أضيف في 12 غشت 2016 الساعة 21:52

عبر ومحاذير في شأن المؤامرة على تركيا


أحمد حسيسو

إن ملحمة التصدي للانقلابيين ومحاصرتهم وهزمهم صفحة ناصعة من التاريخ المعاصر للشعب التركي العظيم، ينبغي أن يؤرخ لها المؤرخون بمداد من ذهب.

وسوف لن يكون من السهل الإحاطة الشاملة على الفور بملابسات العملية الانقلابية العسكرية الفاشلة، وبخلفياتها وخططها وبخيوطها المحلية والإقليمية والدولية، فضلا عن ارتدادات ذلكم الزلزال سواء على المستوى الداخلي عسكريا وسياسيا واجتماعيا أو على المستوى الدبلوماسي الخارجي والعلاقات الدولية، غير أن ذلك لا يمنع من وضع الأصبع على حكم وعبر ومحاذير نستخلصها من خلال قراءتنا لهذا الحدث المدوي، نعرج بداية على بعض العبر:

العبرة الأولى: نعنونها بقوله تعالى في سورة الرحمان: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"، فمنجزات حزب العدالة والتنمية للرقي بالشعب التركي بنظافة كوادره وصدقهم لمما يؤكده الخصوم قبل الأصدقاء، ولذلك وقف الشعب وقت الشدة إلى جانب قيادته المنتخبة وقفة بطولية رائعة منقطعة النظير، ولقن الانقلابيين درسا في العزة والإباء، درسا سوف تظل تتعلمه وتردده الأجيال مدى الزمان.

العبرة الثانية: إن الشعب التركي المسلم لم ولن يستسيغ الإذلال الذي لحق الأمة المليارية أمام الشرذمة الصهيونية العنصرية التي لا تزال تعيث فسادا في أرض الإسراء والمعراج لأزيد من ستة عقود، ولذلك فإن مناصرة القيادة السياسية التركية المنتخبة لحقوق الشعب الفلسطيني مفخرة للأتراك، ومدعاة لزيادة شعبية حزب العدالة والتنمية، على الرغم من نفوذ العسكر، والتحالف التاريخي لجنرالاته العلمانيين الكبار مع العدو الصهيوني.

العبرة الثالثة: إن شعبا جرب ألوان الظلم والطغيان تحت نير الديكتاتورية العسكرية المتخلفة المهينة، ثم استطاع التخلص منها بعد كفاح مرير لا يسعه إلا أن يهبّ وينتفض دفاعا عن كرامة وحرية وعدالة بذل لأجلها الغالي والنفيس.

العبرة الرابعة: إن العامل الحاسم في نجاح الشعب التركي في هذا الامتحان المصيري هو وعيه السياسي بالمؤامرات المنافقة الخائنة التي تحاك ضده داخليا وخارجيا.

العبرة الخامسة: إن وحدة الشعب لحماية المكتسبات الديمقراطية رغم الاختلافات الطبيعية لفرقاء المجتمع المدني في تدبير قضايا البلد، لمما يثلج الصدر، فقد انبرى الجميع صفا واحدا لدرء الخطر الأكبر المتمثل في عودة الاستبداد على طريقة الانقلاب الذي قاده الديكتاتور السيسي في مصر.

ثم نعرج قليلا على بعض المحاذير لما بعد الحدث:

أولا: إن أحداث ما بعد الربيع العربي في مصر وما يحدث الآن في تركيا قد فندت مقولات من قبيل "ولى زمن الانقلابات العسكرية"، "العالم يتجه نحو القيم الديمقراطية" و"لم يعد بالإمكان التساهل في العدوان على حقوق الإنسان في غالبية البلدان" مقولات يحلو للبعض أن يرددها تفاؤلا، فوجب أخذ المزيد من الحيطة والحذر من محاولات السطو على الحكم بمختلف الطرق غير المشروعة، وبالخصوص في العالم الثالث.

ثانيا: إن تلامذة مصطفى كمال أتاتورك سبق لهم أن أجهضوا التجربة الديمقراطية التي أتت بالدكتور نجم الدين أربكان رحمه الله إلى سدة الحكم، فوأدوا آمال المهندس أربكان الخبير بعلوم الميكانيكا ومعه أحلام الشعب التركي في مخططات التصنيع والتقدم بالبلاد إلى مصاف الدول الصناعية، لا لشيء سوى لأجل الاحتفاظ على الامتيازات المادية التي يحظى بها العسكر ولو على حساب مصالح الشعب، فليس من السهل إذن على العسكر القبول بالهزيمة أمام الرغبة الشعبية في الانعتاق وتحقيق الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. ولذلك فلن تنتهي في تقديري مخططات السعي للسطو على السلطة لاسترجاع "أمجاد" الحكم العسكري كلما سنحت الفرصة.

ثالثا: إن رياح الأوضاع الإقليمية والدولية الحالية تجري بما لا تشتهيه سفن التغيير الديمقراطي، ذلك ما تؤكده جرائم الانقلابيين الدمويين في مصر، وهاهو نظام الديكتاتور السيسي أول الفرحين المستبشرين بالإطاحة بالعملية الديمقراطية في تركيا طمعا في أن يجد لنهجه الخبيث أُنسا وعونا، وهاهو النفاق الغربي المتردد بادٍ في أبشع وجوهه، فأين نصرة الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتبجح بها أمريكا وأوربا مما يجري في تركيا؟!

رابعا: إن هناك تحالفا دوليا وتوافقا بين مكوناته على عدم السماح بتأسيس أية دولة إسلامية قائمة على أساس الإسلام الحق، ولا بصعود أية قوة فاعلة في العالم مبنية على أساس الإسلام لدواعي حضارية وتاريخية وإيديولوجية لا يتسع مجال هذا المقال للخوض في تفاصيلها.

خامسا: ينبغي على الحكومة التركية التعامل بحكمة وروية مع المتورطين في العملية الانقلابية، فالإفراط في المحاسبة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وقد يطال الحساب ويصل الأذى قوما يحتمل أن يكونوا أبرياء، فحذار من الظلم، إذ الظلم ظلمات يوم القيامة.

خلاصة الأمر فإن الأمة الإسلامية الموعودة بالنصر والتمكين ولو بعد حين مستهدفة أكثر من غيرها في مقدراتها حتى لا تقوم لها قائمة خصوصا بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، ولن يألو الأعداء جهدا في سبيل تكبيلها وإضعافها وإبقائها في أسفل دركات التخلف في كل الميادين، قال الله عز وجل في الآية 30 من سورة الأنفال: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وقال في الآية 36 من نفس السورة أيضا: "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون" صدق الله العظيم والحمد لله رب العالمين.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق