أضيف في 17 يوليوز 2016 الساعة 23:55

صفر ميكا ... صفر جوع


رشيد اليملولي

صفر جوع ...صفر ميكا .

إن نحن آثرنا أن نكتب بحس موضوعي ، و بأسلوب يرقى إلى البناء و ثقافة التقويم و التقييم ، فذلك يعني أننا نشعر بنفس حضاري و قيم مسؤولية عالية ، في تحويل وجهات النظر من الطابع الصراعي الحاد و العنيف ، إلى صراع مشروع و هادف لا يتصيد الأخطاء و لا ينطلق من نظرية المؤامرة ، لكنه يبدأ بالذات من أجل بناء الوطن ، و يسعى إلى الوطن من أجل آدمية الإنسان ـ المواطن .

ليس خافيا أن المقارنة تستدعي من الناحية المنهجية ، استحضار الفارق الحضاري بين الشعوب ، بغرض إبراز المعنى و الدلالة و اقتفاء أثر السياسات الناجعة و الفعالة في تقديم الإضافة و التنمية المستدامة ، و إذا كان الهاجس المنهجي حاضر في قوالبنا الذهنية و النفسية ، فإنه لن يمنعنا من تجاوزه ليس لعدم جدواه ، و إنما لعدم فعاليته النظرية في مثل هذه الحالة و هي المغرب و البرازيل ؛لأن الإنسان ـ الفاعل واحد في كلا الحالتين ، و هو أن البلدين لا يعدمان من وجود عنصر بشري منتج تنمويا و سياسيا ، و أكثر قوة و إرادة .

انخرطت البرازيل منذ سنة 2003 في برنامج " صفر جوع " في عهد رئيسها لولا داسيلفا ، استهدف بوساطتها تحقيق الأمن الغذائي لساكنة بلده ، و قد خصص لهذا المشروع 12 مليار دولار ، و يقوم بالإضافة إلى إطعام البرازيليين توفير تعليم منتظم للأطفال ، و الرعاية الصحية للحوامل .

و انضاف إلى هذا المشروع مشروع " الحليب " و هو جزء من صفر جوع ، و يروم شراء الحليب من صغار المزارعين ، و توزيعه على 2.6 مليون من الساكنة الفقراء ، و استكمالا لهذا المشروع هناك " العائلة الزراعية " الذي يعد أيضا جزء من مبادرة برنامج صفر جوع ، و الذي أنفق 4 مليار دولار لشراء محاصيل 2005ـ 2006 من صغار المزارعين ، و قد استطاع هذا البرنامج و هذه الثورة الخضراء من انتشال ما بين 30 حتى 40 مليون برازيلي من الفقر ، و كان حافزا لدخول البرازيل في ثورة جديدة اسمها " البرازيل بدون بؤس " تأسيا بالنجاح الذي حققه مشروع صفر جوع .

الدرس الذي يستفاد من التجربة بالرغم من التمايز الحضاري و الإمكانات الطبيعية هو الإرادة السياسية و القيادة القوية للرئيس البرازيلي ، و الشراكة الواسعة في وضع و تنفيذ المشروع ، و الانخراط الفعال لممثلي المجتمع المدني و صغار الفلاحين و المزارعين .

يستمد روح المعنى من البون الشاسع في فلسفة وضع البرنامج و الوسائل القمينة بتنفيذه ، و الإرادة البشرية الرامية إلى توفير سبل النجاح و ليس تسويق الإنجاح ، بالمقابل تتراءى العديد من البرامج المغربية أمام هذا المشروع منها سقي المليون هكتار و المغرب الأخضر و المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، و صولا إلى برنامج " صفر ميكا " .

إن الدلالة المستوحاة من مجمل هذه المشاريع تفيد أن القوة ليس في اجتراح و اقتراح البرامج ، و لكن تكمن في الخلفية السياسية و الفلسفية الكامنة وراءه ؛ بمعنى أن آلية البناء تعاكس آلية تسويق الصورة ، و ترسيخ الزعامة السياسية و القدسية للنظام السياسي ، و هنا تنبع إشكالية البناء و محدودية الأثر الذي تحققه المشاريع المغربية الآنفة الذكر حتى لا نقول فشلها الذريع ، و ارتماءها في أحضان السلطة بما يعني ذلك من تقوية شبكة المريدين و تزكية نفوذ النسيج السلطوي ، و تقويته بالعطاء و الهدية وفق ما أبان عنه الأستاذ عبد الله حمودي في كتابه الشيخ و المريد .

الدرس الثاني المستقى من التجربة البرازيلية و التجارب المغربية الضعيفة الفعالية ، هو طبيعة و مضمون الفاعل المؤثر ؛ فما بين نزعة لتقوية الدولة في مصاف الأمم التنموية العالمية ، و ما بين التسلط لتوجيه المجتمع نحو الدولنة الأحادية الجانب ، تبرز معالم الفاعل الذي ترومه كلا التجربتين ؛ أي ما بين نموذج ينتصر لأفق الدولة و مشروعيتها التنموية ، و ما بين نموذج قبلي ينتصر للحزبية و العلاقات " القرابية " وتقوية شبكة الزبونية تحت إشراف الداخلية ، و التي ترى في المشاريع وسيلة للمراقبة و الإدماج و التدجين ، أكثر منها وسيلة لتنمية الوعي و الحس الوطني ، لذلك المشروع البرازيلي مشروع دولة و ليس مشروع سلطة ، و الفرق بين في الوعي الثقافي و السياسي ، و من هنا ضحالة المشاريع التنموية الوطنية ، و حتى تكتمل الصورة في تعميق الأزمة الحضارية ينتصب أمامنا حاليا مشروع " زيرو ميكا " ، و هو مشروع محكوم ـ على يبدو ـ بهاجس بيئي يهفو التقليل من حجم الأخطار و الآثار المترتبة عن استعمال " ميكا " و خاصة أثرها على التربة و الخصوبة ، و طول مدة تحللها .

إن الرأي لا ينصب على النية المرافقة للمشروع ؛ أي الأهداف المتوخاة من هذا البرنامج ، و لكنه يحاول بإرادة تكريس سياسة الانتقاء ، و تحجيم و إلغاء سلم الأولويات التنموية ، و هنا نتساءل ما الذي يصنع الثورة الإنسان أم كائن آخر ؟ و هل الاهتمام يتركز على بناء الإنسان أم على كائن آخر ؟ .

إن الحفاظ على الأمازون و مستوى التنمية في البرازيل ، توقف على بناء الإنسان و انتشاله من الفقر في مرحلة أولى و من البؤس في مرحلة ثانية اعتمادا على التعليم والمرأة ، انطلاقا من هذا المستوى يبرز مستوى الخلل في مشروع " زيرو ميكا " في الحالة المغربية ؛ إذ الأحرى إخراج مشاريع أنية تتعلق بأطفال ميكا ، و منحرفي ميكا ، و شوارع ميكا و متسولي ميكا و متشردي ميكا الذين أصبحوا كالميكا ، و المتخلى عنهم و غيرهم من الفئات الهشة و غير المندمجة في دورة الإنتاج الوطني ، و إدماجهم في صيرورة و ليس سيرورة تنموية ( الأمد الطويل مقابل الأمد القصير ) .

لا يعني النقد إلا أن المشروع يقفز من حيث يدري أو لا يدري على سلم الأولويات التنموية ، بشكل قد يدفعنا إلى استخلاص ضعف ثقافة الإنصات إلى المجتمع و آلامه و طموحاته ، و تأجيل مطلب التنمية و الديمقراطية ، و يغفل عن أن التنمية هي من الإنسان للإنسان بهدف الإنسانية .

الدرس الثالث المستقى من " زيرو ميكا " هو تصاعد وثيرة الغموض في مشروعية هذا البرنامج ، حيث لا يعقل أن يتم التمييز في أنواع الميكا ما دامت تشكل خطرا على البيئة ، فميكا البسطاء و الأسواق الأسبوعية لا تقل من حيث المبدأ و الشمولية عن ميكا الأسواق الممتازة و إن قلت خطورتها .يتأكد هذا الظلام و الحلكة بعد فضيحة الأزبال الإيطالية ، فكيف يستقيم مشروع وطني مع ما يناقضه رمزيا و الإحالة هنا على تحويل المغرب إلى مزبلة في المخيال الاجتماعي و الثقافي ، و كيف يمكن أن نفهم تنقية الأجواء الأرضية من ميكا و تلويث الأجواء السماوية بأنواع السموم ؟ .

الغريب هو أن المشروع تصاحبه موجة غموض رسمية و تناقض صارخ في التعامل مع الشأن الوطني ، و لو في مستوياته الدنيا و هو الحق في المعلومة المكفولة دستوريا و قانونيا و معرفيا ، لدرجة أن هذا الغموض يمتد إلى ارتدادات لا ندري أفقها ، حتى أضحت التصريحات و التصريحات المضادة عنوانا على التناقض و التباين و التنافر ، لا على المعلومة فقط و إنما على نوعية السلطة التنفيذية و التشريعية في البلاد ، حتى تسابق الزمن في ذبح ملف التقاعد ، و لا تكلف نفسها في تنقية أجوائها الداخلية ، و تقديم مادة سياسية تليق بالعصر الذي نعيشه ، على أن الفاجعة الكبرى هي كيف يمكن الجمع بين زيرو ميكا و أزبال إيطاليا و تنظيم المغرب لكوب 22 ؟ على مستوى تدبير الملف البيئي و احتضانه في الآن ذاته ، و تفسير السلوك ما بين تبينه نظريا و تدبير مقتضياته واقعيا ؟ .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق