أضيف في 6 غشت 2016 الساعة 11:52

الأستاذ اليوسفي و الباقي


رشيد اليملولي

الأستاذ اليوسفي ...و الباقي .

قد لا تجود الساحة السياسية بالنماذج البشرية إلا لماما ، و قد لا تسعف المنظومة الاجتماعية و الثقافية في تربية " النوادر " بالمعنى التاريخي و ليس الديني ، و السبب فيما نعتقد المستوى الحضاري العام و نظام القيم المتبع في دولة من الدول .

إن الرفع من قيمة رمزية سياسية لا يعني البتة تصويرها خارج النماذج البشرية ، و التحليق بها خارج المستويات المعهودة من الإدراك ، و لكن مناط الأمر تقدير حجم و طبيعة هذا المستوى الرمزي بدرجة الإخلال و الإحباط الذي يخترق العملية السياسية ، و ضعفها في إفراز نخب قادرة على رسم توجهاتها باللغة السياسية و بالحنكة و الرزانة و الوطنية المطلوبة ، و التي لا تنصر إلا للمجال الجغرافي بمكوناته الهوياتية المتعددة و المركبة تركيبا يتماشى مع الأفق القيمي و التنموي و الحضاري الذي يرتضيه بلد من البلدان سبيلا لبناء حضارته و نسج أبنية مجتمعه و ثقافته و سياسته و فنه ، هذا التقدير يرتد إلى بناء تراث لا مادي و مخيال رمزي و اجتماعي ينتصر للقيم السياسية النبيلة ، و يحول مجالها من القيم السلبية المرتبطة بالمقولة المشهورة " أعوذ بالله من ساس يسوس سياسة " إلى قيم الإيثار و نكران الذات و التفاني في الخدمة انتصارا للوطن و القدرة على بلورة تصورات تخدم تقدمه ، دون تصويب النظر إلى أراضيه و عقاراته و امتيازاته و سياراته و سلطته .

إن سياق استعادة الأستاذ اليوسفي مثقل بهموم سياسية و اجتماعية ، تعني الحنين و الرغبة في قيادة سياسية تتجاوز سلطة الإكراه في تنزيل المقتضيات الإصلاحية ، و تبدع في إيجاد مخرجات للأزمات انطلاقا من الوطنية الصادقة و البناءة ، التي لا تميز بين فئاته ، و لا تسحق طبقاته من أجل مجد شخصي أو بناء زعامة وهمية تسوق خطاب التدين عوض الدين ، الذي يحارب الباطل و ينتصر للحق ، و لا تأخذه في ذلك لومة لائم ، و هي صورة لتوجيه مخيال المجتمع " الأمي " نحو خيرية أفراد دون آخرين ، في حقل عقيدته الخطأ و ديدنه الاختلاف و التغيرات التي لا تستقر على حال .

إن الاستنجاد بالطاقة الرمزية و الإيحاء الوطني الدال و المعبر عن درجة الالتزام بمغربية و مغاربية القضايا الداخلية ، ليعد بحق علامة فارقة في التاريخ السياسي الوطني ؛ إذ توكل هذه المفارقة إلى فشل الدولة في مشروعها السياسي من خلال إفشال الأحزاب الوطنية و القوية ، سواء بالاستناد على أحزاب طفيلية ريعية تربت في مراتع الداخلية ، أو في ملاحقة و متابعة الرأي المخالف بالاضطهاد و القمع و التهميش و الإقصاء و المواجهة الدموية ، و من جانب آخر فشل الفاعل السياسي الوطني في تكييفه و تكيفه مع مقتضيات الصراع مع دولة موغلة في المخزنة ، و لا ترى إلا " أناها " في تدبير القضايا الوطنية ، و فرض " فلسفتها " التنموية الخاصة ، الفاشلة بالضرورة بالنظر إلى نتائجها الكارثية ، و عدم قدرتها على تقديم ذاتها كنموذج يحتذى به دوليا ، و ذلك لأن هذا النموذج قائم على تهميش حيوية و فعالية القوى المغايرة أو المعارضة ، و في سبيل التقليل من الطابع المركزي الصرف و أسلوب الدولة الفاشل تنمويا ؛ يقتضي الانتقال بسرعة قصوى إلى تفكيك مقومات البناء التقليداني للسلطة و آليات اشتغالها ، و تنحية الاحتياطي الريعي المتعلق بها ، وبناء الدولة على المشروعية الثقافية و العلمية ، و حتى يتسنى لنا القطع مع الأشكال السياسية الفجائية و التدبير البطيء و الروتيني للمسألة الديموقراطية ، و صناعة الزعامات الوهمية التي تتحين الفرصة و الهمزة السياسية لفرض شعبويتها المفرطة أكانت " حداثية " أو يسارية أو دينية أو يمينية لا ترى في المغرب إلا طريق زعير ، ومال موازين و المهرجانات .

يحبل الحقل السياسي المغربي الحالي " بنقاش " مغلوط ؛ يسعى جاهدا للتنميط و قتل الاستثناء و الرمزية ، و هي المقارنة بين رئيس الحكومة الحالي و الأستاذ اليوسفي ، بعد التكريم الرمزي للأستاذ عبد الرحمان بإطلاق اسم شارع كبير بطنجة على شخصه ، و طبيعي أن المقارنات العشوائية تنتج نسخا مشوهة تبتعد عن الأصل ، و تتجاوز العديد من القواعد و الأعراف المنهجية في المقارنة .

1ـ سياق المقارنة ؛ و ينبني هذا السياق على مغالطة تاريخية تقوم على تنميط الرموز السياسية ، بمعنى استعادة رمز اليوسفي في هذه اللحظة ، هو توق دال على الرغبة في قيادة سياسية قادرة على قيادة قاطرة المغرب المحتقن اجتماعيا ، عكس ما يروج له من أن هناك تشابها بين الأستاذ اليوسفي و رئيس الحكومة الحالي ؛ فالأول تقلد المهام بعد صراع طويل مع المخزن ، و في ظل وضعية كارثية سميت من طرف أعلى سلطة في البلاد بالسكتة القلبية ، و هو اعتراف صريح بفشل النموذج الدولوي في قيادة المغرب ، في وقت تقلد الثاني زمام التسيير في ظل وضعية اجتماعية متوترة بالمعنى الإيجابي ، أي سريان ثقافة ثورية طامحة للحرية و لمزيد من الإصلاحات الهيكلية ، بشكل قد يقوي من المتاح و الإمكان السياسي الذي يفرز ثقافة حقوقية ، تؤسس فعلا للانتقال الديمموقراطي و تحاصر المخزنة و السلط السيادية المرتبطة بها ، و من ثم توفير الجو لإعادة الحياة لمسلسل البناء الديموقراطي المتعثر منذ السبعينات و تقوية السلط المتعلقة به ، إلا أن العكس هو الذي ساد ، و بطريقة جعلت التخوف و الريبة و اليقين من الارتجاع مسلكا سائرا في طريق التركيز .

2ـ الشخصية السياسية ؛ يعد اليوسفي مسارا و صورة لثقافة سياسية خبرت التفاوض و قادت جانبا منه ، و راكمت تجربة مهمة في إثراء الشخصية و الذات الحزبية ، و هو ما تفسره الآمال العريضة التي علقت على تجربة التناوب التوافقي ، و نعتقد أن خطوات اليوسفي في تنويع الشراكات بالانفتاح السياسي ( ملف الصحراء ) و الاقتصادي مع دول قوية آسيويا مثل الهند و الصين ، و في أمريكا الجنوبية ، يعد بحق البوابة التي منها تتحرك السياسة الخارجية الوطنية ، بالإضافة إلى اللغة السياسية الهادئة و الثقافة الحقوقية الوازنة ، و التي تجلت في التنحي و تقديم الاستقالة بعد الانقلاب على التناوب التوافقي سنة 2002 ، ورصد آليات التحكم و تغييب المناخ القادر على صناعة التغيير حسب ما تجسده وثيقة بروكسيل 2003.

أما رئيس الحكومة ؛ فهو منتوج سياسي يرتبط بالعمل الجمعوي و المناخ " الشعبوي " الذي رافقه ، و ذلك ما أضفى على شخصه طابعا مشتتا يجمع بين التهريج ـ النكتة ، و اللغة العنيفة المؤطرة بخلفية نفسية لا تحتكم للرزانة و الحكمة المطلوبة ، ما يؤكد ذلك طبيعة الردود و الحوارات الشخصية و البينية في البرلمان و مع الصحافة ، وبحكم الضعف في الرؤية و التصور اتجهت البوصلة إلى الجبهة الداخلية عبر إضعافها ( التقاعد ـ الأساتذة ـ صندوق المقاصة ) ، و افتعال أزمات سياسية لا تكتسي أي قيمة أو معنى ( الصراع البسيط و الهامشي بين رئيس الحكومة و أمين حزب الاستقلال في مرحلة أولى ، و في مرحلة ثانية مع أمين حزب البام حاليا ، وهي صراعات فارغة من دون محتوى و من دون مضمون سياسي ، بل تتخذ من القبلية و غياب الصراع الثقافي و القيمي مرجعية قصوى ) ، الأكثر من هذا إقحام المؤسسة الملكية في قضايا معينة و توريطها في صراعات غير دستورية ( الشاذ الإسباني ، ثم الصراعات الحزبية حسب خطاب عيد العرش في 30 يوليوز 2016) .

حين نؤكد على رمزية الأستاذ اليوسفي و نعنون مقالنا بالأستاذ و الباقي ، نروم أولا و أخيرا انتشال السياسة من أي توظيف أو لغة تحتقر الوعي و النضج ، و تتعالى على المجتمع بسياط الإصلاح الفارغ اجتماعيا و سياسيا إن لم يخدم الإنسان المغربي ، لا أن يخدم مزبلة التنمية من ضعف رؤيته المستقبلية ، وتوريط المغرب في عقود من التأخر ، و تجدير الإحن و التفاوت المريع .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق