أضيف في 3 يوليوز 2016 الساعة 10:33

داموس غريان وكهف شيسلهيرست ...


د موسى أبومحلولة

داموس غريان وكهف شيسلهيرست ...

 

الداموس ... هو بيت محفور تحت اﻻرض يتميز بأنه بارد صيفا ودافيء شتاءا يتكون من حجرات منحوتة في صخور الجبل الغربي الليبي الجيرية إشتهرت به مدينة غريان وسائر مناطق الجبل الغربي في ليبيا وصولا إلى منطقة مطماطة في الجنوب التونسي ..

 

أدركت الداموس في طفولتي في قرية أم الجرسان وكان للعائلة داموسا جميلا ﻻزالت آثاره وغيره من دواميس المنطقة موجودة حتى اليوم ...

 

واليوم قد علمت بوجود اكبر شبكة كهوف "دواميس" في بريطانيا وهي ﻻ تبعد عند مكان سكناي إﻻ بضعة كيلومترات ... تعجبت ﻷمري وكيف أني لم أسمع بها من قبل ، وعاودني الحنين إلى دواميس الجبل التقليدية فدعوت طفلتي الصغيرة إلى زيارة إستكشافية لشبكة دواميس شيسلهيرست بجنوب مدينة لندن.

 

كان الجو مشمسا ولطيفا ومناسبا لزيارة هذا المكان الذي تحول إلى وجهة سياحية "داموسية" منذ أوائل القرن الماضي وتم أستعماله أوقات الحرب لتخزين اﻷسلحة والذخيرة في الحرب العالمية الأولى وكملجأ للمدنيين من قصف الطائرات اﻷلمانية للندن في الحرب العالمية الثانية فتحول يومها إلى مدينة تحت أﻷرض يسكنها 15000 شخص وبها مستشفى وبنك ومطاعم ومسرح صغير لتسلية اﻷطفال والكبار. 

 

يبلغ الطول اﻹجمالي لشبكة كهوف شيسلهيرست 35 كيلومترا وتشكل متاهة معقدة من "الدواميس" تمتد على مساحة 30 هكتارا وتقع على عمق 30 مترا تحت سطح الأرض ..

 

وصلنا المكان واشتريت تذاكر الدخول وأنضممت الى مجموعة من السواح والزائرين عشاق الدواميس الذين تجمعوا في صالة الدخول اﻷنيقة.

 

لدخول هذا الداموس اﻹنجليزي الكبير وضمان الخروج منه بسلام يحتاج اﻷمر إلى دليل سياحي عليم بدهاليز الكهف وفروعه اللامتناهية وبتاريخه الطويل الذي يعود الي عام 1250م ، عندما تم الشروع في حفر هذه الكهوف كمناجم ﻹستخراج الحجر الجيري الذي أستخدم في بناء مدينة لندن عبر تاريخها.

 

تسلمت فنارا يدويا تفوح منع رائحة الكيروسين ذكرني بفنارات قريتنا قبل أن تصلها الكهرباء في أواخر ستينيات القرن الماضي - وربما بفنارات عاصمتنا هذه اﻷيام وهي تغوص في إظلام متكرر - ودخلت في جوف كهف شيسلهيرست مع الداخلين ...

 

كانت ساعة كاملة من المشي الحثيث في أعماق الداموس اللندني وتاريخه المدهش المليء بحقائق تاريخية صادمة وقصص خرافية خيالية جامحة عن غيلان وكائنات غريبة كانت تسكته أبدع الدليل المحترف في روايتها وإمتاع الصغار والكبار بحكاياتها الطريفة والحزينة والشيقة. 

 

وعلى عمق 30 مترا قرر الدليل السياحي أن يشعرنا بما عاشه اللاجئون في هذا المكان ايام الحرب العالمية الثانية فأخذ ومساعده كل الفنارات التي كانت معنا واختفى بها بعيدا في ركن قصي من الكهف المتشعب وتركنا لدقائق في ظﻻم دامس لم أرى مثله من قبل، ونحن في هذه الحال دوى صوت قرقعة رهيبة وكأن قنبلة من قنابل هتلر قد إنفجرت بالمكان ...

 

لحظات رهيبة مهيبة ظهر بعدها ضوء خافت في نهاية نفق الكهف وعاد الدليل ليصحبنا إلى حيث توجد الفنارات ولنواصل رحلتنا الداموسية المثيرة ...

 

بعد حوالى الربع ساعة من المسير وصلنا إلى مركز مدينة الدواميس حيث عاش لشهور طويلة 15000 ﻷجيء كانوا ينامون على اﻷرض وعلى هذة اﻷسرة المهترئة التي كانت مخصصة للأطفال الصغار وللمرضي الذين يتداوون في هذا المستشفى بهذا الكهف ، وهناك بالكهفف المقابل توجد مكاتب أدارة مدينة الدواميس وبعدها بنك الداموس "المركزي" ومرافق حيوية أخرى ...

 

حكايات الدليل وأسلوبه الرائع في سردها وأداء بعضها وكأنه ممثل محترف بارع أدخلت البهجة والمتعة على قلوب الصغار والكبار وحنكته ودرايته بمداخل ومخارج هذا الكهف المتشعب العميق قادتنا بسلام في نهاية اﻷمر إلى مخرج الداموس وعدنا إلى النور والحياة اللندنية العصرية.    

 

 وأنا أقود سيارتي مسافرا إلى البيت سافرت بخيالي إلى تلك الربوع الرائعة وتخيلت أني عائد من زيارة إلى حوش غرياني"داموس" تقليدي محفور في جبل ليبيا الغربي علمت أنه قد تم ترميمه فأصبح قبلة للسواح قبل أن تعصف بالبلاد أحداث "ربيعها" الراهن.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق