أضيف في 24 غشت 2016 الساعة 12:00

درس ريو


رشيد اليملولي

درس ريو .

توصف الألعاب الأولمبية باعتبارها موعدا لجسر الهوة بين التفاهة و التعصب ، و بين قيم الحب و السلام و الإخاء على صعيد مختلف الثقافات و الشعوب ، و شتى أنواع التعابير وفق هذا المقياس ، حيث لا تركن فلسفة هذه الألعاب إلى الأفهام الضيقة و الحسابات التي تنتصر للذات في أضيق تجلياتها و دلالاتها ، و إنما توطد روح التنافس و قيم التعايش و لو للحظة وجيزة بعمر مباراة في أي نوع من الأنواع الرياضية ، و قد تكون نتائجه أنبل و أعمق من زيارات مكوكية سياسية أو دبلوماسية لإشاعة هذه القيمة أو تلك .

غالبا ما تكتسي الدروس المستقاة من الألعاب طابعا حديا في المحاسبة و تقييم المشاركة ، و ترقى معظم هذه الدروس إلى مناسبة للقول و القول المضاد ، و محاولة الانتصار خارج فلسفة الألعاب انطلاقا من التباين في السلم الحضاري و الانتماء الثقافي ، إلا أن المتمعن و المتفحص لدورة ريو دي جانيرو البرازيلية ، قد لا يقفز على دروس عدة منها :

ـ درس التجنيس ؛ و نخص بالذكر مجمل الطاقات الواعدة التي اختارت عن طواعية أو بفعل إكراه ما أن " تتنصل " من انتماءها لبلدها الأصلي و لو على مستوى الرياضة ، و اللعب باسم ألوان أوطان أخرى لها حضن أدفأ و رعاية أكثر ، و هذا الأمر في تقديرنا هو امتداد طبيعي لهجرة الأدمغة و الذكاء المحلي و الوطني ، نحو بلدان أخرى فيما سماه المبدع السوداني الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال ، و الدال هنا هو غياب الإرادة المحلية في توفير المناخ المناسب للإبداع و لاستقطاب كل الكفاءات مهما كانت طبيعتها ، و ذلك يتوقف قسرا على المشروع المجتمعي الخاص ، و خلافه يعني مزيدا من الهجرة ، و مزيدا من إهدار العنصر البشري باعتباره الحامل الموضوعي للتقدم و الرقي ، إذ لا زالت الشمس تشرق دائما من الغرب كما قال أستاذنا العروي ، و الذي لا يتورع في قطف الرؤوس التي أينعت بعد أن طردها مجالها الأصلي ، و حولها إلى مادة من مواد ما دون الفئات ، و لا حاجة للتذكير بمجموعة الأبطال المغاربة الذين حققوا مكاسب لبلدانهم بالتبني و الاحتضان ؛ فهل من مستجيب لوضع حد لهذا الإهمال المؤطر أخلاقيا و قانونيا ؟ .

و يتعلق الدرس الثاني بنظام القيم الرياضي ، و فيه نلمس تراجعا مهولا لمجال جغرافي اسمه العالم الإسلامي في شتى الرياضات ، فلا يعقل أن يدعو ديننا في شخص الرسول ( صلعم ) إلى تعليم الأبناء السباحة و الرماية و ركوب الخيل ، و لا نستطيع أن نحصل على المراتب الأولى ارتباطا بهذا الترغيب و تأسيا بهذه المنظومة المرجعية ـ التي ألهبت البعض و جعلت العديد من الفعاليات الرياضية تلجأ إلى الحجامة لدورها الصحي في تنشيط الجسم و تخليصه من الشظايا و الشوائب الزائدة .

إن ما يدفع إلى الاعتقاد بأن أنظمتنا الحضارية لا تولي و لا تعير أي اهتمام خاص لمثل هذه القيم النبيلة ، و كل ما تفعله هو توسلها بالدين فقط لدعم ذواتها ، و ترسيخ قدرتها على إفقار المجتمع من القدرة على المبادرة و تقديم الإضافة ، بدليل أنها تتغاضى عن أي رغبة في تقوية سبل التنافس ،عوض تدعيم المشاركة و تسجيل اسم البلد ضمن لائحة المشاركين انطلاقا من شبكة العلاقات و الزبونية و الولاء العصبوي أو القبلي ، فحتى الرياضات المومأ إليها سابقا لا نستطيع في أقل تقدير أن نصعد فيها إلى منصة التتويج .

إن درس ريو لا يقف عند تسجيل المعطى و تقديم مؤشرات التراجع ، و لكنه ينبئ بإشكال لا زال يواصل عطاءه في إعاقة و عرقلة أية بادرة تسمح لشعوب هذا المجال بالذوذ عن نفسها ، و صنع فرحها الخاص في صنع الفرحة و الندية و المنافسة التي وضعت من أجلها هذه الألعاب ، بل و الانتصار الذي يبطن التعايش و لا يلغي الثقافات لنظام القيم و الوعاء الأخلاقي لمنظومة مرجعية صاغت جانبا كبيرا من مستوى وعي هذه الشعوب .

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق