أضيف في 24 يوليوز 2016 الساعة 17:12

مسلسل الإهانة


رشيد اليملولي

مسلسل الإهانة .

أن تهان معناه أن تستباح في وجودك المادي و الرمزي ، و ترقى إلى شيء من دون كينونة أو جوهر ، و تعد في أحسن الأحوال من الرعايا في أضيق دلالات المعنى و إيحاءات اللفظ ؛بمعنى أن تستحلب منك كل معاني الإنسانية و تتحول قسرا إلى هامش تصنع على ظهره و بوساطته الأمجاد ، فملاح كريستوف كولمب لا معنى له في الأسطغرافيا التاريخية و لن يضاهي مكانة قائد الاكتشافات ، مع العلم أن المجد في هذه الحالة و في جميع أنواعها صنع على عاتق و أكتاف العبيد و الفلاحين و الحرفيين نساء و رجالا ، و احتفظ التاريخ بالبطل و الزعيم ، و لفظ الباقي عن قصد إلى مزبلة التاريخ أو هكذا أريد له .

لكن عندما يتقوى المجتمع بكتلته التاريخية و يتجاوز المؤسسة التي تعيق سيره باسم النظام ـ الاستبداد ، و ليس البيروقراطية الفيبرية أو العدالة الراولزية ، و عندما يصبح المجتمع في تناقضاته و صراعات عنوانا لتجاوز الدولة ـ السلطة ، انطلاقا من المبادرة و القدرة و الفلسفة الاقتراحية ، آنذاك تغدو الدولة بمختلف مرجعياتها و أدواتها دولة الفشل التنموي بامتياز ، حتى لا نقول دولة الطغيان و العسكرة المفرطة أو الانقلابية ، أو دولة الشوكة و العصبية بتعبير ابن خلدون ، أو وحدانية التسلط بتعبير فيلسوف قرطبة .

القوة الحضارية تستمد من قدرة هذا المجتمع على صياغة أمله الخاص في ظل صناعة الكوابح و المعيقات و العوائق المتأتية من الدولة من خلال تأبيد سلطة ما أو معنى ما أو شرعية ما ، و لا نكتفي هنا بالحديث عن الفشل ، بل نستطيع القول جهارا بالموت الحضاري و في نموذج سياسي محدد بمختلف فاعليه .

إن قدرة سلطة ما على إطفاء جذوة الانتقال المدني الفعال و الثقافة السياسية البناءة ، لا تشير إلى قوة الآلة القمعية ، و إنما قد تفسر بأزمة التمثل و من ثم الفهم في استيعاب مجريات التطور البشري ، و تعطيل أجهزة هذا الانتقال بأدوات داخلية و خارجية ، الغرض منها استباحة الأخضر الإنساني ( الثورة غير الدموية ) ، و إخواء أفقه من أي أمل حتى و لو اقتضى الأمر فض و هتك المقدس الديني ، و تحويله إلى آلة لقطع الرؤوس و جز النفوس بالتخوين و الخروج عن الجماعة .

أن تعيش في بلد حكومته تعشق ذبح الإنسان و الإنسانية معا ، و أن تؤمن في هذا البلد بأن القدر الثوري ـ التغيير ـ لا يرتبط بالسلاح في مخيلة و بنية الثورات المعاصرة ، و إنما يتأسس على صناعة الغد الثقافي و العلمي و الفني و الإنساني ، تأسيا بالمعجزة اليابانية و بكل المعجزات الإنسانية التي تحققت على الأرض بأقل الخسائر ( كوريا ، أندونيسيا ، ماليزيا ) ، و أن تعشق هواء هذا الوطن و ماءه و أزباله المستوردة ، وأن ترى في إعلامه و مسرحه و فنه السابع مجازر للإبداع و التنميط و الإسفاف ، و مع ذلك تصر على أن قطرانه عسل مصفى ، وأن ألمه لحظة فلسفية نيتشوية بامتياز ، فالوطن قد يأخذ و لا يعطي و قد يؤلم و لا يعوض ـ نقول الوطن و ليس السلطة ـ فذلك من سنن الحياة ، و مرحى أن نكون حطبا حضاريا للأجيال المستقبلية ؛ أليس هذا تنمية مستدامة موقعة على شيك فارغ ؟ .

لكن أن يصوت على عدد قياسي من مشاريع القوانين ، و أن يقرر في ملف مصيري يهم فئات واسعة من الشعب شرذمة قليلة و زمرة لا تسمن و لا تغني من جوع و في الولاية الأخيرة ؟ أوليس في الأمر مؤامرة بغطاء تشريعي ؟ و هل لهذا القرار مصداقية أخلاقية في ظل تغيب مقصود و نية مبيتة و لغة إصلاحية لا تملك مشروع الإصلاح ما دامت سياسة مرهونة بأفق زمني قصير يرقى إلى الترقيع ؟

أما نحن فنرى في النازلة مسلسل إهانة مقصود ، و العجب أن لا مستفيد منه ؛ هل تستفيد الحكومة من إصلاح يقبر مشروعيتها الاجتماعية ؟ و إذا كان مسلسل الإهانة ضد المجتمع فهو لمصلحة من ؟ و هل تعلم الأحزاب أنها عائدة إلى سدة التشريع و إن أخلت بالتزاماتها ؟

نميل إلى الاعتقاد أن حرب التحرير القادمة تتوقف قسرا على ضرورة تغيير الإدارة السياسية و النقابية و المدنية ، انطلاقا من المرحلة التي تقتضي وعيا مدنيا و سياسيا ، لا يقوم على مبدأ التعاقد الأخلاقي و حسن النيات ، و إنما يرتبط بطبيعة المشروع المجتمعي و الحضاري خارج قواعد الكفاح الايديولوجي الضيق و لو اقتضى الأمر " تسييف " هذا الانتقال كما حدث في الوحدة الأمريكية بين شمالها و جنوبها .

تنبع الإهانة المتوالية من عدم القدرة على جسر الهوة بين الأمل السياسي و مقتضيات الصراع الاجتماعي ، و عادة ما يتم الإخلال بأبسط أدبيات الصراع إلى حد تمييعه ، و تكريس نظام قيم قائم على أساس الهمزة و الفجائية ، و كل أنواع التحايل و الحبك و الإبرام السياسيين القائمين على شبكة التوافق و الإرضاء و الزبونية ، و بشكل حول الإهانة إلى مبدأ و ثابت سياسي ، يتم تبريره تارة بالعفاريت و التماسيح و الجن ، و تارة بجيوب المقاومة ، هذا الطابع في بناء هندسة إهانة حضارية لا يتوقف عند مسار معين ، حيث يخترق مجمل الحياة العامة ، و يردي كل معاني و منابع الأمل إلى مستنقع لتجفيف الإرادة السياسية من أي قيمة نضالية أو نفس حقوقي ، و لعل المسار التنموي المغربي في نتائجه المروعة خير دليل على ذلك .

الإهانة أن تتحرك السلطة لزيرو ميكا ، و لا تتقيد بالقانون الرمزي و الأفق الأخلاقي في استيراد أزبال إيطاليا ، بل و أن تصنع مخيالا رمزيا معاقا يرى في وطنه وكرا لدفن الأزبال و النفايات ، و يستعد لاستقبال ضيوف الميثاق المناخي فيما يعرف بكوب 22 .

الإهانة أن تسخرالسلطة كل طاقاتها و رموزها ووسائلها ، و بمعنى أدق نسيجها السلطوي من أجل الترويج لمشاريع هشة ، و أن تنحي أمام زيرو كريساج ، و زيرو شوماج ، و زيرو إدماج ، و زيرو ثقافة و علم و فن .

الإهانة أو الحكرة بالمعنى السيوسيولوجي المتعارف عليه في أدبيات 20 فبراير أن تجد السلطة الأموال لموازين ، و لمهرجانات الصيف و برامج الإسفاف ، و سهرات اللهو و الغناء بالمعنى الشعبوي ، و لا تكلف نفسها إيجاد أموال البنية التحتية ، و شوارع الماكياج التي ملئت صفحات الفايس ، حتى لا نقول الزيادة في الأجور و تقوية الطبقة الوسطى ( في الوجه الآخر الزيادة في أجور السلطات الأمنية و في مساكن الولاة و العمال و القواد و الباشوات التي تكلف الدولة مبالغ طائلة في و قت أن السلطة الوصية مسؤولة مسؤولية كبيرة عن الفقر التنموي في العديد من الجهات إن تحدثنا عن حصيلتها ).

الحكرة أن تتصرف الدولة بأسلوب حضاري مع فناني الخارج ( بلال و خالد مثالا لا حصرا ) في وقت أهانوا سيادة المغرب ( الجنسية ـو الغناء في تندوف ) و بالمقابل تتفن في تحجيم أراء الوجوه الثقافية الوازنة ، حتى لا نقول قمع أصحاب الرأي .

الحكرة أن تغدو أغاني البساطة و الفهاهة و الهامشية ، رمزا للتوعية و لتوجيه الذوق العام ،و بناء المرجعية الفنية القارة للمغاربة ، و ترويج خطاب التجديد الفني و الموضة .

لكن أغرب الإهانات أن تتحول القواعد السياسية و النقابية أو بمعنى أدق الكتلة التاريخية إلى جيوش متمترسة لإبطال مفعول الوعي و ترسيخ ثقافة الاحتجاج و الحجاج البناء و الهادف ، و إقبار كل الأصوات و تخوينها ،مقابل أن تظل مسجاة على كرسي تتآكل جدران شرعيته و مشروعيته يوميا ، و تعتقد أنها تمارس الديمقراطية بتصدير و تسويق خطاب الديمقراطية المسموم .

الإهانة أن يكون على رأس سلطاتنا التشريعية شخص يمارس علينا سلطاته المنتخبة " ديمقراطيا " ، و نحن نعلم أن ما ينتجه الفاعل لا يساوي جناح بعوضة أمام حجم طموحاتنا و آمالنا ، و كأن قدرنا أن نعبد له الطريق و نقاتل بسيوفنا و أفكارنا ، و نفتح العاصمة و نشرع لها أبواب المشاريع ، و ننتظر أن يأتي " طاغيتنا " ليتنكر لنا معللا قوله " ليس في الإمكان أبدع مما كان " فنحن من نصنع طواغيتنا كما قال علي عزت بيغوفيتش .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق