أضيف في 24 غشت 2016 الساعة 08:48

حكايتي مع الشقيقتين الفاتنتين ...


د موسى أبومحلولة

حكايتي مع الشقيقتين الفاتنتين ...

 

كزبون دائم ومواظب لسنوات عديدة على إستعمال قطار انفاق لندن ومحطاته المتعددة ﻻيمكنني تفادي لوحات اﻹعلانات التجارية التي يتفنن أصحابها وشركات إعلانات متخصصة ومتعددة في تصميمها وعرضها بتقنيات عصرية ﻻفتة تصرف عليها سنويا ملايين الجنيهات اﻹسترلينية ويتم تغييرها وتعديلها وتبديلها بشكل دوري منتظم ومدروس ... وفي هذا السياق تظهر بين الحين واﻷخر إعلانات وملصقات تروج لبعض المنتجات العربية التي ﻻتمث بطبيعة الحال للصناعة أو التكنولوجيا بأي صلة - ورحم الله إمريء عرف قدر نفسه - لكنها عادة ما تكون لوجهات سياحية في مصر وتونس والمغرب ودبي فتظهر ملصقات وصور ﻻتلبث أن تختفي بنهاية الموسم السياحي وبإنتهاء عطلتي الصيف ورأس السنة...

 

ما لفت نظري هو إعلان تكرر في العامين الماضيين يدعو الى زيارة عاصمة اﻷنباط وجوهرة السياحة اﻷردنية مدينة البتراء المنحوتة في جبال وادي موسى الصخرية بمحافظة معان الجنوبية  ... هذه الجوهرة التي نقشها أجدادنا اﻷنباط القدماء في القرن الرابع قبل الميلاد وجعلوها عاصمة لمملكتهم العتيدة فتطورت وأزدهرت لقرون قبل أن تغمرها وتدفنها رمال الصحراء كأختها جوهرة ليبيا وحاضرة الشمال اﻹفريقي لبدة الكبرى التي بناها أجدادنا الفينيقيون عند مصب وادي لبدة في القرن السادس قبل الميلاد وطورها ووسعها إبنها اﻹمبراطور سبتيموس سيفيروس في القرن الثاني الميلادي عندما إعتلى عرش اﻹمبراطورية الرومانية عام 192م ... 

 

غمرت الرمال الشقيقتينن بترا ولبدة لمئات السنين إلى أن جاء المستشرق السويسري يوهان بركهارت وأعاد إكتشاف الفاتنة اﻻردنية بترا في عام 1812م لتصبح بعد ذلك قبلة السياحة اﻻردنية المعاصرة وتدرج على قائمة اليونيسكو لمواقع الثرات اﻹنساني العالمي عام 1985م وتصور بها مجموعة من أشهر أفلام هوليوود وتتغنى بها فيروز ونصري شمس الدين في رائعة اﻷخوين رحباني "بترا" عام 1977م قبل أن تحتل الترتيب الثاني في مسابقة عجائب الدنيا السبع الجديدة في عام 2007م ...

 

كانت لبدة رغم جمالها اﻷخاذ وفتنتها الظاهرة أقل حظا من شقيقتها بتراء فقد تأخر موعد إزاحة الرمال عن مسرحها الكبير وشوارعها المعمدة وحماماتها الرائعة ومعابدها المهيبة إلى عام 1930م ليتم على يد محتليها اﻹيطاليين ورغم إدراجها على قأئمة اليونسكو لمواقع الثرات اﻹنساني العالمي في عام 1982م لم تتبوأ لبدة مكانها على خارطة السياحة الدولية حتى اﻵن رغم إمتلاكها لكنوز ثمينة تؤهلها لذلك بجدارة وإستحقاق ...   

 

زرت جوهرة الساحل الليبي وفاتنته لبدة الكبرى في أواخر ثمانينات القرن الماضي وكنت يومها عائدا بخفي حنين من مدينة سرت خائبا ومحبطا بعد زيارة معتادة ومتكررة  ﻹدارة العلاقات الثقافية طلبا لقرار إيفاد للدراسة العليا والذي لم أحصل عليه لعدم وجود "كتف" مناسب "وسمين" اتكيء عليه ﻹنجاز المهمة ... سلمت يومها أمريء لله وتوقفت في مدينة لبدة أتجول وحيدا في شوارعها المبلطة وأتفحص لوحات فسيفساءها الفريدة وأعتلي ركح مسرحها الروماني البهيج وأبوح بهموم يومي ولواعج نفسي لبحرها اﻷزرق الهاديء العميق.

 

أما بترا فها أنا أتسمر اليوم أمام صورتها الفاتنة المعلقة أمامي على جدار محطة قطار أنفاق لندن  أتأمل روعة إبداع اﻷنباط وحسن صنيعهم وأتمنى أن ادخلها زائرا عبر ذلك الممر الصخري المتعرج وأقف بإعجاب امام منحوتة الخزنة بأعمدتها الستة الشهيرة ...

 

واصلت سيري في نفق المحطة اللندنية الطويل المزدان بلوحات إعلانات جميلة وعديدة أبحث عن صورة الشقيقة الفاتنة اﻷقرب إلى قلبي واﻷثيرة عندي لبدة الكبرى في زحام الصور وتزاحم اﻹعلانات فلم أعثر على أثر لها  فالمسكينة قد طواها النسيان ووقعت هذه المرة وككل مرة ضحية إهمال متعمد دام أربعين عاما وتفاقم بخلاف حاد وصراع مرير بين أبناءها الليبيين إندلع منذ خمس سنين ليزيد معاناتها  ويضاعف مأساتها ومأساة ليبيا بأكملها ...

 

واصلت سيري بخطى متثاقلة وحزن دفين وخيل لي وأنا أصعد السلم المتحرك لمحطة شارينغ كروس اللندنية أن صرخة إستغاتة مدوية قد دوت بالمكان أطلقتها للتو مدينتي الفاتنة الحزينة ليتردد صداها في أنحاء اﻷرض:  سيبتيموس  ... سيبتيموس .   

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


تعليقاتكم

1- جميل

جراد

جميل هدا الوصف الدي هوا فوق الوصف
ما تعانية لبدة و الوطن باكملة رهين اولادها
يمكننا ازالة التراب عن لبدة و الهم و الغم عن ليبيا
ان صدقنا العزم و النية
ربي يحفضك دكتور موسي
دئماً متألق

في 25 غشت 2016 الساعة 42 : 15

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق