض والنُّفَساء عمله، وما يحب على الأسرة التى تكون فيها الحائض والنفساء مراعاته، لأصابه دوار أزلى. كل هذا وأنت لست منهم بل مجرد قارئ تقرأ عما يجب عليهم عمله أو الامتناع عن عمله فى تلك الظروف. فما بالك لو كنت منهم؟ ومع هذا لا يجرؤ أى كلب من تلك الكلاب النابحة المستأجَرة أن يصدر ولو أنينا خافتا على سبيل الإيماء إلى شىء من هذا العذاب الذى ما بعده عذاب!

وهذه بضعة نصوص خاصة بنجاسات الرجل والمرأة: "1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 2«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: إِذَا حَبِلَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدَتْ ذَكَرًا، تَكُونُ نَجِسَةً سَبْعَةَ أَيَّامٍ. كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِ عِلَّتِهَا تَكُونُ نَجِسَةً. 3وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ يُخْتَنُ لَحْمُ غُرْلَتِهِ. 4ثُمَّ تُقِيمُ ثَلاَثَةً وَثَلاَثِينَ يَوْمًا فِي دَمِ تَطْهِيرِهَا. كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّسٍ لاَ تَمَسَّ، وَإِلَى الْمَقْدِسِ لاَ تَجِئْ حَتَّى تَكْمُلَ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا. 5وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، تَكُونُ نَجِسَةً أُسْبُوعَيْنِ كَمَا فِي طَمْثِهَا. ثُمَّ تُقِيمُ سِتَّةً وَسِتِّينَ يَوْمًا فِي دَمِ تَطْهِيرِهَا. 6وَمَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا لأَجْلِ ابْنٍ أَوِ ابْنَةٍ، تَأْتِي بِخَرُوفٍ حَوْلِيٍّ مُحْرَقَةً، وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، إِلَى الْكَاهِنِ، 7فَيُقَدِّمُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ وَيُكَفِّرُ عَنْهَا، فَتَطْهُرُ مِنْ يَنْبُوعِ دَمِهَا. هذِهِ شَرِيعَةُ الَّتِي تَلِدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. 8وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهَا كِفَايَةً لِشَاةٍ تَأْخُذُ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، الْوَاحِدَ مُحْرَقَةً، وَالآخَرَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، فَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ فَتَطْهُرُ»...

1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلًا: 2«كَلِّمَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُولاَ لَهُمْ: كُلُّ رَجُل يَكُونُ لَهُ سَيْلٌ مِنْ لَحْمِهِ، فَسَيْلُهُ نَجِسٌ. 3وَهذِهِ تَكُونُ نَجَاسَتُهُ بِسَيْلِهِ: إِنْ كَانَ لَحْمُهُ يَبْصُقُ سَيْلَهُ، أَوْ يَحْتَبِسُ لَحْمُهُ عَنْ سَيْلِهِ، فَذلِكَ نَجَاسَتُهُ. 4كُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ السَّيْلُ يَكُونُ نَجِسًا، وَكُلُّ مَتَاعٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. 5وَمَنْ مَسَّ فِرَاشَهُ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 6وَمَنْ جَلَسَ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ ذُو السَّيْلِ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 7وَمَنْ مَسَّ لَحْمَ ذِي السَّيْلِ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 8وَإِنْ بَصَقَ ذُو السَّيْلِ عَلَى طَاهِرٍ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 9وَكُلُّ مَا يَرْكَبُ عَلَيْهِ ذُو السَّيْلِ يَكُونُ نَجِسًا. 10وَكُلُّ مَنْ مَسَّ كُلَّ مَا كَانَ تَحْتَهُ يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ، وَمَنْ حَمَلَهُنَّ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 11وَكُلُّ مَنْ مَسَّهُ ذُو السَّيْلِ وَلَمْ يَغْسِلْ يَدَيْهِ بِمَاءٍ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 12وَإِنَاءُ الْخَزَفِ الَّذِي يَمَسُّهُ ذُو السَّيْلِ يُكْسَرُ. وَكُلُّ إِنَاءِ خَشَبٍ يُغْسَلُ بِمَاءٍ. 13وَإِذَا طَهُرَ ذُو السَّيْلِ مِنْ سَيْلِهِ، يُحْسَبُ لَهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ لِطُهْرِهِ، وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ حَيٍّ فَيَطْهُرُ. 14وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، وَيَأْتِي إِلَى أَمَامِ الرَّبِّ، إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيُعْطِيهِمَا لِلْكَاهِنِ، 15فَيَعْمَلُهُمَا الْكَاهِنُ: الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، وَالآخَرَ مُحْرَقَةً. وَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ سَيْلِهِ.

16«وَإِذَا حَدَثَ مِنْ رَجُل اضْطِجَاعُ زَرْعٍ، يَرْحَضُ كُلَّ جَسَدِهِ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 17وَكُلُّ ثَوْبٍ وَكُلُّ جِلْدٍ يَكُونُ عَلَيْهِ اضْطِجَاعُ زَرْعٍ يُغْسَلُ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 18وَالْمَرْأَةُ الَّتِي يَضْطَجِعُ مَعَهَا رَجُلٌ اضْطِجَاعَ زَرْعٍ، يَسْتَحِمَّانِ بِمَاءٍ، وَيَكُونَانِ نَجِسَيْنِ إِلَى الْمَسَاءِ.

19«وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ لَهَا سَيْلٌ، وَكَانَ سَيْلُهَا دَمًا فِي لَحْمِهَا، فَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تَكُونُ فِي طَمْثِهَا. وَكُلُّ مَنْ مَسَّهَا يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 20وَكُلُّ مَا تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ فِي طَمْثِهَا يَكُونُ نَجِسًا، وَكُلُّ مَا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. 21وَكُلُّ مَنْ مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 22وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 23وَإِنْ كَانَ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي هِيَ جَالِسَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يَمَسُّهُ، يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 24وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا.

25«وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ يَسِيلُ سَيْلُ دَمِهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً فِي غَيْرِ وَقْتِ طَمْثِهَا، أَوْ إِذَا سَالَ بَعْدَ طَمْثِهَا، فَتَكُونُ كُلَّ أَيَّامِ سَيَلاَنِ نَجَاسَتِهَا كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِهَا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ. 26كُلُّ فِرَاشٍ تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ كُلَّ أَيَّامِ سَيْلِهَا يَكُونُ لَهَا كَفِرَاشِ طَمْثِهَا. وَكُلُّ الأَمْتِعَةِ الَّتِي تَجْلِسُ عَلَيْهَا تَكُونُ نَجِسَةً كَنَجَاسَةِ طَمْثِهَا. 27وَكُلُّ مَنْ مَسَّهُنَّ يَكُونُ نَجِسًا، فَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 28وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ سَيْلِهَا تَحْسُبُ، لِنَفْسِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَطْهُرُ. 29وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ تَأْخُذُ لِنَفْسِهَا يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، وَتَأْتِي بِهِمَا إِلَى الْكَاهِنِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 30فَيَعْمَلُ الْكَاهِنُ: الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، وَالآخَرَ مُحْرَقَةً. وَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ سَيْلِ نَجَاسَتِهَا. 31فَتَعْزِلاَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ نَجَاسَتِهِمْ لِئَلاَّ يَمُوتُوا فِي نَجَاسَتِهِمْ بِتَنْجِيسِهِمْ مَسْكَنِيَ الَّذِي فِي وَسَطِهِمْ.

32«هذِهِ شَرِيعَةُ ذِي السَّيْلِ، وَالَّذِي يَحْدُثُ مِنْهُ اضْطِجَاعُ زَرْعٍ فَيَتَنَجَّسُ بِهَا، 33وَالْعَلِيلَةِ فِي طَمْثِهَا، وَالسَّائِلِ سَيْلُهُ: الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالرَّجُلِ الَّذِي يَضْطَجِعُ مَعَ نَجِسَةٍ»".

أما فى النصرانية فيكفى أن نقف فقط أمام سر الميرون أو سر التثبيت، وهو سر من الأسرار السبعة في الكنيسة المسيحية. والميرون كلمة يونانية معناها الدهن أو الطيب أو الرائحة العطرة، وهو بديل لوضع اليد لحلول الروح القدس علي المعمَّدين (أع 19: 8- 14). وهذه الكلمة تطلقها الكنائس الرسولية الشرقية والغربية منذ القرن الأول الميلادى على سر المسحه المقدسة. وهو يتم بعد سر التعميد. وطبقا لإيمان الكنيسة، كما ذكر الأنبا بنيامين في كتاب “اللاهوت الطقسي”، فإنه “بالمعمودية يتم طرد الشيطان من الإنسان، لا يكون الإنسان مِلكا للشيطان. الإنسان يُولَد ملك للشيطان، وفي المعمودية يخرج من مملكة الشيطان، وعن طريق الميرون تغلق كل المنافذ التي من الممكن أن يدخل الشيطان مرة أخرى عبرها.

ولذلك يتم بعد التعميد رشم الشخص في جميع "منافذ" جسمه بزيت الميرون. كما أجاب الأنبا بنيامين في كتابه ردا على سؤال “أي أجزاء الجسم التي ترشم؟” قائلا: “هى تشمل كل منافذ الجسم بدءا من النافوخ والمنخرين والفم والأذنين والعينين. والكاهن يرشم هؤلاء في الأول على شكل صليب، ثم يرشم عند القلب والسرة وأمام القلب من الظهر حتى آخر العمود الفقرى، وهو صلب الإنسان والذراعين (الكتف وتحت الإبط) والرجلين والركبة من فوق ومن تحت ومفصل المشط من الناحيتين". ومجموع هذه الرشوم 36 رشمة بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهذا كله غير المواد التى يصنع منها الميرون، وتبلغ 26 صنفا، بالإضافة إلى الطبخات المختلفة التى يخضع لها الميرون والقراءات والألحان والأدعية والصلوات المعقدة المصاحبة لعملية الطبخ والتى يشترك فيها كبار القساوسة وتستغرق وقتا طويلا، ثم رشم الأوانى ذاتها التى يوضع فيها الميرون. فهل يمكن العفيف الأخضر أو غيره أن يتناول مثلا موضوع رشم "منافذ" الجسم كلها بالإشارة فحسب، ولا أقول: بالهجوم والتسفيه والسباب؟ وهذا مجرد مثال بسيط.

وهو يمضى فيصف الإله فى الإسلام بأنه إله سادى لأن هناك نارا إلى جانب الجنة. فهل المسلمون وحدهم هم من يؤمنون بهذا؟ إن عند النصارى مثلا جنة ونارا، وإلههم يعذب ويعاقب كما يثيب ويسعد. وفى موقع إحدى الكنائس نقرأ الآتى: "نحن المسيحيين لا نؤمن بالجنة المفهومة عند المسلمين، بل نؤمن بالحياة الأبدية بجوار الرب، فنحن لاننتظر فردوسا مفقودا بل فردوسا مردودا. ولك ياعزيزي بعض الشواهد: "الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فله حياة أبدية" (يوحنا 6: 47)، "الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يوحنا 5: 24). كل من آمن بالمسيح ربا وفاديا وجعل الروح القدس شراع مركبته فذاك ليس له دينونة بل مكافأة، أما النار نحن أيضا نؤمن أنها موجودة، ولكن ليست لنا بل هي معدة لإبليس وملائكته وكل من لايؤمن بخطة الله الآب تجاهه". إذن ففى النصرانية نار سوف يصلاها من البشر الأشرار ويَبْقَوْن فيها إلى الأبد، وهؤلاء الأشرار هم كل من لم يؤمن بالسيد المسيح على النحو الذى يؤمن به النصارى الآن. أى أننا نحن المسلمين ذاهبون فى داهية، وبئس المصير. ولا شىء من هذا يزعجنا، فكل دين له عقائده ومفاهيمه ورؤيته.

وتقول مادة "فردوس" بـ"دائرة المعارف الكتابية" عما جاء فى العهد الجديد عن هذا الموضوع: "(1) عندما قال اللص التائب للرب يسوع وهو معلق على الصليب: "اذكرني يا رب متى جئتَ في ملكوتك. فقال له يسوع: "الحق أقول لك: اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 42 و43). وواضح من هذا أن الرب استخدم كلمة "فردوس" للدلالة على المكان الذي تذهب إليه أرواح المؤمنين عقب الموت مباشرة، وهو ما يتفق تماما مع المثل الذي ذكره الرب يسوع المسيح عن الغني ولعازر حيث نقرأ أن الملائكة "حملت لعازر إلى حضن إبراهيم، وهو تعبير آخر عن الفردوس، أما الغني فذهب إلى مكان العذاب" (لو 16: 19- 22). (2) ويقول الرسول بولس: "إنه اختُطِف إلى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها" (2كو 12: 4). وقد ذكر قبل ذلك مباشرة أن هذا الاختطاف كان "إلى السماء الثالثة" (2كو 12: 2). (3). ويقول الرب لملاك كنيسة أفسس: "من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله" (رؤ 2: 7) في إشارة واضحة إلى رد الإنسان إلى مكان الراحة والسلام والشركة مع الله التي فقدها آدم وحواء بالسقوط، فطُرِدا من "جنة عدن"، ومعناها "جنة المسرة" (تك 3: 24).

ونجد وصفا لهذا الفردوس المسترَدّ في الإصحاح الأخير من سفر "الرؤيا" حيث نقرأ: "وأراني نهرا صافيا من ماء حياة لامعا كبلور خارجا من عرش الله والخروف. وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة تصنع اثنتى عشرة ثمرة، وتعطي كل شهر ثمرها. وورق الشجرة لشفاء الأمم. ولا تكون لعنة ما فيما بعد. وعرش الله والخروف يكون فيها، وعبيده يخدمونه. وهم سينظرون وجهه، واسمه على جباههم. ولا يكون ليل هناك، ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس لأن الرب الإله ينير عليهم، وهم سيملكون إلى أبد الآبدين" (رؤ 22: 1-5)".

أما عقيدة "الجحيم" حسب العهد الجديد فهى على النحو التالى كما شرحته لنا دائرة المعارف المذكورة ذاتها: "لا ترد هذه الكلمة في الترجمة العربية للكتاب المقدس (فانديك) إلا مرة واحدة في العهد الجديد في قول الرب لبطرس ردا على إعلانه الصريح بانه هو "المسيح ابن الله الحى": "سيبني على هذه الصخرة كنيسته، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها " (مت 16: 15ــ 18)، ولكنها ترجمة للكلمة اليونانية "هادز" (Hades) التي يتكرر ذكرها في العهد الجديد باليونانية إحدي عشر مرة، و تترجم في سائر هذه المواضع بكلمة "الهاوية"، وقد جاءت فى الترجمة الكاثوليكية في جميع مواضعها "الجحيم". وتقابلها فى العـــبرية كلمة "شئول"، التي تذكر خمسا وستين مرة في العهد القديم، وتترجم جميعها في العربية إلي " الهاوية ". و "جحيم" في اللغة العربية هي النار الشديدة الاضطرام والتأجج، فهي نار بعضها فوق بعض، وكل نار عظيمة في مهواة هي جحيم. فـ"الجحيم" هو مكان العذاب للأشرار حيث نقرأ، في مَثَل الغني ولَعَازَر، أن الغني "رفع عينيه في الهاوية (الجحيم) وهو في العذاب... وقال: يا أبى إبراهيم، ارحمنى وأرسل لعازر ليبل طرف أصبعه بماء ويبرد لسانى لأني معذب في هذا اللهيب" (لو 16: 23 و24). و"أبواب الجحيم" (مت 16: 18) تعني كل قوات الشر مجتمعة معا من شيطانية وبشرية. فمهما احتشدت قوات الشر فإنها لن تقوى على تقويض الكنيسة التي اقتناها الرب بدمه (أع 20: 28)، وبناها على شخصه (1 كو 3: 11)، وهو الممسك بها في يده ( يو 10 : 28 و 29 )، وهو الذي يحرسها ويحفظها بقوته (1 بط 1 : 5، يهوذا 24). وكلمة "الجحيم" مرادفة لكلمة "جهنم"، التي سيأتي الكلام عنها في موضعها من هذا الفصل من دائرة المعارف". وهذا ما نقرؤه عن جهنم فى المادة المذكورة: "يظهر اسم "جهنم" في العهد الجديد 13 مرة (مت 5: 22 29 و30، 10: 28، 18: 9، 33: 15 و 33 مرقس 9: 43 و45 و47 لو 12: 5 يع 3: 62 بط 2: 4). وفي كل هذه المواضع تدل الكلمة على مكان العقاب الأبدي للأشرار بالارتباط مع الدينونة النهائية. وترتبط جهنم بالنار كوسيلة العذاب فيها. وفيها يُلْقَى الجسد والنفس معا. ويجب عدم تفسير هذا على أساس أن العهد الجديد يتكلم مجازيا عن الحالة بعد الموت فيما يتلعق بالجسد لأنه باستمرار يفترض القيامة مسبقا".

وفي "قاموس الكتاب المقدس": "تتضمن القيامة، بحسب تعليم الكتاب المقدس، قيامة الأجساد وتغيير هذه الأجساد وبقاءها إلى الأبد... ولقد عَلَّم المسيحُ بوضوح بأن الموتى سيقومون". وجاء في "إنجيل متى" (25/34): "ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالَوْا يا مبارَكي أبي رِثُوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. ثم يقول أيضا للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته... فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي، والأبرار إلى حياة أبدية". وفى إنجيل متى أيضا عن العصاة: "ويطرحونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (13/ 42، 50)، "فإن أعثرتْك يدك أو رجلك فاقطعها وألقها عنك. خير لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع من أن تُلْقَى في النار الأبدية ولك يدان أو رجلان" (13/ 8- 9). وفى مرقس: "وإن أعثرتك رجلك فاقطعها. خير لك أن تدخل الحياة أعرج من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفأ... وإن أعثرتك عينك فاقلعها. خير لك أن تدخل ملكوت الله أعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار" (9/ 45، 47). وهناك أيضا بحيرة الكبريت المتلظية دوما فى "رؤيا يوحنا". إذن فهناك نار وعذاب وخلود فى هذا العذاب عند النصارى. وهذه النار لا تنطفئ أبدا كما نرى. كما لا يتوقف الدود فيها عن نخر أجساد المعذَّبين (مرقس/ 9/ 44، 46). ومع هذا لا يتطاول المسعور إلا على الإسلام فيصف الله فيه بأنه إله سادى مع أنه لا يفعل شيئا لا يفعله الإله الرحيم عند النصارى.

ولا مانع أن نأخذ هذه أيضا فوق البيعة، فهى إن لم تفد لن تضر. وهى حتما ستفيد لأنها تعطينا شيئا من اعتقاد أحباء العفيف الأخضر فى العذاب الأخروى. تقول مادة "Gehenna"، أى جهنم الحمراء، فى "Jewish Encyclopedia" تحت عنوان "Judgment":

"It is assumed in general that sinners go to hell immediately after their death. The famous teacher Johanan b. Zakkai wept before his death because he did not know whether he would go to paradise or to hell (Ber. 28b). The pious go to paradise, and sinners to hell (B. M. 83b). To every individual is apportioned two shares, one in hell and one in paradise. At death, however, the righteous man's portion in hell is exchanged, so that he has two in heaven, while the reverse is true in the case of sinners (Ḥag. 15a). Hence it would have been better for the latter not to have lived at all (Yeb. 63b). They are cast into Gehenna to a depth commensurate with their sinfulness. They say: "Lord of the world, Thou hast done well; Paradise for the pious, Gehenna for the wicked" ('Er. 19a).

There are three categories of men; the wholly pious and the arch-sinners are not purified, but only those between these two classes (Ab. R. N. 41). A similar view is expressed in the Babylonian Talmud, which adds that those who have sinned themselves but have not led others into sin remain for twelve months in Gehenna; "after twelve months their bodies are destroyed, their souls are burned, and the wind strews the ashes under the feet of the pious. But as regards the heretics, etc., and Jeroboam, Nebat's son, hell shall pass away, but they shall not pass away" (R. H. 17a; comp. Shab. 33b). All that descend into Gehenna shall come up again, with the exception of three classes of men: those who have committed adultery, or shamed their neighbors, or vilified them (B. M. 58b). The felicity of the pious in paradise excites the wrath of the sinners who behold it when they come from hell (Lev. R. xxxii.). The Book of Enoch (xxvii. 3, xlviii. 9, lxii. 12) paraphrases this thought by saying that the pious rejoice in the pains of hell suffered by the sinners. Abraham takes the damned to his bosom ('Er. 19a; comp. Luke xvi. 19-31). The fire of Gehenna does not touch the Jewish sinners because they confess their sins before the gates of hell and return to God ('Er. 19a). As mentioned above, heretics and the Roman oppressors go to Gehenna, and the same fate awaits the Persians, the oppressors of the Babylonian Jews (Ber. 8b). When Nebuchadnezzar descended into hell, all its inhabitants were afraid that he was coming to rule over them (Shab. 149a; comp. Isa. xiv. 9-10). The Book of Enoch also says that it is chiefly the heathen who are to be cast into the fiery pool on the Day of Judgment (x. 6, xci. 9, et al.). "The Lord, the Almighty, will punish them on the Day of Judgment by putting fire and worms into their flesh, so that they cry out with pain unto all eternity" (Judith xvi. 17)".

وقد قرأت منذ قريب كتابا لصحفية أمريكية اسمها كارلا باور عن أستاذ جامعى هندى مسلم يعمل فى "مركز أكسفورد للدراسات العربية والإسلامية" هو الدكتور أكرم ندوى. وفى هذا الكلام توجه الصحفية المذكورة للشيخ الهندى ما يعن لها من أسئلة حول الإسلام، فيجيبها. وكان منها السؤال التالى: ما الذى سوف يحدث فى الآخرة لواحدة مثلى لا تؤمن بدين، بل تعتقد فقط فى وجود إله على نحو ما؟ والإجابة الجاهزة هى: طبعا ستدخل النار. وهذا فعلا ما قاله لها الشيخ أكرم، وإن حاول تلطيف الكلام بقدر ما وسعه التلطيف.

هذا ما قاله الشيخ، لكنى أحب أن أفصل الكلام فى تلك القضية بعض التفصيل حتى تتضح الصورة من كل جوانبها. يقول سبحانه وتعالى: "لا يكلف الله نفسها إلا وسعها". وأنا أرى فى الآية بعدين للوسع: فالله سبحانه قد راعى فى تشريعاته الوسع الإنسانى العام، فلا يطلب من عباده شيئا فوق طاقة البشر، فهو لا يطلب منهم الامتناع عن الطعام ولا عن الزواج إلى الأبد، ولا يكلفهم الطيران بأجسادهم فى الفضاء ولا العيش مدفونين فى أطواء الأرض... وهكذا. ثم بعد ذلك هناك الوسع الفردى، وهو يختلف من إنسان لإنسان، إذ ليس من المتوقع مثلا أن يفهم الطلاب جميعا كل ما فى الكتاب المقرر، وبنفس الدرجة من العمق والصحة، مثلما لا نتوقع من الأعشى أن يبصر الألوان إبصارا صحيحا كسليم العينين، أو من المريض العليل الهزيل أن يرفع من الأثقال ما يرفعه بطل الحديد فى هذا المضمار. وعلى نفس الشاكلة لا نتوقع من الناس جميعا، رغم اختلافهم فى الذكاء وسعة الاطلاع وعمق التفكير والمرونة العقلية والنفسية والخلفية الحضارية والدينية والاجتماعية والقومية، أن ينتهوا إلى الإيمان بالإسلام وأن يؤمنوا به الإيمان الصحيح متى ما عُرِض عليهم. هل الأوربى الذى ملأه القساوسة والمبشرون والحاخامات والمستشرقون تعصبا ضد الإسلام ونبيه وعاش طول عمره يسمع عن سيدنا رسول الله الأكاذيب يكون إيمانه بالإسلام بنفس السهولة التى يؤمن بها من أتى من بيئة ثقافية وحضارية وعقلية غير مبغضة لسيدنا رسول الله، ووجد من أبيه أو أخيه أو صديقه أو أستاذه مثلا تفهما وتشجيعا على تتبع الحق والاستمساك به متى تبين له أنه هو الحق؟ هل اليهودية الأمية العجوز التى لا يمكن أن تشك طرفة عين فى صحة دينها حسبما تربت ونشأت سوف تحاسب يوم القيامة على عدم مسارعتها إلى اعتناق الإسلام عند عرضه عليها بنفس الصرامة التى يحاسب بها مسلم باع نفسه للشيطان عمدا مع سبق الإصرار لقاء منصب أو مال أو خوفا من فضيحة مخزية أمسكها عليه شياطين الإنس، وترك دينه وارتد عنه إلى الكفر؟ بطبيعة الحال لا. ثم عندنا كذلك قوله عز من قائل: "ومن يشاقِقِ الرسولَ من بعدما تَبَيَّنَ له الهُدَى ويتَّبِعْ غير سبيل المؤمنين نُوَلِّه ما تَوَلَّى ونُصْلِه جهنمَ، وساءت مصيرا" مما يفهم منه أنه لا بد أن يتبين له الحق لكنه يعاند ويتمرد ويصر على الكفر حتى يصلى جهنم، وإلا فلا. وكذلك لدينا قول رسولنا العبقرى العظيم: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد". معنى ذلك أن المجتهد، أى الباحث الذى لم يَأْلُ جهدا ولم يدخر وسعا وأخلص فى التحقيق والتدقيق والتقصى، ولم يتيبس مخه عنادا وعصيانا بل كان مرنا منفتحا، لن يعدم الأجر إن شاء رب العباد. فماذا يريد الواحد أعظم من هذا؟ إنه إذن لجاحدٌ للنعمة يستحق ضرب القباقيب!

وأنا من الذين يعتقدون أن رحمة الله واسعة لدرجة مذهلة بشرط أن يبذل الإنسان كل ما فى وسعه بحثا عن الحق وعملا للخير، فرحمته وسعت كل شىء كما جاء فى القرآن، ورحمته سبقت غضبه كما يقول الحديث القدسى، والله سبحانه يغفر الذنوب جميعا كما ورد فى سورة "الزُّمَر". وإذا كان القرآن يحكى عن جهنم على لسان المولى سبحانه: "يومَ نقول لجهنم: هل امتلأتِ؟ وتقول: هل من مَزِيد؟" ويقول جل وعلا: "لأملأن جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين" مما يفهم منه أنها تطلب دائما المزيد فإنه سبحانه هو نفسه القائل فى كتابه العزيز أيضا وصفا للجنة: "جنةٍ عَرْضُها السماواتُ والأرضُ" مما يفهم منه أن جهنم رغم طلبها المزيد دائما ليست بالنسبة إلى سعة الجنة شيئا يذكر (في التلمود أن الجنة مأوى الأرواح الزكية لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار، ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء لما فيه من الظلام والعفونة والطين، وأن الجحيم أوسع من النعيم ستين مرَّة. ياساتر، استر!). على أن يكون واضحا أننى لا أتكلم عن شخص بعينه، بل أكتفى برسم الخطوط العامة. إلا أن الذى لا أفهمه هو أن كارلا باور، حسبما تخبرنا فى كتابها، قد وجدت نفسها وعزاء قلبها فى القرآن وألفت صورة الله فيه جليلة عظيمة، بل استولى عليها القرآن استيلاء، لكنها رغم ذلك لم تُسْلِم، أى لم تقم بالقفزة اللازمة من عدم الإيمان إلى الإيمان. إنه موقف غير مفهوم لأنها، فيما يبدو لى، ليس لها عذر فى اتخاذ هذا الموقف، وبخاصة أنها قضت ردحا طويلا من الزمن استفسرت فيه عن كل شىء فى الإسلام. لكن هذا هو مصيرها هى لا مصير أحد آخر، وهى حرة فى اتخاذ القرار الذى يرضيها، وهى الوحيدة التى سوف تتحمل جريرته.

وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فقد كان عندى طالب فى تسعينات القرن الماضى يأتى إلىَّ فى مكتبى بالكلية ويسألنى عن مصير الجاحظ يوم القيامة، وهل سيدخل الجنة أو لا؟ فأعاجله بدورى ضاحكا: ولكن لم الجاحظ بالذات؟ فيقول لى: لأنه معتزلى! فأغرق فى الضحك وأقهقه ملء صدرى وملء جيوبى وأكمامى وشنطتى وأدراج مكتبى، وملء الغرفة وباحات الجامعة كلها، بل ملء الكون أجمع. وهنا يعيد السؤال، فأجيبه وأنا لا أزال أضحك: وهل قالوا لك إننى سوف أقف على باب الجنة أنظم الدخول إليها، فأسمح لهذا بالولوج، وأحرم ذاك وأرده خائب المسعى؟ بل هل أستطيع أنا أن أعرف مصيرى فى ذلك اليوم؟ إننى سأكون أسعد السعداء لو نجوتُ من النار ولو بلجنة رأفة. ثم أكر عليه مهاجما هجوم الدعابة وأنا أنظر إلى أسنانه البنية: طبعا أنت تدخن؟ فيقول: نعم، وأنت تعرف ذلك. فأعقِّب قائلا: لكن عمنا الجاحظ لم يكن يدخن. ثم أسأله كرة أخرى: وهل تصلى دائما؟ فيقول لى فى انكسار: أحيانا وأحيانا. فأعلق بقولى: لكن عمنا الجاحظ، فيما أتصور، كان يصلى كل الصلوات. ثم أضيف السؤال التالى: وهل تقرأ كثيرا كما ينبغى أن يفعل طالب ناضج مثلك طبقا لما يريد الإسلام من أتباعه؟ فيقول وقد أخذ القلق يداخله: لا، بل قراءتى قليلة. فأقول: أعرف هذا الذى تقول، بينما عمنا الجاحظ كان يكترى دكاكين الوراقين ويقضى فيها يومه وليله يقرأ ويقرأ ويقرأ حتى لتقول الرواية إن الكتب سقطت عليه ذات ليلة فمات. ثم أعاجله بسؤال آخر: وهل تكتب مدافعا عن الإسلام كما كان يفعل الجاحظ؟ بل هل تكتب شيئا أصلا تنوّر به العقول وتروّح به عن القلوب؟ فيبسط كفيه إلى الأمام كأنه يقول: أنا، يا مولاى، كما خلقتنى! فيرتفع صوتى بالقهقهة قائلا له: ثم تطاوعك نفسك يا منحوس أن تأتى فتسألنى عن مصير الجاحظ متصورا أنه لن يريح رائحة الجنة بعد هذا كله؟ اغرب عن وجهى يا ولد! فيبتسم من مداعبتى ويجلس إلى جوارى صامتا، وأستمر أنا فى الضحك!

لكن لماذا ينظر هذا الطالب إلى الجاحظ على هذا النحو؟ لقد أفهمه هو وأمثالَه بعضُ المشايخ أن العقيدة الإسلامية الصحيحة التى لا يقبل الله سبحانه أبدا سواها هى عقيدة أهل السنة والجماعة. وعلى هذا فقد احتكر أهل السنة الجنة والفردوس وحجزوا كل الأماكن، ولم يعد هناك ولا خرم إبرة لغيرهم. فالشيعة والخوارج والمعتزلة ولا أدرى مَنْ أيضا من الفرق والمذاهب مصيرهم جهنم الحمراء بلا مثنوية ولا تردد. إن الأمور عندهم مجرد قوالب كلامية محفوظة يرددونها آليا كما سمعوها من أولئك المشايخ. وعبثا أفهم أمثال هؤلاء أن الإسلام عبارة عن أوتوستراد رحيب شديد الاتساع يضم مسارات كثيرة مَنْ يسلك أحدها مجتهدا مخلصا لا يفتئت على غيره ولا يظلمه ولا يفكر فى إيذائه فهو ناجٍ بمشيئة الله وكرمه ورحمته. وليس من المعقول أن نحول هذا الأوتوستراد إلى خيط عنكبوت معلق فى الهواء عبر جهنم، وعلى من يريد دخول الجنة أن يعدو عدوا فوق هذا الحبل من غير استعانة ولا بزانة خشب يحفظ بها توازنه، ودون أن يتطوح جسمه يمينا أو شمالا بل دون أن يهتز له جفن أو يضطرب له قلب، وإلا سقط فى الحال فى الهوة الفاغرة فاها تحته تتلظى فيها ألسنة اللهب تلمظا لأى عابر من غير أهل السنة والجماعة. ثم أقول لهم: إن كل فرقة من فرق المسلمين ترى فى نفسها أنها الفرقة الوحيدة الناجية، والباقون ضائعون لا محالة، لكن الله أرحم بعباده من أن يلزمهم خطا واحدا مَنْ خرج عنه قِيدَ أنملة هلك هلاكا أبديا، وإن الناس مختلفة فى العقول والأذواق والمشارب والاقتناعات. وبعض معارفى يظنون أننى معتزلى رغم ما يقرأونه فى كتبى من انتقادات لبعض آراء المعتزلة، مثلهم فى هذا مثل سواهم من الفرق، إذ أبين ما فى كل فرقة من حسنات وعيوب حسب اجتهاداتى، مردفا أننى أنا أيضا عرضة للوقوع فى الأخطاء، وأنه سوف يأتى من يكتشف فى كتاباتى عيوبا ويدل الناس عليها مثلما أصنع أنا مع الآخرين.

وأذكر فى هذا المجال أنى كتبت منذ سنوات بحثا من عشرات الصفحات تناولت فيه التهمة المعلقة فوق رأس ابن المقفع بأنه زنديق، وطالعت كل كتاب له صلة بالموضوع، وحللت تحليلا مفصلا مرهقا جميع ما وصلنا من مؤلفات الرجل وما قيل عنه وعن حياته وأخلاقه وتصرفاته وعلاقاته بالآخرين وما عُزِىَ له من أقوال، وسافرت بعقلى وقكرى عبر الأزمان والأمكنة المختلفة، بعد أن استعنت بكل صديق يمكنه مساعدتى، ومنهم صديق مصرى فى سويسرا أمدنى بصورة من كتاب "الرد على ابن المقفع الزنديق اللعين" بتحقيق المستشرق الإيطالى جويدى سنة 1928م، الذى كنت أبحث عنه منذ أكثر من خمس عشرة سنة حتى حصلت أخيرا على تلك الصورة منه بعد محاولات مضنية قبل ذلك ذهبتْ عبثا، ليأتى فى نهاية المطاف أحد المعلقين فى المنتدى العلمى المشباكى (الإنترنتى) الذى نشرت فيه البحث المذكور فيكتب أربعة أسطر لا غير أصدر فيها حكمه الجازم الحاسم على البحث بأننى ضيعت وقتى إذ دخلت مجالا لست متخصصا فيه وخالفت ما يقوله علماء السنة والجماعة فى زندقة الرجل. ولم يفكر المعلق الظريف فى أن يعمل عقله فيما كتبت ويقلب براهينى وتحليلاتى واستنتاجاتى، مكتفيا بترديد ما حفظه كأنه آلة صماء، وغافلا عن أن الطباطبائى الذى اتهم ابن المقفع بالزندقة ومعارضة القرآن ليس من أهل السنة والجماعة بل من الشيعة، وأن الباقلانى مثلا لم يشارك فى ذلك الاتهام، وكان أقرب إلى تبرئة الرجل. ودعنا من بعض الكتاب الكبار المحدثين ممن لا يرون فى الرجل زنديقا ولا فكَّر قط فى معارضة القرآن.

وأترك القارئ الآن مع هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تصور رحمة الله تعالى بعباده: قال تعالى: "إنما التوبةُ على الله للذين يعملون السُّوءَ بجهالةٍ ثم يتوبون من قريب. فأولئك يتوب اللهُ عليهم. وكان الله غفورا رحيما". "إن الله لا يظلم مثقالَ ذَرَّة. وإنْ تَكُ حسنةً يضاعفْها ويُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أجرا عظيما". "قل: يا عبادىَ الذين أسرفواعلى أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعا. إنه هو الغفور الرحيم". "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. ومن جاء بالسيئة فلا يُجْزَى إلا مِثْلَها، وهم لا يُظْلَمون". "مَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أموالَهم فِى سبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سبعَ سنابلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ. واللَّهُ يُضَاعِفُ لمن يشاءُ. واللَّهُ واسعٌ عليمٌ". "والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسَهم ذكروا اللهَ فاستغفَروا لذنوبهم، ومَنْ يغفرُ الذنوبَ إلا الله؟ ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرةٌ من ربهم وجناتٌ تجرى من تحتِها الأنهارُ خالدين فيها. ونِعْمَ أجرُ العاملين". "إن الحسناتِ يُذْهِبْن السيئاتِ. ذلك ذكرَى للذاكرين". "من تاب وآمنَ وعمل صالحا فأولئك يُبَدِّلُ اللهُ سيئاتِهم حسناتٍ. وكان الله غفورا رحيما". "ورحمتى وسِعَتْ كلَّ شىْءٍ. فسأكتبُها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون". "الذين يحملون العرشَ ومَنْ حوله يسبِّحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا: ربَّنا، وَسِعْتَ كلَّ شَىْءٍ رحمةً وعلمًا، فاغفر للذين تابوا واتَّبَعوا سبيلَك وقِهِمْ عذابَ الجحيم * رَبَّنا، وأَدْخِلْهُم جناتِ عَدْنٍ التى وَعَدْتَهم ومَنْ صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. إنك أنت العزيزُ الحكيمُ * وقِهِمُ السيئاتِ. ومَنْ تَقِ السيئاتِ يومئذٍ فقد رحمتَه. وذلك هو الفوزالعظيم".

وفى الحديث النبوى: "لَلَّهُ أفرحُ بتوبة أحدكم من رجل بأرض فلاة دوِّيّة مهلكة معه راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه وما يصلحه فأَضَلَّها، فخرج في طلبها حتى إذا أدركه الموت قال: أرجع إلى مكاني الذي أضللتُها فيه فأموت فيه، فرجع إلى مكانه، فغلبته عينه، فاستيقظ، فإذا راحلته عند رأسه، عليها طعامه وشرابه وما يُصْلِحه". "يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد. ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر. ومن تقرَّب مني شبرا تقربت منه ذراعا. ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا. ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة. ومن لقيني بقُرَاب الأرض خطيئةً لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة". "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك: فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة. فإن هو هَمَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة. فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة". "من سَنَّ في الإسلام سُنّةً حسنةً فعُمِل بها بعده كُتِب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمِل بها بعده كُتِب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء". "ما يصيب المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشَاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه". "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذ أنا مِتُّ فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذَرُوني في الريح، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبنِّي عذابا ما عُذِّبَه أحد. فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: "اجمعي ما فيك منه"، ففعلتْ، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعتَ؟ قال: "يا رب، خشيتك"، فغفر له". "لا أحد أصبر على الأذى من الله تعالى: يدعون له الصاحبة والولد، وهو يعافيهم ويرزقهم".

"أَتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُهَا". "عن عامر أخى الخضر بن محارب: إني لببلادنا إذ رُفِعَتْ لنا رايات وألوية، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته وهو تحت شجرة قد بُسِط له كساء، وهو جالس عليه، وقد اجتمع إليه أصحابه، فجلست إليهم، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسقام فقال: إن المؤمن إذا أصابه السقم ثم أعفاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل. وإن المنافق إذا مرض ثم أُعْفِيَ كان كالبعير عَقَله أهله ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه، ولم يدر لم أرسلوه. فقال رجل ممن حوله: يا رسول الله، وما الأسقام؟ والله ما مرضتُ قط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم عنا، فلستَ منا. فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل عليه كساء، وفي يده شيء قد التف عليه، فقال: يا رسول الله، إني لما رأيتك أقبلتُ إليك فمررت بغَيْضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي، فكشفت لها عنهن، فوقعت عليهن معهن، فلففتهن بكسائي، فهن أولاء معي. قال: ضعهن عنك. فوضعهن وأَبَتْ أمهن إلا لزومهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أتعجبون لرحمة أم الأفراخ فراخها؟ قالوا: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فوالذي بعثني بالحق لَلَّهُ أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها. ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتَهن، وأمّهن معهن. فرجع بهن".

"قُدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَبْيٍ، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتَرَوْن هذه طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر ألا تطرحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أرحم بعباده من المرأة بولدها". "جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا. فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه". "إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". "إن الله يمهل حتى يذهب شطر الليل الأول، ثم ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينشقّ الفجر".

"أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أَيْ ربِّ، اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك". "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم". "إن الله تعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه وستره من الناس، ويقرره بذنوبه فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أَيْ رَبِّ. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطيه كتاب حسناته بيمينه. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم! ألا لعنة الله على الظالمين".

"إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادَوْا: هَلُمُّوا إلى حاجتكم. قال: فيحفّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. قال: فيقول: هل رَأَوْني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك. قال: فيقول: وكيف لو رَأَوْني؟ قال: يقولون: لو رأوْك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحا. قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رَأَوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رَأَوْها. قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوْها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوْها كانوا أشدّ عليها حرصا، وأشدّ لها طلبا، وأعظم فيها رغبة. قال: يقول: فمِمَّ يتعوّذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رَأَوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رَأَوْها؟ قال: يقولون: لو رَأَوْها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة. قال: فيقول: فأُشْهِدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم. إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يَشْقَى بهم جَلِيسُهم".

"قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم تَرَوْنه يوم القيامة كذلك. يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة... ويُضْرَب جسر جهنم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ. وبه كلاليبُ مثل شوك السعدان. أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قَدْر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم: منهم الموبق بعمله ومنهم المخردل ثم ينجو. حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يُخْرِج من النار من أراد أن يُخْرِج ممن كان يشهد ألا إله إلا الله، أَمَر الملائكةَ أن يخرجوهم، فيَعْرِفونهم بعلامة آثار السجود، وحَرَّم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتُحِشوا، فيصب عليهم ماء يقال له: ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول: يا رب، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذُكَاؤها، فاصرف وجهي عن النار. فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن أعطيتُك أن تسألني غيره. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب، قَرِّبْني إلى باب الجنة. فيقول: أليس قد زعمتَ ألاّ تسألني غيره؟ ويلك ابن آدم! ما أغدرك! فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. فيعطي اللهَ من عهودٍ ومواثيقَ ألا يسأله غيره، فيقرّبه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب، أدخلني الجنة. ثم يقول: أوليس قد زعمتَ ألا تسألني غيره؟ ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك. فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها. فإذا دخل فيها قيل: تمنَّ مِنْ كذا. فيتمنى، ثم يقال له: تمنَّ مِنْ كذا. فيتمنى حتى تنقطع به الأماني، فيقول له: هذا لك، ومثله معه. قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا. قال: وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يغيّر عليه شيئا من حديثه، حتى انتهى إلى قوله: هذا لك ومثله معه. قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا لك وعشرة أمثاله".

وفى ضوء هذا يمكن قراءة الآية التى أوردها الكلب المسعور واتهم الله سبحانه بأنه إله سادى. تقول الآية: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا" (النساء/ 56). فأول كل شىء لا تتحدث الآية عن المؤمنين كما يقول هو ويريد أن يوهمنا به بل عن الكافرين. ثانيا لا بد أن يكون هناك تمييز بين المستقيم والمنحرف، بين المؤمن والكافر، بين الطيب والخبيث، وإلا لم يكن هناك معنى لأى شىء ولفترت همم البشر ولم يجدوا باعثا على الاجتهاد والعمل والإبداع والنجاح ما دامت النتيجة فى نهاية الأمر هى هى للكافر والمؤمن، للطيب والخبيث، للخيّر والشرير، للعاملين المجتهدين وتنابلة السلطان، للص والرجل الحقانى، للقاتل والمسالم... إلخ. نعم لا بد أن يكون هناك تفرقة بين رجل شهم كريم يحب أمته ويعتز بإسلامه ورسوله العظيم وبين كلب مسعور خائن لأمته منحاز لأعدائها يدعو إلى استئصال دينها ويحقرها ويحقر هويتها وبين إنسان نبيل شريف يحب أمته ولا يغطى عينيه حتى لا تريا عظمة دينها، ويختلق الأكاذيب عليها وعلى عقيدتها وتاريخها، ويدعو قوى الشر فى العالم إلى العدوان عليها وإكراهها على ترك ملتها، وإلا فلا معنى لأى شىء كما قلت.

وهذا الكافر الذى تهدده الآية هو مَنْ بلغه الإسلام على صورته الصحيحة، وأتيحت له الفرصة ليفكر فيه ويقلبه فى عقله، وأخذ الوقت الكافى فى ذلك، وتبين له أنه هو الدين الحق، ولم يكن ثمة ما يخيفه من إعلان موقفه هذا، ثم أصر على الكفر وآثر البقاء على وثنيته وضلاله وزناه وخمره ورباه وبطشه بالفقراء والمساكين، وآذى المسلمين رغم رفعهم راية السلام والمودة. فهذا هو الذى سوف يصلى نارا حامية كلما نضج جلده بُدِّل جلدا آخر غيره ليذوق العذاب. والغريب أن العفيف الأخضر الذى يدافع عن هذا الكافر المنكوس العقل والضمير، وينادى بقبوله والترحيب به، ويدافع عن حقه فى الكفر والتخلف والانحطاط، هو نفسه العفيف الأخضر الذى ينادى باستئصال الإسلام ومحوه وتحويله إلى شىء آخر مختلف تماما، وعن طريق القوة والاستبداد والقهر والإكراه والسباب وقلة الأدب والإجرام. فكيف؟ بالمناسبة فإن الشيوعيين بارعون فى تسمية أنفسهم بأعظم الألقاب، ودائما ما يصفون أنفسهم بـ"الشرفاء" مع أنهم والشرف على عداوة قاتلة. فاسم "العفيف الأخضر" هو من هذا القبيل، فلا فيه من العفة شىء، ولا علاقة له بالخضرة بل بالتصحر الفكرى وانغلاق الذهن الأزلى.

وبعد فإن العفيف الأخضر وغيره من الكلاب المسعورة يعملون بكل ما فى طاقتهم ووسعهم للتعمية على محاسن الإسلام بإثارة تلك المعايب الكاذبة بغية شغل المسلمين عن تقديم جوانب العظمة فى دينهم، وديننا كله عظمة فى عظمة بحمد الله. فهو الدين الوحيد فى العالم الذى يحض على نحو فريد مذهل على العلم والعمل والإتقان والإبداع والذوق الراقى والنظام والنظافة وتوفير مستوى معيشة مريح يليق ببنى البشر. ويكفى فى مجال الحض على الإبداع أن يقول الرسول الكريم الذى يرميه ذلك الكلب المسعور بالعصابية: "من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران". ومعنى ذلك بكل بساطة: يا مسلمون، لا تتوقفوا لحظة عن التفكير والإبداع، ولا تخشوا الخطأ، فهو أمر وارد، ولا عيب فيه ولا حرج، فضلا عن أنكم سوف تؤجرون على التفكير والإبداع سواء أصبتم الغرض أو أخطأتموه.

واللهِ لو لم يكن لمحمد سوى هذا الحديث لكفاه دليلاعلى أنه رسول من عند رب العالمين، لا رسول عادى بل رسول عظيم. ويقول صلى الله عليه وسلم حاثا على طلب العلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، و"اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، "العلماء ورثة الأنبياء"، و"إن الحيتان فى البحر لتستغفر لطالب العلم"، و"إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع"... إلى آخر تلك الأحاديث النبوية التى تستحث المسلم على السعى وراء العلم وتحصيل المعرفة والإضافة إليها، والتى لا وجود لها على هذا النحو فى الأديان الأخرى. ثم يأتى هذا الكلب العقور المسعور فيتطاول على سيد النبيين والمرسلين وعلى دينه النظيف الذى يحرم ما تهيم به الكلاب المسعورة من تسيب وانحلال وشذوذ وغير ذلك وتكره دين محمد جراء تحريمه لها.

وفى موقف القرآن من العلم والقلم والقراءة والسعى وراء المعرفة يقول فيرجيل جيورجيو الكاتب والروائى الرومانى المشهور صاحب "La Vie de Mahomet" مشيرا إلى الآيات الأولى من سورة "العلق" التى يعدها كثير من العلماء أول ما نزل من الوحى الإلهى على رسول الله صلى الله عليه وسلم: "Quoiqu'il fut illettré, les premiers versets révélés mettent en valeur la plume, la science, l'éducation et l'enseignement. On ne connaît pas de doctrines qui se sont intéressées à la science et à la connaissance à un tel point. Si Mohammad avait été un savant, la révélation, réalisée dans la caverne de ‘‘Hirra'' n'aurait pas causé d'étonnement parce que le savant connaît la valeur de la science. Mais il était illettré, n'avait pas appris chez aucun maître. Je félicite les musulmans du fait que leur religion s'intéresse dès son début à l'acquisition de la connaissance et lui prête une grande ."importance

إن دين محمد نظيف، ومعلوم أن الأنجاس لا يحبون النظافة! والحداثة التى يدعونا إليها هؤلاء الكلاب هى التى أفرزت، على نطاق واسع ودون اعتراض من أحد، الزنا واللواط والسحاق ومسافدة الآلات الكهربية وزنا المحارم والمناداة بتقنين مضاجعة الحيوانات (وقطعا سيفوز المنادون بها) وشرب الخمر والانتحار. إننا لا نغمط أوربا علمها وإبداعها ونظامها ونظافة شوارعها ومبانيها وجمال حدائقها وكل شىء فيها، لكن هذا موجود فى الإسلام وتاريخه الحضارى، وإن كات غالبية المسلمين فى القرون الأخيرة قد أخلدوا إلى الكسل والتنبلة العقلية وصاروا يكرهون القراءة وطلب العلم كما يكرهون العمى، وتكلست عقولهم وأمخاخهم، فلم يعودوا يفكرون إلا فى إشباع بطونهم. ويا ليتهم أفلحوا فى هذا، ويا ليتهم يأكلون طعاما سليما من الآفات والغش. وكثيرا ما أؤنب طلابى ومن حولى على هذا مبينا لهم أن الجنة لا يدخلها سوى الناس الراقين، أما الجهلاء الذين أتيحت لهم فرصة التعلم والتثقف وبلوغ الدرجات العلا فى سلم المعرفة فأهملوها وآثروا الجهل والانحطاط الفكرى والبلادة العقلية والتنطع والسطحية والبلاهة الثقافية والحضارية فأتصور أن دخولهم الجنة من أصعب الأمور على عكس ما يظن كثير من المسلمين من أن الجنة سوف تكون مفتحة الأبواب فى وجوههم: تناديهم وترحب بهم وتهش لهم وتأخذهم بالأحضان، وكأن الجنة "تلمّ"! لكن هذا كله شىء، وما يريده منا الكلب المسعور شىء آخر. إن عينه طول الوقت على الخمور والانحلال الجنسى وما إليه. وما من واحد من هؤلاء الكلاب المسعورة إلا وجدته يدعو إلى انتشار الحانات فى بلاد المسلمين وعدم النكير على مرتاديها وسكيريها. إنهم كائنات مريضة شائهة تظن أن ما تغرم به من قاذورات ونجاسات هو الخير كل الخير. ألاخيبة الله عليهم وعلى تطلعاتهم المنحرفة العفنة!

ومما يريد العفيف الأخضر أيضا حذف كثير من الآيات القرآنية حتى يتناغم المسلمون مع الحداثة الأوربية، ومنها تلك الآيات التى يتصور أنها تحض على الإيمان بالجبرية. فهو يدعو، بنص كلامه، إلى "التوقف عن تدريس آيات الإيمان بالقدر: خيره وشره، أي الإيمان المازوشي بأن "المكتوب" على الجبين تراه العين، وتاليًا الانتهاء من تدريس وترويج آيات التسيير المخربة لثقة المسلمين في أنفسهم وتقديرهم لها، وبدلًا منها تدريس آيات التخيير، التي تمسَّك بها المعتزلة، والتي تجعل من المسلم منذ نعومة أظفاره يؤمن بأنه هو، وليس الله، خالق أفعاله وصانع حاضره ومستقبله بالقرار الصائب الذي يصنعه العلم". ثم يختم مقترحه الإجرامى هذا قائلا: "لقد أخذ محمد من اليهودية آيات التسيير، وأخذ من الماجوسية آيات التخيير، فجاء القرآن شكشوكه تونسية".

وهو، فى اتهامه للرسول، بأنه أخذ آيات التخيير من المجوسية وآيات التسيير من اليهودية، إنما يهلوس ويتهوس، إذ أين كان المجوس منه طوال حياته، وأين كان اليهود منه طوال العهد المكى على الأقل، وهو العهد الذى نزل فيه كثير من الآيات التى تتعلق بهذه القضية، حتى يقال إنه أخذ منهم هذا المعتقد أو ذاك؟ بل إن الرسول، رغم أنه قد ساكن اليهود فى المدينة بعد الهجرة عددا من السنين، لم يكن متصلا بهم بحيث يسمع منهم عقائدهم أو يطلع على شىء من كتبهم. ثم لماذا لم يتكلم واحد من هؤلاء أو أولئك ويفضحه ويضع نهاية له ولنبوتة؟ اللهم إلا إذا قال الحمقى إنه كانت له مكتبة كبيرة مملوءة بكتب الأديان الأخرى يستقى منها كل ما يريد ويدسه فى دينه. فأين كانت تلك المكتبة يا ترى؟ لو كان صلى الله عليه وسلم يعيش فى وقتنا الحالى لكان من الممكن للحمقى أن يقولوا إنه كانت معه ميكرو فلاشة سعتها آلاف الجيجابايتات مسجل عليها مكتبة دينية عالمية هائلة فيها كل ما يحتاجه، من كتب ودراسات، من يريد أن يجعل من نفسه نبيا مع تابلت ظريف صغير يمكن إخفاؤه هو والفلاشة عن الأنظار تماما فلا يعرف حتى الذِّبَّان الأزرق أنه يستعين بأفكار الآخرين. هل يظن عاقل أن المشركين والمنافقين واليهود، وقد لجأوا إلى أحط الوسائل وأكذبها فى محاربته ومحاربة دينه، كانوا يهملون هذه الوسيلة الناجعة والصحيحة فى آن؟

وهذا لو كانت اليهودية تقول بالجبرية قولا واحدا كما يدعى أبو جهل. كتب د. إبراهيم البحراوى الأستاذ المتخصص فى الدراسات العبريةـ فى مقال له بعنوان "الجبر والاختيار في التلمود" منشور فى صحيفة "الاتحاد" الإماراتية فى 11 ديسمبر 2015م، عما جاء فى كتاب د. حنان كامل أستاذة الفكر اليهودى: "إشكالية العلاقة بين العناية الإلهية وحرية الإرادة في الفلسفة اليهودية في العصر الوسيط" قائلا: "تُبَيِّن المؤلفة في الجزء الخاص بالتلمود (الكتاب اليهودي المقدس الثاني في الأهمية بعد التوراة، وهو عبارة عن تفسير الحاخامات لها، ويصل الاهتمام به إلى درجة أن البعض يعتبره التوراة الشفوية كما يقول د. البحراوى) أن هناك ثلاثة اتجاهات حول قضية حرية اختيار الإنسان لمصيره وقضية الجبر والقدر: اتجاه يرى أن الإنسان اليهودي مجبر حيث إن ما يحدث لليهودي هو أمر موجه من إرادة الرب وعلمه وأنه لا توجد أي أسباب خارجية أو تدخل لليهودي فيما يحدث له أو ما يحدث للعالم. بالتالي فهذا الاتجاه ينكر حرية إرادة الإنسان اليهودي ويردّ كل حدث في حياته إلى العناية الإلهية. نجد، في نصوص التلمود التي اختارتها المؤلفة، نصًّا يقول إن الإنسان لا يحرك ساكنًا في الأرض إلا بأمر من السماء، ونصًّا آخر يقول إنه، قبل ولادة المولود بأربعين يومًا، ينادي مناد قائلًا: ابن فلانة لفلان، وابنة فلان لفلان، وزرع فلان لفلان. وهو نص يعني أن مصير الإنسان وحياته محددان من قبل مولده. فعناية الرب، كما تقول المؤلفة، تقدِّر مَنْ سيتزوج مَنْ، وذلك لأن علم الرب سابق على ميلاد الإنسان. وعلى هذا الأساس لا يكون للإنسان أي دخل في اختياره. ويؤيد هذا الفهم من نصوص التلمود قول الحاخام إسماعيل إن الرب يسيطر على كل أرواح البشر، وقول الحاخام إليعازر بن يوسي الجليلي: أعلم جيدًا أنه طالما أن الإنسان على قيد الحياة فإن نفسه تكون في يد خالقه.

أما الاتجاه الثاني في التلمود في قضيتي الجبر والاختيار فيعتمد على الإيمان بقوانين الطبيعة والحظ في تحديد مصير اليهودي. وترى المؤلفة أنه اتجاه يذهب إلى أن العناية من جانب الرب لا دخل لها فيما يحدث للإنسان، وإنما قوانين الطبيعة والحظ أو حتى البرج الذي ولد فيه الإنسان هي المسؤولة عما يحدث له وللعالم. وهو اتجاه لا يؤمن بالقضاء والقدر، ويعتبر أن ما يحدث للإنسان يخضع للصدفة. وتقتبس المؤلفة من التلمود فقرة تشير إلى اعتقاد فريق من الحاخامات التلموديين أن قوانين الطبيعة مستقلة وأنها تعمل بمعزل عن إرادة الرب. تقول الفقرة: إنّ حُكْم من سرق مكيالًا من الحنطة وزَرَعها في الأرض ألا تثمر، وإنما وفقًا لقوانين الطبيعة فإنها ستنمو، أما الجهلاء فسيحاسَبون في الآخرة، وإنّ حُكْم من دخل بزوجة صديقه ألا تحمل، وإنما وفقًا لقوانين الطبيعة أنها ستحمل، والجهلاء سيحاسبون في الآخرة.

أما الاتجاه الثالث فيحاول التوفيق بين الاتجاهين، فيؤمن بالعناية الإلهية وحرية الإرادة في ذات الوقت. ومن أقوال حاخامات التلمود لإثبات هذا الاتجاه قول الحاخام عقيبا: كل الأمور مقدرة وفقًا للعلم الإلهي والعناية الإلهية، والحرية مكفولة، أي حرية الاختيار للإنسان، ويحكم العالم بالخير، وكل حسب عمله. أي أن الثواب والعقاب يكونان حسب اختيار الإنسان". وبهذا يتبين أن اليهودية تضم ثلاثة اتجاهات فى ذلك الموضوع، وهو ما نجده فى كل الفلسفات والعقائد. فما يقوله الجاهل المسعور إذن خطأ أبلق يدل على أنه يلقى الكلام على عواهنه شأن الجهلاء الذين لا يتثبتون.

ونفس الأمر يصدق على الزرادشتية، إذ نجد فيها الكلام عن تحكم الله فى كل أمور الحياة بما يعنى أنها قدر محتوم، وأن معظم حظوظ الإنسان مقدَّرة له أو عليه من قبل ميلاده، بل ربما من قبل خلق الكون ذاته، وإن كانت هناك إيماءات إلى أن الأمور فى عالم الروح تجرى على أساس من حرية الإنسان، إلا أنها حرية تخضع للقضاء المحتوم رغم ذلك، فضلا عن أن للعشوائية دورا كبيرا فى حياة الإنسان وما يفوز به من الطيبات. ويمكن الرجوع فى ذلك إلى مادة "Bakt" بـ"Encyclopaedia Iranica".

ثم لماذا يا ترى لم يحسم الرسول عليه السلام أمره ويستقر على عقيدة واحدة فى تلك القضية ويريح ويستريح لو كان العفيف الأخضر الكذاب المدلس صادقا؟ إن البشر منقمسون منذ أقدم العصور إلى جَبْرِيِّين وحُرِّيِّين بما فيهم الفلاسفة والعلماء. وقد اتخذ القرآن سبيلا وسطا، فلا هو قال بالجبرية المطلقة ولا هو زعم للإنسان الحرية المطلقة، بل ذكر فى بعض النصوص هذا، وفى بعض النصوص ذاك. وهو حين فعل ذلك إنما أراد أن يلفت النظر إلى أن للمسألة زاويتى نظر: فمن جهة نراه يركز على أن كل شىء إنما هو فى يد الله، وبخاصة حين يتجه بالخطاب إلى الكفار أو يريد أن يبث العزاء فى قلب المؤمن. وهذا صحيح صحة مطلقة، إذ الله سبحانه هو خالق الإنسان والكون كله، وهو الذى أفاض على الإنسان إمكاناته ومواهبه، وأعطاه القدرة على التعلم والفهم والاستيعاب، وزوده بالعقل والإرادة والنطق والنظر والسمع واللمس والشعور والذاكرة والتفكير والتجميع والتحليل، وهيأ له الوسائل التى تعينه على التعلم والاستفادة من عناصر الطبيعة وأشيائها، فى الوقت الذى نظَّم كونه على قوانين معينة، وسهّل للإنسان استنباط تلك القوانين ومراعاتها فى تصرفاته وتفكيره وعمله. فمن هنا يمكنك بكل ارتياح أن تقول إن الله هو خالق كل شىء ومريد كل شىء. لكنه عز وجل أعطى الإنسان فى ذات الوقت شيئا من حرية الإرادة وإمكان التعامل مع عدد من البدائل والاختيارات فى المواقف المختلفة. ومن هنا يمكنك أيضا القول بأن الإنسان ليس مجبرا فى عمله إجبارا مطلقا.

والنظر الصحيح للمسألة يقودنا إلى أن الإنسان له إرادة، لكنها ليست إرادة مطلقة. وكيف تكون مطلقة، وفى مواجهة إرادته تقوم شهواته وميوله وضعفه وجوانب نقصه وإرادات الآخرين وطمعهم وشهواتهم، كما تقوم فى وجهه قوانين الكون وأحداث الحياة وعناصر الطبيعة وأشياؤها، وتؤثر فيه شهواته وجوانب ضعفه ونقصه، ويشكِّله ذلك على نحو يختلف من إنسان إلى آخر. ولكن تلك الإرادة النسبية رغم تأثرها بعيوب الشخص وأطماعه ونقصه وبإرادات الآخرين وأطماعهم وبقوانين الكون وعناصره وأشيائه تظل قادرة على التحرر من تلك الضغوط إلى حد ما بل واستخدام بعضها ضد بعض إذا ما أرادت، ولكن على نحو محدود. ودعنا من أن هناك أمورا لا دخل لإرادة الشخص فيها كولادته مثلا، إذ هى أمر يقع قبل وجوده وإدراكه وقبل أن تكون له إرادة من ثم. كما أن الموت والمرض والتقدم فى العمر والشيخوخة والعجز عن بلوغ المثل الأعلى مهما كانت مواهب الشخص ومهما كانت عزيمته ونيته، وكذلك المعاناة بألوانها المختلفة من قلق وشك وملل وفشل وغيرة وعداوات وسوء فهم وقصور علم وغير ذلك أمور مفروغ منها لا محيص عنها أيا كانت الاحتياطات التى نتخذها لتجنبها والتزمنا الصراط المستقيم، إن أمكن التزام الصراط المستقيم دائما. ولأن الإرادة البشرية محدودة وتختلف من شخص إلى آخر فإن أحد مبادئ الإسلام هو "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، فهذا ما يقتضيه العدل الإلهى ورحمته عز وجل بعباده. وهذه الإرادة النسبية المحدودة هى التى أبدعت رغم هذا كل ما نراه من مظاهر الحضارة المختلفة من سفن وقطارات وطيارات وغواصات وصواريخ وبيوت ومعابد ولغات وكتابة وكتب وأقلام ودفاتر وعلوم ومعارف وفنون وآداب وأطعمة وأدوية وأساليب علاجية وكواتيب (كمبيوترات) ومشباك (إنترنت) وآلات تصوير وهواتف وآلات طبخ وملابس وأحذية وملايين المخترعات الأخرى. على أن علم الله مسبقا بما سوف يقع فى دنيانا لا يعنى الجبرية إلا فىى عقول البسطاء السذج. ذلك أن القبلية والبعدية غير متصورة فى حق الله، إذ هو خالق الزمن، ومن ثم لا يمكن أن يحتويه الزمن كما يحتوينا نحن المخلوقين، بل ينطوى سبحانه على كل شىء منذ الأزل إلى الأبد بأمكنته وأزمنته، بمعنى أن كل شىء حاضر فى إدراكه حضورا أزليا أبديا على خلاف الحال بالنسبة لنا حيث تتجلى الحوادث والأشياء واحدا بعد الآخر، فى الوقت الذى هى في عند الله موجودة طوال الوقت. إنهما أفقان مختلفان تماما: أفق المطلق، وأفق النسبى المحدود. أفق الله، وأفق البشر. فإشارة الغبى الأحمق إلى الشكشوكة التونسية علامة على بلادة مخه وسطحية تفكيره وحماقة عقله وقلة أدبه! أما محاولته إلغاء عمل الله فى دنيا الإنسان فهذا كلامُ كافرٍ به سبحانه لا يقر بوجوده، بل يقر فقط بوجود الأمريكان والصهاينة والعمالة والخيانة، ولا يؤمن بشىء آخر.

ونهتبل الفرصة فننقل الفقرة التالية من ترجمة كتاب إيميل درمنجم: "La Vie de Mahomet" إلى الإنجليزية لمناسبتها التامة للسياق الذى نحن فيه: "We may find texts both for and against free will; these are the two ends of the chain of which the human spirit has never seized the intermediary links. If the Mussulmans, especially during the decadent periods, seem to lean towards "Oriental fatalism", there is nothing in the Koran to compel this, contrary to what Leibnitz and current opinion believe. When a Bedouin asked Mahomet whether it was necessary to tie up his camel, the Prophet replied: "Tie up your camel and trust yourself to God." But when someone said it was useless to act when all was already known in advance by God, he replied: "Act; the task will be made easy for you." Which is the same as saying: "Heaven helps them who help themselves." "At the same time act, as regards this world, as if you were going to live for ever; and as regards the other world as if you were going to die tomorrow," the Prophet is supposed to have said. This, truly, is the wisdom and the solution of all ethics".

وخلاصة ما قال أن القرآن يشتمل على نصوص تثبت الإرادة البشرية، وأخرى عكس ذلك، وإن كان المسلمون قد مالوا أيام تدهورهم إلى الإيمان بالجبرية، وهو ما لا نجد له صدى فى القرآن الكريم رغم جَرْى ليبنتز وغيره على القول الشائع الحالى لدى الغربيين بأن القرآن يتبنى الإجبار. ثم ساق قوله صلى الله عليه وسلم: "اعقلها وتوكل" كدليل على خطإ هذا التصور، وأنهى الفقرة بإيراد الأثر المشهور: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، قائلا إن هذا أفضل حل للمسألة الأخلاقية.

وفى النهاية أترك القارئ مع هذه القصة التى قرأتها اليوم (الاثنين 29 أغسطس 2016م) فى جريدة "المصريون" تحت عنوان "قصة مثيرة عن اعتناق أمريكي للإسلام" دون أى تعليق من جانبى: "روى شخص أمريكي الجنسية قصة اعتناقه الإسلام مشيرًا إلي أن السعوديين لعبوا دورًا في تغيير حياته من خلال زيارته الأولى للمملكة. وقال الأمريكي: اعتنقت الإسلام قبل 5 سنوات، ولكني لم أكن أعلم شيئا عن الإسلام ولا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى قدمت إلى مدينة جدة السعودية قبل 6 سنوات. وفي مقطع فيديو تداوله نشطاء التواصل الاجتماعي أكد الأمريكي أنه في بداية الأمر شعر بالقلق، موضحًا أن أحد أصدقائه، وكان يعمل أكاديميا، قال له: هل تعرف ماذا تفعل؟ إنك تلحق الضرر بنفسك، فربما اختطفوك وقطعوا رأسك. وتابع: عندما وصلت السعودية كنت خائفا جدا. لم أكن أعلم ماذا سيحدث لي، ولكني عندما غادرت الولايات المتحدة قادما للمملكة قلت: "يا إلهي، إن ذهني منفتح، ولا أعلم ما هو الإسلام، ولم أزر أي دولة إسلامية من قبل ولا أعرف شيئا عن النبي محمد صلي الله عليه وسلم. فاللهم أرني الحق، وأرني الباطل" وفق ما ذكر موقع "نورت". وقال الأمريكي: إن كفيلي الدكتور صديق كان نعمة كبيرة بالنسبة لي. منحني فرصة العمل معه في المشروع. وكنت أخاف أن أمشي في المشروع. ذات مرة قلت له: أريد أن أذهب إلى البقالة، فهلا أذنت للسائق أن يصحبني الى محل البقالة؟ ففتح النافذة وأشار إلى محل البقالة وقال: هذه البقالة هناك. اذهب وحدك. فقلت له: كيف أذهب إلى هناك وأسير وحدي في الشارع؟ إنه أمر خطير. فقال لي: لا تقلق من شيء. ولأني كنت جائعا ذهبت بمفردي. وكنت أنظر إلى كل شيء، فلم أجد شيئا مزعجا. بعض الأشخاص كانوا يخرجون من منازلهم يدعونني لتناول الشاي أو القهوة. في هذه اللحظات شعرت بشيء غريب، فلقد زرت العديد من دول العالم وتعلمت في روسيا وتايوان، ومع ذلك فلم أشعر بمقدار الاحترام الذي شعرت به كشخص مسيحي في المملكة. وأضاف: لم تكن هناك كنائس في المملكة لأذهب إليها. ومن نافذة سكني كنت أرى الأشخاص يذهبون ويعودون من المسجد، فطلبت من كفيلي أن يصحبني معه إلى المسجد، فلم يقبل ولم يرفض، ولكن ترك الأمر لي. في يوم ذهبت إلى المسجد وطرقت الباب. قلت: اسمي سام. مسيحي من الولايات المتحدة الأمريكية. هل يمكنني أن أدخل؟ مؤذن المسجد، واسمه شفيق، ضمني إلى صدره وقال لي: تفضل بالدخول. أرجوك. جلست في آخر المسجد ثلاثة أيام أراقب المصلين، بعدها قلت لشفيق: هل يمكنك أن تعلمني كيف أصلي مثل المسلمين؟ فعلمني كيف أصلي، وحفظت أول سورة في القرآن: "الفاتحة"، فكانت مثل الرحمة. في البداية كنت أردد الآيات، وبعدها أصبحت أتدبر معانيها. وفي المسجد عرفت الصلاة، ولكني نطقت الشهادتين في المؤسسة التعليمية".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق