أضيف في 1 غشت 2016 الساعة 11:25

يوميات الإهانة


رشيد اليملولي

يوميات الإهانة .

ليس غريبا أن تخط الدول الفاشلة تنمويا و سياسيا لنفسها مسارات و دروبا غير مؤهلة للإنتاج و الاستمرارية ، يعوزها النفس الطويل و تأبى بإرادة منها أن تنتبه إلى فراغاتها و بياضاتها ، و غالبا ما تحاول طمس الظاهر و جعل الانتظارية واجبا وطنيا ، و الصعوبة سنة شعبية ، و اللحظات الحرجة إجماعا و مصالح مرسلة ، الكل ينتهي إلى إرساء الفشل الحضاري و تقويمه وتعديله كلما اقتضت الضرورة ذلك .

أن يعاكس المقدم بدراجته النارية كل قوانين السير و يتنطع بسلطوية طاووسية و في خرق سافر لأبسط الأدبيات في السير ، معتقدا أنه فوق القانون و لا أحد يماثله .

و أن يقدم القائد و الباشا و الشيخ إلى عمله متأخرا لترسيخ سلطة الاستقواء و العنجهية ، و أن تمر سيارة للدولة في يوم عطلة لنائب أو مستشار أو سائق مسؤول " كبير " ، و أن تحمل هذه السيارة الأولاد و الأحفاد و الزوجة و الأخوات إلى الحمام و المسبح أو سوق الخضر .

و أن يتصيد الشرطي أو الدركي المارة لا لفرض سلطة القانون ، و لكن سعيا لفئات العملة الوطنية

و أن تترامى المقاهي على الملك العمومي و تتاجر في الممنوع و في تقديم أجساد فتيات في مقتبل العمر لعطشى الجنس ، و هواة متابعة المؤخرات و تفاصيل الجسد .

و أن تمتلئ الشوارع بسلع التهريب و أنواع المأكولات الفاسدة لتنخر الاقتصاد الوطني .

و أن يصطف الناس طوابير أمام مكتب موظف عقود الازدياد و الحالة المدنية ، و الموظف لا زال في المقهى يرتشف قهوة الصباح ، و يدخل عنتريا إلى مكتبه لا يرقب إلا و لا ذمة ، و يفتعل كل ما من شأنه أن يدفعه للغضب و الامتناع عن العمل .

و أن تتبجح علينا قنواتنا الوطنية في كل همسة أو همزة أو إيماءة أو إشهار بأن الخير مع الانتخابات و مع النظام ، و أن المواطنة مع برامج الطبخ ، و أن التحضر خلف الأرداف و الخصر و النهد المتقاطر في سهرة نهاية الأسبوع ، و أن الإنسان المتزن هو من يرقص مع كل النغمات و يطرب لكل أنواع التفاهات .

للإهانة في وطني ألف عنوان و آلاف الصور و المشاهد التي تتفنن في قتل كل ذرة كرامة تعلو محياه ، و الأغرب أن تكون الإهانة بقانون خدام الدولة .

كان لزاما على دولة تدعي الديموقراطية بكل فاعليها ، أن تنص في دستورها عل مفهوم خدام الدولة ، وأن تصدر قوانين تنظيمية تتيح لنا معرفة كل ما يخص خادم الدولة ، وأن يخرج ذلك في الجريدة الرسمية ، و يطلع عليه عموم المواطنين ، حتى يسهل علينا أن نفهم من هو خادم الدولة ، أما أن تختار الدولة " الضبابية " و " الغموض" في تحديد مصطلحاتها ؛ فذلك ما يحيل على الطابع الشائك و المبهم لكل المصطلحات الدستورية و القانونية المبثوثة في النص الدستوري.

إن الارتداد الأقوى لمقولة خدام الدولة ، يكمن في الأفق التمييزي الذي يؤطره ، و من ثم في بناء نسيج اجتماعي هش من خلال التركيز على الفلسفة التراتبية في إقامة و بناء المجتمعات ، و إرساء هرمية اجتماعية و سياسية و ثقافية لا تساعد على الإطلاق للحديث عن هوية مركبة تصهر التعدد في إطار الانسجام الدال ، و الإدماج المعبر ، دون الوصول إلى الثقافة الحقوقية و المغرب المتعدد ، مادام هذا القانون يرفل في زمن الاستعباد و التحقير ، و ينبني على التهميش و الاحتقار ، و طبيعي أن المضمون النفسي و الثقافي لهذه السياسة يرتكز على مرجعية مسكونة بهوس فقدان الشرعية و الرهاب من فقدان زمام الزعامة ، أو داء التاريخ أي الارتداد دائما إلى ثقافة الجمل في بناء الذات حسب التصور النيتشوي ، المحصلة النهائية أن خدام الدولة مصطلح عام لا يتقيد بحد ، لأنه يخدم السلطة و لا ينفع الوطن و الدولة ؛ فالانتفاع المتأتي منه يرتد إلى الطبيعة الوظيفية ، و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدرج ضمن خدمة الدولة ، لسبب بسيط هو أن مردوديته لم تحقق الإضافة بالمعنى المتكامل الذي ينقل المجتمع من لحظة حضارية إلى أخرى و من سياسة إلى أخرى ، أما أن يدافع عن " ايديولوجية " السلطة ، فذاك ما ينافي الوطن لأن الدولة ليست سلطة توزع بركاتها على المريدين و سخطها على النقاد و المعارضين .

غير أن سكوت الدولة عن إهانة المغاربة و الاستخفاف بعقولهم ، قد يدفع في اتجاه تلاشي قيمة المواطن و الإنسان في المنظومة الدستورية و الحضارية لهذا البلد ، من ذلك التغاضي عن الدور الحقوقي و الدستوري و التحكيمي في نازلة تعد سابقة بالمعنى الثقافي " ذهنية القتل " ، و ذلك من فاعل سياسي لا يملك في تقديرنا تلك " التيمة " المميزة للعمل السياسي ، و هي القدرة على إدارة الاختلاف بما يخدم الوطن و الإنسان ، بقدر ما يركن بحكم طبيعته إلى الاستنجاد بحقل دلالي مليء بشحنة نفسية و ثقافية كابحة للاختلاف ، ممجدة للوحدانية و التسلط و خيرية الذات ؛ إذ شنفت مسامع المغاربة بقصيدة سياسية جديدة ، هي عبارة عن فتوى شاذة تقول بوجوب قتل المعارضين لرئيس الحكومة ، و الأدهى الدفاع عن هذا القول بحرية التعبير ، فإذا كان القتل عنوانا للحرية ، فلماذا تقام الدنيا و تقعد على لباس كاشف و على قصيدة موحية أو فيلم جريء ؟ .

هل يمكن للمبدأ أن يجزأ و تقطع أوصاله لمجرد الاختلاف في المرجعية ؟

إن الدفاع عن تبرير القتل فقط للاختلاف و المعارضة ، لا يعدو أن يكون إلا صورة من صور الفشل الثقافي و السياسي في الاقتناع بالأسلوب الديموقراطي ، و يبدو لنا أن أي خطاب يمتح من الديموقراطية بهدف تسويق الذات ، يندرج في إطار الحرج السياسي و ليس الاقتناع الذاتي و الثقافي و الفكري بجدوى الثقافة الديموقراطية ، و هذا يصب في إشكال أكبر هو علاقة التأسلم و التدين الشخصي بإدارة و تدبير الاختلاف في المجال العام .

أن يهان المرء يوميا و الوطن يبنى فذاك وسام و تاج يسجى على الرؤوس ، أما أن يهان من أجل الإذلال و قتل الاختلاف و رص صفوف رعية تقاد إلى مصير تنموي مجهول ، و إقامة و ترسيخ ثقافة الولاءات و شبكة الزبونية ، هذا ما يعني أننا نبني وطنا خائر القوى ، ضعيف العزم ما دام الوطن قيما مادية و رمزية نتقاسم جميعا حلوها و مرها .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق