أضيف في 1 شتنبر 2016 الساعة 18:15

الفتوى و الفتنة الأخلاقية


رشيد اليملولي

الفتوى و الفتنة الأخلاقية .

ليس صعبا أن نتصفح ذاكرتنا الجماعية بالمفهوم الاجتماعي و التاريخي و النفسي ، كي نلج بعضا من عثراتنا و زلاتنا و أغلاطنا ، و ليس صعبا أيضا أن ننبش كتب التاريخ و الأدب و الروايات كي نعلم حجم المرتكزات التي تقودنا إلى وجهة لا نعلمها ، و ليس من الصعب أن نعثر على الاستثناء و الفجائية داخل منظومتنا الدينية ، سواء في الفهم أو الاستيعاب أو التمثل ، أو حتى التأويل الذي يظل عقبة كأداء تحول بيننا و بين الفهم الأسلم للدين .

الإفتاء علامة دالة على الاجتهاد و آلية لتطوير النص و إغنائه عبر التحول بروحه في سراديب و تلابيب الواقع الاجتماعي و تعقيداته ، الفتوى صيغة زمنية للفهم ، و أسلوب في الحياة ترتقي بموجبه الأفهام البشرية نحو سماوات الخلق و الإبداع ، بغرض طمأنة النفس ، و تحويل قلقها إلى وجود بالمعنى المنتج .

لكن حين تتحول الفتوى إلى آلية لدمغ الاختلاف و احتكار سلطة القول الفصل و القول المبين ، ليس انتصارا لرأي مدجج بحجاجه ، و لكن هروبا لغنيمة و أسلاب و أنفال تغدقها سلطة متهاوية لا تكل و لا تمل من اعتبار نفسها خليفة في الأرض ، تحتكر عنا النفس و النفس و الحلم و الرغبة و الهوى ، و تدعي بذلك النظام و سلطة العنف المشروع ، و هي لا تعدو كونها سلطة ـ فتنة بالمعنى الثقافي و الحضاري .

إن الغاية من نقل الفتوى من حقل دلالي منتج و خصب ، إلى مرتع مفعم بالحربائية و السلطوية ، يقلص من الاطمئنان إلى النص الديني ، و يوسع من دائرة الشك في مستوى غايته و فلسفته الخاصة ، لذلك ساد اقتناع مبهم مفاده تنافر منطوق النص و خلفيته النظرية مع الإمكان و المتاح عقليا بغية الاستخلاف و العمارة و العمران ، و أي فتوى ـ تأويل ينتصب للدفاع عن حق ذاتي و مشروعية شخصية بدعوى التأويل الأوحد ( لا يفتى و مال في المدينة ) يعد إقبارا حضاريا لرسالة الدين و نسغها الروحي السامي .

إن القارئ لعلاقة السياسة بالدين ( أو التدين بصيغة أكثر تحديدا لأن الفهم السياسي محدود بحدود الفرقة السياسية أو الحزب و لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يحتوي الدين برمته) ، يلاحظ دائما نزوعا و إرادة قوة لبسط مفهوم المجال الحيوي الخاص بالسياسة و الفتوى بناء على المصالح الدنيوية ، و بعيدا عن الروح الدينية ؛ فالسياسي لا يأل جهدا في بسط سلطانه الزمني على الفتوى ، كي تسوغ و تبرر خارج التعاقد القيمي و الروحي و الاجتماعي ، و بالمقابل تسعى الفتوى احتواء السياسي و تطويعه ليخدم تفكيرها مهما كانت طبيعته و نوعيته ، باعتبارها صاحبة السيادة العليا ، و في ظل هذا التنازع تتحول الحياة الاجتماعية إلى مجال للصراع عنوانه الإرهاب المؤطر بخلفية غير علمية و غير معرفية حتى لا نقول غير بريئة .

تناسلت في الآمنة الأخيرة فتاوى تجيز قتل الاختلاف و تفنيد مبررات وجوده و تواجده ، وفقا لمطلب سياسي مفضوح ، لا يرى أبعد من خياله ، و أقل أزماته غياب الثقافة الدينية و السياسية معا ، دون الحديث عن أزمتها الحضارية بالمعنى الفلسفي و الثقافي ، حيث تقول هذه الفتوى :" يجوز ـ و قد يكون من الواجب بناء على الشحنة و الطاقة النفسية و مستوى و درجة الخطاب و رسالته ـ قتل من يختلف أو يعارض رئيس الحكومة " ، الظاهر في الفتوى أهون مما داخلها ، ظاهرها الوعيد بالقتل ، و باطنها موت الدين و التدين معا ، و صلاة جنازة على الثقافة و الوعي و الحلم و مواقف عديدة لإنسانية الدين ، إشكال إنسان و أزمة هوية ( هوية الاختلاف و المغرب المركب و المتنوع ) .

تكمن أزمة هذه الفتوى في مرجعية صاحبها و صاحبتها و زعيمها النقابي و فقهائها ، الأخلاقية و الدينية و السياسية ( سواء تم الاعتذار أم لم يتم ) ، بمعنى طبيعة المرتكزات المعرفية و المنهجية التي حركت القول و صاغته و أطرت جوانبه ، و سمحت ببناء فرضية القتل و نيته ، و جوهر الذهنية ( ذهنية القتل ) و آليتها في النظر دون الحديث عن مسوغاتها ، و التي يتضح أنها مكسوة و مزهوة بلباس سياسي رث عنوانه غنيمة حرب 7 أكتوبر و سياقات التحضير لها .

لا تقف الفتوى عند هذا المستوى ، بل تتعدى ذلك إلى امتدادات تشمل أنصار و " عصبية " معينة تجندت للدفاع عن " مالك " السياسي ( الإحالة هنا على الأثر المعروف لا يفتى و مال في المدينة ) ، و تتجلى الطرافة هنا في عمق التأييد و في مستويات و أنماط التبرير و التسويغ ، فكيف نفهم تبرير القتل لمجرد الاختلاف ؟و في الوقت ذاته نقيم الدنيا و نقعدها على قبلة فتاة و شاب في صفحات الفايس بوك . أميل إلى الاعتقاد أن أنواع الذاكرة التي تحدث عنها بول ريكور لها مصداقيتها في هذه النازلة ، حيث أبان الطرف صاحب الفتوى قدرة غريبة على طمس و إلغاء الذاكرة الجماعية و تحويلها إلى لقى و بقايا في سبيل قطرة دم مشفوعة بكرسي لن تزيده الأيام إلا خواء و فراغا .

إن القول بالقتل يفترض سياقا حربيا يدعمه وجود الدواعي الداعية إليه ، و يشفع له نظام جماعي مهدد ، أما فرض أنساق نفسية على وجود اجتماعي و إرهابه بالمراهقة السياسية ، فذلك ما يحيل بالدرج الأولى على موت الثقافة السياسية و الثقافة الديمقراطية منها بالخصوص ، إذا الكائنات البشرية التي تسوق عصبيتها الدينية بالقتل ، و إصدار البيانات المدعمة له ، تنبئ عن تهديد حقيقي للسلم الاجتماعي ، و عن فشل المشروع الإنسي الوطني أي عدم قدرة المنظومة الوطنية على بناء إنسانها الخاص ، الذي يدافع عن قيمها مهما بلغت درجة الاختلاف و التباين .

و بصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي الذي ترومه هذه العينة البشرية ، فإن الإشكال يتوقف عند نوعية الإنسان الذي ترتضيه سبيلا للتغيير ، فالأحداث أبانت أن هناك خللا أنطولوجيا في الإنسان الذي يمتح من هذه العصبية الدينية ، إذ أن فتاوى الجزر و البطاطس و غيرها من الخضار ، و الزواج العرفي و خلوة امرئ القيس صباحا و غراميات سوسو و شوشو في الوزارة و البرلمان ، تشي بأزمة ممتدة في الزمان و المكان و هي هوس الجنس ، مدعومة بمرجعية شيوخ إنتاجهم الثقافي لا يتجاوز أصبع نملة ، و كأن قدر هذه الحضارة أن تبحث فقط في تعدد الزوجات و كيفية الإيلاج ، و تحصين الفرج و المهبل و غيرها من القاموس الجنسي الذي برع فيه فقهاءنا ، و تواروا إلى الخلف في فضح الاستبداد و التسلط ، و في تسطير سبل التنمية و المشاركة فيها فعلا و قولا ، لا أسلوبا و بلاغة و تنطعا ، و بمعنى أدق أن نفهم الإنسان في مخياله و رغباته ، في فرحه و تعاسته ، أي أن نفهم الإنسان و نجد في سيبل الرقي به بعيدا عن الوصاية و الحجر .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق