أضيف في 22 يوليوز 2016 الساعة 12:54

أنور الجندى والمعارك الأدبية فى مصر


إبراهيم عوض

أنور الجندى والمعارك الأدبية فى مصر

إبراهيم عوض

 

 

 

فى ندوة تلفازية كنت مشاركا فيها منذ عدة أعوام حول كتاب ظهر وقتذاك يدعو فيه صاحبه إلى تطوير اللغة العربية، تطرَّق الحديث إلى الضعف اللغوى الملاحَظ فى أساليب الكتابة حتى بين المتعلمين، وكان من رأى الطرف الآخر صاحب الكتاب أن ذلك راجع إلى صعوبة لسان العرب نحوا وصرفا، أما أنا فكان لى رأى مختلف، إذ أرجعت ذلك إلى اللامبالاة التى تعيشها الأمة، لا فى تعلم اللغة العربية فقط ولا حتى فى التعلم بوجه عام فحسب، بل فى كل مناحى الحياة. وكان دليلى هو أننا متخلفون فى كل شىء حتى فى نظافة الشوارع، ولا علاقة لنظافة الشوارع بطبيعة الحال باللغة العربية، بل هى حالة عامة تعكس تخلفنا الحضارى الشامل. ثم قلت إن على من يخطئون فى لغتهم ولا يحسنونها كما ينبغى أن يأخذوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، فانتابت الطرفَ الآخرَ الذى كان ينادى بتطوير اللغة العربية عن طريق إلغاء التأنيث والمثنَّى والإعراب وما إلى ذلك دهشةٌ بسبب استشهادى بهذا الحديث ظنا منه أن مجاله الأخلاق وأننى حشرته فى ميدان التعلم والتعليم دونما أدنى مسوغ. فكان جوابى هو أن الحديث مطلقٌ يَصْدُق على التعليم كما يصدق على الأخلاق، بل يصدق على كل شىء يعترى الإنسانَ فيه خطأٌ ينبغى تصحيحه. لكن لم يبد على محدّثى أنه قد اقتنع بما قلت. والواقع أننى لم أكن أقل منه دهشة واستغرابا من فهمه هذا، إذ الرسول لم يقيد الخطأ بأنه الخطأ الأخلاقى، ولو كان صلى الله عليه وسلم يريد هذا لما سكت، بل لكان قد وضّحه توضيحا. ثم من قال إن لغة العرب إذا استعملت كلمة "الخطأ" لم تقصد إلا الخطأ الأخلاقى؟ ومن يستطيع الزعم بأن رسول الله عليه السلام لم يأت إلا برسالة خلقية؟ إن الأخلاق هى عمادٌ هامّ من عُمُد الحياة، كما أن الرسول، حسبما قال فى أحد أحاديثه، قد جاء ليتمم مكارم الأخلاق، بيد أن الأخلاق ليست كل شىء فى دنيانا، بل هى شىء واحد رغم كل أهميتها العظيمة. فهناك العلم والأدب والفن والتجارة والزراعة والصناعة والسباكة والطِّبَابة والتمريض والبناء وتمهيد الطرق وتنظيف الشوارع... إلخ. وكل نشاط من هذه النشاطات إذا أخطأ فيه ممارسه فعليه أن يتوب من خطئه ويعود إلى الصواب، بمعنى أن عليه دراسة وجه الغلط والتقصير وكيفية التخلص منه وتصحيح مسار العمل، وإلا فهل المخطئ فى غير ميدان الخلق لا حرج عليه ولا يطالَب بالتوبة، التى تعنى العودة عن الخطإ إلى الصواب؟ لا أظن عاقلا يقول بهذا.

 

لكن لماذا بدأتُ كلمتى هنا بهذه الحكاية؟ لقد بدأتها على هذا النحو لأبين أن فهمنا لديننا ونصوصه فهمٌ ضيقٌ فى كثير من الأحيان، وهو ما يقتضينا مراجعة تصورنا لهذا الدين العبقرى العظيم، فضلا عن العمل بمقتضى تلك النصوص حتى لا نحرم من خير كثير. ومن هنا سأبدأ كلامى فى الموضوع الذى أنا بصَدَده (وهو علاقة كتابات المرحوم أنور الجندى بما وضعتُ من مؤلفات) بالاستشهاد بقول الرسول الكريم: "مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل الغيث الكثير أصاب أرضا: فكان منها نَقِيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقَوْا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قِيعَانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مَثَل من فَقِه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومَثَل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هَدْي الله الذي أُرْسِلْتُ به"، وكذلك قوله عليه السلام: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم يُنْتَفَع به، وولد صالح يدعو له". ذلك أن ما كتبه أنور الجندى، وينطبق هذا بطبيعة الحال على كل كتابات الكتّاب وكل أعمال العاملين، لا ينتهى عند ظهوره للناس، بل يستمر تأثيره وصداه إلى أبد الآبدين حتى لو ضاع هذا الذى كتبه كله ولم يبق منه حرف واحد، إذ فى هذه الحالة يتأثر من لم يقرأوه بمن قرأوه وتأثروا به. فهم إذن يتأثرون به، ولكن على نحو غير مباشر.

 

وسوف يكون مدخلى إلى هذا الموضوع هو كتابه: "المعارك الأدبية فى مصر منذ سنة 1914 إلى 1939"، الذى يشكل جزءا من "موسوعة معالم الأدب العربي المعاصر" بمجلداتها التالية: "النثر العربي: تطوره وأعلامه"، و"الأدب العربي الحديث في معركة المقاومة والتجمع"، و"المعارك الأدبية"، و"الفكر العربي المعاصر في معركة التغريب والثقافة"، و"الصحافة السياسية في مصر"، و"الشعر العربي المعاصر: تطوره وأعلامه"، و"القصة العربية المعاصرة: تطورها وأعلامها"، و"اللغة العربية بين خصومها وأنصارها"، و"أدب المرأة العربية: تطوره وأعلامه"، و"معالم الأدب العربي المعاصر في النقد والفنون المختلفة". وهذه الموسوعة هى مجرد موسوعة واحدة من عدة موسوعات، إلى جانب عدد كبير من الكتب الأخرى فى مختلف الموضوعات الصحفية والأدبية والإسلامية.

 

وكتاب "المعارك الأدبية فى مصر منذ سنة 1914 إلى 1939" عمل فى منتهى الأهمية، إذ يقتضى من يريد أن يتصدى لإنجازه جهدا هائلا يضن ببذله الناس عندنا عادة، وصبرا عظيما لا يتوفر إلا للندرة من البشر، وبخاصة فى بلادنا حيث لا صبر على شىء ولا نفس طويل ولا اهتمام بالثقافة بوجه عام، ولا عائد مادى يجزى الجهد المبذول فى ميدانها ويشجع الرجال على مواصلة طريقها. ويا ليت هذا الجهد يُبْذَل فى طريق معبَّد، بل على صاحبه أن يَرُود سبيلا غير مطروقة لا يفكر فى السير فيها إلا الأفذاذ، ألا وهى سبيل المجلات والصحف القديمة التى صدرت منذ عشرات السنين ولم يعد الحصول عليها سهلا، بل لا بد لمن يريدها أن يذهب إلى دار الكتب ويقضى الأيام بعد الأيام فيها متعاملا مع العمال والموظفين ومحاولا التفاهم معهم. وما أدراك ما التعامل مع الموظفين المختصين بهذا الجانب من نشاط دارٍ كدار الكتب؟ ولكى أعطى القارئ فكرة بسيطة عن العنت الذى يمكن أن يلقاه الإنسان فى سبيل الحصول على صحيفة أو مجلة قديمة أذكر أننى طلبت من أستاذ صحفى بالأهرام من تلامذتى القدامى الذين لا يزال لهم نوع ارتباط بى أن يمدنى بصورة من مقالين منشورين فى جريدة الأهرام فى أغسطس 1931م كتبهما الأستاذ محمد عبد الله عنان وسميكة باشا مدير المتحف القومى حول ما تزعمه بعض الخرافات الكنسية من تنصر المعز لدين الله الفاطمى إثر مشاهدته معجزة نصرانية على يد إسكاف نصرانى، إذ تحرك جبل المقطم بتأثير صلاة هذا الرجل بجموع النصارى وأخذ يعلو بمن عليه من حشود ويهبط، فما كان من المعز إلا أن تنصر وترك الخلافة ولجأ إلى أحد الأديرة حيث قضى بقية حياته راهبا مترهبا. وقد استغرق الحصول على هذين المقالين من جريدة الأهرام عن طريق الأستاذ الصحفى المذكور، وهو ممن لا يضنون بأى جهد لمساعدتى، شهورا طوالا يئستُ خلالها من موافاته إياى بهما مما جعلنى أنشر الدراسة التى كنت عاكفا عليها آنذاك دون الاستشهاد بما ورد فى المقالين، إلى أن فاجأنى بعد نشر الدراسة المذكورة بشهور طوال بإرسالهما لى فى رسالة مشباكية. فما بالك بمن لا يشتغل فى الأهرام لو أراد الحصول على مثل هذين المقالين؟

 

وكنت، وأنا أذهب إلى دار الكتب فى أوائل السبعينات من القرن الفائت، أسمع أن الأستاذ أنور الجندى يتردد دائما على الدار فى تبتل وانقطاع، وكأنه راهب من رهبان الزمن القديم، لا يغيب عنها يوما، ولا يتركها طول النهار. ولا أذكر الآن بعد كل تلك الأعوام هل رأيت الأستاذ الجندى هناك أو لا، وأغلب الظن أنى رأيته، إذ كانت قاعة المطالعة فى المبنى الذى فى باب الخلق صغيرة تستطيع بنظرة واحدة أن ترى كل من فيها. ولهذا أرجح أننى قد رأيته، وإن كنت موقنا أنه لم يتم كلام بيننا، فقد كنت آنذاك شابا فى مقتبل العمر، ولم أكن تنبهت إلى أهمية الدور الذى يضطلع به رحمه الله. وأغلب الظن كذلك أن وعيى بالكتاب الذى بين أيدينا يرجع إلى تلك الفترة، لكن متى بالضبط؟ لا أدرى. فقد أكون قرأته فى دار الكتب، وقد أكون استعرته من مكتبة آداب عين شمس حيث تسلمت عملى معيدا بها آنذاك. المهم أننى قرأت ذلك الكتاب واستمتعت به، إذ وجدته يقدم لى رؤية محيطة (أو "بانورامية" كما يقال هذه الأيام) للصراع الفكرى والأدبى فى العصر الذى حدده، وعرّفنى بأسماءٍ بعضُها لم أكن سمعت به قبلا، وبعضُها لم يكن يشد انتباهى، مثل أسماء محمد مسعود ومنصور فهمى ومحمد لطفى جمعة ومحمود عزمى ومحمد صبرى السوربونى وفيلكس فارس ومحمد أحمد الغمراوى وعبد الله عفيفى والسباعى بيومى. كما فتح الكتاب عينى على القضايا المهمة التى شغلت كتّاب تلك الفترة، وبخاصة الفطاحل منهم، ثم شغلتنى أنا بدورى عندما حان الوقت وأصبحت كاتبا أعالج هذه القضايا، وأضحيت ذا رأى فيها، وأنتقد هذا الكاتب وأعضّد ذاك.

 

ومن بين تلك القضايا قضية الرسالة العلمية التى أحرز بها منصور فهمى من فرنسا درجة الدكتوريّة عن المرأة العربية وأحوالها قبل الإسلام وبعده، وقضية الشعر الجاهلى التى أثارها طه حسين وقال فى حق القرآن فيها ما قال، وقضية الهوية المصرية والنزاع حولها وهل هى عربية أو أوربية؟ وقضية خروج زكى مبارك من الجامعة على يد طه حسين، مما دفعنى من يومها إلى التعاطف مع الدكاترة زكى مبارك بناء على الوجه الكالح القبيح الذى طالعنى به طه حسين فى تلك الأزمة. ويمكن القول بوجه عام إن موقفى من تلك الشخصيات وما أثارته من قضايا لم يتغير تغيُّرًا يُذْكَر منذ كونت فكرتى عنهم إثر مطالعتى للنصوص التى استشهد بها لهم أنور الجندى فى كتابه هذا وما يشبهه من كتب.

وعَوْدًا إلى الأحاديث النبوية التى افتتحتُ بها هذه الدراسة نقول إن أنور الجندى قدم للمكتبة العربية بهذا الكتاب وأمثاله من الكتب التى يؤرِّخ بها للفكر والثقافة العربية والإسلامية فى مصر وغيرها من بلاد العرب ويضعنا فى معمعانها مباشرة دون أن يقيم من نفسه وآرائه حاجزا بيننا وبينها، خدمة جليلة تزيد فى نظرى عما قدمه من خلال الكتب التى ألفها وعرض فيها رأيه ورؤيته فى قضية من القضايا أو شخصية من الشخصيات. وقد مات أنور الجندى، لكن أعماله لم تمت، بل ما زالت وستظل مبعث إلهام للكتاب والمفكرين والدارسين والباحثين على مر الأعوام والدهور، وستظل بمشيئة الله ذخرا له ينعم بأثرها الحسن فى قبره وفى الآخرة، وسيظل طلاب العلم يُؤْجَرون على مطالعتها والرجوع إليها والإفادة منها لا ينقص من أجورهم ما يكتبه الله له من الأجر العميم بمشيئته تعالى ومَنّه وكرمه، إذ خزائن الله لا تنفد، بل تتسع لمن فى السماوات ومن فى الأرضين، ثم تبقى مع ذلك كله وبعد ذلك كله كاملة لم تُمَسّ. وهذا يذكّرنا بقوله صلى الله عليه وسلم الذى سقته قبل قليل: "مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل الغيث الكثير أصاب أرضا: فكان منها نَقِيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير"، فكُتُب الرجل بهذه الطريقة تشبه المطر الذى يهطل على الأرض الخصبة الجاهزة للزراعة، إذ إن الباحثين الذين يقرأون تلك الأعمال يستفيدون منها ويؤلفون من خلال الاستعانة بها وبغيرها من أعمال المؤلفين الآخرين كتبا أخرى. وقد يبقى هذا الكتاب أو ذاك من كتبه مهملا أو خاملا على رف إحدى المكتبات حتى يقيض الله له من يكون بحاجة إلى قراءته والبحث فيه، وحينئذ يصدق عليه قول الرسول فى تتمة الحديث السابق: "وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسَقَوْا وزرعوا".

 

فالرفوف هى تلك الأجادب، وهذه الرفوف قد تكون رفوف مكتبة عامة أو خاصة، وقد تكون رفوف دكان لبيع الكتب، حيث يبقى الكتاب زمنا يطول أو يقصر حسب الظروف إلى أن يأتى صاحب نصيبه كما نقول، وهو ما حدث لى الآن، فقد بحثت فى مكتبتى الخاصة عن كتابه الذى أنا بصدده، وكنت (كما قلت من قبل) قد قرأته منذ عشرات السنين، وربما قلبت بعض فصوله وصفحاته أثناء ذلك بين الحين والحين البعيد، فأعدت مرة أخرى التقليب فيه وقراءة ما أنا محتاج لقراءته لكتابة هذه الدراسة. ولولا هذه الأجادب التى احتفظت لى بالكتاب لحين الحاجة إليه ترى ماذا كنت فاعلا؟ بل إن عقلى يدخل أيضا فى تلك الأجادب، إذ ظل يحتفظ بما قرأته فى الكتاب منذ أوائل السبعينات، حتى إذا تحولتُ من مجرد قارئ فقط إلى قارئ وكاتب وانبعثت عندى موهبة التأليف واحتجت إلى مراجعة ما قرأتُ ذهبتُ فاستخرجتُ الكتاب من مكمنه وأعدت النظر والقراءة فيه، فكأن عقلى الأرض الصخرية التى خزنت فى باطنها ماء السماء إلى أن أتى من استنبطه وشربه وسقى منه حيوانه وأرضه. أو فلنقل بعد تحوير الصورة الواردة فى الحديث قليلا: كأنى أنا الأرض النقيّة المستعدة لقبول الماء وإنبات الكلإ والعشب الكثير، لولا أن المطر لم يكن قد هطل بعد، فظلت البذرة التى ألقاها كتاب الأستاذ الجندى فى باطنها تنتظر هطول الماء كى تنبت وتتحول إلى شجرة باسقة. ويلاحظ القارئ أننى قد وسّعت زاوية النظر إلى الحديث الكريم، إذ لم أقصر معناه على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، بل قِسْتُ عليه كل علم أتانا به المؤلفون. ونحن نعرف أن العلماء هم ورثة الأنبياء، والعلم فى الإسلام واسع أشد السعة بحيث يشمل كل لون من ألوان المعرفة ولا يقتصر، كما قد يظن بعض ذوى النظرة الضيقة، على ما اصْطُلِح على تسميته بـــ"العلوم الدينية"، إذ العلم فى القرآن والحديث مطلق غير مقيد، فلا ينبغى من ثم قصره على لون بعينه من ألوانه. والمؤلفون هم جزء من العلماء. وقد ربطت هنا بين الأحاديث النبوية وكتاب أنور الجندى رغبة منى فى أن أستفز أذهان المسلمين للقراءة والتفكير بعد أن صدئت هذه الأذهان إلى حد بعيد وأضحى الكتاب يسبب للغالبية العظمى منا حساسية نفسية وعقلية، ولا يطيق الجمهور أن يفتح كتابا، بله أن يصبر على لأواء مطالعته والتمعن فيه والتفكير فيما يثيره من موضوعات. وهى قضية خطيرة أشد الخطر، فما من أمة تستطيع أن تبنى حضارة أو تصنع تقدما أو تحرز قوة إلا من خلال العلم، ومعنى هذا أن بلادنا قد يكون مكتوبا عليها ألا تبارح موقفها المتخلف إلا بعد أزمان وأزمان حين يقتنع الناس بخطإ موقفهم وشُنْع كراهيتهم للكتاب والعلم وتقاعسهم عن تحصيل الثقافة، ويُقْبِل كل فرد على حقول المعرفة يشتار من رحيقها ما تحتاجه حياته وتتحول البلاد إلى خلية نحل، فيعكف الناس على الكتب والبحوث والدراسات، وتنشط المعامل، وينطلق العقل المسلم مرة أخرى يبدع ويكتشف ويخترع ويضيف للمنجزات الإنسانية فى مجال المعرفة وتطبيقاتها الكثير والكثير إلى ما تم إنجازه على أيدى الأمم الأخرى مما يعيروننا به، ولهم الحق كل الحق، لأننا لا نشارك فيه منذ قرون، بل نكتفى بالاستهلاك ونظل فاعرى الفم طوال الوقت، صُنْعَ البُلْه المعوَّقين ذهنيا! ويا ليت استهلاكنا للأشياء بعد هذا كله كان استهلاكا عاقلا، بل هو بكلّ أسفٍ استهلاك غبى مسرف يقوم فى كثير من جوانبه على التباهى بشىء ليس لنا فضل فى إنتاجه.

وعودة مرة أخرى إلى كتاب المرحوم أنور الجندى نقول إن نَفَسه فى هذا الكتاب نَفَسٌ طويل، إذ يقع فى أكثر من سبعمائة صفحة، ويغطى المعارك الفكرية والأدبية على مدار خمس وعشرين سنة كان عليه أن يتتبع كل الصراعات المهمة التى ثارت خلالها ويعطينا صورة صحيحة ودقيقة لها بحيث يزود القارئ برؤية محيطة، أو بتعبير هذه الأيام: رؤية بانورامية. وخمس وعشرون سنة ليست بالزمن القصير بأى حال، وبخاصة أنها ليست أية خمس وعشرين سنة، بل هى خمس وعشرون سنة من أخطر فترات التاريخ المصرى، إذ تبدأ مع انطلاق الحرب العالمية الأولى بعد أن كان الاحتلال البريطانى قد استتبّ فى أرض الكنانة وظنّ هو ومشايعوه أن الدنيا قد دانت له وأن مصر لن تعود كرة أخرى عربية مسلمة. ومن هنا رأينا أنور الجندى فى هذا الكتاب الخطير يرصد عددا من المعارك التى كان أحد طرفيها يهاجم الإسلام أو العروبة أو يشكك فى قدراتنا وماضينا أو يدعو إلى الالتحاق بالغرب والذوبان فيه دون شرط... إلخ. وهذا الطرف الذى كان يقوم بهذا الدور الهَدْمِىّ لم يكن يشتغل مستقلا أو معبرا عن اقتناعه هو وحده، وذلك إن كان مقتنعا فعلا بما يكتب ويدعو إليه، وإنما كانت هناك قوى الاستعمار والاستشراق والتبشير التى تلتقى أهدافها مع أهدافه وتتغيا نفس ما يتغياه إن كان هذا الذى يكتب داعيا إليه يمثل حقا غاياته النابعة من عقله وقلبه عن اقتناع وإيمان، ومن هنا كان التعضيد الذى يلقاه هؤلاء بكل السبل المتصوَّرة وغير المتصوَّرة من قوى الشر تلك. لقد كانت غايات هذا الفريق تلتقى وغايات القوى الغربية التى تحتل بلاد المسلمين وتعمل على تحطيم قوى المناعة فى بنيتهم الفكرية والعقيدية وتنشر اليأس فى نفوسهم، فوَجَدَتْ فى هؤلاء المهاجمين لتاريخنا وديننا ولغتنا وعروبتنا خير سلاح يوجهونه إلى عقولنا وقلوبنا لقتلنا ذلك القتل المعنوى الذى هو أخطر من القتل المادى. ذلك أن القتل المادى يمكن تعويضه بالأجيال الجديدة، أما القتل المعنوى فلا أدرى كيف يمكنك تعويضه، وأنت لا تجد حولك من يؤمن بفكرة المقاومة والاعتزاز الوطنى والدينى والقومى، ومن ثم لا تجد من هو مستعد لكفاح قوى الشر والتدمير الغربى التى كانت تجتاح آنذاك بلادنا وتنهب خيراته وتسىء إلى كرامته وتعمل بكل وسيلة على محو شخصيته، إن لم يكن محوه هو نفسه محوا لا تقوم له بعده قائمة!

 

لقد كان ذلك الرجل الملازم لمائدة من موائد القراءة فى قاعة المطالعة بدار الكتب يقرأ فى صمت، ويقلب الجرائد والمجلات على مدى هذه الأعوام الخمسة والعشرين فى صمت، وينسخ ما يراه مهما فى صمت، ويكتب فى صمت، كان هذا الرجل الصامت يصنع ذلك دون أن ينتظر جزاء ولا شكورا شأنه شأن كل كاتب شريف فى بلاد العرب والمسلمين فى هذا الطور المخزى من أطوار تاريخهم، فى الوقت الذى يُكَرَّم فيه كُتّاب الطرف الآخر وتُسَلَّط عليهم الأضواء ويُعْطَوْن ما يستحقون وما لا يستحقون من الجوائز والمناصب ويُكْتَب عنهم بالحق وبالباطل ويُشْغَل بهم الجمهور بحيث يسدون الأفق على الفريق الذى يعمل لبلده ودينه ويبذل نور عينه وطاقة جسمه وروحه فى هذا السبيل دون أن يجد من يأخذ بيده أو يقيل عثرته أو يعرّف بمجهوده ويشجعه حتى لا تخور قواه فيسقط فى مجاهل الظلام والصمت حيث يُنْسَى سريعا كأنه لم يكن وكأنه لم يبذل جهدا ولا أنفق من ماله وصحته فى كفاح جراثيم الشر وفيروساته القاتلة، فالجماهير المضلَّلة مشغولة بالنجوم المشعة بالأضواء الزائفة والألوان المبهرجة، وغافلة عن أن الأضواء التى ترسلها هذه النجوم هى أضواء مؤذية تكسّر مناعة من يتعرض لها طويلا ولا يحاول أن ينأى عن مجال تأثيرها المدمر لخلايا العقل والنفس!

 

وبالمناسبة فقد تلقيت أثناء كتابتى هذا البحث، وعند وصولى إلى الفقرة الحالية، رسالة مشباكية تتحدث عن مقال بعنوان "أَحْرِقوا البرقع: BURN THE BURQA" لتسليمة نسرين الطبيبة البنجلاديشية صاحبة رواية "العار" التى صدرت فى تسعينات القرن الماضى وهاجمتْ فيها الإسلام والمسلمين فى باكستان لصالح الهند والهندوس والهندوسية، وانبرى أحد الصحفيين المشاهير فى مصر بكل الأسف والعار يدافع عنها ويثنى عليها بوصفها خير من يعرض الإسلام ويدافع عنه. إى وربى بوصفها خير من يعرض الإسلام ويدافع عنه، وكأن الكافر يمكن أن يحب الإسلام ويفاخر به، فضلا عن أن يدافع عنه، وهو ما لم نسمع به ولا حتى فى الأحلام! وزاد على ذلك فمَدَح ترجمة الرواية وأثنى على من قام بها مع أنها مفعمة بالأخطاء المذهلة مما استفزنى فأخرجت كتابا عند صدور ترجمة الرواية فى مصر لأفضح هذه الضجة المريبة وأئدها فى مهدها وأبين العورات الفنية والزيوف التاريخية التى تفيض بها الرواية، وعيوب الترجمة الشنيعة التى تدل على أنه لا صاحبها ولا الصحفى المشهور يعرفان الإنجليزية كما ينبغى أن تُعْرَف الإنجليزية. والشاهد فى الرسالة المشباكية التى وصلتنى وأنا أكتب هذا الفصل أن تسليمة نسرين (المقيمة الآن فى الهند على الرحب والسعة، والتى كانت تقيم قبل ذلك فى أوربا على نفس الرحب والسعة وأكثر، قد نشرت لها الصحف الهندية مقالا مسيئا فى حق الإسلام ورسوله وأمهات المؤمنين غير مراعية مشاعر عشرات الملايين من مسلمى الهند ولا مشاعر مليار ونصف مليار مسلم فى أرجاء العالم ولا توتر العلاقات بين الهند والباكستان بسبب إقليم كشمير الذى تحتله الهند ولا تريد الجلاء عنه أو أخْذ رأى سكانه المسلمين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة الماحقة فيه والذين يرفضون احتلالها لبلادهم)، الشاهد فى هذا هو أن نسرين تجد الحفاوة والتشجيع من جانب الهند كى تكتب مهاجمةً الإسلام والرسول والقرآن. ولو كانت المسألة مسألة خمار أو برقع أو نقاب كما يبدو من عنوان المقال، أفما كان ينبغى لهذه المفعوصة أن تلفت النظر بدلا من ذلك إلى السخافات التى تمارسها النساء الهنديات فى ملابسهن من خلال تعرية سُرَرهن وظهورهن الزرقاء المعتمة، وإلى إحراق بعضهن لأنفسهن عقب موت أزواجهن، ووأد الأسر أحيانا لبناتها الرُّضَّع، وكذلك إلى عمامات السيخ القبيحة المقززة، وإلى عبادة البقرة فى القرن الحادى والعشرين، وإلى القذارة والإهمال اللذين تنغمس فيهما الجماهير الهندية؟ لكنها فى حقيقة الأمر لا يمكنها أن تلمس أيا من هذه الموضوعات ولو على سبيل الإيماء البعيد، وإلا لرُمِيَتْ رمية الكلاب فى التوّ واللحظة خارج الحدود، إن لم يكن خارج الحياة تماما. فهذا مثال على المعاملة الحفيّة التى يلقاها من قِبَل الأعداء، وفى تحدٍّ صارخٍ للمسلمين جميعا، كل مسلم خارج عن دينه متمرد على قومه، إذ ينتهز هؤلاء الأعداء فرصة الضعف المهين الذى يحاصر المسلمين فى هذه الفترة العَطِبة من تاريخهم (وهو ضعفٌ يُسْأَلون هم عنه قبل غيرهم رغم أن غيرهم لم يقصر ولن يقصر فى عمل كل ما بوسعه من أجل إبقائهم فى تخلفهم وعجزهم وبلاهتهم الحضارية المميتة) لكى يشنوا عليهم المعركة تلو المعركة بكل لون ومن كل جانب وعلى كل وضع حتى يتركوهم جثة هامدة لا حَرَاك بها، ولا حَرَاك يُنْتَظَر منها فى مُقْبِل السنين والأحقاب.

 

والآن نغلق القوس الذى فتحناه لتسليمة نسرين ونرجع لما كنا فيه فنقول إن هذه النظرة المحيطة التى يتناول بها أنور الجندى موضوعه فى الكتاب الذى معنا الآن ليست هى السمة ولا الميزة الوحيدة له، بل هناك أيضا تنسيقه لتلك المعارك وتصنيفها بحيث يستطيع القارئ أن يجد نفسه بين دروبها ومشتبكاتها ولا يضيع منه الطريق، إذ قسمها إلى عشرة أنواع من المعارك، لكل نوع باب كبير مكون من عدد من الفصول يصل أحيانا إلى اثنى عشر فصلا. وهذه الأنواع هى على الترتيب: "معارك الوحدة والتجزئة" و"معارك اللغة العربية" و"معارك مفاهيم الثقافة" و"معارك الأسلوب والمضمون" و"معارك النقد" و"معارك النقد حول الكتب" و"معارك بين المجددين والمحافظين" و"معارك بين المحافظين حول اللغة" و"معارك نقد الشعر" و"معارك النقد بين المجددين". ولكى نعطى القراء فكرة عن الشمول الذى انتهجه الأستاذ الجندى فى تقصى معارك تلك الحقبة أسرد له عناوين فصول بابين من تلك الأبواب العشرة، ولْيكونا بابَىْ "معارك مفاهيم الثقافة" و"معارك النقد فى المجددين". فأما فصول الأول فهى: "ثقافة الشرق وثقافة الغرب" و"لاتينيون وسكسونيون" و"النزعة اليونانية" و"كتابة السيرة" و"كتابة التاريخ" و"معركة الترجمة" و"أدب الساندويتش" و"غاية الأدب، ما هى؟" ومتى يزدهر الأدب؟" و"الأدب المكشوف" و"التراث الشرقى" و"ثقافة دار العلوم". ثم ها هى ذى فصول الباب الآخر: "بين التغريب والتجديد" و"معركة الكرامة" و"معركة الصفاء بين الأدباء" و"معارك النقد" و"بين زكى مبارك وخصومه" و"زكى مبارك ينقد كتابه" و"بين العقاد وخصومه" و"بين سلامة موسى وخصومه" و"بين المازنى وخصومه" و"بين هيكل وطه حسين" و"معركة لقمة العيش بين مبارك وطه حسين" و"المعارك بين شباب الأدب وشيوخه".

 

وهذا التنسيق والتصنيف يسهّل على القارئ تصوُّر خريطة الطريق الأدبية لتلك الفترة، مع التنبه إلى أن هناك أحيانا بعض التداخلات بحيث يمكن القول بأن هذا الفصل أو ذاك إذا كان ينتمى إلى الباب الذى جاء فيه، فكذلك يمكن أن ينتمى بنفس القوة إلى باب آخر، ولكن على وجه من الوجوه مختلف عن الوجه الأول. وقد أفادنى هذا الكتاب فى مقتبل حياتى، إذ اتضحت صورة العصر فى عينى إلى حد كبير، وسَهُلَ علىّ التعامل مع أعلامه وقضاياه فى سلاسة ويسر، وأصبحت قادرا على تصنيف رجاله فكريا ونقديا، وأبصرت إلى مدًى بعيدٍ مجموعَ الصلات التى تربط بين كل ذلك بحيث لم تعد المسائل الأدبية والفكرية والمعارك التى دارت حولها أوانذاك ذرات مبعثرة متطايرة فى الهواء، كما تكوَّن لدىّ حِسّ التطلع إلى ما وراء الستار ومحاولة إبصار ما هنالك ولو على سبيل الإجمال والتخمين.

 

وحسنة ثالثة لكتاب أنور الجندى هى الموضوعية والحيادية. إنه يريك وَجْهَىِ الورقة كليهما، كما يعرض عليك جوانب الموضوع جميعا بحيث ترى الرأى ونقيضه، ثم الرد على الرد، والرد على رد الرد... وهكذا. كل ذلك دون أن تبصر شخصه، وإن كنت تسمع صوته خافتا بين الفينة والفينة يوجهك ويوضح لك بعض أسرار المشهد مما لا تستطيع أن تستقل بإدراكه. وقد يرى بعضٌ أنه يشبه فى ذلك ملقّن المسرح الذى لا يراه النظارة ولا يلتقطون له حسا، وإن كان الممثلون يستطيعون أن يسمعوه على قدر الحاجة إليه. على أن هناك فرقا بين الجندى والملقن المسرحى، وهو أن الملقن لا يكف عن الكلام، وإن خافت من صوته بحيث لا يسمعه أحد من مشاهدى العرض المسرحى، أما كاتبنا فهو لا يتكلم غالبا إلا فى أول المشهد فقط عند تقديم بعض التوضيحات التى تُعِين القراء على تتبع موضوع المعركة التى يتناولها فى إيجاز شديد. وهذا إن تكلم أصلا. ومن هنا فإنى أشبهه بالأحرى بمؤلف المسرحية حين يمهد لكل مشهد من مشاهد مسرحيته بسَوْق بعض التعليمات التى يحتاجها المخرج، أو الملاحظات السريعة التى تساعد القارئ على العيش فى جو المسرحية وتخيُّل السياق الذى تمت فيه أحداثها.

 

لنأخذ مثلين نوضح بهما ما نقول: ففى معركة "التراث الشرقى، يكفى أو لا يكفى؟" بين عبد الرحمن الرافعى وعباس محمود العقاد نسمع المرحوم الجندى يقول فى تقديمها: "هذه مساجلة هادئة بين عبد الرحمن الرافعى وعباس محمود العقاد حول كفاية التراث الشرقى لنضج الحياة العقلية عند الشرقيين أخذ فيها الرافعى جانب قصور التراث الشرقى وضرورة الترجمة، وأخذ العقاد جانب كفاية التراث الشرقى"، ثم يذكر فى الهامش المواضع التى نقل منها ما نقل من كلام الكاتبَيْن (ص 194 وما بعدها من طبعة مكتبة الأنجلو المصرية 1982م)، وهذا كل ما هنالك. أما فى "معركة الشعر الجاهلى" التى دارت حول كتاب الدكتور طه حسين: "فى الشعر الجاهلى"، وهو الكتاب الذى سار فيه على خطة المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث فى إنكار الشعر الجاهلى كله، أو على الأقل: جُلّه، وكذّب القرآن الكريم فيما رواه عن انتساب العرب إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبنائهما الكعبة واعتبار ذلك أسطورة سياسية اخترعوها ليكون لهم تاريخ مجيد، فقد أضاف الأستاذ الجندى إلى السطور التى قدم بها لتلك المعركة والتى طالت نوعًا ما جملة هنا أو هناك تربط بين النقول المختلفة كما هو الحال فى ص 347 حين قال: "وصورت جريدة الأهرام الموقف على هذا النحو:..."، وكذلك حين قال تمهيدا لنقل ما كتبه رئيس نيابة مصر فى ذلك الوقت فى تحقيقه مع طه حسين بخصوص هذه القضية: "وتولى محمد نور بك رئيس نيابة مصر التحقيق مع الدكتور طه حسين وحصره فى أربعة أمور هى:..."، وبعد قليل: "وقال النائب العام فى تقريره إن..."، ثم بعد قليل أيضا نراه يضع العنوان التالى: "أهداف الكتاب"... وهكذا.

 

أما حرص الأستاذ الجندى رحمه الله على إعطائنا جوانب الموضوع المختلفة فيمكن التمثيل له بما نقله من مقتبسات مما كُتِب فى "معركة الخلافة وأصول الحكم" (ص 334 فما بعدها)، إذ بعد التمهيد المعتاد يسوق لنا رأى على عبد الرازق صاحب المشكلة، ثم يعقب عليه برأى هيئة كبار العلماء، وهو الرأى الذى يناقض رأيه، وبعده رأى رشيد رضا، وهو يوافق رأى الهيئة المذكورة، ليعقب عليه برأى طه حسين المشايع لعبد الرازق، ثم رأى الدكتور هيكل وإسماعيل مظهر، وهما من أنصار عبد الرازق أيضا، ثم رأى الشيخ على مرة أخرى، ولكنْ فى حكم هيئة كبار العلماء هذه المرة، ليختتم الكلام بإيراد ما كتبته كبريات الجرائد فى ذلك الوقت حول هذه القضية. وبذلك يكون القارئ قد اطلع تقريبا على أهم الآراء التى أدلى بها من كتب فى ذلك الموضوع. كل هذا دون أن يتدخل كاتبنا لنصرة هذا الطرف أو ذاك، بل كان حريصا على أن يعطى كل واحد من الكتاب فرصة مساوية للتى أعطاها غيره، مع نقل زبدة كل رأى، بحيث ينتهى القارئ من الفصل وقد تحصّلت لديه فكرة واضحة وقوية عما حدث آنذاك، وعرف موقف كل كاتب من الكتاب.

وبمناسبة الكلام عن على عبد الرازق والمعركة المتعلقة بكتابه عن أصول الحكم فى الإسلام ينبغى أن أذكر هنا أن العقاد قد وقف فى تلك القضية إلى جانب الشيخ وهاجم ما سماه "روح الاستبداد فى الآراء"، وهو العنوان الذى كتب تحته ما كتب من دفاع عن عبد الرازق، الذى أكد أنه لا تربطه مع ذلك به أية علاقة شخصية أو سياسية حتى إنه لو قابله فى الطريق ما عرفه (ص 341- 342). ومناسبة الكلام هنا أننى لم أكن لأظن أن العقاد يقف مثل ذلك الموقف لو لم أطّلع على هذه الفقرات التى أوردها المرحوم أنور الجندى، إذ المعروف أن للعقاد كتبا ودراسات ومقالات كثيرة ينافح فيها عن الدين، فكان المظنون أن يدافع مع المدافعين عن الإسلام بغض النظر عن كراهيته للاستبداد فى الرأى، لكنه اكتفى بالدفاع عن حق على عبد الرازق فى أن يجهر من الآراء بما يشاء احتراما لحرية الفكر. وهذا ما قصدته من القول بأن كتاب الأستاذ الجندى يطلعنا على أشياء ما كنا لنعرفها، بل ما كنا لنظنها مجرد ظن، لولا قراءتنا لها، وقبل ذلك لولا حرص صاحبه على أن يقدم لنا صورة دقيقة وصحيحة وموضوعية لما حدث وما قيل. وبسبب من تلك الموضوعية التى تمتاز بها توثيقاته لم يتردد المرحوم الجندى، فى نقل اتهام جريدة "السياسة" للشيخ بخيت، وهو أحد المشايخ فى هيئة كبار العلماء، بأنه "أخ ماسونى من إخوان محفل الشيخ حسن الطويل" وأنه "فارس الصليب الأحمر" (ص 342). وهو ما يشكل صدمة إن صح، أما إذا لم يصح لقد كنا نود من الأستاذ الجندى تحقيق هذه التهمة وتمحيصها. كما أننى لا أفهم سر تسمية المحفل الذى ينتمى إليه الشيخ بخيت، إن صدق الاتهام، بأنه "محفل الشيخ حسن الطويل"!

 

كذلك يفاجأ القارئ، وهو يتابع فصول معركة "ثقافة الشرق وثقافة الغرب" فى كتاب أنور الجندى، بأن يجد كاتبا كفيلكس فارس، الكاتب والشاعر والخطيب النصرانى اللبنانى، بكل هذا التحمس للثقافة العربية فى مواجهة مسلم تركى هو إسماعيل أدهم، الذى كان شديد الحملة على تلك الثقافة مؤكدا أنها لا تصلح لنا وأنه يجب علينا تبنّى الثقافة الغربية بدلا منها. وهو رأى وقف ضده فارس بكل قوة وصلابة، قائلا إن هناك فرقا بين العلم والثقافة: فالعلم لا وطن له، أما الثقافة فتختلف من أمة إلى أمة، ومن ثم فإن ثقافة الغرب لا تصلح لنا. بل إنه، فى خلال ردوده على أدهم، قد أكد أيضا أن الحضارة الفرعونية لا أثر لها الآن لا فى علم المصريين ولا فى أدبهم، بالضبط كما أنه لا أثر فى سوريا ولبنان للحضارة الفينيقية (ص 104 فصاعدا). ووجه الغرابة فى هذا أن النصارى اللبنانيين بوجه عام من أشد المتعصبين على العروبة والثقافة العربية والمتحمسين لثقافة الغرب. فإذا عرفنا مع هذا أن أم فيلكس فارس (لويز شوفالييه) كانت سيدة أوربية (فرنسية المولد، سويسرية الأصل) ازداد عجبنا من هذا الموقف العروبى الأصيل ازديادا كبيرا. والحق أنه لو لم يُذْكَر اسم فيلكس فارس مع تلك الآراء لظن القارئ أن صاحبها مسلم شديد التمسك بالعروبة ولسانها وثقافتها وتاريخها! ولمن لا يعرف فيلكس فارس (1882- 1939م) أنقل المعلومات التالية عن مجلة "الجيش" اللبنانية مع بعض التصرف: فقد وُلِد فى بلدة صليما في المتن لأبٍ تولى أمانة سر المتصرف رستم باشا على جبل لبنان، ودرّس فى المكتب السلطانى فى حلب، ثم انتقل عقب ذلك إلى تولّى أمانة الحركة العربية لجعفر باشا العسكرى عام 1921م. وأوفده الجنرال جورو إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى مهمة خاصة لدى المغتربين اللبنانيين والسوريين، حيث أقام صلات وثيقة مع كبار أدباء المهجر، حتى إذا ما عاد إلى لبنان انصرف إلى المحاماة (التى كانت مهنة والده) ليعود إلى وادى النيل فى 1931م ويتولى رئاسة قلم الترجمة فى مدينة الإسكندرية. ومن أعماله التى تركها لنا كتابه: "رسالة المنبر إلى الشرق العربى"، وترجمته لــ"اعترافات فتى العصر" عن الأديب الفرنسى ألفرد دى موسيه، وكذلك ترجمته لكتاب "هكذا تكلم زرادشت" للفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشه. وقد قرأت أن مصطفى صادق الرافعى هو الذى أشار على صديقه فارس بأن يترجم هذا الكتاب.

 

ومما استغربت له كذلك فى كتاب أنور الجندى أن منصور فهمى، الذى كنا قد درسنا له فى كتاب القراءة لطلاب الثانوية العامة قبل ذلك ببضع سنوات قليلة مقالا بعنوان "أنت أنت الله" ينضح بالإيمان والانبهار بصنع الله الذى أتقن كل شىء، كان قد حصل على درجة الدكتوريّة من فرنسا فى أوائل القرن العشرين برسالة عن المرأة عنوانها "La Condition de la Femme dans la Tradition et L’Évolution de L’Islamisme : وضع المرأة فى التقاليد وتطور الإسلام" اتهم فيها الرسول بأنه كان يشرّع للناس ويستثنى نفسه فلا يلتزم بما يشرعه لهم، وزعم أن المرأة العربية كانت أسعد حظا فى الجاهلية منها فى الإسلام، ثم قال إن عمله تحت إشراف ليفى بريل المستشرق الفرنسى اليهودى هو من المؤثرات السعيدة فى حياته (انظر هذه المعركة بدءا من ص 330). وقد ذكر الجندى، أثناء كلامه عن طبع هذه الرسالة فى باريس عام 1913م، أنها لم تُنْشَر فى العربية، وأود أن أنتهز هذه الفرصة لأقول إن "منشورات الجمل" بكولونيا قد أخرجت عام 1979م ترجمة ركيكة لهذا الكتاب بعنوان "أحـوال المـرأة فى الإسـلام" بقلم رفيدة مقدادى، ومراجعة هاشم صالح التابع الأمين لمحمد أركون والمطنطن باسمه، والمبشر بأن كتاباته تدشّن عصرا جديدا فى الفكر الإسلامى، والمنقطع لأركون وترجمة كتبه بعد أن فشل، كما أخبرنى بعض من يعرفونه من الزملاء السوريين، فى الحصول على الدرجة العلمية التى كانت جامعته قد بعثته إلى فرنسا لإنجازها فى الأدب الفرنسى. وقد بلغ من ركاكة تلك الترجمة أننى لم أستطع أن أمضى معها لآكثر من بضع فقرات، على عكس شعورى تجاه الأصل الفرنسى الذى كنت قرأته قبل أعوام وشدّنى شَدًّا من أول الرسالة حتى ختامها رغم أن الفرنسية ليست لغتى الأجنبية الأولى. وهذه الترجمة منشورة فى موقع قبطى تبشيرى شديد التعصب يهاجم الإسلام ورسوله وكتابه وتاريخه ورجاله هجوما شنيعا بذيئا.

ويلفت النظر فى مقدمة الرسالة ذلك الشكر الذى وجهه فهمى ليعقوب أرتين باشا ومسيو جاستون ماسبيرو، الذى عرّفه إلى مشرفه ليفى بريل، وكل من أرتين وماسبيرو أجنبى وغير مسلم: الأول أرمنى الأصل تولى نظارة المعارف المصرية فترة من الوقت قبل ذلك التاريخ، والثانى عالم آثار فرنسى كان يشتغل موظفا لدى الحكومة المصرية، وكان الاثنان عضوين فى مجلس إدراة الجامعة الأهلية التى أوفدت فهمى إلى باريس للحصول على درجة الدكتوراه. فما معنى اختصاصه لهما بالشكر، وفى مجلس الجامعة أمثال أحمد زكى شيخ العروبة والدكتور محمد علوى باشا وعلى بهجت بك وعلى أبو الفتوح بك مثلا؟ كما يلفت النظر أيضا قوله فى ذات المقدمة (حسب ترجمة رفيدة مقدادى) إن "هـذا البحث، بالنسبة لنا، هـو مناسبة للإشارة إلى التأثيرات الإيجابية التي أثرت عـلى دراستنا العـلمية: وُلِدْتُ مسلمًا، ونشأتُ في وسطٍ مسلم، وبعـدها جئت إلى باريس لإتمام دراستي. وفي باريس، وتحت إشـراف الأسـتاذ القـدير ليفي برول، اكتسبت المناهج الضرورية للبحث الدقـيق. وبحـْثنا هـذا يتوخّى الحقـيقـة ولا شيء آخـر. وقد يعتب البعض من أهلنا من دون شـكّ لهـذه الذهـنية النقـدية، هؤلاء المسلمون الذين يحفظون احتراما دينيا للتقاليد. ونحن أردنا أن نكـون صادقين في عملنا رغم إحساسنا بالتمزّق من فكـرة جـرح أو أذى الضمير المقصود لهـؤلاء العـزيزين عـلينا"، فضلا عن أنه يذكر الرسول عليه السلام دائما باسم "محمد" مجردا دون لقب "نبى" أو "رسول"، وهو اللقب الذى يستعمله له كثير من المستشرقين والمبشرين رغم عدم إقرارهم بنبوته صلى الله عليه وسلم. كذلك فإن المتمعن فى كلامه عن أسفه لما سيسببه من ألم للمسلمين الذين لا يشاركونه آراءه لَيُدْرِكُ أن ما قاله محمد لطفى جمعة من أنهم فى أوربا قد استدرجوه إلى ليدن حيث كتب له رسالته بعض المستشرقين هناك لا يخلو من شىء كبير من الوجاهة، إذ لا يمكن أن يكون هذا كله من عنديّات منصور فهمى، بل لا بد أن يكون من صنع (أو على الأقل: من إملاء وتوجيه) مستشرق داهية مضرَّس وجدها فرصة لا تعوَّض فعض عليها بنواجذه ونفث فى الرسالة سمومه الكامنة فى أنيابه النجسة السامة، وبخاصة أن فهمى لم يترك وراءه من المؤلفات سوى كتاب يتيم يجمع بعض المقالات والأحاديث. وأخيرا وليس آخرا هل من جديد فيما تتوخاه هذه الأيام بعض المنظمات والمؤسسات الغربية المريبة التى تستحث المتمردين من بنى جلدتنا ممن ينتمون إلى دنيا القلم عن غير جدارة فى الغالب إلى النبش فى حياة المرأة المسلمة لاستفزازها إلى التمرد على شريعة الإسلام بحجة التحرر من استبداد الرجال وأوضاع المجتمعات الذكورية حسب رطاناتهم الجديدة، وهذا منصور فهمى يختار موضوعه منذ قرن كامل تقريبا عن المرأة المسلمة ومعاناتها القاسية فى رأيه من أحكام الشريعة وأوضاع مجتمعها السيئة؟

 

وما دمنا فى سياق الحديث عن منصور فهمى ورسالته البائسة أذكر أننى كنت فى مكتبة جامعة عين شمس منذ حوالى ثمانى سنوات، وكنت أحوم حول الأرفف التى تحتوى على بعض الكتب الإسلامية باللغات الأجنبية فى ردهة المطالعة، فأخذ عينى كتابٌ نحيفٌ محشورٌ بين كتب أخرى ضخمة، فمددت يدى ألتقطه من مكمنه بدافع الفضول لا أكثر، فإذا به، ويا للمفاجأة السعيدة، كتاب منصور فهمى الفرنسى لا سواه، فما كان منى إلا أن استعرته فى الحال وصورته ثم رددت الأصل إلى المكتبة بعد أن قرأته مستمتعا بمطالعتى إياه فى أصله الفرنسى بعد بضع عشرات من السنين انصرمت منذ سمعت به عند محمد سيد كيلانى (فى كتابه: "فصول ممتعة"، الذى اشتريناه من سور الأزبكية بقرشين أو أقل فى أواخر الستينات من القرن الماضى ونحن لا نزال طلابا فى الجامعة) ومن بعده أنور الجندى كان كل ما أعرفه منه خلالها هو فقرتين لا أكثر. والحق أننى استبشعت ما اجترحه منصور فهمى من الاجتراء على شخصية الرسول دون سند كاف من العلم ومن إشمات مُشْرِفه اليهودى والمستشرقين بوجه عام بدين محمد عليه الصلاة والسلام، وشعرت أنهم قد ضحكوا عليه فى فرنسا واتخذوا منه مخلب قط يخمشون به وجه الإسلام جريا على أسلوبهم من تشجيع الشباب المسلم على الإساءة إلى هذا الدين كى يكون وقع الإساءة على نفوس المسلمين قويا، وتكون الحجة فى ذلك شديدة، إلى أن قرأت ما قاله محمد لطفى جمعة عن ألاعيب المستشرقين مع فهمى واستفرادهم به فى ليدن وكتابتهم رسالته بأنفسهم وملئها بما يريدون أن يقولوه هم منسوبا إلى دارس مصرى، فوجدت لما قاله جمعة وجاهةً، وأىّ وجاهة، وبخاصة فى ظل ما أعرفه عن فهمى من أنه طوال عمره لم يخلّف لنا، بعد هذه الرسالة، إلا عدة مقالات وأحاديث إنشائية فى غالبها جُمِعَتْ فى كتاب بعنوان "خطرات وأبحاث"، وكان الله يحب المحسنين!

 

ولم يكن هذا كل شىء فيما يخص ذلك الموضوع فى حياتى التأليفية، بل عدت إلى هذه القضية مرة أخرى حين وضعت كتابا عن لطفى جمعة (عنوانه: "محمد لطفى جمعة- قراءة فى فكره الإسلامى")، وجاءت سيرة أطروحة منصور فهمى فنقلتُ بضع فقرات من مقال جمعة الذى نشره وقتها فى جريدة "المؤيد" وحمل فيه عليه حملة شعواء وفضح أساليب المستشرقين فى اصطياد بعض الدارسين المصريين الذين يوقعهم الحظ التعيس تحت أيديهم. وقد شفعتُ ما كتبه جمعة، الذى لعله أول من أثار هذه القضية الخطيرة، بالإشارة إلى مقالَىْ رجاء النقاش فى مجلة "المصور" فى 25 مايو 1990م و21 فبراير 1992م اللذين سفّه فيهما تصرف فهمى وحقّر من شأن فكره وكتاباته وضحولتها وأخذ عليه أنه يفتقر إلى الإخلاص لما يقوله، ومن ثم يغير رأيه حسب الوسط الذى يجد نفسه فيه. كما عرضتُ لما حاوله سامح كريّم من التعمية على الجرم الشنيع الذى اجترحه منصور فهمى من خلال ادعائه المضحك بأن ما خطه قلم فهمى ما هو إلا "عبارات... تتنافى واحترام تقاليدنا"، وزعْمه العجيب بأن علماء الدين بسبب رغبتهم فى درء للفتنة لم ينبر منهم أحد للرد على ما كتبه فهمى، وهو تعليل ينسف ما ادعاه من أن الرسالة لا تحتوى على شىء يخالف الدين، وأن الأمر لا يعدو أن بعض عباراتها يخالف ما لدينا من تقاليد، إذ لو كان الأمر على ما ادعى، فمن أين تهب رياح الفتنة إذن؟ ويجد القارئ كل هذا وأكثر منه بدءا من ص 25 فى كتابى المذكور الذى صدر عن عالم الكتب فى 1419هــ- 1999م. وهذا أحد الأصداء التى تركها كتاب أنور الجندى فى أعمالى بأشكالها المختلفة: متابعةً وتطويرًا وإضافةً واستدراكا. ومن هذه الأصداء أيضا اهتمامى قبل نحو ثلاثة أعوام بهذا الموضوع والبحث فى المشباك عن أى شىء بتصل به حتى وُفِّقْتُ إلى العثور على ترجمة الكتاب التى نشرتْها دار "منشورات الجمل" بكولونيا حسبما وضحت قبل قليل.

 

وقد أورد أنور الجندى (على عادته فى عرض آراء الخصوم على اختلافها، وكذلك عرض الآراء المختلفة للشخص الواحد) رَأْىَ منصور فهمى فى معركة أخرى جرت بعد ذلك فى صيف 1939م هى المعركة التى جاء عنوانها على النحو التالى: "هل نقتبس أم نقلد؟" والتى بدأت بتعليق محمد زكى عبد القادر على دعوة طه حسين بأن يجرى التعليم فى مصر على نظام التعليم فى فرنسا وإهابته بالدكتور طه أن يكف عن الزج باسم فرنسا ونظمها التعليمية حين يكون الكلام عن مصر والتعليم فيها، إذ لكل بلد طبيعته العقلية وخصائصه الثقافية التى تميزه عن الآخر، فرد عليه الدكتور طه بلجاجته المعهودة. وهنا تدخل منصور فهمى مؤكدا أن بيئتنا تختلف عن بيئة الغرب جغرافيةً وعاداتٍ وتاريخًا ولغةً، وعلى هذا فلا معنى لمناداة البعض باتخاذ أوربا وحياتها إماما لنا. ومن بين ما ورد فى كلام منصور فهمى تبرز العبارة التالية التى تلخص موقفه أحسن تلخيص: "يحاول داعيةٌ صريحٌ أن يقنعنا بأن نتخذ من الغرب إماما نأتم به فى كليات ما يسير عليه الغرب وجزئياته... لسنا من الغرب فى شىء، وإنها لكبيرة أن ننتهج فى كل شىء سبيل الغربيين، فللتقليد حدود" (انظر المعركة فى كتاب أنور الجندى بدءا من ص 306 فصاعدا). ولسوف نتناول بعد قليل كتاب طه حسين: "مستقبل الثقافة فى مصر"، الذى يدعو فيه المصريين بكل قواه إلى تقليد أوربا واحتذائها فى كل شىء، خيرا كان ذلك الشىء أو شرا. ذلك أن ما كتبه منصور فهمى ومحمد زكى عبد القادر إنما يتعلق بآراء طه حسين التى كان قد بثها أولا فى هذا الكتاب، ثم عاد فأعاد الدعوة إليها فى بعض المقالات الصحفية، وهى المقالات التى استفزتهما ودفعتهما إلى معارضته.

 

وثم خلاف آخر بين منصور فهمى وطه حسين هو خلافهما على صفحات "الأهرام" فى مارس 1937م حول اللهجات العامية والموقف الذى ينبغى أن يتخذه المجمع اللغوى من الألفاظ الخاصة بمستجدات الحضارة مما لم يكن للعرب به عهد، إذ كان من رأى طه حسين أنه ليس من وظيفة المجمع اللغوى البحث عن كلمات للمسميات الجديدة التى لم يكن للعرب القدماء بها عهد، بل عليه أن يأخذها من أفواه الناس كما ينطقونها فى حياتهم اليومية نقلا عن اللغات الأجنبية، وأنه لا يحل لأعضاء المجمع القضاء على "هذه العامية الحلوة" على حد تعبيره لأنه يجد "فى اختلافها لذة ومتعة وعزاء فى كثير من الأحيان". فرد منصور فهمى قائلا: "حرام عليك أن تُشَجّع تبلبل اللهجات وتُطْرِىَ اختلافها، فاللغة العربية هى التى تجمع بين البلاد العربية. فلتكن موحدة فى اصطلاحاتها اللغوية، ولتكن موحدة فى جمال نطقها، فذلك أحرى للجمع والترابط والتفاهم. فأنا أقول لك إنه حلال أن نقتل لهجاتٍ قد تقوى قتتحول إلى لغات مختلفة تفرق بين بعض الأهل والبعض الآخر، وحلال أن نسعى ونرتفع باللهجات إلى لغة عربية موحدة فصحى تجمع بين أهل اللغة العربية الواحدة، ثم توحّد فى الثقافة إخوانا فى اللسان والإنسانية والبيان" (انظر المعركة من ص 82 إلى ص 89). ووجه الشاهد هنا هو ما نراه من تحول آراء منصور فهمى عما كان قد كتبه أو كُتِب له فى رسالته التى حصل بها على درجة الدكتورية من فرنسا عن حالة المرأة فى الإسلام، مما عرضنا له آنفا.

 

ومن أصداء "المعارك الأدبية" لأنور الجندى كذلك فيما وضعتُ من مؤلفات: كتابى عن "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"، الذى ظهر عام 1986م. لقد دَرَسْتُ فى قسم اللغة العربية بآداب القاهرة حين كنا طلابا فى السنة الثانية فى العام الدراسى 1967- 1968م قضية النحل والانتحال فى الشعر الجاهلى، لكنى لا أذكر أن هذه القضية قد شدتنى كما شدنى غيرها من القضايا التى كانت تشغلنى فى ذلك الوقت، ولا أدرى لماذا. بَيْدَ أن الأمر تغير مع مطالعة كتاب المرحوم أنور الجندى، إذ عَرَض الآراء المختلفة فى ذلك الموضوع وألقى الضوء الكافى عليه فبدت خطورته. ومن يومها سكنتْ تلك القضية تلافيف مخى، إلى أن بدا لى أن أكتب بحثا صغيرا عن الخلاف بين الرافعى وطه حسين بهذا الخصوص لأشترك به فى مؤتمر الرافعى بآداب طنطا فى 1986م، بيد أن الأمر كالعادة اتسع وطال حتى تحول البحث الصغير إلى كتاب كامل. والمضحك أنه لم يقدَّر لى حضور ذلك المؤتمر رغم إرسالى البحث إلى منظِّميه! والمؤلم أن هذا الكتاب قد جَرّ علىّ من الأذى الإجرامى الجِلْف ما لم ألقه طوال رحلتى العلمية والبحثية. وإنى لأحتسب ذلك كله عند الله، الذى لا تضيع عنده الودائع، بل يعطيكها سبحانه فى الوقت المناسب، ومعها من الأرباح ما لا يقدَّر بثمن.

 

وهذا الكتاب يقوم على المقارنة بين كتابى طه حسين والرافعى على التوالى: "فى الشعر الجاهلى" و"تحت راية القرآن" وما رمى به الرافعى خصمه فى دينه، إذ اتهمه بالكفر لاعتباره القرآن تأليفا بشريا لا وحيا إلهيا وعدّه النبى محمدا عليه الصلاة والسلام رجل سياسة لا رسولا ومهاجمته الصحابة ورفضه الحديث الصحيح. كما وسمه بأنه أداة أوربية استعمارية، وسماه: "المبشر" و"أبا مرجريت" و"أبا ألبرت" (وهو ما يومئ من بعيد إلى ما ذكره كاتب طه حسين فريد شحاته النصرانى بعد ذلك بعشرات السنين من أن طه حسين قد عُمِّد فى كنيسة بإحدى القرى الفرنسية قبل أن يعقد قرانه على زوجته سوزان، وإن كنتُ عقّبتُ على ذلك بعد الدراسة المستفيضة المـُرْهِقة بأن الأمر محتاج إلى باحث يتجرد لدراسة هذه النقطة ليوصلنا إلى ما يريح ضميرنا العلمى بدلا من قبول خبر شحاتة أو رفضه دون تمحيص). كما يعرض كتابى المذكور لما اتهم به الرافعى الدكتور طه فى أمانته العلمية، إذ رماه بسرقة آراء المستشرقين فى ذلك الشعر، مستشهدا بما نبهه إليه يعقوب صروف من وجوه التشابه بين بحث مرجليوث الذى كان قد ظهر قبل صدور كتاب طه حسين بعشرة شهور وبين ذلك الكتاب. وقد دفعنى هذا الكلام إلى تحقيق الأمر ليتبين لى فى النهاية أن هناك بالفعل شبها قويا فى منتهى القوة بين بَحْثَىِ الرجلين وأن طه حسين لم يأت بجديد، وأبديت استغرابى من مسارعة مرجليوث من تلقاء نفسه لتبرئة طه حسين من سرقة أفكاره وأدلته بحجة أن البحثين ظهرا فى وقت واحد تقريبا، وهو كذبٌ صُرَاحٌ دفعنى دفعًا إلى تسمية المستشرق البريطانى بـــ"الكَيْذُبان" وتشبيهه بشهود الضلال الذين يقفون على أبواب المحاكم استعدادا للشهادة الزور، وكله بثمنه! وكنت أيامها أدرس ديوان المتنبى، الذى كانت نتيجة دراستى له إصدار ثلاثة كتب عنه، فالتقطت منه كلمة "الكَيْذُبَان" التى أعجبتنى كثيرا ووجدت أنها تنطبق أشد الانطباق على رجل كمرجليوث يأنس فى نفسه الجرأة على القول بأن كتابين يفصل بين صدورهما عشرة شهور إنما صدرا فى نفس الوقت، علاوة على خنق صوت الفطرة فى نفسه بتنازله عن سبقه إلى فكرته فى قضية الانتحال فى الشعر الجاهلى، إذ كان رأيه أنه لم يكن هناك أى شعر جاهلى أصلا، بل هو من نتاج العصر العباسى، صُنِع فيه صنعا ونُسِب زورا إلى شعراء مزيفين لم يكن لهم أى وجود قبل الإسلام! فأخذ طه حسين هذه الفكرة بعد إدخال بعض التحوير التافه الذى لا يقدم ولا يؤخر فى صلب النظرية ولا فى اتجاهها ونتائجها، ومع هذا يتبرع مرجليوث بالقول بأن طه حسين وصل إلى نفس النتائج فى ذات الوقت تقريبا، وهو ما يناقض الطبيعة الإنسانية كما قلنا.

 

والطريف أن كتاب أنور الجندى الذى نحن بصدده هنا لم يكن بين مراجعى التى اعتمدت عليها عند تأليفى لكتابى عن معركة الرافعى وطه حسين، بل كتابا آخر له، هو كتاب "طه حسين: حياته وفكره فى ميزان الإسلام"، وكانت فيه الكفاية. وبمناسبة هذا الكتاب الأخير أذكر أن أذناب طه حسين قد اتهموا كاتبنا بأنه رجل عجوز. يريدون أن يقولوا إنه رجل رجعى تجاوزه الزمن. ولكن هل كان طه حسين شابا عندما مات؟ كلا بالطبع، بل كان شيخا فانيا. إذن لماذا؟ إنها طبيعة الحرب المعنوية التى لا تتورع عن استعمال أقذر الأسلحة بغية ترهيب الخصم وتحطيمه! كما قالوا عن بحث المرحوم الجندى إنه عمل أرشيفى. وهى ملاحظة كثيرا ما سمعتها من بعض زملائى، فلم أكن أنكرها، بل كنت أنبههم إلى أن هذا الجهد هو إنجاز شديد الأهمية ولا غنى للباحثين عنه، إذ يقدم لهم النصوص غنيمة باردة لذيذة، وبخاصة أن أنور الجندى يترك النصوص من كل الاتجاهات تتكلم، ويحرص على وضعها فى سياقها، ولا يتدخل إلا فى أضيق نطاق كما وضحت من قبل، ثم إنه يقوم بتنسيقها وتبويبها باذلا أقصى جهده لعرض جميع جوانب المعركة التى يؤرخ لها، فماذا يريد الباحثون أفضل من ذلك؟ وهل منعهم أنور الجندى من بحث المسألة بأنفسهم؟ أبدا. إذن ماذا؟ مرة أخرى إنها طبيعة الحرب المعنوية، بل قل: إنه الإفلاس! و"حجّة البليد مسح السبّورة" كما يقولون! وقبل أن أغادر هذه المعركة أرى لزاما علىّ أن أشير إلى مقال كتبه طه حسين إبان هذه المعمعة فى جريدة "السياسة" اليومية بتاريخ 16/ 7/ 1926م بعنوان "خطران"، هاجم فيه الأزهر وحرض المسؤولين على إلغائه (إذ الإصلاح غير ممكن فى نظره لما يسوده من جهل وجمود)، وعلى جَعْل التعليم كله مدنيا لا دخل للدين فيه، وكذلك الحيلولة بين الأزهريين وتولى أى منصب فى الدولة ما لم يتحولوا إلى ذلك التعليم المدنى (ص 355- 356)، وهو المعنى الذى سيدير عليه كتابه: "مستقبل الثقافة فى مصر" بعد اثنى عشر عاما. وهذه هى المعركة التى سنعرض لها بعد قليل.

 

ولكن قبل الانتقال إلى تلك المعركة لا بد من التنويه إلى ما كتبه عبد المتعال الصعيدى، الأستاذ الأزهرى الجليل صاحب المؤلفات الرصينة فى النقد والبلاغة والأدب والدراسات الإسلامية، عن سرقة الدكتور طه رأيه الذى زعم فيه اختراع اليهود لأسطورة مقدم إبراهيم وإسماعيل إلى مكة وبنائهما الكعبة تزلفا إلى العرب، فقد امتلخه من كتاب "مقالة فى الإسلام" لجرجيس صال الذى ترجمه إلى العربية المدعوّ: "هاشم العربى" وصدر عام 1981م كما قال (ص 369- 370). ذلك أن جرجيس صال المذكور فى هذا السياق ليس إلا "جورج سيل"، الذى ترجم القرآن مبكرا إلى الإنجليزية وقدم لتلك الترجمة بفصل طويل شديد الطول عنوانه: "A Preliminary Discourse"، وهو الفصل الذى نقله هاشم العربى المزعوم إلى لغة العرب فى كتاب مستقل بعنوان "مقالة فى الإسلام"، وعقّب عليه بفصل آخر هاجم فيه القرآن والرسول وأَقَلَّ أدبه وخرج عن حدود اللياقة بأشد مما فعل سيل ذاته. وقد تنبهت، وأنا فى أكسفورد فى النصف الأخير من سبعينات القرن المنصرم، إلى أن جورج سيل هو هو نفسه "جرجيس صال" الذى كنت قرأت عنه فى كتاب أنور الجندى فى مطلع السبعينات من القرن الماضى قبل سفرى إلى بريطانيا للحصول على درجة الدكتورية فى النقد الأدبى، وذلك عندما وقعت فى يدى ترجمته للقرآن، التى بلغ من غرامى بذلك الاكتشاف أن اشتريت منها ثلاث نسخ لا يزال باقيا منها فى مكتبى الخاصة نسختان. ثم شاء الله منذ عدة سنوات أن يقع بطريق المصادفة فى يدى كتاب هاشم العربى، الذى أتبع اسمه على غلافه بأنه "نزيل البلاد الإفرنجية حالا"، والذى يغلب على ظنى أنه أحد أدباء الشام النصارى من المعروفين بقوة الأسلوب وإحكام العربية، ولا أزيد. وأرجو أن أوفَّق يوما أو يوفَّق غيرى إلى إماطة اللثام عن حقيقة هاشم العربى هذا، أو أن يكون هناك من سبق إلى إماطة الثام فعلا عنه.

 

والآن إلى المعركة التى أشرنا إليها لتونا والتى أطلق عليها الأستاذ الجندى: "معركة مستقبل الثقافة" (ص 409 وما بعدها). وقد أوجز المؤلف، فى بداية حديثه عن تلك المعركة، آراء طه حسين التى بثها فى كتابه: "مستقبل الثقافة فى مصر" الصادر فى سنة 1938م، والتى تتلخص فى الزعم بأن العقل المصرى ليس عقلا شرقيا (يقصد أنه ليس عقلا عربيا أو إسلاميا)، بل عقلا أوربيا متوسطيا، وأننا من ثَمّ يجب أن نأخذ ما لدى أوربا كاملا دون انتقاء، بل نأخذه كله بخيره وشره، وأن الدول الآن لم تعد تقوم على الدين أو اللغة، وعلى هذا ينبغى أن نستبعد الدين من مقومات قوميتنا، وأن نعلّم ذلك للأزهريين، وبخاصة أن الإسلام، حسب زعمه السخيف، لم يغير العقلية المصرية فى شىء. والعجيب أنه، مع ذلك كله، قد دافع دفاعا عارما عن المدارس الأجنبية ونادى بعدم إغلاقها. والمعروف أن هذه المدارس ترتبط بدوائر التبشير وتعمل بكل جهودها على خدمة ثقافات بلادها وتتعصب لدينها، وهو ما يصطدم مع مصالحنا الوطنية وشخصيتنا الإسلامية. وقد ثنّى الأستاذ الجندى فلخّص ما قاله بعض من ردوا عليه من المفكرين والكتاب العرب، وهم ساطع الحصرى والدكتور زكى مبارك والدكتور محمد محمد حسين، الذين بينوا تهافت كلامه وتناقضه، وهتكوا مراميه والغايات التى كان يتغياها خدمة لأهداف الدول الغربية.

 

وكان هذا الكتاب وما ورد فيه من آراء شاذة ملتوية موضوع دراسة لى تقع فى عشرات الصفحات منشورة على المشباك بعنوان "طه حسين بين العولمة والسفسطة" منذ أكثر من سنتين. وفى هذا الكتاب الذى ظهر سنة 1938م كما سبق بيانه يحاول الدكتور طه حسين أن يضع الأسس التى ينبغى أن تسير عليها العملية التعليمية فى أرض الكِنَانة بعد حصولها على استقلالها الصُّورِىّ سنة 1936م. ويشعر القارئ، حين يطالع اقتراحات طه حسين فى هذا الصدد، وكأن الأمر لا يتعلق بمصر العربية المسلمة، ولا أن الاقتراحات التى تضمنها الكتاب قد صدرت عن رجل تربى فى الأزهر الشريف وجاء من الصعيد رمز الصلابة والكرامة والعزة الوطنية والدينية، بل يتعلق ببلد لا علاقة له بدين محمد، وصدر عن رجل لا تربطه بالعروبة والإسلام صلة.

 

والكتاب مملوء سفسطةً عجيبةً لا أدرى كيف جَرُؤ طه حسين على الانصياع إليها وتصوَّر أنها يمكن أن تجوز على عقول المصريين، المصريين الذين طالما نافحوا عن الإسلام فى ميادين الوغى والعلم، وأحبوا كتابه ولغته وشريعته وسنة رسوله وبذلوا فى دراسة ذلك كله والحفاظ عليه نور عيونهم وذَوْب عقولهم. ولقد ألَّف الرجل كتابه هذا بعد أن حضر فى باريس صيف عام 1937م عدة مؤتمرات للفكر والتعليم كان فيها، كما يقول، "أشبه شىء بالطالب الذى يختلف إلى الدروس والمحاضرات فى مواظبة وانتظام" (مستقبل الثقافة فى مصر/ دار الكتاب اللبنانى/ بيروت/ 1973م/ 8). وأحسب أنه قد تلقى فى هذين المؤتمرين التعليمات بالبدء فى دعوة الانسلاخ عن الإسلام على أخطر ميدان من ميادين الحياة، ألا وهو ميدان التعليم والثقافة، فلم يضيع وقتا بل شرع من فوره فى أداء المهمة المنوطة به فأَلَّف الكتاب وانتهى منه فى ذلك الصيف نفسه وقبل أن يعود من ربوع مهبط الوحى الجديد كما يبيِّن التاريخُ والمكانُ اللذان أملاه فيهما وأثبتهما فى آخره. كذلك فإنى موقنٌ أن القارئ الكريم، بعد أن يتابع ما جاء فى الكتاب من أفكار وما ينادى به مؤلفه من دعوات، سوف يلاحظ على الفور أن ما نسمعه الآن من كلام عن العولمة ووجوب تعديل المناهج الدراسية وتجفيف منابع الفكر الدينى فى بلاد المسلمين ليس وليد الساعة، بل هو كلام قديم. وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على أن أعداءنا لا ينامون ولا يأخذون الحياة مأخذ الهزل الذى نتّبعه نحن ولا نريد أن نتخلَّى عنه رغم تتالى الصواعق على رؤوسنا وتسويد الهزائم والمخزيات وجوهنا وتلطيخها لكرامتنا.

 

وأول ما نقف عنده من السفسطة التى تطالعنا بوجهها الكالح الكئيب فى "مستقبل الثقافة فى مصر" ما يهرف به مؤلفه من أن العقل المصرى هو عقل أوربى. ولا أدرى على أى أساس يزعم ذلك، ولا كيف قاله بهذه الجرأة العجيبة. ومع هذا نراه يكرر القول بأن الأوربيين يرفضون انتسابنا إليهم. ولا أفهم ما الذى يريده الدكتور طه أكثر وأقوى من ذلك كى يكفّ عن محاولة الالتحاق بناس يكرهوننا كل هذه الكراهية ويحتقروننا كل هذا الاحتقار! إنه كعاشقٍ أحمقَ ولهانَ واقعٍ فى غرام راقصة من راقصات الكباريهات، ينثر كل أمواله تحت قدميها استجلابًا لرضاها، لكنها لا تزداد على هذا التقرب إلا عُتُوًّا واشمئزازًا وتكبّرًا، فهى تدوس الأموال المنثورة عند قدميها بحذائها وتركلها فى وجهه، لكن صاحبنا لا يفهم ولا يحسّ، وبدلا من أن تفيق كرامته نراه يوغل فى الاستعطاف وينثر المزيد من الفلوس ويترامى بنفسه على حذائها، لعله أن يكون مع الحذاء أوفر حظا منه مع صاحبة الحذاء، إلا أنه لولهه الأعمى المجنون لا يريد أن يفهم أن الحذاء ليس شيئا آخر غير صاحبة الحذاء، وأن الحذاء كصاحبته ليس له قلب. إنه يأتمر بأمرها وينفذ رغبتها، وليس له إرادة مستقلة عن إرادتها، وهى لا تحب صاحبنا المجنون الولهان، ومن ثم فالحذاء هو أيضا لا يحبه ولا يمكن أن يحبه. كما أنها حريصة على استذلاله وتحقيره بكل ما أوتيت من قوة وجبروت، بيد أنه لا يفهم! أو قل إنه يفهم جيدا، لكنه يتصور أن إبداء مزيد من الهوان والذل كفيل بأن تستقيم الأمور بينه وبين معشوقته الداعرة التى لا تعرف شيئا اسمه العطف والمرحمة!

وبالمثل يسفسط طه حسين، بل قل: يلجأ إلى حيلة مكشوفة من حِيَل العيال الصغار حين يزعم أن فريقا من المصريين يريدون أن يُلْحِقونا بالشرق، مع أننا لا ننتمى إلى الصين أو فيتنام أو اليابان، فكيف يحسب هؤلاء أننا شرقيون؟ ثم يذهب فيدلل على أنه لا شىء فى ثقافتنا يربطنا بهذه الأمم. وهى، كما قلت، حيلة مكشوفة من حِيَل العيال الصغار، إذ مَنْ بالله من المصريين أو من غير المصريين يقول إننا شرقيون بذلك المعنى؟ أتحدى طه حسين أو غير طه حسين أن يأتى لى بمن يقول هذا! إن الذين يقولون بشرقيتنا إنما يقصدون أننا عرب مسلمون، فنحن جزء من الشرق العربى المسلم كما يعرف ذلك كل أحد، على حين يَتَبَالَهُ طه حسين ظنًّا منه أنه من الذكاء بحيث يمكن أن يخدعنا فى أمرٍ مكشوفٍ بل مفضوحٍ كهذا!

 

والغريب أن د. طه يعود فيقول إن مصر كانت لها علاقات ببعض دول الشرق الأدنى (بعضها فقط: لاحِظْ، وهى الشام والعراق، ولا كلام عن السودان ولا الصومال ولا ليبيا ولا غيرها من دول الشمال الإفريقى، وكان الله يحب المحسنين!)، لكن أى مصر؟ إنها مصر الفرعونية، وليست مصر العربية المسلمة التى لا نعرف انتماءً لغيرها الآن، كما أن هذه العلاقات لا تشفع عنده لكى تُعَدّ مصر بلدا شرقيا. بل إن الصلات هنا أكثر وأشد من صلاتنا بأوربا، على الأقل بحكم الجوار المباشر الذى لا يفصلنا فيه عن تلك الدول بحر ولا مزاج نفسى وحضارى مختلف أشد الاختلاف (ص 19- 20). فلماذا يا ترى؟ إن هذا يذكرِّنا بالمثل الشائع: "عنزة ولو طارت!".

 

ثم إن العبرة على كل حال بشعور الشعب وموقفه من علاقات مصر بالدول الأخرى: لقد ظل المصريون ينظرون إلى الإغريق (الذين يطنطن طه حسين بما كان يربط مصر بهم من علاقة فى تاريخها القديم) على أنهم محتلون غرباء، فلم يندمجوا فيهم ولا اصطنعوا لغتهم ولا أخذوا عنهم دينهم ولا تثقفوا بثقافتهم، بخلاف ما فعلوا مع العرب حين أَتَوْهم بالإسلام، فقد تعربوا مثلهم لغة وثقافة، وأقبلوا على الدين الذى جاؤوهم به واعتنقوه وتفانَوْا فى التمسك به والدفاع عنه فكريا وعسكريا. ولا يظنَّنَّ ظانٌّ أن ذلك كان سببه حكم العرب لمصر، فقد احتل الإغريق وغير الإغريق مصر وأمسكوا بمقاليدها فلم تسلس مصر قيادها لهم ولم تقتبس منهم لغتهم ولا دينهم ولا عاداتهم وتقاليدهم كما قلنا، كما أن العرب سرعان ما خلَفهم فى حكم مصر: الطولونيون مرة، والإخشيديون أخرى، والفاطميون ثالثة، والأيوبيون الأكراد رابعة، والمماليك الأوربيون خامسة، والعثمانيون الأتراك سادسة، لكنها خلال تلك النظم السياسية لم يحدث قط أن فكرت فى نبذ الإسلام أو اللسان الذى نزل به كِتَاب الإسلام، بل ظلت قلبًا وقالبًا وروحًا وعقلاً وشعورًا وخُلُقًا وتشريعًا وعاداتٍ وتقاليدَ بلدًا إسلاميًّا، كما لم يفكر أى من هؤلاء الحكام فى نبذ الإسلام أو لسانه، وإن كان العثمانيون قد فرضوا لغتهم فى أواخر عهدهم فى بعض مجالات الإدارة، لكنْ سرعان ما انفصلت مصر عنهم عقب ذلك، وعادت العربية إلى تألقها كَرَّةً ثانية لم يكسف من نورها خطة الإنجليز، بعد استتباب احتلالهم لها، فى جعل قسمٍ من مناهج التعليم ناطقا بلغتهم. بل لقد أصبح يُنْظَر إلى أرض الكِنَانة منذ قرون على أنها زعيمة العالم العربى والإسلامى. ثم يريدنا الدكتور طه حسين الصعيدى الأزهرى، لمجرد أنه ذهب إلى أوربا والتقطه الأوربيون وجعلوا منه صنيعة لهم لقاء ثمنٍ دنيوىٍّ بخسٍ، أن ننزل على سفسطته وننسى هذا كله ونلقى بتلك الكنوز والمكاسب فى البحر ونذهب فنرتمى على أقدام أوربا نستعطفها ونقبل حذاءها حتى ترضى عنا وتقبلنا أتباعا أذلاء لها! إن طه حسين يريد أن يسوّق لنا الوهم الكذوب فيزعم أن العلاقة بين مصر واليونان فى التاريخ القديم كانت علاقة تفاهم ومودة حتى عندما كانت لها مستعمرات فى بلادنا، بخلاف المسلمين العرب الذين يقول إن مصر لم تسلس لهم قيادها بسهولة بل ثارت عليهم معتزة بشخصيتها الوطنية (ص18- 21، 27).

 

ويمضى الدكتور طه فى التظرف، فلْنسمع: "قد يقال إن الحضارة الأوربية مادية مسرفة فى المادية لا تتصل بالروح أو لا تكاد تتصل به، وهى من أجل ذلك مصدر شر كثير تشقى به أوربا ويشقى به العالم كله أيضا. لكنّ مِنْ أجهل الجهل وأخطإ الخطإ أن يقال إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة. إنها نتيجة العقل، إنها نتيجة الخيال، إنها نتيجة الروح، إنها نتيجة الروح الخِصْب المنتج، نتيجة الروح الحى المتصل بالعقل فيَغْذُوه وينمّيه ويدفعه إلى التفكير ثم إلى الإنتاج ثم إلى استغلال الإنتاج، لا نتيجة هذا الروح العاكف على نفسه الفارغ لها الفانى فيها الذى تُفْسِد الأثرةُ عليه أمرَه فلا ينفع ولا ينتفع ولا يفيد ولا يستفيد... ما هذا الشرق الروحى؟ ليس هو شرقنا القريب على كل حال من غير شك، فشرقنا القريب، كما رأيت، هو مهد هذا العقل الذى يزدهى ويزدهر فى أوربا، وهو مصدر هذه الحضارة التى نريد أن نأخذ بأسبابها. وما أعرف أن لهذا الشرق القريب روحا يميزه من أوربا ويتيح له التفوق عليها. ظهرت فى هذا الشرق القريب فنون وعلوم وآداب تأثر بها اليونان والرومان فأنتجوا حضارة أوربا، وأعانهم على ذلك المسلمون، أى أهل هذا الشرق القريب. وظهرت فى هذا الشرق القريب ديانات سماوية أخذ الأوربيون منها كالشرقيين بحظوظهم: فمنهم المسيحى، ومنهم اليهودى، ومنهم المسلم أيضا. أفتكون هذه الديانات روحا فى الشرق، ومادة فى الغرب؟ كلا ليس الشرق الروحى الذى يُفْتَن به بعض الأوربيين صادقين وكاذبين فيخدعوننا به هو الشرق القريب، وإنما هو الشرق البعيد والشرق الأقصى. هو الهند والصين واليابان وما فيها من هذه الديانات والفلسفة التى لا تتصل أو لا تكاد تتصل بدياناتنا وفلسفتنا. فلننظر أى الأمرين نختار لأنفسنا: أنريد أن نعتنق ديانة الصينيين وفلسفتهم ونأخذ بأسباب حضارتهم؟... إن حديث الشرق الروحى هذا حديثٌ لا غَنَاء فيه. هو مضحك إن نظرنا إليه نظرة عامة، فإن المصريين الذين يزهدون فى الحضارة الأوربية ويدعون إلى روحية الشرق يعرفون إذا خَلَوْا إلى أنفسهم أنهم يهزلون ولا يجِدّون، وأنهم لو خُيِّروا لكرهوا أشد الكره أن يَحْيَوْا حياة الصين والهند. ولكن هذا الحديث خطر لأنه يُلْقِى فى رُوع الشباب بغض الحضارة الأوربية التى يعرفونها فيثبِّط هممهم ويُضْعِف عزائمهم ويوجههم نحو هذه الحضارة الشرقية التى يجهلونها فيدفعهم إلى بيداء ليس لها أول ولا آخر" (ص 74- 78).

 

وهذا كله حديثُ سفسطةٍ لا يثبت على محك المناقشة، إذ من قال إن المصريين حينما يدعون إلى الاستعصام بروحانية الشرق إنما يفكرون فى الهند والصين واليابان؟ من قال ذلك منهم يا ترى؟ ولماذا لم يذكر لنا طه حسين بعض أسماء من نادَوْا بذلك؟ لكنه لم يفعل ولم يكن لِيفعل لأنه يعرف تمام المعرفة أنه لا يوجد بين المصريين من يدعو بهذه الدعوة المضحكة! إن روحانية الشرق عند المصريين والعرب والمسلمين أجمعين هى الإيمان بالله والرسل واليوم الآخر والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار والملائكة والقدر خيره وشره، وأن الدنيا من ثم ليست كل شىء، بل هناك حياة أخرى ينبغى أن يعمل لها الإنسان كما يعمل لدنياه، وأن الكائنات التى نراها ونسمعها ونشمها ونلمسها هنا على الأرض ليست هى كل الموجودات، بل هناك الملائكة والجن، وقبل ذلك كله وفوق ذلك كله الله سبحانه وتعالى الخالق الرازق الأول الآخر الظاهر الباطن الجبار الرحيم الكريم المريد القدير! والمسلمون عندما يَدْعُون بهذا لا يريدون الانصراف عن الدنيا والتفوق فيها والاستمتاع بطيباتها كما يحاول الدكتور طه أن يوهم قراءه عبثا، بل يبغون أن يجمعوا بين الحسنيين: الدنيا والآخرة. إن الأوربيين والأمريكان متقدمون دون أدنى ريب فى العلوم الطبيعية والإنتاج والاقتصاد والاكتشافات والاختراعات والنظام والجَلَد والتخطيط والنَّفَس الطويل والتدبير وفنون الحرب والقتال، وليس هناك من المسلمين الذين يؤبه بهم من ينادى بخلاف ذلك. إلا أن هذا لا يجعلنا نصدق ما يدعونا إليه طه حسين من الجرى فى طريقهم كحَذْوِك النعل بالنعل وتقليدهم تقليد القرود والببغاوات، فهم إن تفوقوا فى أمور الدنيا كما لا يستطيع أن ينكر ذلك أحد، مقصّرون فى مجال الإيمان بالله والرسل واليوم الآخر...إلخ. أما القلة القليلة التى تقول إنها تؤمن بذلك فإنها لا ترضينا نحن المسلمين لأنها لا تؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ولا بقرآنه الذى نزل عليه من السماء، بل تؤمن بأديان يعتقد المسلمون أنه قد أصابها العبث والتحريف، بل استنفدت أغراضها التى أنزلها الله من أجلها وصار واجبا على أتباعها أن يدخلوا فى الإسلام الدين الخاتم الذى جاء للبشر جميعا. صحيح أن المسلمين بوجه عام متخلفون، لكن هذا لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا، فدينهم باقٍ كما هو بطهارته الأصلية الربانية لم يتغير أو يصبه عبث أو تحريف.

 

وهنا ينخرط الدكتور طه فى فاصل من المنّ علينا بنتائج الحضارة الأوربية التى يذكّرنا بأنها قد تغلغلت فى أرجاء حياتنا إلى حد بعيد، مثل السكك الحديدية والبرق والهاتف وطراز الملابس والأثاث وما إلى ذلك مما لا نجد فيه شيئا يُضادّ ديننا أو ظروفنا وتقاليدنا، إلا فى ميدان الملابس، فكثير منا ما زالوا يؤثرون ارتداء الجلباب فى البيت مثلا على السترة والسروال والقميص تخففًا من سطوة الحر الشديد فى فصل الصيف، كما أن المرأة المسلمة لا يلائمها لباس المرأة الأوربية التى لا تلتزم فى سلوكها قيم الحشمة ولا العفة، وهو ما رأينا انعكاسه فى الشارع المصرى فى العقود الأخيرة، إذ عاد ملايين النساء إلى ستر شعورهن وصدورهن وأذرعهن وسيقانهن إحساسًا منهن بأنهن فى هذا الوضع أدنى إلى طاعة أوامر دينهن واجتناب مناهيه. وبالمناسبة فقد شاهدت الليلة (ليلة الجمعة 26/ 1/ 2007م) بالمصادفة المحضة جانبا من احتفال عسكرى كان يخطب فيه وزير الحربية فى جمع من ضباط الجيش ذوى الرتب العالية فلاحظت أن زوجاتهم جميعا كن محجبات، وهو نفس ما لاحظته أثناء مرورى على لجان الامتحان بإحدى الفرق من قسم اللغة العربية، إذ تنبهت فجأة إلى أنه لا توجد بين الطالبات إلا فتاة واحدة لا تغطى شعرها، ومع ذلك فقد كانت ملابسها محتشمة. وهذا وذاك هو من الأمور التى ما كنا لنلاحظها قبلا. ولقد ذكرتُ ذلك بالذات ردًّا على قول طه حسين فى نبرة التحدى والمغايظة: "مدَّت أوربا الطرق الحديدية وأسلاك التلغراف والتليفون فمددناها، وجلست أوربا إلى الموائد واتخذت ما اتخذت من آنية الطعام وأدواته وألوانه فصنعنا صنيعها، ثم تجاوزنا ذلك إلى جميع الأنحاء التى يحيا عليها الأوربيون فاصطنعناها لأنفسنا غير متخيِّرين ولا محتاطين ولا مميِّزين بين ما يحسن وما لا يحسن وما يلائم منها وما لا يلائم" (ص41)، "وإنى لأعرف قومًا كرامًا صالحين كانوا ينكرون السفور واختلاط الفتيان والفتيات، يجهرون بهذا الإنكار ويجاهدون فى سبيله، وبناتُهم يذهبن إلى المدارس، وإلى المدارس الأجنبية، ويتخذن من الأزياء ما ليس بينه وبين الحجاب صلة" (ص68).ترى ماذا هو قائلٌ الآن لو بُعِث ورأى النساء يخالفن عن رغبته ويُحْبِطْن مشروعه التغريبى الخاص بهن؟ أقول هذا وأنا على وعى كامل بأن الإسلام أكبر من ذلك، وأن الاحتشام فى الدين ليس هو نهاية المطاف، بل أوّله فى الواقع، وأن قيم الإسلام الكبرى هى الفيصل فى التقدم والتخلف، كقيمة العلم والذوق الراقى والجِدّ فى العمل وإتقان الإنتاج والحرص على إبداع كل جديد والتراحم والتضامن بين أفراد المجتمع وطوائفه والحرية السياسية والقوة العسكرية والتقدم الاقتصادى... إلخ.

 

أما ألوان التقدم الأوربى فى الصناعة والحرب والعلوم التطبيقية فلا يوجد مسلم عاقل يرفض منها شيئا، لكن الأمر فى ميدان التشريع مثلا يختلف عن ذلك، فإن تشريعات الإسلام كثيرا ما تتجه وجهة مخالفة بل مناقضة للقانون الأوربى، فما العمل؟ طه حسين يبارك هذا جريا على مبدئه الهادف إلى أن نسير سيرة الأوربيين فى كل شىء سلوكا وشعورا وفكرا وخلقا، فالأوربى عنده هو المثال الأعلى الذى ينبغى علينا أن نحتذيه دون أدنى تفكير ودون همسة تذمر، وإلا كنا متخلفين نستحق اللعنة. إن عقدة الأوربى تطارد طه حسين ولا تتركه يهنأ لحظة فى يقظته أو فى منامه! إنها حالة نفسية تحتاج إلى دراسة وتحليل! إن الأوربى، فى نظره، هو نبىّ العصر، أو قل: إنه إلهه! (انظر الفصل السابع والثامن والتاسع من كتاب "مستقبل الثقافة فى مصر")، أما المسلمون فلا يَرَوْنَ رأيه ولا يستطيعون أن يَرَوْا رأيه، وإلا فمعنى ذلك أن ما جاء به محمد كان عبثا فى عبث، وأن الأوربيين يعرفون مصالح العباد خيرا مما يعلمها الله سبحانه! ترى كيف يستطيع المسلم أن يوفق بين الإيمان بمحمد وبين تلك الخطة التى يدعونا ويلح فى الدعوة إليها طه حسين؟

 

ويقول الدكتور طه فى سفسطة عجيبة إن السبيل إلى التحضر والعزة والسيادة "ليست فى الكلام يُرْسَل إرسالا ولا فى المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هى واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عِوَجٌ ولا التواء، وهى واحدةٌ فَذَّةٌ ليس لها تعدد. وهى أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاءَ فى الحضارة خَيْرِها وشَرِّها، حُلْوِها ومُرِّها، وما يُحَبّ منها وما يُكْرَه، وما يُحْمَد منها وما يعاب" (ص55). وليس لذلك من معنى إلا أنه ما دامت أوربا تُلْحِد فلا بد لنا نحن أيضا أن نُلْحِد ونكفر بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما دامت أوربا تنظر إلى الرسول على أنه كاذب أو واهم أو مريض بالصَّرْع فلا بد لنا نحن أيضا على سبيل التبعية والجرى على خطا أوربا أن ننظر إليه صلى الله عليه وسلم بنفس العين، وما دامت أوربا تبيح الخنزير والخمر والميسر والزنا واللِّوَاط والسِّحَاق والربا فلا بد لنا أيضا أن نصنع صنيعها فنأكل الخنزير ونشرب الخمر ونلعب الميسر ونزنى ونَلُوط ونُسَاحِق ونُرَابِى... وهكذا، ثم على دين الله وشرعه العَفَاء! وعلى هذا فإذا سمعناه يقول فى موضع آخر: "فإذا دعَوْنا إلى الاتصال بالحياة الأوربية ومجاراة الأوربيين فى سيرتهم التى انتهت بهم إلى الرقىّ والتفوق فنحن لا ندعو إلى آثامهم وسيئاتهم، وإنما ندعو إلى خير ما عندهم وأنفع ما فى سيرتهم... ونحن، حين ندعو إلى الاتصال بأوربا والأخذ بأسباب الرقىّ التى أخذوا بها، لا ندعو إلى أن نكون صُوَرًا طبق الأصل للأوربيين كما يقال، فذلك شىء لا سبيل إليه ولا يدعو إليه عاقل. والأوربيون يتخذون المسيحية لهم دينا، فنحن لا ندعو إلى أن تصبح المسيحية لنا دينا، وإنما ندعو إلى أن تكون أسباب الحضارة الأوربية هى أسباب الحضارة المصرية لأننا لا نستطيع أن نعيش بغير ذلك، فضلا عن أن نَرْقَى ونَسُود" (ص63)، إذا سمعناه يقول ذلك عرفنا أنه لا يقول ما فى قلبه، وإنما يحاول أن يخدعنا عن نفسه! وبمناسبة ما قاله طه حسين عن أنه لا يريد للمسلمين أن يعتنقوا المسيحية فإنى لا أستطيع أن أطرد عن ذاكرتى ما قرأته عن تعميده فى كنيسة إحدى القرى الفرنسية قبيل زواجه من سوزان، أو عن اقتران حفيدة له بشاب يابانى على غير دين الإسلام، أو ما سمعتُه أواسط ثمانينات القرن الماضى من أستاذةٍ للغة الفرنسية، لها بباريس صلة قوية، عن تنصّر ابنه رسميا فى فرنسا آنذاك، وإن كنت لا أريد أن أخوض فى هذا الأمر أكثر من هذا لأنى لا أملك بين يدىّ الآن وثائق مكتوبة. كما لا يمكننى فى هذا السياق أن أتجاهل ما قاله المرحوم أنور الجندى فى وصف شخصيته، إذ أكد أن "له من طبائع المكفوفين قدرتهم على المناورة وكسب القلوب والانسحاب السريع فى حالات الخطر"، وأنه ذو طبيعة تجمع بين العناد والخوف، فتراه يندفع إذا خلا له الجو، لكنه سرعان ما يتراجع إذا استشعر الخطر (انظر أنور الجندى/ طه حسين: حياته وفكره فى ميزان الإسلام/ ط2/ دار الاعتصام/ 1397هـ- 1977م/ 25).

 

إذن الدكتور طه لا يقبل أن يقام التعليم المصرى على أساس من الدين، وإنْ سَلَكَ فى الوصول إلى هذه الغاية سبيلا ملتوية بعض الشىء. حتى الأزهر ذاته يجب، فى رأيه، أن يُلَقَّن طلابُه الفكرةَ القائلةَ بأن الدين ليس أساسًا من أسس القومية. وفوق هذا فقد هاجم طه حسين الأزهر هجوما شديدا وزعم أنه لا يصلح لتدريس اللغة العربية وآدابها. والسر فى كراهيته لقيام الأزاهرة والدَّراعِمَة بتدريس اللغة العربية هو أن طلاب هذين المعهدين كانوا يَدْرُسون المواد الدينية إلى جانب المواد اللغوية والأدبية، وكان طه حسين يريد أن ينحّى الدين عن التدريس كما رأينا. وبالمناسبة فالدكتور طه، بالمقياس الذى ينصبه ويصخب به، لا يصلح لتدريس الأدب العربى. ذلك أنه لم يتخصص فى هذا المجال، فهو أزهرى، أى لا يصلح لهذه المهمة بشهادته هو نفسه عن الأزهريين، كما أنه حين ذهب إلى فرنسا قد درَس التاريخ الأوربى القديم لا الأدب العربى، فضلا عن أن رسالته التى أحرز بها درجة الدكتوريّة منها كانت عن ابن خلدون، بل إن هذه الدكتوراه ليست دكتوراه الدولة بل دكتوراه السلك الثالث (الأيام/ 3/ دار المعارف/ 1972م/ 130)، وهى أقل كثيرا من دكتوراه الدولة وتُعْطَى عادة للطلبة الأجانب الذين لا يريدون التعمق فى البحث أو ليس عندهم وقت. فلو حاسبنا الرجل بكلامه لقلنا إنه لا يصلح لتدريس اللغة العربية بمقياسه هو نفسه وحسبما تقول الوثائق والشهادات!

وتبقى من المعارك التى أثبتها أنور الجندى فى كتابه وتعرضتُ أنا لها بعد ذلك "معركة لقمة العيش"، وهى المعركة التى اشتعلت بين زكى مبارك وطه حسين حين لم يرض الأخير أن يجدد عقد زكى مبارك الخاص بعمله فى الجامعة بحجة أنه عندما تم تعيينه لم يكن موجودا فى الجامعة، ومن ثم لم يُسْتَشَر فى تعيينه، فكيف يستشيرونه فى تجديد عقده؟ وهو لون من الخبث الذى لا ينطلى على أحد، وإنما كان السبب الحقيقى أن طه حسين كان يَقْذَى عينًا بزكى مبارك، الذى كان كثير الاعتراض على ما يطرحه طه حسين من اقتراحات فى مجالس قسم اللغة العربية، فضلا عن جرأته فى نقد ما يكتبه. وقد كانت هذه سقطة حقيرة من طه حسين تدل على قساوة قلبه واستبداد الحقد فى نفسه، وتكذّب ما يتشدق به من تمسكه بحرية الفكر، إذ كان للأسف شديد الاستبداد والتّفَّرْعُن لا يريد أن تكون هناك رأس مرفوعة إلى جانبه. وقد انبرى عدد من الكتاب كإبراهيم المازنى وسلامة موسى يدعون طه حسين إلى الإنصاف ورعاية كرامة الدكتور زكى مبارك، بَيْدَ أنه أصمّ أذنيه وأعمى عينيه عن تلبية النداء الكريم. وقد أثبت أنور الجندى رحمه الله فى هذا الفصل فقرات كافية من المقالات التى هاجم فيها زكى مبارك الدكتور طه، بالإضافة إلى شىء من مقالاته الأخرى التى جامل فيها طه حسين أو أثنى عليه. كما أورد مقال المازنى الأليم الذى حاول فيه عبثا أن يَثْنى طه حسين عن موقفه. وهى نصوص تمتاز بروعة الأسلوب والتهاب المشاعر وتوثب العقول (ص 671 فما بعدها).

 

وللمرحوم أنور الجندى كتاب كامل عن زكى مبارك قرأته مرتين، وهو من الكتب القوية المعجِبة لما فيها من حرارة التعاطف مع محنة الرجل والتحليل النفسى العميق لشخصيته التى ظلت تطاول الحدثان وتصمد فى مواجهتها بقوة وصلابة ورجولة، إلى أن كان لا بد من الانهيار فى آخر المطاف بعد اصطلاح العوامل والعلل المختلفة عليها، وبخاصة الخمر التى كان قد أدمنها وأوغل فى هذا الإدمان. وأذكر أن عينى قد جاشت فى المرتين اللتين قرأت فيهما ذلك الكتاب البديع الذى لم أقرأ عن زكى مبارك مثيلا له. وقد كان من صدى هذا وذاك أن وضعتُ عنه كتابا من نحو أربعمائة صفحة انتهيت منه منذ أكثر من عشر سنوات، ثم تعاقدت مع أحد الناشرين قبل خمسة أعوام على نشره، ولا أدرى أظهر الكتاب أم لا.

 

وقد تناولتُ فى ذلك الكتاب شخصية زكى مبارك بطريقة جديدة، إذ جعلتُ تحليل أسلوبه، سواء من الناحية اللغوية أو الناحية النفسية، هو سبيلى إلى التدسس إلى تلك الشخصية. كما أفردت للفعلة غير الكريمة التى فعلها طه حسين معه صفحات مطولة، واقفا مَلِيًّا إزاء التهمة الماكرة التى صوبها إلى الدكاترة زكى مبارك بعد موته بأكثر من عشرين عاما، ألا وهى زعمه فى 2/ 2/ 1972م لكاتبه فى ذلك الوقت الشيخ الأزهرى محمد الدسوقى، الذى أصبح فيما بعد دكتورا فى الشريعة الإسلامية، والذى أثار معه موضوع إخراج زكى مبارك من الجامعة، أن زكى مبارك إنما خرج لسلوكه الشخصى غير المشرف، فقد أخبره فؤاد سراج الدين، الذى كان طالبًا أيامها بكلية الحقوق ويدرس مع زملائه اللغة العربية وآدابها مع د. زكى مبارك، لم يكن يستذكر دروسه فى تلك المادة اعتمادا على زجاجة كولونيا كان يعطيها له فينجح فى الامتحان (انظر الدكتور محمد الدسوقى/ طه حسين يتحدث عن أعلام عصره/ سلسلة "اقرأ"/ العدد 578/ 48- 49). وهو كلام يقطر حقدا وجبنا، إذ أين كان هذا الكلام طوال تلك الأعوام التى كان زكى مبارك يشوى فيها ظهره ووجهه بقوارع سياطه حتى لقد هدد ذات مرة بأن أولاده إذا جاعوا بسبب إبعاده عن الجامعة فسيشوى لهم لحم طه حسين ويطعمهم إياه؟ بل لماذا لم يكتب ذلك فى مقال له أو كتاب كى يبرئ ذمته أمام التاريخ والأجيال المقبلة وكى يعطى الفرصة أمام سراج الدين ليؤيد ذلك أو ينفيه؟ وهل كان زكى مبارك من الرجال المشغوفين بالتأنق والتعطر حتى يضحك عليه أحد طلابه بزجاجة كولونيا؟ وما قيمة زجاجة كولونيا حتى يخر أمامها زكى مبارك أو غير زكى مبارك راكعا ساجدا؟ لقد كان الرجل، على ما فيه من عيوبٍ، كثيرَ التمدح بالكرامة والشرف، عظيم الزهو بالنفس، ولقد كانت هذه فرصة تاريخية أمام طه حسين لا تعدلها فرصة أخرى لكسر ذلك الرجل والتخلص من مشاغباته التى كانت ترعبه وتطير النوم من عينيه، فلِمَ لَمْ يفعل ويريح ويستريح؟ ثم متى أنبأه فؤاد سراج الدين بهذا؟ وأين؟ وكيف؟ ولماذا؟ وفى أية مناسبة؟ وأمام من يا ترى؟

 

وهناك كتاب آخر لى هو "نقد القصة فى مصر من بداياته حتى 1980م" أفردت لزكى مبارك جزءا كاملا من آخر فصل من فصول الباب الثانى منه أدرته حول دراساته النقدية فى مجال القصة، معتمدا على مقالاته المطولة الممتعة التى تناولت بعض الأعمال القصصية عام 1939م فى مجلة "الرسالة". وثم كتاب ثالث لى هو كتاب "مناهج النقد العربى الحديث" خَصَصْتُ زكى مبارك فى الفصل الخاص بالمنهج الانطباعى منه بعدة صفحات للتنويه بطريقته التى تغلب عليها النزعة الانطباعية والتى قلما يضاهيه فيها أحد. ومن طرائف الأمور أننى، لما أردت الاستشهاد على هذه النزعة الانطباعية فى نقد دكاترتنا زكى مبارك، لم أجد أنسب من الدراسة الرائعة التى كتبها عام 1939م فى مجلة "الرسالة" (ضمن سلسلة الدراسات المشار إليها آنفا) وعرض فيها بالنقد والتحليل لكتاب "الأيام" لطه حسين، وهى الدراسة التى قلت عنها فى كتابى المذكور إن أسلوب زكى مبارك فيها يضارع، إن لم يبزّ، أسلوب طه حسين جمالا وقوة، والتى بلغ فيها تعاطفه مع أحزان طه حسين حدًّا لم يصل أى من محبى طه حسين إليه. وأتيت بعدّة فقرات فى التدليل على ذلك أجد متعة عظيمة كلما عدت إليها وقرأتها، وكأنى أَطّلِع عليها لأول مرة فى حياتى، وهذا هو الأدب الخالد.

 

وفى النهاية أقول إن ما سجله المرحوم أنور الجندى فى كتابه هذا كان لى بمثابة الصاروخ الذى يحمل سفينة الفضاء إلى الأعالى، والذى لولا هو ما استطاعت السفينة أن تنطلق فى رحلتها. وإنى لأدعو الله له أن يكرمه ويأجره بكل لحظة أنفقها فى خدمة الثقافة العربية والإسلامية يمهد الطريق وينيره للباحثين ويهئ لهم ما يحتاجونه من زاد معرفى ووثائقى ثمين. كما لا أحب أن يفوتنى فى ختام هذه الكلمة أن أدعو المسؤولين فى المجلس الأعلى للثقافة إلى أن يُولُوا المرحوم أنور الجندى ما يستحقه من اهتمام بوصفه عَلَمًا من أعلام الثقافة فى مصر خلّف لنا عددا هائلا من الكتب والموسوعات لا تستطيع اللجان عادةً الاضطلاع بها بهذه السهولة والسلاسة. وقد عهدنا المجلس الأعلى للثقافة حريصا على الاحتفال بكبار رجال الفكر والأدب والنقد فى بلادنا الحبيبة، فهل يمكن أن يهمل المجلس الأعلى للثقافة كاتبا وموسوعيا بقامة أنور الجندى؟ لقد سمعت من بعض محبى الرجل أنه من المستبعد اهتمام القائمين على المجلس الأعلى بأنور الجندى لأنه ليس معدودا فى من يُسَمَّوْن بالتنويريين، لكنى فى الواقع لا أحب أن أفكر بهذه الطريقة لأن المجلس الأعلى للثقافة هو مؤسسة لكل المصريين لا لفريق بعينه من الكتاب والمفكرين دون فريق، وأرى أن أسرة المرحوم الجندى لو اتصلت بالمسؤولين فى المجلس الأعلى للثقافة بخصوص هذا الشأن فسوف تجد ترحيبا كبيرا، أو على الأقل: هذا ما أتمناه. ولا أظن رجال المجلس الأعلى للثقافة يمكن أن يخيبوا هذا الأمل.

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق