أضيف في 28 يونيو 2016 الساعة 10:34

حلقة جديدة من كتابى: ''من كُتّاب الشيخ مرسى إلى جامعة أكسفورد- محطات على مسيرتى الر وحية''


إبراهيم عوض

د. إبراهيم عوض

 

وبعد أربع سنين قضيتها فى آداب القاهرة أخذتُ الليسانس بتقدير "جيد جدا"، وكنت الأول على الدفعة، والوحيد الحاصل على مرتبة الشرف. ومع ذلك قال القسم، الذى كان يرأسه فى ذلك الحين د. شكرى عياد بعدما بلغ د. شوقى ضيف رئيس القسم السابق سن المعاش، إنه لا يحتاج إلى معيدين، مع أنهم عينوا فى كلتا السنتين: السابقة واللاحقة معيدين. وكعادتى سكتُّ فلم أكتب شكوى أو أخاطب أية جهة رسمية كما يصنع عادة من هم فى مثل وضعى مع أنى "سمعت" أن أحد من كرهوا تعيينى هناك قد أرسل قبل بضع سنوات رسالة إلى جمال عبد الناصر كى يعين فى القسم حين وجدهم يستبعدونه من التعيين، وكان راسبا فيما بلغنى فى اللغة الإنجليزية، وهو ما أثمر تعيينه معيدا بفضل رئيس الجمهورية، الذى دخل إليه صاحب الرسالة من باب الكادحين قائلا إنهم رفضوا تعيينه لأنه منهم. كما قرأت منذ عدة سنين فى بعض الصحف أنه كان وراء فوز عميدة بجائزة من جوائز الدولة العلمية رغم أنها لا فى العير ولا النفير من ناحية القيمة الفكرية والأدبية، وذلك لقاء تعيينها ابنته معيدة فى الكلية التى ترأسها. ثم أعلنت كلية الآداب بجامعة عين شمس عن حاجتها إلى معيد، فقدمت طلبا إلى الكلية المذكورة، وعُمِلَتْ لنا مقابلة شخصية، وكان عدد المتقدمين لهذه الوظيفة كبيرا، إذ أذكر أنهم كانوا نحو خمسة عشر. وقد استقر الأمر فى نهاية المطاف على العبد لله بعد سنة وربع تقريبا من تلك المقابلة سمعت فى أثنائها أكثر من مرة أنهم اختاروا واحدا غيرى من المتقدمين، فامتثلت للأمر كعادتى، ولم أجد فيه ما يبعث على الاعتراض.

وقد أخبرنى د. إبراهيم عبد الرحمن رحمه الله، بعد أن تم تعيينى بتزكية منه عقب سماعه قصتى كلها، أنهم فى القاهرة كانوا يحذرونهم من تعيينى عندهم لأنى "ولد قليل الأدب"، مع أنى لم أُقِلَّ أدبى يوما على أحد من أساتذتى، يعلم الله، بل كنت مجرد طالب طموح يحب المحاضرات، ويحرص على الاستزادة من العلم ما أمكن، ولا يكف عن المناقشة والسؤال، مع احترام أساتذتى ولزوم حدودى. وأغرب ما فى الأمر أن تلك التهمة وأمثالها كانت من العوامل التى أتت بأثر عكسى، إذ جعلت بعض الأساتذة المؤثّرين بآداب عين شمس يتعاطفون معى، وبخاصة بعدما عرفونى عن قرب بدلا من الشبح الذى كان غارقا فى الظلام لا يظهر منه شىء، فيصدقون كل ما يبلغهم عنه. لقد رَأَوْنِى واضحا صريحا، وبى رغبة إلى العلم. وأطرف من هذا وذاك أنه كان هناك اثنان من المتقدمين لشغل الوظيفة المذكورة يمكن أن يُخْتارا للوظيفة المذكورة، إلا أن أحدهما آثر فى آخر لحظة أن يعيَّن فى جامعة المنيا مدينته، أما الثانى فقد بلغنى فى البداية أنهم قد اختاروه، لكنه كان كبير السن، وترك الدراسة منذ زمن بعيد، إذ لم يحاول فى تلك الفترة الطويلة مواصلة الدراسات العليا، ولا أدرى ماذا أيضا من الاعتبارات، مما جعل القسم لا يتحمس له. وهكذا فاز العبد لله بالوظيفة، التى أريد حرمانه منها بكل سبيل.

وأنا، حين أنظر إلى الماضى بعد كل هاتيك الأعوام، أحمد الله كثيرا لأنه لم يكتب لى التعيين فى آداب القاهرة، وكتبه لى فى آداب عين شمس حيث قضيت عشرات السنوات دون مشاكل تذكر. ولا أستطيع أن أتذكر طوال تلك السنين أنى آذيت أحدا أو نممت بين اثنين أو نلت بالباطل من أى زميل. كما أن عين شمس قد أرسلتنى فى بعثة علمية إلى جامعة أكسفورد للحصول على درجة الدكتورية حيث عشت هناك ست سنين أتقنت فيها الإنجليزية إلى الحد الذى كتبت بها رسالتى العلمية بأسلوب مفهوم ومعقول، بالإضافة إلى معايشتى للبريطانيين فى بلادهم واطلاعى على الحضارة الأوربية فى أكبر بلادها وأقواها.

ومن بين الشائعات التى طاردتنى عقب تخرجى من آداب القاهرة الزعم بأننى، حين كنت طالبا هناك، كنت أدخل القسم فأسأل عن "شكرى عياد" و"شوقى ضيف" وغيرهم من الأساتذة الكبار: هكذا حافيا دون ألقاب رغم أنى حتى الآن، وبعدما نَيَّفْتُ على الستين بخمس سنين وزيادة، لا أنادى عادة أى معيد من تلامذة تلاميذى إلا بـ"الأستاذ فلان". بل لا أذكر أننى ذكرت أى واحد من أساتذتى الذين وقفوا فى طريق تعيينى إلا مسبوقا بلقبه رغم إساءتهم لى. ودائما ما أنبه ابنى وبنتى، وهما يعملان بالتدريس فى الجامعة، أن يحترما أساتذتهما مهما كان الخلاف معهم، قائلا لهم على سبيل التحميس: هل تَرْضَوْن لأحد من تلاميذ والدكما أن يسىء إليه؟ هذه عادتى التى يلاحظها الجميع، ولست كهؤلاء الزملاء والتلاميذ الذين يفعلون ما اتُّهِمْتُ أنا به ظلما وعدوانا، حتى إذا ما واجهوا من يجردونه فى غيبته من الألقاب كانوا حراصا أشد الحرص على تبجيله والتخاشع أمامه ومناداته بـ"أستاذنا".

وقد اشتغلت فى السنة التى تفصل بين تخرجى (1970- 1971م) وتعيينى فى آداب عين شمس بمدرسة بنات ثانوية خاصة فى حى الحلمية الجديدة. وأتصور أننى لم أكن شديد السوء فى وظيفتى الجديدة. وقد حاولت فيها شيئا من التجديد، فكنت أقترح على الطالبات مثلا كتابة موضوعات تعبير مثل "بنت السابعة عشرة: عالمها ومشاكلها"، أو "أنتِ الآن فى عام 1981م. تكلمى". كما كنت أشرح أحيانا بعض الدروس الفرنسية إذا دخلت حصة إضافية تغيَّب عنها مدرس لغة الإفرنسيس، فكانت الفتيات والناظرة يستغربن أن يعرف أستاذ العربى اللغة الفرنسية، وكانت بعض الفتيات يقلن لى إنهن لا يصدقن أننى مدرس عربى لا فرنسى.

ومع أننى لم أكن شابا "لخمة"، بل أقرب إلى الانطلاق، كان تدينى يمنعنى من استغلال وجودى بين البنات رغم طماح النفس وتطلع القلب. وكانت البنات يتكأكأن حولى فى الفسحة كما يفعلن مع سائر المدرسين، ويقدمن لنا الشيكولاتة، فلا أدرى ماذا أفعل: فأنا أستحى أن آخذها، ومن جهة أخرى سوف تتألم البنت إذا رفضتها. فكنت أعتذر قبل أن ألين تحت ضغط إلحاح البنات، ثم أشكرهن شكرا جزيلا على لطفهن. ومع ذلك كنت أغايظهن طلبا للضحك. حدث مرة أن أخذت طالبة اسمها عطيات تثرثر حول حقوق المرأة وقاسم أمين، مستشهدة بالعبارة المشهور: "وراء كل عظيم امرأة"، فأجبتها ضاحكا على الفور: فعلا وراء كل عظيم امرأةٌ تجعل حياته جحيما لا يطاق. أو وراءه لا أمامه. أو وراءه والزمن طويل. فتغتاظ من إجابتى معلنة أننى متحيز ضد النساء. ترى ماذا كانت قائلة لو رأنتى الآن وأنا أكتب فى قضايا النسوية، ولى فيها أكثر من كتاب تناولت من خلاله كتابات نوال السعداوى وأمينة ودود وعبد الله الغذامى وغيرهم من العرب وغير العرب من المسلمين ممن يتهمون المجتمعات العربية والإسلامية بأنها مجتمعات ذكورية تظلم المرأة وتتجنى على حقوقها، وبينتُ أن كثيرا مما يقال دفاعا عن المرأة هو كلام لا أساس له من الصحة؟ لكن أين الآن عطيات، إن كانت لاتزال حية؟ هل يمكن أن يقع كلامى هذا فى يدها فتتذكر أستاذها القديم؟ ولكن هل هناك أحد يقرأ فى بلاد العرب والمسلمين سوى من ابتلاهم الله بهذا الداء الوبيل وكتب عليهم الشقاء به، داء الاهتمام بالكتاب، ونادرٌ ما هُمْ؟

ومن الطرائف التى وقعت لى فى تلك المدرسة أننى، فى أول حصة أدخلها للفرقة الثانية، انطلقت أشرح الدرس باللغة العربية الفصحى، فسمعتُ طالبة فى الصف الأول تحت عينى مباشرة فى ركن الفصل الأيمن بالنسبة لى تقول لزميلتها: الأستاذ حافظ الكتاب. ذلك أنها لم تكن تستوعب أن يتحدث إنسان، وبخاصة إذا كان شابا مثلى، بالفصحى ارتجالا. وكانت هذه الطالبة هى عطيات الشعنونة، الطيبة القلب مع ذلك، والذكية أيضا على طريقتها. ومما وقع لى بالمدرسة كذلك أن مدير المدرسة وصاحبها، وهو رجل أزهرى درعمى مشهور بالخطابة، قد تفوه أمامى فى إحدى الجلسات بمكتبه بكلام شديد فى حق المرأة مَدَّه ليضم تحت جناحه "فاطمة بنت محمد ذاتها" كما قال. فلم أسكت على هذا التهور، وكتبت له رسالة سلمتها إياه يَدًا بِيَدٍ بينت فيها خَطَل كلامه، منتظرا أن يفاتحنى فيما حوته، لكنه كفأ على الخبر ماجورا، وسكت فلم ينطق، متجاهلا بهذه الطريقة الأمر كله. وبذلك انتهت المسألة ولم تكد تبدأ.

وفى تلك السنة ظهرتُ على شاشة التلفاز لأول مرة فى حياتى بين مشاهدى برنامج جماهيرى كان نجومه سيد مكاوى وصلاح جاهين وابنه، وأظنه بهاء الزجال والصحفى بجريدة "الأهرام". ذلك أننى تعرفت فى ذلك الحين إلى شاب أكبر منى قليلا يعمل مصورا بالتلفاز المصرى، ومنتسب فى ذات الوقت إلى آداب القاهرة، وقابلتُه فى إحدى المرات أيام كنت أتردد عليها عقب تخرجى منها، فدعانى إلى حضور البرنامج حيث صوب آلته نحوى عدة مرات. وبطبيعة الحال لم أشاهد نفسى لأن البرنامج كان مذاعا على الهواء مباشرة. وحتى لو كان مسجلا لما كان ممكنا أن أراه لأنه لم يكن عندى جهاز تلفاز. وعلى أية حال فإن ظهورى على الشاشة الصغيرة وعدمه سيان، فلست بالشخص المهم، ولا أنا أتيت بالذئب من ذيله، بل مجرد ولد مفعوص لا قيمة له يعرف بالمصادفة مصوِّرَ تلفازٍ دعاه فصَوَّرَه. وهذا كل ما هنالك، فما لزوم هذه الضجة الكذابة يا أبا خليل؟

وبعد انقضاء تلك السنة وعدة شهور بعدها تسلمت وظيفة "معيد" بآداب عين شمس، وبدأت مرحلة جديدة فى حياتى. وكان د.إبراهيم عبد الرحمن يشجعنى ويسند إلىَّ دخول بعض محاضراته بدلا منه، وأرجو أن أكون قد نجحت فى التجربة. وفى ذلك الحين كان الفتى يتردد على أحد العلماء فى مكتبه بعد أن كان هو وزملاؤه يترددون عليه فى بيته أيام الجامعة. وسبب تردده على مكتبه أن زميلا من ثلته كان يعمل ضمن السكرتارية فى ذلك المكتب. وذات يوم كتب الفتى للرجل رسالة سلمها له بنفسه وصف فيها حالته النفسية كشاب يريد أن يتزوج، وخطب فيها ابنته. ومر عليه فى اليوم التالى فإذا به يخبره أنه طالَعَ ما كتبه وأنه موافق مائة بالمائة، فأحس بالبهجة لكلامه الجميل. وسرعان ما تمت الخِطْبَة، وقضى فى البداية وقتا سعيدا.

وبكل يقين كانت موافقة الرجل على خِطْبَة الفتى لابنته، وبالذات من خلال رسالة صريحة كرسالته يتحدث فيها عن عواطفه وإملاءات الشباب عليه وحقوقه الطبيعية التى يطالب بها، هى النبل بعينه لا مراء فى ذلك، وبخاصة أن الفتى فى ذلك الحين كان لا يملك من الدنيا إلا راتبه. وقد أخبره الرجل الكريم أن ابن أحد الوزراء السابقين اليساريين قد تحدث فى خطبة عروسه لابنه، إلا أنه آثره عليه. كما أنبأته العروس أن أميرا خليجيا تكلم عنها، لكن الأب فضل الشاب الطنطاوى. ولا ريب أن هذا، أيا كان وجه الحقيقة فيه بالضبط، قد أثلج صدر الفتى وزاده اعتدادا بنفسه هو الذى لا يملك من حطام الدنيا شيئا، فضلا عن زيادة تقديره للعالم الجليل. وقد سَهَّل الأمر بين العالم والفتى أنه، حسبما كان يحس، أقرب زملائه إليه وأجرؤهم فى الحديث إليه والدعابة معه. ومن ذلك مثلا أنه كان جالسا معه فى حجرة الضيوف ذات مساء، فنبح كلبهم فى الحديقة، فبدا عليه الضيق ونادى أنْ أسكتوا الكلب، فعلق الفتى على الموقف ضاحكا: ولماذا الضيق؟ من أعمالكم سُلِّطَ عليكم. فضحك الرجل من قلبه لهذا التوجيه الفكاهى للحديث النبوى الشريف. وفى زورة أخرى كان معه عصا غليظة سأله الفتى عنها، فأخبره أن ثم لصا يتوجس من احتمال سطوه على الفيلا، فهو يستعد له بها إذا باغتهم ليلا، فقال له مداعبا: ولكن ماذا لو أن أول شىء فعله اللص هو الاستيلاء على العصا؟ فكان جوابه وهو يضحك مقهقها: صحيح. ماذا لو فعل اللص ذلك؟

إلا أنه سرعان ما طفت على السطح بعض المزعجات: فمثلا كان ذاهبا ذات مساء إلى بيت العروس، وبينما هو سائر فى الشارع الرئيسى المؤدى إلى الشارع الموجود فيه بيتهم إذا بها تناديه من الناحية الأخرى المقابلة لتخبرنه أنها ذاهبة مع الدادة إلى الحلوانى لشراء بعض الجاتوه من أجل سيدة من معارف الأسرة ستزورهم تلك الليلة. ورغم فرحته بحرصها على مناداته وتعريفه بأنها لن تغيب فقد شعر أن فى الأمر ما لا يليق، إذ معروف أن هذا هو ميعاد زيارته الأسبوعية لها، فهل لم تجد والدتها سواها ترسله من أجل أمر كهذا لا علاقة له بها ولا به حتى إذا حضر لم يجدها فى انتظاره؟ وكان فى البيت أخواها الاثنان، فكيف تركتهما وأرسلتها هى؟ ثم مرة أخرى كانا جالسين فى ردهة الفيلا، فتركته بعض الوقت، ولما عادت سألها السؤال الطبيعى أين كانت، فإذا بها تجيبه أنها كانت تتعشى. يا داهية دُقِّى! الواقع أنه لم يكن يفكر فى عشاء ولا غداء، إذ من ذا الذى يكون جالسا مع خطيبته فى الأسابيع الأولى من الخطبة ثم يفكر فى الطعام؟ لكن هل يليق أن يكون خطيب البنت فى زيارة الأسرة ثم لا يُعْرَض عليه الطعام مثلما يتم الأمر فى كل البيوت المصرية فى تلك الحالة ولو من باب "بَرْو العَتَب" كما يقولون؟ وإذا كان لا بد من هذا التصرف الغبى، أفلم تشرح لها أمها أنها ينبغى ألا تخبره أنها كانت تتعشى بالداخل؟ وحين فاتح الفتى الرجل فى زيارة أخرى بالموضوع الذى تكرر بطرق مختلفة وجدهم يحضرون له عشاء فى ذات الليلة، فازداد سخطه، واعتذر عن الأكل رغم إلحاح الفتاة شاعرا بأن فى الأمر شيئا غير طبيعى لا يقبله الذوق.

ثم مرة من المرات وجدها تناديه باسم غير اسمه. وهنا بلغ السيل الزُّبَى، وانصرف تلك الليلة بوجه غير الذى جاء به رغم محاولتها المستميتة استرضاءه وتفهيمه أنه مجرد سهو لا معنى له. ولما عاد إلى البيت لم يستطع إغضاء الطرف عما حدث حتى لو كان الأمر، كما قالت، مجرد زلة لسان لا تعنى شيئا ذا بال. لقد أقسمتْ له أنه لا يوجد فى حياتها شخص بهذا الاسم، لكن أَنَّى لقلب شاب مثله فى تلك الظروف بالاطمئنان بهذه السهولة؟ كما لاحظ أنها تفتخر بمعرفة بنت أحد الممثلين المعروفين فى مصر، وهى زميلة سابقة لها فى المدرسة، فكان هذا دليلا عنده على أن المظهرية عندهم هى سيدة الموقف، وإلا فما الذى جمع الشامى على الحامى؟ إن أباها عالم، وتلك أبوها ممثل رغم أن الفتى كان ممن يشاهدون الأفلام ويحبون أداء ذلك الفنان. لكنْ لفت نظره بوجه عام أن أبناء الرجل لم يكن فى كلامهم ما يدل على اهتمام بالدين، فهم يتصرفون وكأنهم أفراد أسرة مصرية عادية تماما. بل بدا له فى بعض الأحيان وكأن الابن الأكبر يخجل من أن والده عالم رغم أنه هو وبقية أفراد الأسرة يعيشون فى رُفَهْنِيَةٍ من العيش بسبب وضع والدهم هذا. وقد غضب الفتى وبعث برسالة شديدة إلى والدها بسبب مناداتها إياه بغير اسمه، معلنا أنه لا يستطيع المضى فى الطريق بعد ما وقع ما وقع. وجاء أخوها الأكبر مرتين لمصالحته حتى عاد أخيرا، ولكن بقلب غير القلب القديم.

وكان ينتقد حماته بشدة أمام فتاته فتضيق وتعاتبه، فلا يبالى بعتابها. كما كان كثيرا ما يتجاهل وجود الأم معهما فلا يوجه لها كلمة أثناء الزيارة، فيبدو عليها الضيق الشديد، إذ لم تتعود أن يتجاهلها أحد ممن حولها. ذلك أنها، فيما يبدو، كانت تنتظر منه أن يقدم لها فروض الطاعة كأزواج بناتها الأخريات، الذين كان يحسب أنهم على قلب رجل واحد، إلى أن قال له أحدهم شاكيا ذات مرة إنه أراد استعارة السيارة الفولكس فاجن من عديله فلان، لكن العديل صاحب السيارة الصغيرة عرض عليه أن يوصله إلى أى مكان يريد بدلا من أن يعطيها إياه يستعملها هو وزوجته وابنته كما يحب، ثم عقب قائلا: وماذا تساوى عربته هذه إزاء سيارتى الفارهة؟ وكان يعمل فى الكويت. كذلك لاحظ أن علاقته بزوجته متوترة. ولا شك أنه قد وقعت من الفتى بعض السخافات والتصرفات المتشنجة والرعونات الناتجة من نشوفة الدماغ وقلة الخبرة واندفاع الشباب وشدة الاعتداد بالنفس. أضف إلى ذلك بعض الأخطاء الأخرى التى بدرت منه بعد رجوعه عن غضبه الأول، ولم يكن يأتيها فى الفترة السابقة على ذلك الغضب.

كما ضايقه أنها وأخواتها كن يلبسن الملابس القصيرة ويكشفن شعورهن رغم تحمس والدهم فى دعوة النساء إلى التحجب، وهو ما فاتحه فيه مرارا. وكان، نزولا على طبيعة "إسلامه الأمريكانى" حسبما كان زملاؤه ينعتون تصرفاته ضاحكين، قد اشترى لخطيبته كاسكيتا جميلا تغطى به شعرها، إذ لم يكن الحجاب كما هو الآن قد انتشر بين النساء فى مصر، بل كانت الملابس القصيرة والشعر المكشوف والأذرع العارية هى كلمة السر فى أزياء الإناث. كما شرعتْ ترتدى التنورات الطويلة. ثم انتهى الأمر بعد سبعة شهور من بدء الخطبة بفسخها حين تحقق أنه وخطيبته لن يسعدا معا. وكان ذلك على إثر ذهابه فى زيارته المعتادة ليفاجأ بعدم وجودها فى البيت، إذ كانت تصاحب والدتها فى زيارتها للطبيب، وهو ما يشير إلى أن الأمر مقصود. وكان الأب فى رحلة خارج الديار لحضور أحد المؤتمرات. وحاول زوج أختها صاحب "السيارة الفارهة" إصلاح الأمر واعدا أن مثل هذا التصرف لن يتكرر، إلا أن الفتى أصر على فسخ الخطبة. ثم مضى كل منهما فى طريقه، وتزوجت هى بعده، وها هو ذا لا يجد لها فى قلبه أى شعور بالسخط بل يدعو لها بالسعادة، ويرى انفصالهما أمرا عاديا، إذ ما داما لم يوفَّقا معا فليوفَّق كل منهما مع شخص آخر. وهذه طبيعة الحياة، فما شُرِعَت الخِطْبة إلا ليعرف الخطيبان أثناءها هل سينجحان معا أو لا.

وكانت الفتاة قد أخبرته، ولا يدرى الآن فى أى سياق، ما كانت أسرتها قد قالته عنه لمن علموا من معارفهم بابتعاده فى المرة الأولى من أنه مريض بالسرطان. قالوا ذلك حتى يفهم من حولهم أنهم هم الذين تركوه لا هو. ولما أخبرته الفتاة بالأمر بعد ذلك لم يكن يعرف ما هو السرطان، بل كان يتصوره مرضا عاديا كأى مرض آخر... إلى أن شرح له الأمر زميل أُثِيرَ موضوع فسخ الخطبة فى حديثه معه ذات مرة، وجاء ذكر مسألة الإصابة بالسرطان مصادفة، فأفهمه معنى الكلام على حقيقته مبينا أن السرطان مرض قاتل، والعياذ بالله، إذ كان أبوه قد مات بالسرطان، وأبدى فزعه من قسوة قلوبهم وافترائهم على زميله، فكان هذا دليلا على أن الفتى قد اتخذ القرار الصحيح حين رفض الرجوع فى المرة الثانية، إذ لا يصلح أن تستمر علاقته بناس يتمتعون بهذه الغلظة ولا يجدون فى الكذب والتشويه الظالم أية معابة. وربما لم يكن رب الأسرة على علم بهذه الألاعيب النسائية. لكن ما لا يفهمه الفتى هو الكيفية التى برروا بها لمعارفهم قبولهم استئناف الخطبة بينه وبين ابنتهم رغم إصابته المزعومة بالسرطان. والغريب أن هذا الزميل نفسه قد مات بالسرطان هو أيضا بعد عدة عقود. وكلما تذكره الفتى أو مر ببيته أو جاءت سيرته ترحم عليه ودعا الله له بالمغفرة والرضوان. عافى الله الجميع من السرطان وغير السرطان. ويذكر الفتى بمناسبة الحديث عن الأمراض هنا أنه كتب رسالة، وهو بالطائف فى أواسط تسعينات القرن المنصرم، إلى د.صفاء خلوصى فى بريطانيا حملها إليه د. يوسف عز الدين العراقى، الذى كان يعمل معهم بتربية الطائف آنذاك ويسافر كل صيف إلى بلاد جونبول حيث يقضى الإجازة فى بيت لهم فى ويلز، فقال فى الرسالة: لو كانت لى دعوة مستجابة لابتهلت إلى الله أن يلغى المرض من الدنيا بحيث لا يمرض مؤمن ولا كافر. ذلك أن الحياة على الأرض فيها ما يكفيها، ولا ينقصها أن يكون هناك أمراض.

وعلى ذكر "إسلامه الأمريكانى" هذا كان الفتى ذات مرة بالطائف فى تسعينات القرن الماضى يصلى العشاء جماعة فى بيت زميل له مصرى أزهرى، وكان ينتظر مكالمة هاتفية هامة على بيت الزميل من شخص سيقوم بخدمة له، فدق الهاتف وهما يصليان، وكان هو المأموم، فمد يده والتقطه وهتف قائلا: "سبحان الله" بصوت واضح كى يعرف الطرف الآخر أنه موجود فيعاود الاتصال بعد قليل، وإلا ضاعت عليه الخدمة المنتظَرة. فلما انتهيا من الصلاة أبدى زميله دهشته من تصرفه الذى بدا له غريبا، فقال له: وما وجه الغرابة فيه؟ أليس مباحا فى الصلاة أن يقول المصلى: "سبحان الله" لتنبيه من حوله؟ فقال: بلى. قال: فما عدا مما بدا؟ لقد التقطت الهاتف وقلت: "سبحان الله". فهل التقاط الهاتف يفسد الصلاة؟ قال: لا. قال: ففيم الدهشة إذن والاستنكار؟ فضحك. إلا أنه لم يشأ أن يسكت على ما حدث بل حكاه لزملائهما فى قسم اللغة العربية بتربية الطائف على أنه نادرة النوادر. فهذا واحد من مظاهر إسلام فتانا الأمريكانى المظلوم.

وكان الفتى قد تحدث مع أستاذه د. شوقى ضيف عقب فسخ خِطْبته فى ذلك الموضوع، فكان رأيه أن البنت "عقيرة". قالها بالهمزة بدلا من القاف كما هو الحال فى العامية المصرية فى كثير من المناطق. وكانت هذه أول مرة يسمع فيها الفتى تلك الكلمة، التى يقصد أستاذه بها أن البنات من أمثال خطيبته مسكينات مكسورات الجناح يقعن بين المطرقة (خُطَّابهن) والسندان (أمهاتهن) ولا يستطعن أن يفعلن شيئا، ويتحملن وحدهن النتائج المؤلمة. وقد خطب الفتى هو أيضا وتزوج طالبة من قسمه بآداب عين شمس لفتت نظره بجمالها وأناقتها وذكائها ولباقتها ووطنيتها، فضلا عن أنها كانت تكتب ما تريد بأسلوب سلس. كما كانت تحب القراءة وتقبل على الكتب التى يعطيها إياها وتناقشه فيها، على عكس خطيبته الأولى، التى لم تكن تحب القراءة بتاتا، وهو ما أفزعه وكان سببا إضافيا لانهيار خِطْبَته لها، إذ كيف يمكن أن تستقيم الحياة بينهما على هذا الوضع، وهو الذى لا يطيق من لا يقرأون؟ وقد قرأتْ زوجته معه كثيرا جدا من الكتب العربية والإنجليزية وهما فى أكسفورد وتناقشا فيها. وكانت والدتها سيدة كريمة تحبه وتكرمه، بل تكرم أيضا أصدقاءه وزملاءه أثناء إقامته هو وابنتها فى بريطانيا، رحمها الله ورحم حماه أيضا، فقد كان رجلاً أَرْيَحِيًّا. وكانت خطيبته الجديدة تحرص دائما على أن يذهب إلى بيتهم كل يوم تقريبا، وتغضب إذا لم يفعل. وإنه ليتذكر الأمر الآن فيردد مبتسما قول رب العزة: "وكان بين ذلك قَوَامًا".

وقد بدأ الفتى ينشر بعض المقالات هنا وهناك فى تلك الفترة: من ذلك مقال له عن رفاعة الطهطاوى ورحلته إلى باريس وما حاول لويس عوض أن ينسبه إليه مما يباعد بينه وبين التمسك بالإسلام نشره فى مجلة "الوعى الإسلامى". كما نشر بعض المقالات فى مجلة "الثقافة"، التى كان يرأس تحريرها آنذاك د. عبد العزيز الدسوقى، وساعده فى نشرها المرحوم د. عبده بدوى، الذى كان وافدا جديدا على قسم اللغة العربية بآداب عين شمس فى تلك الأيام، وكانت بين الفتى وبينه شىء من المودة، فكان يشجع الفتى ويحمل ما يكتبه إلى رئيس تحرير "الثقافة"، فينشرها مشكورا. وبالمثل نشر له د. بدوى مقالا فى العدد الثانى من مجلة "الشعر"، التى أُسْنِدَتْ رئاسة تحريرها إليه. وإضافةً إلى ذلك نشر له أ. نصر الدين عبد اللطيف بعض المقالات فى ملحق مجلة "الهلال": "الزهور" مشكورا، وكان يشجع الشباب ويبتسم فى وجوههم دائما. وهذه فرصة لأشكره على ما لقيته منه من احتفاء بى وبأمثالى من الكتاب الناشئين. أما إن كان قد انتقل إلى رحمة الله فإنى أدعو الله له بالغفران والإكرام. كذلك نشر الفتى مقالا فى مجلة "العربى" فى عهد أ. أحمد بهاء الدين عن أحمد فارس الشدياق ساعده على نشره المرحوم أ. محمد خليفة التونسى. ونشر د. حسين مؤنس له أيضا مقالا عن مالك بن نبى وفلسفة التاريخ فى مجلة "الهلال" رغم أنه لم يكن قد أرسل له المقال، بل أغلب الظن أنه سلمه للأستاذ نصر الدين عبد اللطيف، الذى كان يشرف على ملحق "الزهور"، ويبدو أنه قد وقع بالمصادفة فى يد د. مؤنس، فنشره فى "الهلال" ذاته بعد اختفاء "الزهور" عقب توليه رئاسة تحرير "الهلال" فى عهد أمينة السعيد، إن كانت ذاكرتى لم تنحرف عن سواء الصراط.

لكن فى ذات الوقت كانت له تجارب غير مريحة فى هذا الميدان: فمثلا يذكر أنه أعطى، وهو لا يزال طالبا فى آداب القاهرة، مقالا للدكتور شكرى عياد كان قد دبجه عن ملحمة العقاد: "ترجمة شيطان" وضمَّنه بعض النظرات النقدية المتعلقة بتلك القصيدة، التى كان ولا يزال يكبرها ويراها عملا إبداعيا عظيما، وكان د. عياد يعمل مع الأستاذ يحيى حقى فى مجلة "المجلة"، وكان الفتى بطبيعة الحال يرجو نشرها فى تلك الدورية، فأخذها منه د. شكرى قائلا إنه سوف يسلمها للأستاذ حقى ويقول إنها من أحسن طالب عنده. ثم وقف الأمر عند هذا الحد، إذ أنبأه أستاذه بعد فترة أن المقال قد ضاع منه: هكذا بكل بساطة!

ومرة أخرى كتب مقالا عن مالك بن نبى وفلسفة التاريخ وحمله إلى مجلة "الإذاعة والتليفزيون" ليسلمه إلى الأستاذ أحمد بهجت بناء على ما كان يظهر له فى مقالاته من تواضع وروح فكهة، إلا أن مساعد الأستاذ بهجت أخذها منه واعدا إياه أن يسلمها له. لكنه كان كلما مر عليه ليعرف مصير المقال لم يجد إلا اعتذارات وتسويفات، فما كان منه فى المرة الثالثة، وقد ضاق صدره وركبه عفريت، إلا أن أصر على أن يأخذ المقال من سامى محمد، الرجل الذى كان قد تسلمه منه ووعده بتسليمه إلى أحمد بهجت. وعبثا حاول سامى محمد، وقد رأى الشرر يتطاير من عينى الفتى، أن يستبقى المقال مؤكدا له أنه سوف يُنْشَر فى العدد القادم، لكن كان غضب فتانا قد بلغ الغاية فى التأجج، فأصر على استرداد المقال معلنا احتقاره لهذه الطريقة فى التعامل بين البشر، ثم أخذه وانصرف دون أن يلقى السلام تعبيرا عن اشمئزازه. ثم مرت الأعوام ليعلم الفتى، حين عاد من بريطانيا، أن المقال قد تم نشره فى مجلة "الهلال" أيام رئاسة د. حسين مؤنس لتحريرها كما سبق القول آنفا.

هذا قبل سفرى إلى أكسفورد. فلما ذهبت وعدت كانت قد راحت السكرة وجاءت الفكرة، إذ سلمنى ساعى البريد بعد عودتى بشهور خطابا رسميا لا أدرى لماذا انقبض قلبى وأنا أتسلمه وأفتحه، وشعرت أن بداخله ما لا يسر. وفعلا ما إن فضضت الظرف حتى وجدت رسالة من الضرائب تطلب منى أن أدفع حوالى ستمائة جنيه وبضع عشرات أخرى من الجنيهات لقاء ما نشرته من مقالات. وا مصيبتاه! إننى لم أتقاض من المقالات التى كنت نشرتها فبل سفرى نصف هذا المبلغ ولا ربعه ولا حتى عشره، إذ كانت مكافأة المقال فى ذلك الحين نحو خمسة جنيهات أو تقل قليلا. وليس لتقدير الضرائب الجزافى هذا من معنى إلا أننى كنت أكتب كل يوم على مدار هذه السنوات مقالا، وأن مكافأة المقال بالشىء الفلانى، وهو طبعا ما لم يحدث ولا يمكن أن يحدث. ووجدت العرق يتفصد منى ضيقا وسخطا.

وكانت هذه الرسالة بداية لف ودروان حول نفسى لمدة عامين وأكثر أحاول أن أقنع المسؤولين فى الضرائب بحقيقة الأمر وأننى كنت طوال السنوات الست الماضية خارج الديار مشغولا بالدراسة فى بريطانيا لا أكتب شيئا، ولا أتقاضى شيئا. وبدا الأمر كما لو كان فى طريقه للحل، إذ طُلِبَ منى إثبات ما أقول، فسررت لأن هذا أمر من السهولة بمكان. لقد أحضرت لهم جواز سفرى، وخطابا رسميا من الكلية بأنى لم أكن فى مصر فى الفترة المشار إليها. لكن الضرائبيين، بعد اطلاعهم على تلك الوثائق التى طلبوها هم أنفسهم عادوا فقالوا: وإِنِنْ! لا مفر من الدفع. أما لماذا فلا أدرى. ثم عدت إلى الدوخة مرة أخرى، ذاهبا إلى القصر العينى حيث مصلحة الضرائب، آيبا من القصر العينى إلى بيتى، والمشكلة تتعقد أكثر وأكثر، والمبلغ المطلوب منى تسديده يزداد أكثر وأكثر حتى بلغ نحو ألف جنيه فى النصف الأول من ثمانينات القرن الماضى، وهو مبلغ ضخم فى تلك الآونة. ثم جاءنى أخيرا إنذار بالدفع أو الحجز. وهنا كان سخطى قد بلغ منتهاه، ولكن ما العمل؟

أخذت نفسى إلى الضرائب، وروحى فى حلقى، فسألت فى الاستقبال عن القسم الذى بعث بالإنذار لى، فقالوا: اسأل فى الأرشيف. فلم أكذب خبرا، وقصدت الأرشيف، فوجدت شابا يتناول فَطُوره، فقلت له: هل صحيح أنكم سوف تحجزون على أثاث بيتى فعلا؟ فأكد لى الأمر بكل ما لديه من قوة. وهنا سألته: دعنا من الرسميات، وقل لى: لو أنك فى مكانى وجاءك مثل هذا الخطاب فماذا كنت فاعلا؟ ثم شرحت له الأمر من "طق طق" إلى "سلام عليكم"، فما كان منه إلا أن نحى الشطائر التى كان يأكلها جانبا، وهو يقول: تعال معى. قلت له: فلتكمل طعامك. قال: لا، حتى أحل مشكلتك. قلت وأنا غير مصدق: إننى دائخ منذ سنتين، فهل يمكنك أن تحلها لى بهذه البساطة؟ قال: سوف ترى. ثم أخذنى إلى الدور الرابع فى المصعد إلى السيدة التى أتردد عليها عبثا طوال تلك المدة، وأخذ يقول لها: انْسَىْ كل ما كان بينكم وبين الدكتور فيما مضى، وابدئى معه من اليوم. وكانوا قد طلبوا منى أن أحضر لهم خطابات من المجلات التى كنت أنشر فيها قبل سفرى تبين كم من المال قبضت لقاء ما نشرته من مقالات، فنظروا فيها فوجدوا أن كل ما قبضته أولا عن آخر نحو خمسين جنيها، فربطوا علىَّ ضرائب بحوالى أحد عشر جنيها. معقول؟ نعم معقول ونصف.

وقد حاولت أن أكافئ موظف الأرشيف بأى شىء، فاعتذر بصدق متمنيا لى السلامة. سلمه الله، وبارك فيه أينما كان، وسَهَّل له طريق حياته. وقد مزقت يومها دفتر الضرائب قبل أن أغادر مصلحة الضرائب وألقيت بمِزَق الدفتر فى سلة المهملات، ولم أكتب تقريبا شيئا من يومها فى مجلة إلا مقالا واحدا فى مجلة "الشعر" أيام أ. خيرى شلبى، نقدونى عليه مائة جنيه فيما أذكر. صحيح أننى قد نشرت بعض المقالات والحوارات هنا وهناك، ولكن دون مليم واحد. وعلى كل حال كانت الضرائب على المقالات قد ألغيت.

وقد نشرت، منذ أكثر من عشرة أعوام، وأنا بالدوحة فاضٍ لا شغلة ولا مشغلة، مقالا ساخرا عن هذا الموضوع فى "المشباك" (الإنترنت) بعنوان "من بعدما كاد الأولاد يباعون فى المزاد" تخيلت فيه أن الضرائب، حين أرادوا الحجز على ممتلكاتى، لم يجدوا ما يفى بالمبلغ المراد تحصيله، فقاموا بعمل مزاد على ابنى وابنتى، ورسا المزاد على جيرانى، الذين أخذوا الولدين منى، وصرت أراهما يذهبان ويجيئان أمامى دون أن أجرؤ على التحدث إليهما أو إطفاء غلة الشوق إليهما بقبلة أو ضمة، فكانت مأساة لم يسبق لها مثيل. وهذا هو المقال:

"أثناء قراءتى فى بعض كتب الدكتور محمد أركون أستاذ تاريخ الفكرالإسلامى بجامعة السوربون من أجل إعداد دراستى التى سبق نشرها فى بعض الصحف الألكترونية عن رأيه فى القرآن الكريم صادفتنى كلمة له سريعة عن الفيلسوف الجزائرى "بلديّاته" مالك بن نبى، ذلك الرجل الذى استطاع أن يحرز نجاحا كبيرا، فى ما خلّف من دراسات، فى تحويل دراسة التاريخ الإسلامى إلى علم ذى قوانين بحيث لا تقتصر قراءتنا له على مجرد الإلمام بالمعلومات، بل تتجاوز ذلك إلى استخلاص العبرة مما وقع فيه لاعلى الطريقة الوعظية القديمة رغم أهميتها، بل على طريقة علماء العلوم الطبيعية والرياضية ما أمكن، وفى هيئة معادلات وقوانين. وكانت الإشارة فى معرض حديث أركون عن القرآن والدراسات التى وضعها بعض المعاصرين من الكتّاب المسلمين عن كتاب الله الكريم، ومنها كتاب مالك بن نبى: "الظاهرة القرآنية"، فوجدته يتهم الكتاب بالضحالة والبعد عن الروح العلمية ومحاولة العزف على أوتار المشاعر الدينية التى لا عقل لها، أو شىء من هذا القبيل.

وسرحتُ بفكرى مستغربا هذا الكلام الذى أقل ما يمكن أن يوصف به أنه بعيد عن الحقيقة تمام البعد، وفيه ظلم كبير لبن نبى ولكتابه القيم، لكنى سرعان ما فِئْتُ إلى نفسى وعقلى فلم أستطع أن أجد جوابا على هذا الاستغراب إلا أن الرجلين يمثلان نمطين مختلفين تمام الاختلاف: فأما مالك فمفكّر متحمس لدينه يتألم لأوضاع أمته ويحاول أن يطبّ لها ويأخذ بيدها من المستنقع الذى غاصت فيه أرجلها منذ قرون ولا تستطيع أن تتخلص منه، مؤمنا أن علاجها إنما يكمن فى استمساكها بالقرآن الكريموالحرص على هويتها الإسلامية، وأنها لو عادت إلى هذا الدين وفهمته وطبقته كما ينبغى أن يُفْهَم ويُطَبَّق فى هذا العصر بناء على ما يقتضيه منطق الدين والعقل ومنطق الحياة والطبيعة البشرية فهى حقيقةٌ أن تخرج من الورطة الحضارية التى ارتكست فيها، بأقل مجهود ممكن وأسرعه.

وأما أركون فقد اختار أن يحمل على كاهله وِزْر التشكيك فى كتاب الله وإثارة الشبهات من كل لون فيه من خلال مغالطة الحقائق المعروفة، وتزيين الخروج على الملة واللحاق بأوربا لحاق التبعية والانقياد، مطنطنا فى تلك الأثناء بأسماء بعض العلوم الإنسانية الجديدة التى يعرف جيدا أنها تبهر كثيرا من "البُلْه" الآتين من دول العالم الثالث، ومنه عالم الإسلام، وناثرا مصطلحاته الغريبة التى من شأنها اجتذاب الآذان الضعيفة المناعة التى تظن أنه كلما كان الكلام غير مفهوم كان معنى ذلك أنه كلام عميق لا يستطيع أن يقدره حق قدره إلا ذوو الألباب. وفاتهم أنْ ليس كل ما يلمع ذهبا!

وشىء آخر: أن بن نبى لم يستطع أن يلتقطه المستشرقون لأنه لم يرض لنفسه أن يلتقطوه، وكان واعيا بما يفعلونه للإيقاع به وبأمثاله من شبان المسلمين ممن ساقتهم الأقدار للاقتراب من دوائرهم، وبخاصة فى فرنسا. وقد حكى لنا، رحمه الله، فى الجزء الثانى من كتابه الرائع الخطير: "مذكرات شاهد للقرن" بعض ألاعيبهم وأساليبهم لالتقاط من لا يبالون من شباب العرب والمسلمين بدين أو وطن، وكل همهم الوصول إلى المناصب والحصول على الأموال والشهرة والاستمتاع بالنساء، ثم فليذهب كل شىء بعد ذلك إلى الجحيم. ومن بين من جاء ذكرهم من هؤلاء المستشرق لويس ماسينيون، الذى كان يزعم أنه صديق للعرب وللمسلمين، والذى قال الأستاذ محمد لطفى جمعة (الكاتب والمحامى المصرى المعروف) عنه فى بعض ما كتب إنه قد اعتنق الإسلام، وهو ما سارعتُ إلى مناقشته فى مقدمة كتبتها لأحد كتبه قائلا إن مسألة كهذه لا يمكن أن نتقبلها بهذه البساطة، بل لا بد من دليل واضح مقنع، وبخاصة أن ما نعرفه عن الرجل يقول عكس هذا. ثم وجدت جمعة نفسه قد عاد فى موضع آخر من كتاباته فأبدى تشككه فى الرجل، فعرفت أن اتجاه ذهنى فى هذه المسألة كان سليما بحمد الله.

وبن نبى فى هذا يختلف تمام الاختلاف عن أركون، الذى قرَّبه الفرنسيون وعيّنوه فى جامعة من أعرق جامعاتهم، وهم يعرفون أنه استثمار نافع ومفيد أشد النفع والإفادة، إذ يمكن أن يكون مخلبا لاصطيادالطلاب العرب والمسلمين الذين تسوقهم الأقدار إلى الاحتكاك به فى محاضراته أو أثناء العمل فى رسائلهم العلمية تحت إشرافه، فينطلقون يمجّدونه ويعلون من شأنه دون تحفظ بل دون تفكير، وهو ما استفزنى فكتبت الدراسة التى لم يبعد بها العهد والتى نُشِرت فى بعض المجلات الألكترونية مؤخرا. لقد آلمتنى مزاعم الرجل التافهة المتهافتة ضد القرآن من أنه نتاج للمخيال الجماعى العربى لا وحى إلهى، وذلك رغم قلة إلمامهبالتراث الإسلامى وعدم تعمقه فى فهمه، مع الاستعاضة عن ذلك فى نفس الوقت بلَوْك كثير من العبارات التى لا رأس لها ولا ذيل، وسَوْق طائفة من المصطلحات العجيبة التى يريد بها أن يحرف العقول عن القرآن والإسلام، والتخفى وراء قدر من الغموض مقصود ليُوقِع فى رُوع القارئ المسكين أنه بصدد فكرٍ عميقٍ لمفكرٍ عملاق، وهو ما يروّج له بعض من الطلاب الذين درسوا على يديه فى باريس وحصلوا على درجة الدكتورية فى تخصص غير تخصصهم الأصلى، وأخذوا يرددون دعاواه السخيفة فى الدين الذى أتى به محمد عليه السلام والكتاب الذى أُنْزِل عليه. وهل هناك خدمة أفضل من هذه يمكن أن يؤديها أى منا للغرب، الذى يعمل بكل قواه منذ أن بزغت شمس الإسلام حتى الآن على خنق نور الله، مستعينا بعلمائه وساسته ورحّاليه وصحفييه وإدارييه وعسكرييه ومستشرقيه ومبشريه،وبالاستعانة كذلك بتلامذته وحوارييه من بين أظهرنا؟

وقد بدأ اهتمامى بمالك بن نبى منذ أن كنت طالبا فى الجامعة، فقرأتله أنا وأصدقائى آنذاك كل ما وقعت عليه أيدينا من كُتُبه التى ترجم كثيرا منها الدكتور عبد الصبور شاهين. وقد راعنى وأعجبنى منها تلك الروح العلمية التى تريد أن تقنّن كل شىء، مما ذكّرنى بابن خلدون ومقدمته التى نحا فيها نفس المنحى، مع الفارق المتمثل فى أن بن نبى قد ركَّز كلامه وفكره الفلسفى على المجتمعات الإسلامية القديم منها والحديث، بخلاف ابن خلدون، الذى جاء كلامه فى هذا الصدد عامًّا يهدف من ورائهإلى أن يصدق على كل مجتمع مسلما كان أو غير مسلم. وهو ما كتبته فى مقال لى عن هذا المفكر الجزائرى حاولت نشره فى أواسط السبعينات من القرن الماضى فى مجلة "الإذاعة والتليفزيون" المصرية متشجعا بوجود الأستاذ أحمد بهجت على رئاسة تحريرها، وإن لم أستطع رغم ذلك أن أقابله (بل لم أره أو أتصل به حتى الآن)، إذ كنت فى كل مرة من المرات القليلة التى ترددت فيها على المجلة أقابل سكرتير التحرير، الذى كان يبيع لىالكلام المعسول مستغربا (أو قل: مستنكرا)، فيما يبدو، أن يتجرأ شاب صغير لا هو فى العير ولا فى النفير على التفكير فى النشر فى أشهر مجلة فى مصر فى ذلك الحين وأوسعها انتشارا، لكنه فى ذات الوقت أخذ يسوّف فى مسألة النشر، إلى أن ضاق صدرى بعد المرة الثالثة، فصممت أن أذهب فأسترد المقال بأى ثمن، ولم يشفع للرجل، وكان مسؤولا فى وزارة الإعلام، أنه أخذ يطيب خاطرى ويؤكد لى أن أحمد بهجت قد أصدر أمره بنشر المقال، لكنْ كان العفريت قد ركبنى فلم أَلِنْ لكلامه، وأخذت عيناى تقذفان بالشرر،ورفضتُ أن أتفاهم أو أبقى معه لحظة، وصممت على أخذ المقال بأى سبيل، فلم يجد بدا من أن يناولنيه، وانصرفت دون أن ألقى عليه تحية الانصراف.

وقد أعطيت المقال بعد ذلك للأستاذ نصر عبد اللطيف مدير التحرير فى مجلة "الهلال" قبل أن أترك مصر بعدها بقليل إلى بريطانيا فى بعثة للحصول على الدكتورية فى النقد الأدبى، ولم أعد أعرف عن مصير المقال شيئا، وبخاصة أن الدكتور حسين مؤنس قد تولى عقب ذلك رئاسة التحرير بعد الشاعر صالح جودت وغيّر من نظام المجلة ملغيا ملحق "الزهور" الذى كان الأستاذ نصر عبد اللطيف ينشر لنا فيه مقالاتنا بكل مودة ورقة وترحاب كشخصيته الكريمة رغم أنه لم يكن يعرف واحدا مثلى معرفة شخصية، لأفاجأ بعد عودتى من البعثة بعد ست سنوات (فى عام اثنين وثمانين) بأحد الأصدقاء يزفّ لى النبأ بأن مجلة "الهلال" قد نشرت المقال، فظللت أبحث عن العدد الذى ظهر فيه إلى أن وجدته.

وإنى لأذكر الظروف التى كتبت فيها المقال. لقد كان ذلك فى شقةالصديق المذكور بالإسكندرية حيث كنت، وأنا لا أزال فى العشرينات من عمرى، أسافر من قريتى "كُتَامة الغابة" فى محافظة الغربية إلى عروس البحر المتوسط كل صيفٍ وأنزل ضيفًا على أخى وأختى وصديقى هذا فأقضى هناك أوقاتا هانئة رغم قلة المال فى ذلك الوقت. وأذكر أنى انتهيت من المقال فى جلسة واحدة معتمدا على كتابين أو ثلاثة لمالك بن نبى وعلى الذاكرة أكثر مما اعتمدتُ على نصوص الكتب مباشرة. وكان يخيَّل لى حينها أننى أضحيت كاتبا كبيرا! ألست أكتب عن فيلسوف كمالك بن نبى، وأنتهى من كتابة مقالى عنه فى شوط واحد وأنا جالس ممددا بطول الأريكة فى بيت صديقى السكندرى؟ وقد أبرزتُ فى ذلك المقال الفكرة التى كانت وما زالت تسكن عقلى منذ تعرفى بكتابات المفكر الجزائرى منأن مالك بن نبى هو فيلسوف القوانين التاريخية كابن خلدون، وإن لم أذكر الفرق الذى أومأت إليه قبل قليل بين المفكّرَيْن.

ويبدو أن هذه الفكرة هى التى شفعت للمقال عند الدكتور مؤنس، إذ كان، كما هو معروف، أستاذا للتاريخ، وكان مستغرقا فى أخريات حياته فى البحث فى أحوال المسلمين ومحاولة العثور على دواء لأمراضهم الحضارية والنفسية والاجتماعية من خلال الدين المحمدى العظيم مثلما كان يصنع مالك بن نبى، فنشره مشكورا رغم أنه لم يسمع بى لا قبل ذلك ولا بعده لأنى لم أعاود الكرّة فى محاولة نشر أى مقالات لى لا فى "الهلال" ولا فى غيرها من المجلات المصرية بعد الذى جرى، اللهم إلا مقالا فى مجلة "الشعر" منذ عدة أعوام نشره لى أحد الأصدقاء، وإلا مقالا آخر بعده فى مجلة "المصور" أرد فيه على أستاذ مصرى يعيش فى سويسرا منذ وقت طويل كنت وضعت كتابا عن رسالته التى حصل بها على درجة الدكتورية من فرنسا وشكَّك فيها فى أحداث السيرة وأخذ يتخيل من عند نفسه بدلا منها أحداثا ما أنزل الله بها من سلطان، فبدلا من أن يتعرض لأدلتى الصلبة التى نقضت بها فكرة كتابه المحورية وهلهلتُ ما تفرع منها من أفكار جزئية، وجد أن من السهل عليه الاكتفاء بمقال فى مجلة "المصوّر" يدّعى علىّ فيه أنى مارست معه الإرهاب الفكرى وأنى استهدفت عقيدته بالتشكيك أو ما إلى ذلك مما لست أذكره بمضى الزمن، ظنا منه أن ذلك سيصرفنى عن التعرض له ولما كتب، فحبّرت ردا على هذا الذى كتبه متحديا إياه أن يدلنى على أى شىء فى كتابى يعضد ما ادّعاه علىّ، وحكّمت القراء فى المسألة تاركا لهم الرجوع للكتاب المذكور والبحث فيه عما يمكن أن يكون مصداقا لدعواه ضدى إن استطاعوا.

وأغلب الظن أننى لو رجعت الآن للمقال الذى كتبته عن مالك بن نبى فلن أرضى عنه، أو على الأقل لن يكون له فى عينى ذلك البريق القديم، إذ لن يخرج فى أحسن الأحوال عن أن يكون تمرينا مبكرا لما أصبحت أكتبه فيما بعد ولا أستطيع مع ذلك أن أحس تجاهه بالرضا التام مهما بذلتُ فيه من جهد وتجويد. ولكن ما هذا الذى جرى يا ترى مما جعلنى أعزف عن التفكير فى النشر بالمجلات؟

بعد عودتى من بريطانيا إثر حصولى على الدكتورية من جامعة أكسفوردعام 1982م بشهور جاءنى خطاب حكومى صغير أحسست، لا أدرى لماذا، عند تسلمه بشىء من الانقباض فى صدرى، ففتحته لأجد أنه من مأمورية الضرائب التى فى قصر العينى تطالبنى فيه بتسديد نحو سبعمائة جنيه عن المقالات التى أكتبها فى المجلات المصرية، وهو ما يعنى أننى كنت أكتب كل شهر فى كل مجلة من هذه المجلات مقالا طوال السنوات التىقضيتها فى بريطانيا، وأننى كونت ثروة من هذا النشاط، فى حين أن الحقيقة عكس ذلك تماما، فإنى لم أكن قد نشرت أى شىء منذ سفرى إلى المملكة المتحدة فى عام 1976م، ببساطة لأننى كنت خارج البلاد، فضلا عن انشغالى التام هناك بدراستى. وقد ذهبت ثانى يوم إلى مأمورية الضرائب وكُلّى اطمئنان إلى أننى متى أريتهم جواز السفر فسوف تنتهى المشكلة على الفور ويقولون لى: "نحن آسفون على هذا الإزعاج". ومن يدرى؟ ربماعوّضونى كذلك عما سببوه لى من توتر. ولكن من الواضح أننى كنت واهما، إذ إننا نتعامل مع إدارة حكومية تنتمى إلى العالم الثالث. فطلبوا منى أن أوافيهم بخطاب من كليتى تقول فيه إننى كنت فعلا بالخارج طوال السنوات الماضية التى يطالبوننى بتسديد ضرائب عما يُفْتَرَض أننى كتبته أثناءها من مقالات. ورغم استغرابى هذا الطلب لاعتقادى أن جواز السفر يجيب على ما يطلبون بأجلى بيان، علاوة على أنه لا يمكن أن يكذب بينمايمكن أن يزوِّر الواحد، لو أراد، مثل هذا الخطاب الذى يطلبونه، فقد قلت لنفسى: "بسيطة! تاهت ولقيناها".

وذهبت للكلية فأعطتنى الخطاب المطلوب الذى سلمتُه بدورى للضرائب منتظرا أن يعتذروا لى عن وجع الدماغ الذى سببوه لى ظلما. لكننى كنت واهما مرة أخرى، إذ أحالونى إلى لجنة للنظر فى الخطاب والجواز، لتقول اللجنة لى بعد مدة لا أدرى كم طالت إننى ينبغى أن أدفع المبلغ مضافا إليه الفوائد. وعبثا حاولت على مدار سنتين أو أكثر أن أتفادى دفع هذا المبلغ الكبير عن عدة مقالات كان كل ما قبضته مكافأة لها هو بضع عشرات من الجنيهات لا تزيد عن الخمسين إلا قليلا... إلى أن وصلنى ذات يوم خطاب حكومى أصفر صغير، فانقبض قلبى مرة أخرى، وفتحته لأجدهم ينذروننى إنذارا نهائيا بالدفع خلال خمسة عشر يوما أو يحجزوا على أثاث الشقة الذى أمرونى ألا أتصرف فيه، وإلا اتُّهِمْتُ بالتبديد. وكان المبلغ قد بلغ فى تلك الأثناء بسبب الفوائد ألف جنيه، وهو مبلغ ضخم جدا بالنسبة لواحد مثلى فى ذلك الحين من منتصف ثمانينات القرن الماضى.

وقد شعرت بالعرق ينساب غزيرا من كل مكان فى جسدى، لا لفداحةالمبلغ فقط، بل لما فى الأمر من غَبْنٍ جلف، فإنى لم أكسب من العملية كلها كما قلت إلا نحو خمسين جنيها من عدة مقالات لا راحت ولا جاءت ولا قيمة لها. لكن: هذا "ألله"، وهذه حكمته، وهذه هى الأوضاع فى بلادنا المحروسة، بينما يهرب اللصوص بالملايين التى سرقوها من جيبى وجيبك وجيوب الآخرين المساكين دون أن يهددهم أحد بشىء بل معززين مكرمين، وعلى خدّ كل واحد منهم بوسة (بوسة شرعية طبعا. أخويّة يعنى، وليست من التى بالى بالك). وأذكر أنى قضيت آنذاك "ليلة ليلاء" كما نقول نحن أساتذة العربى، الله يلعن العربى وسنينه الذى يغرى بكتابة مقالات لا معنى لها ولا فائدة من ورائها وتوقع فى مشاكل ضريبية من هذا النوع، ثم فى نهاية المطاف لا يقرؤها أحد إلا من يرومون إثارة الجدال والمماحكة!

وذهبت ثانى يوم من الفجر بعد أن ضاعفتُ جرعةَ الدعاء عقب الصلاة بأنيجىء الله بالفرج هذه المرة، ووصلت لمأمورية الضرائب التى أصبحتُ أحفظ موقعها ومكاتبها كما أحفظ بيتى، وسألت فى الاستقبال عن مكان تصدير الخطاب فقالوا لى: الأرشيف. وكان فى الطابق الأرضى على يمين الداخل، فدخلتُ فوجدتُ موظفا شابا يقضم شطيرة (شطيرة، وليس كما يتظرف السخفاء: "شاطر ومشطور وبينهما طازج")، فقت له وأنا أطلعه على الرسالة: من فضلك، من الذى أرسل لى هذا الخطاب؟ فقال على الفور بعد أن ألقى نظرة سريعة عليه: أنا. فقلت ضاحكا من شدة البلية: وهل ستحجزون فعلا على أثاث شقتى؟ فقال: نعم بكل تأكيد. فقلت وأنا لا أزال أضحك من فداحة الهم: وأين أنام أنا وأولادى إذن؟ فقال: ولكن هذه هى التعليمات، وأنا العبد المأمور. فتخيلتُ الفضيحة أم جلاجل التى ستتسبب لى فيها مأمورية الضرائب بين الجيران عندما يأتون ويقيمون مزادا علنيا للأنتريه وغرفة النوم والسفرة التى فى الشقة، وهى أشياء ليست ذات قيمة. ثم من يدرى؟ربما أضافوا الأولاد أيضا إلى المزاد إذا لم تَكْفِ هذه الأشياء لتغطية المبلغ المطلوب.

وتصورت أولادى وقد اشتراهم أحد الجيران وألحقهم باسمه ولم يعد لى فيهم نصيب ولا أستطيع أن أقول لهم: "ثلث الثلاثة كم؟"، وهم يروحون ويجيئون أمام عينى، فقلت له كمن هبط عليه الإلهام فجأة: يا أخى الفاضل، دعنا من الرسميات والقانون، وتعال نتكلم من الناحية الإنسانية. فوجدته يتوقف عن الطعام لينصت، فشجعنى هذا على المضى فى الكلام، وقلت له الحكاية من "طق طق" لــ"سلام عليكم"، ثم عقبت قائلا: "والآن ضع نفسك فى مكانى، وقل لى من فضلك كيف تتصرف". وإذا به يضع الشطيرة جانبا (الشطيرة لا الشاطر والمشطور والطازج الذى بينهما كما يقول السخفاء للتهكم بلساننا القومى، بلاهم الله بمأمورية الضرائب كما بلانى وأرانى فيهم يوما) ويقول: تعال معى. فقلت له: إلى أين؟ فقال: لأحلّ لك المشكلة. قلت له وأنا غير مصدق، وفى نفس الوقت فرحان لأن أولادى لن يباعوا منى فى المزاد، هؤلاء الأولاد الذين كلفونى الكثير ووُلِدوا وتربَّوْا فى إنجلترا، و"يضربون بالقُلَّة" بلسان جون بول وينادوننى ب"دادِى"، التى أصوّبها لهم قائلا: "ضاضِى لا دادِى" بحجة أن لغتنا هى لغة "الضاد" لا "الداد" (باختصار: أولاد عمولة، وليسوا شُغْل سُوق): هل من المعقول أن المشكلة التى حيرتنى طوال السنوات الماضية سوف تنحلّ الآن وبهذه السهولة؟ فأكد لى أنْ نعم. فقلت له (وأنا أكاد أطير من الفرح لولا أننى قلت لنفسى: انتظر حتى تنحل المشكلة فعلا،وبعدها يصير لكل حادث حديث كما نقول نحن أهل العربى، وعندك يا أبا خليل برج الجزيرة على مقربة منك يمكنك أن تصعد فوقه وتطير كما تحبّ وتفعل مثلما فعل عباس بن فرناس فتنزل على جذور رقبتك بالطريقة التى تُشْمِت بك أمة محمد وعيسى وموسى جميعا): الله ينعم عليك! ولكن لم لا تنتهى من الشطيرة أولا؟ (الشطيرة لا الشاطر والمشطور والـ... إلخ كما يقول الـ... إلخ للتهكم بالـ...إلخ أيضا). فقال بارك الله فيه: دعنا من الشطيرة الآن (بطبيعة الحال حتى أكون صادقا، فالكذب خيبة، لقد قال: "الساندويتش". ولم يكن من اللياقة ولا اللباقة فى شىء كما لا يخفى عليكم، ولا كان عندى نفس، أن أنبهه إلى أن الصواب هو أن يقول: "شطيرة". ألا لعنة الله على الشطيرة والساندويتش معا! هل هذا وقته؟).

المهم: أخذنى الشاب ابن الحلال فى المصعد إلى السيدة التى كانتتتولى ملف الضرائب الخاص بى والذى كانت مشكلته فى ذلك الوقت قد صارت أعقد من مشكلة الملف النووى للعراق وإيران وكوريا الشمالية (التى منها صديقى "ريانج الكافر") جميعا، ولم يبق إلا أن تقرر أمريكا ومعها بريطانيا وأستراليا ضربى بالقنابل والصواريخ بكل أنواعها أثناء المزاد العلنى، لينبرى الفصحاء ممن يحملون أسماءنا ويدينون رسميا بديننا ويتكلمون لغتنا (لغة الشاطر والمشطور وبينهما ما تعرفون فلا داعى لتكملة الكلام)، وهم الآن أكثر من الهم على القلب ويعرضون خدماتهم بحرارة فى كل مجلة وجريدة ورقية أو ألكترونية وفى كل إذاعة مرئية أو صوتية، فيتهموننى بالإرهاب والكباب والهباب وتقطيع الرقاب واستحقاق العقاب والعذاب بسبب التخلف الدينى (أى الإسلامى طبعا، وهل هناك غيره؟) وتعكير صفو الأمن الدولى، ويطالبون بمحوى من على الخريطة محوا تاما لا يبقى ولا يذر إكراما للأمريكان والأسترال والإنجليز. يا حفيظ، يا حفيظ! شىء يجنّن، شىء يغيظ!

وكل هذا من أجل شوية "لحاليح" لا تساوى شيئا بجنب الملايين والمليارات التى يسرقها اللصوص الذين لا يستطيع أن يحملق فى وجوههم أحد من هؤلاء الأذيال الأنذال، وإلا كان مصيره النكال والوبالوالضرب بالنعال! لكن ماذا تقول فى الضمير الحَرِج والعَسِر للمتدلّهين فى غرام أمريكا؟ حساسيتهم الأخلاقية حساسية من الطراز الأول! أم تريدونها فوضى؟ لا يا سادة، ألم تسمعوا بقول الشاعر الشاطرىّ المشطورىّ الطازجىّ وهو يقول:

لا يَسْلَم الشرف الرفيع من الأذى حتى يُراق على جوانبه الدَّمُ؟

فلماذا إذن المعاظلة؟ أومن يقول الحق فى هذه البلاد كِخّة؟

وعند وصولنا فاتَحَ الرجلُ الطيبُ الموظفةَ المسؤولةَ عن الملف النووى الإبراهيمى "مسز إكس" (على وزن هانز بليكس) فى الموضوع فقالت له إنها تعرف القصة، وإن عليه (أى علىّ أنا العبد لله) أن يدفع الألف جنيه... إلى آخر ما تعرفونه الآن أكثر منى من كثرة ما تابعتم الموضوع على شاشات التلفاز وفى الصحف ومحطات الإذاعة المحلية والعالمية، فما كان منه إلا أن قال لها بكل بساطة وعبقرية: "دعيك مما فات، وخلِّنا أولاد اليوم، وابدئى معه من هذه اللحظة، وخذى أقواله فى كل ما تحتاجين أن تكتبيه فى التقرير". يعنى أننى سأكون مصدر المعلومات المطلوبة منى. والعجيب الغريب أنها استجابت لما قال! الله أكبر! ولماذا لم يكن الكلام هكذا من الأوّل؟ إذن لَكُنّا وفّرنا الوقت الذى ضاع، والأعصاب التى تهرّأت، والمال الذىأُهْدِر على البنزين والزيت الذى أكلته السيارة، ودوخة البحث كل مرة عن مكان أضع فيه سيارتى لحين الانتهاء من السبع دوخات فى متاهة الضرائب! ثم بعد كلمتين من هنا وكلمتين من هناك، وحسبة ولا حسبة برما (وبالمناسبة فبرما هذه لا تبعد عن قريتى أكثر من ثمانية كيلومترات، وتقع فى منتصف الطريق بينها وبين طنطا)، أعطتنى ورقة لأدفع المبلغ الذى يجب علىّ أن أسدده فى الخزينة. ترى كم كان هذا المبلغ أيها القارئالكريم؟ أحد عشر جنيها وكسور! يا أخى قل: اثنا عشر جنيها، وخَلِّ الباقى لأجلك، فما بين الجيّدين حساب! لا والله يا أخى القارئ لن يرجع الباقى إلى جيبى، فهو لك حلاوة البراءة! وذهبتُ ودفعتُ وعدتُ ونزلت مع الرجل الطيب وأنا أتوقع أن يلمح لى بشىء لقاء هذه الخدمة العظيمة التى لم تكن تخطر لى على بال، لكن الرجل الطيب لم ينطق ولم يلمح، فحاولت أنا أن أومئ، لكن الرجل الطيب ولا هو هنا. فأخذت أشكره وأطيل الشكر على عادتى مع كل من أدَّى إلىّ معروفا وأعود فأشكره من جديد متوقعا أنه سوف يستجمع شجاعته ويقول أى شىء. لكن يبدو أن الجرعة المضاعفة من الدعاء فى أعقاب صلاة الفجر قد آتت مفعولها، فمد الرجل الطيب يده يصافحنى إيذانا لى بالانصراف مطمئنّا أنه لا شىء مطلوب منى لا تحت الترابيزة ولا فوق الترابيزة، ثم دخل واستأنف أكل الشطيرة (الشطيرة لا الشاطر ولا المشطور ولا الطازج الذى بينهما يا مفترين الكذبَ على المجمع اللغوى مثلما يفترى الكذبَ على المقاومة والمتدينين المسلمين من يواطئون أمريكا على إجرامها وفحشها).

سبحان الله! وأين كان هذا الرجل الطيب من البداية؟ ولماذا لم يخطر لأى من الذين تعاملت معهم على مدار السنتين وزيادة الماضيتين أن يفكر بهذه الطريقة العبقرية والبسيطة والعادلة فى آن؟ وكيف يستطيع هذا الرجل الطيب الجالس فى الأرشيف أن يحل المشكلة بتلك المهارة وتلك الثقة، ولا يستطيع الموظفون المختصون والمديرون الذين فوقهم واللجان التى تشكلت لبحث هذا الملف النووى أن يصنعوا مثل صنيعه؟ بل كيفاستجابت الموظفة لتوجيهه ولم تأخذها العزة بالإثم فتصر على موقفها، ومن لا يعجبه الكلام فليشرب من البحر (الشارب هو أنا بطبيعة الحال، أم هناك رأى آخر؟)؟ حكمتك يا رب! تضع سرك فى أضعف خلقك!

أخذنى الكلام فنسيت أن أقول لكم إنهم، عندما شكلوا لجنة لدراسةحالتى، كلفونى أن أدور على كل المجلات المصرية (والحمد لله أنْ لم يطلبوا منى أن أدور أيضا على مجلات الوطن العربى كله) وأحضر من كل منها بيانا بما يمكن أن أكون قد أخذته منها من مكافآت (أى بصريح العبارة "كعب دائر")، ولكنى اكتفيت بالمجلات التى تعاملتُ معها فعلا لا كل المجلات كما طلبوا، وإلا لكنت لا أزال إلى يومنا هذا أجمع تلك البيانات ومعى عسكرىّ أُمّىّ لا يعرف الرحمة ولا يمكن التفاهم معه: ننتقل من قطار إلى قطار، ونرتحل من قسم شرطة فى كل محافظة إلى آخر وقد رُبِطَت يده بالقيد الحديدى فى يدى كيلا أهرب قبل أن أدفع الأحد عشر جنيها وكُسُورا التى كانت فى ذمتى للحكومة والتى كانت كفيلة بإصلاح أحوال ميزانية الدولة آنذاك، فإن أحدا لا يدرى أين تكون البركة حسبما قال سيدنا رسول الله! كما نسيت أيضا أن أخبركم أننى لم أغادر مأمورية الضرائب فى ذلك اليوم إلا بعد أن مزقت البطاقة الضريبية ستمائة ألف حتّة بعدد الحِتَت التى دعا السودانىُّ (المفقوعُ المرارة مما وقع له من سرقة محفظته فى قلب القاهرة) أن يمزق الله دولة السودان ومصر إليها بعد أن كان يهتف من أعماق قلبه قبلها مباشرة وبعُلُوّ حِسّه أن السودان ومصر حِتّة (هِتّة) واحدة! ثم رميتها بعد ذلك فى صندوق الزبالة كما لا أحتاج أن أقول. وكان هذا آخر عهدى بكتابة شىء فى أية مجلة مصرية بفلوس، اللهم إلا المقال الوحيد الذى أشرت إليه قبل قليل. ثم ألغيت الضرائب على الكتب والمقالات بعد ذلك بقليل! عجايب! بعد خراب بصرة؟ أما كان من الأول؟".

وهذا المقال واحد من مقالات كثيرة مشباكية تتميز بالطول حتى ليبلغ المقال الواحد عشرات الصفحات، وقد يزيد عن مائة صفحة، بل أحيانا ما يصل لعدة مئات من الصفحات. وساعدنى على هذا أن الإنترنت لا يرفض طلبا لأى كاتب، علاوة على أن المواقع التى تنشر لى كانت تتفهم هذا الوضع وتفسح صدرها لما أكتب كموقع جريدة "الشعب" و"واتا" وغيرهما، علاوة على موقعى الشخصى ومدونتى، اللذين انتهى الأمر بإغلاقهما: الأول لأن الهاكرز قد وضعوا فيه فيروسا أفزع القراء بالإعلان الذى يحذرهم من دخوله تجنبا للضرر، والثانية لا أدرى السبب فيه. بل حاولت أن أصمم مدونة أخرى أنا وبعض المتحتمسين لكتاباتى، ففشلنا. وقد كان بعض القراء الأعزاء أنشأوا لى ركنا على الفيس بوك لا يزال شغالا حتى الآن، وأنشر فيه بنفسى بين الحين والحين بعض ما أكتب، فضلا عما ينشرونه هم مشكورين. وكان هناك قراء، وإن كانوا قليلين، ينتظرون مثل تلك المقالات التى تحتاج قراءتها إلى أشخاص يتقنون سباقات الماراثون القرائى. وقال لى بعضهم إنهم ينتظرون المقال من الجمعة للجمعة، وما إن يظهر حتى يعكفوا عليه من الصباح إلى الغروب. وقد جمعت كثيرا من تلك المقالات أو الدراسات بالأحرى وأصدرتها فى كتب ضخمة منها: "ست روايات مصرية مثيرة للجدل" و"أفكار مارقة" و"موسم الهجوم على الإسلام والمسلمين- دراسة لرواية "قسمة الغرماء" ليوسف القعيد، و"تيس عزازيل" ليوتا" مثلا.

وكان د. لطفى عبد البديع رئيس القسم آنذاك، رحمه الله، قد كلفنى أنا وبعض المعيدين الآخرين من زملائى بآداب عين شمس أواسط سبعينات القرن الماضى بالقيام بتعليم طلاب القسم قواعد اللغة العربية من نحو وصرف، فأبهجنى ذلك إبهاجا كبيرا، وأقبلت على تعليم الطلاب قواعد لغة الضاد، منتهجا نهجا جديدا تمثل فى تكليفى لهم بإحضار صحيفة "الأخبار" الصادرة يوم المحاضرة معهم ليقرأوا معى عمود أنيس منصور: "مواقف" واحدا بعد واحد بصوت عال، وكلما وقع القارئ فى غلطةٍ رَفَعَ زميلُه الذى يتنبه إلى تلك الغلطة يده وصحح له خطأه. كما كنت أقوم أنا نفسى بقراءة النص مع تعمد ارتكاب بعض الأخطاء، على أن يقوم من يلاحظ أخطائى بتصحيحها. ثم لم أكن أكتفى بهذا، بل أكلفهم بأن يكتب كل منهم بضعة سطور فى موضوع أقترحه عليهم، ثم يقرأ كل منهم ما كتب مراعيا قواعد النحو والصرف، وإذا أخطأ نبهه زملاؤه. وفى أثناء ذلك نقف قليلا إزاء بعض أبواب النحو وقوفا سريعا للتذكرة فقط. ورغم أن كثيرا من الطلاب والطالبات كالعادة شرعوا يتغيبون كراهية لبذل الجهد وتوخِّى الجِدّ فقد قال لى، بعد وقت طويل، بعض من كانوا يحرصون على الحضور ثم صاروا معيدين فدكاترةً بالقسم إنهم كانوا يستمتعون بتلك الطريقة الجديدة، وإنهم قد استفادوا كثيرا منها.

وقد حصلت على درجة الماجستير عام 1974م عن أطروحتى الخاصة بمحمود طاهر لاشين الروائى والقصاص المعروف. وأعطتهانى اللجنة بتقدير "ممتاز". وكان د. شوقى ضيف هو الذى اقترح علىَّ هذاالموضوع، فقبلته شاكرا، واستمتعت بالكتابة فيه أيما استمتاع. وسجلتُ لدرجة الدكتورية بعدما اخترت أن تكون رسالتى عن الشاعر الأموى الفرزدق، الذى أخذت أقرأ ديوانه وأخباره وترجمته هو وبعض الشعراء المعاصرين له كالأخطل وجرير لمدة عامين قبل أن ترسلنى جامعتى إلى أكسفورد للحصول على درجة الدكتورية فى موضوع آخر غير الفرزدق. كما درَّست للسنة الأولى من قسم اللغة الإنجليزية قبل أن أسافر فى بعثة بريطانيا مباشرة مادة "اللغة العربية"، فأعطيتهم، ضمن ما أعطيتهم من عناصر مقرر المادة، رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، ورواية "عمالقة الشمال" لنجيب الكيلانى، وحللتهما معهم مثلما حللت باقى عناصر المقرر. ويمكن أن يجد القارئ تحليل الروايتين المذكورتين فى كتابى: "فصول من النقد القصصى". وأعطيتهم أيضا نص المازنى الذى يتحدث فيه عن بعض ذكرياته مع ابنته الصغيرة التى ماتت، وكذلك قصيدة "العودة" لإبراهيم ناجى للفرقة الأولى من قسم اللغة الفرنسية التى دخلت لها بعض المحاضرات على سبيل الاحتياط. ولكنى للأسف لم أحتفظ بما كنت كتبته عن هذين النصين من تحليل أدبى.

إلا أننى حتى الآن ما إن أقرأ نص المازنى حتى يجيش الدمع فى عينى رغم أن المازنى لم يشر من قريب أو بعيد إلى دموع أو أحزان، بل اكتفى بسرد بعض الذكريات المجردة، التى لا يمكن أىَّ إنسان (أقول: "إنسان"، وضَعْ تحتها مائة خط) أن يطالعها دون أن يغلبه البكاء. منك لله يا مازنى! ولكن كيف يمكن أن نتصور العبقرية شيئا آخر غير هذا؟ وهذا هو المقال العجيب:

"في بعض الأحيان أكون جالسا إلى مكتبي قبل طلوع الشمس، وأمامي الآلة الكاتبة أدقّ عليها وأرمي بورقةٍ إِثْرَ ورقةٍ، وإلى جانبي فنجان القهوة أرشف منه وأذهل عنه، فأحس راحتيكِ الصغيرتين على كتفي، فأدير وجهي إليكِ، وأرفع عيني لأصبِّح على بستان وجهكِ، وأستمد من عينيكِ النجلاوين وافترار ثغركِ النضيد ما أفتقر إليه من الـجَلَد والشجاعة، وأرفع يديَّ فأطوِّقكِ بذراعيّ، وأَلُمـُّكِ في حجري، وأضمكِ إلى صدري، وألثم خدك الصابح، وأمسح على شعرك الأثيث المرسل على ظهرك وجانب محياك الوضيء، وأتملى بحسنك، وأنشر في كهف صدري المظلم نور البشر والطلاقة، فتدفعين ذراعك الغضة، وتتناولين ببَنَانك الدقيقة ورقةً مما كتبتُ وترفعينها أمام عينيك، وتتخذين هيئة الجِدّ الصارم، وتُفِيضين على نفسك السَّمْحة العطوف، وأنت مضطجعة على ذراعي، سَمْتًا وأبهة يغريان بالابتسام.

وأنا أنظر إليك وفي قلبي سكينةٌ وجَوًى من قربك المعطَّر بمثل أنفاس الروضة الأُنُف في البُكْرَة النَّدِيّة، وألمح شفتيك الرقيقتين تختلجان، وعينيك تلمعان، فتطيب نفسي بسرورك الصامت، ثم أسمع ضحكتك الفضية، وأراك تغطين وجهك الحلو بالورقة، فيستطيرني الفرح ويستخفّني الـجَذَل، ولكني أتظاهر بالخوف على الورقة التي لا قيمة لها أن يمزقها أنفك الجميل، فترمين رأسك على ذراعي، وينسدل شعرك الذهبي المتموج كالستار، وتصافح سمعي من ضحكاتك العذبة موجات لينة، ثم تعتدلين على ساقي وتدفعين ذراعيك فتطوِّقين بها عنقي، وتجذبين وجهي إليك، ولكنك تشفقين على رقة شفتيك من خشونة خدي، فتلثمين أذني الطويلة، وتعضينها أيضا، فأصرخ، فتثبين إلى قدميك خفيفة مرحة وتخرجين بعد أن خَلَّفْتِ في صدري انشراحا، وفي قلبي رضا، وفي روحي خفة، وفي نفسي شُفُوفا، وفي عقلي قوة، وفي أملي بسطة واتساعا، وفي خيالي نشاطا، فأضطجع مرتاحا وأغمض عيني القريرة بحبك، ثم أفتحها على:

صَيْدٍ حُرِمْنَاه على إغراقنا ** في النَّزْعِ، والحرمانُ في الإغراقِ

إي والله لولا الإغراق ما كان الحرمان. وهل هو إلا الشعور به من الإسراف في الرغبة، واللجاجة في الطلب؟ بل أفتح العين على جثة صغيرة حملتُها بيديَّ هاتين إلى قبرها وأنزلتُها فيه، ووَسَّدْتُها التراب بعد أن سويتُه لها بكفي ورفعت من بينه الحصى الدِّقَاق، ثم انكفأتُ إلى بيتي جامد العين، وعلى شفتيّ ابتسامة متكلَّفة، وفي فمي يدور قول ابن الرومي:

لم يُخْلَق الدمع لامرئٍ عبثا ** الله أدرى بلوعة الـحَزِنِ

وتدخل عليّ زوجتي لتحييني تحية الصباح، فأتلقاها بالبشر والبشاشة، وأَهِمّ بأن أحدّثها بما كبر في وهمي قبل لحظة. ولكني أزجر نفسي وأردها عن التعزي باللفظ. ولو أني شرعت أحدثها بشيء من ذلك لما فرغتُ. فما أخلو بنفسي قط إلا رأيتني أستطيب أن أتخيل فتاتي على كل صورة وكل هيئة وفي كل حالة، ويحلو لي أن أُفْشِي بيني وبينها أحاديث في كل موضوع من جِدٍّ وهَزْلٍ، ويسرني أن أسمع نكتها، وأراني أستملح فكاهتها، وأنتحلها فيما أكتب، وأضحك أحيانا بصوت عال، بل أقهقه غير محتشم.

فإذا تعجَّبَ لي داخلٌ متطفلٌ عليَّ في هذه الخلوة المحببة إلى نفسي رفعت له وجها كالدِّرْهَم الـمَسِيح، وهربت من الجواب الذي يطلبه بعينه أو لسانه، وتركته يظن بعقلي ما يشاء. وماذا أقول له؟ في وسعي أن أكذب، فما لِبَاب الكذب مفتاح. ولكن الكذب ينغِّص علي المتعة التي استفدتها من الحوار الذي كان يدور بيني وبين حياة".

الله الله الله الله الله الله! والله يا مازنى لو لم تكن قد تركت خلفك سوى هذا المقال لكفاك خلودا فى عالم الأدب والإبداع! لقد نسختُ هذه السطور فى هذه المذكرات الآن من كاتوبى حيث كنت أحتفظ بها لحين الحاجة إليها، فلم يتسن لى أن أقرأها لأن كل ما فعلته هو مجرد النسخ واللزق. لكنى عدت فقلت لنفسى: ولم لا تعيد قراءتها الآن بعدما ألصقتَها لتجدد العهد بها ولترى أستُبكيك هذه المرة أيضا بعد أن أبكتك كثيرا من قبل أم لا؟ ثم شرعت أقرأ وأنا متماسك حتى إذا ما تغلغلت فيها ألفيت صدرى يعلو ويهبط دلالة على قرب انفجار العاصفة، ثم إذا بى بعد لحظات أبكى كما هو حالى فى كل مرة. وأنا الآن أتساءل: متى يا ترى كان أول عهدى بذلك النص العبقرى العجيب؟ أغلب الظن أننى تعرفت إليه فى مقرر "اللغة العربية" الخاص بالتوجيهية عام 1965- 1966م مع قصيدة "العودة" لإبراهيم ناجى، تلك القصيدة البديعة التى قلما يوجد لها فى آداب الأمم المختلفة نظير، والتى قررتُها هى أيضا إما على طلاب قسم اللغة الإنجليزية فى السنة المذكورة أو على طلاب قسم اللغة الفرنسية قبل ذلك كما سبق أن قلت قبل قليل، ثم قررتها بعد ذلك بزمن طويل على طالبات جامعة قطر، وإن لم أترك لها تحليلا مكتوبا البتة مع استحقاقها لمثل هذا التحليل، فهى درة شعرية نفيسة قلما نجد مثلها فى أى أدب من آداب الأمم:

هذه الكعبةُ كنّا طائفيها ** والمصلّين صباحًا ومساء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها ** كيف بالله رجعنا غرباء

دارُ أحلامي وحبي لَقِيَتْْنا ** في جمودٍ مثلما تلقى الجديدْ

أنكرتْنا، وهي كانت إن رأتنا ** يضحك النور إلينا من بعيدْ

رَفْرَفَ القلب بجنبي كالذبيحْ ** وأنا أهتف: يا قلبِ، اتئدْ

فيجيبُ الدمعُ والماضي الجريح: ** لِمَ عُدْنا؟ لَيت أنّا لَم نعُدْ

لِمَ عُدنا؟ أوَ لَم نَطْوِ الغَرَامْ؟ ** وفَرَغْنا مِن حنينٍ وألَمْ؟

ورَضِينا بسكونٍ وسلامْ ** وانتهينا لفراغٍ كالعَدَمْ

أيها الوكر، إذَا طار الأليفْ ** لا يَرَى الآخرُ معنًى للسماءْ

ويَرَى الأيام صُفْرًا كالخَريفْ ** نائحاتٍ كرياح الصَّحْراءْ

آه مما صنع الدهر بنا! ** أو هذا الطلل العابس أنتْ

والخيال المطرق الرأس أنا؟ ** شَدَّ ما بِتْنا على الضنك وبِِتّْ

أين ناديكَ؟ وأين السُّمَّرُ؟ ** أين أهلوكَ بساطًا وندامَى؟

كلما أرسلتُ عيني تنظرُ ** وَثَبَ الدمع إلى عيني وغامَا

موطنُ الحسن ثَوَى فيه السأمْ ** وسرت أنفاسه في جوِّهِ

وأناخ الليل فيه وجَثَمْ ** وجَرَتْ أشباحه في بهوهِ

والبِلَى أبصرتهُ رَأْيَ العِيَانْ ** ويداه تنسجان العنكبوتْ

صحتُ: يا ويحك! تبدو في مكان ** كل شيء فيه حيٌّ لا يموتْ

كل شيءٍ من سرورٍ وحَزَنْ ** والليالي من بهيجٍ وشَجِي

وأنا أسمعُ أقدامَ الزمن ** وخُطَى الوحدة فوق الدَّرَجِ

رُكْنِيَ الحاني ومغنايَ الشفيقْ ** وظلالَ الخلد للعاني الطَّلِيحْ

علم الله لقد طال الطريقْ ** وأنا جئتك كيما أستريحْ

وعلى بابك ألقي جَعْبَتي ** كغريبٍ آبَ من وادي المِحَنْ

فيك كَفَّ الله عنى غربتي ** ورسا رحلي على أرض الوطنْ

وطني أنتَ، ولكني طريدْ ** أبديُّ النفي في عالَم بؤسي

فإذا عدتُ فللنجوى أعودْ ** ثم أمضي بعد ما أُفْرِغ كأسي

وأقول فى ناجى مثل ما قلته فى المازنى، إلا أننى قبل هذا وذاك لا بد أن أتجه إلى الله فى علاه بالثناء والحمد على ما أنا فيه من نشوة علوية الآن، فهو خالق البشر وخالق ناجى والمازنى والعبقرية والإبداع والقدرة على الاستجابة لهذا الجمال والارتعاد له والبكاء منه والراحة بعد هذا البكاء. سبحان الخالق المبدع! والحق أننى أرثى لأمة العرب، التى لا تقرأ ولا تعلم شيئا عن هذه المنن الإلهية ولا تُوِليها أى اهتمام لو افترضنا المستحيل وقُدِّر لها أن تشعر بها. إنها لا تستطيع أن تتذوقها، بل لا تستطيع أن تلتفت إليها مجرد التفات. وكيف تلتفت إليها، وهى ليست طعاما يؤكَل أو شرابا يُجْرَع أو قميصا يُلْبَس أو لُبًّا يُقَزْقَز أو تبغا يُدَخَّن؟ أمَا إنك يا عم إبراهيم لرجلٌ فاضٍ ليس لديك ما يشغلك، فنراك تريدنا أن نهتم مثلك بهذه السخافات والتفاهات التى تضيع وقتنا الثمين ولا تعود علينا من ورائها أية جدوى. لعل الله أن يشغلك بشىء ينفعك فى حياتك بدل هذا الفراغ القاتل الذى لا تعرف كيف تستفيد به.

وكنت قد تزوجت فى صيف 1975م، وبعدها بعام تقريبا كنت فى طريقى إلى لندن، وحدى أولا لمدة شهرين إلى أن لحقت بى زوجتى. وكان هناك حمل، لكن الجنين مات قبل نزوله، وكان بنتا وصفت لى أمها شعرها بأنه غزير فآلمنى هذا الوصف كثيرا، وقضينا فى شقتنا وقتا عصيبا كله حزن، وبخاصة بالليل. وكنا فى منطقة منعزلة عن الناس من حولها لا نسمع إلا أصوات الخفراء وضرب النار بين الحين والحين خوفا من لصوص مواد البناء، إذ كانت منطقة مسورة تحتوى على مقادير هائلة من الحديد المسلح والأسمنت وما إلى ذلك مما يغرى اللصوص بالسطو والسرقة، ثم من الله علينا ببنت أخرى فى أكسفورد سميناها بذات الاسم الذى كنا ننوى تسمية البنت السابقة به، وعوضنا الله بها عن أختها التى نرجو منه سبحانه أن يجعلها شفيعة لنا يوم القيامة وتأخذ أمها، ومعها أبوها فوق البَيْعَة (يا رب!)، بحبلها السُّرِّىّ إلى الجنة كما يقول رسولنا العظيم، وهو ما لا يوجد له مثيل فى أى دين من الأديان: سماوية كانت أو أرضية. قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إن السِّقْط لَيَجُرّ أمه بسَرَرِه إلى الجنة إذا احتسبتْه". بل إن هناك حديثا آخر أكثر تفصيلا، وإن لم يكن بنفس قوة الحديث السابق، وهو حديث عجيب ليس له، ككثير من أمور الإسلام العظيم، مثيل فى أى دين آخر: "إن السِّقْطَ ليُرَاغِمُ ربّهَ إذا أَدْخَل أبويهِ النارَ، فيقال: أيُّها السِّقْطُ المُراغمُ ربَّه، أَدْخِلْ أبويكَ الجنّةَ. فيَجُرُّهما بسَرَرِهِ حتى يُدْخِلَهُما الجنة".

نعم عندى أمل فى أن أدخل الجنة، لا بعملى بل برحمة الله. ذلك أن العمل قد يصح وربما لا يصح، أما الرحمة فلا يمكن أن يلحقها أدنى شك. وكثيرا ما أدعو الله قائلا: "لا حساب ولا عقاب ولا عتاب، بل دخول للجنة بغير حساب". والله عند ظن عبده به، وأنا لا أتوقع منه عز شأنه إلا خيرا، فهو غنى عن تعذيب عباده، ورحمته سبقت غضبه، وسماحته وسعت كل شىء، وهو يغفر الذنوب جميعا، وقد خلقنا ضعفاء، وفتح لنا باب التوبة طوال اليوم والليلة على مصراعيه دون إغلاق، وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وهو الغفور الرحيم. ومن جهتنا نحاول التزام الجادّة ونجتهد فى ذلك ونأخذ حياتنا مأخذ الجد، ولكننا لا ندعى ولا يمكن أن ندعى العصمة، بل نخلط عملا صالحا وآخر سيئا، وإن لم يكن بمقدورنا أن نعرف نسبة كل من العملين إلى الآخر. فاللهم رحمتك وعفوك ورضاك.

وقد قامت الحكومة بإلحاقنا، نحن المبعوثين المصريين عام 1976م بمعهد بريطانى فى إمبابة لتعليم الإنجليزية لمدة ثلاثة شهور كى تؤهلنا للتفاهم السريع بمجرد وصولنا إلى لندن. وكانت لغتى الأجنبية الأولى هى الفرنسية بخلاف زملائى كلهم فيما أذكر. ولاشك أننى قد استفدت كثيرا من هذه الدروس، إذ هيأتنى للكلام بتلك اللغة، وإن كان بطريقة مكسرة وبطيئة ومضحكة. ولكن كما هو معروف: شىء خير من لاشىء. كما أنه لا يوجد شىء فى الدنيا يتم للتو واللحظة، فالله قد خلق الدنيا فى ستة أيام. وأى أيام؟ إن كل يوم منها إنما هو دهر طويل، وليس أربعا وعشرين ساعة. ومن وقائع تلك الأيام أننى تناقشت وزميل لنا ممن كان يدرس الإنجليزية فى المعهد البريطانى معنا، وكان متخصصا فى العلوم الطبيعية، حول الموضوع التالى: أيهما أهم فى الإسلام؟ الصلوات النافلة أم القراءة؟ أما أنا فأكدت أن القراءة أهم لأنها فرض، على العكس من صلوات السنة، إذ السنن لا ترقى إلى مرتبة الفروض. بيد أنه ظل متشبثا بالرأى المخالف.

وعند وصولى إلى مطار لندن شرعت أتلفت حولى لأستوعب الأوضاع هناك كيما أرى الفرق بيننا وبينهم، فشاهدت، ضمن ما شهدت، عاملا من عمال المطار يسير مجدا فى طريقه وبيده قطعة شكولاتة، فاهتممت أن أنظر لأعرف ماذا سوف يفعل بغلاف الشيكولاتة بعد أن يأكل ما فيه، فألفيته بعدما انتهى من أكلها يبقى الورقة فى يده ولا يلقيها على الأرض، فسرنى هذا التصرف، وإن كنت فى طريقى من المطار فى الحافلة التى أقلتنى إلى محطة فيكتوريا قد لاحظت أن جانب الطريق ليس خاليا تماما من بقايا الأوراق الصغيرة، إلا أن نهر الطريق ذاته كان نظيفا تماما. وقد خيبت قطع الورق المتناثرة على جانب الطريق ظنى، إذ كنت أتصور أن بريطانيا نظيفة تمام النظافة. ومع هذا فإن مصر لا يمكن أن تصمد للمقارنة معها ولو لثانية. إلا أننى كنت أحن رغم ذلك إلى مصر حنينا طاغيا، وحين انتهيت من دراستى وقضيت الشهرين اللذين قيل لى إن من حقى قضاءهما فى بريطانيا على حساب الوطن عدت إلى مصر وقلبى يسبقنى لأفاجأ بعد وصولى بقليل أننى صرت أفكر فى بريطانيا أنا وزوجنى تفكير الـمَشُوق ونحلم بها ونتمنى العودة إليها، ولكن دون دراسة ووجع دماغ وتعب قلب.

وبعد بلوغى محطة فكتوريا بوسط لندن ذهبت إلى المكتب الثقافى المصرى، فأعطانى الموظف بعض العناوين لأدبر أمرى فى المبيت بأحدها. وهو تصرف سخيف منه لأن هذه كانت أول مرة أذهب فيها إلى تلك البلاد، وكانت لغتى ضعيفة. وقال: حين تعود هنا غدا، وكان الغد جمعة، فسوف تقابل زملاءك، فيأخذونك معهم وتسكن مثلهم فى المدينة الجامعية. وفى ذلك اليوم قابلت رجلا إنجليزيا فى الحافلة طلبت منه المعاونة، فلبى عن طيب خاطر، واصطحبنى إلى حانة هناك وطلب لى زجاجة كوكاكولا، ثم طلب لى زجاجة أخرى مشكورا، فلم أملك إلا أن أقدم له، كفاءَ كَرَمِه الذى لم أتوقعه، علبة الجلاش التى لم أحضر من مصر سواها، فقبلها شاكرا. ثم أجرى اتصالا هاتفيا ببيت شباب فيما أذكر أركبنى بعده سيارة أجرة زود سائقها بعنوان الهوستيل (بيت الشباب) الذى اختاره لى لأقضى فيه ليلتى. وهناك بعد أن استقررت فى الغرفة التى خصصوها لى سألت فتاة الاستقبال عن الطعام، فأجابتنى أنهم لا يقدمون سوى الفَطُور. أما العشاء فعلىَّ تدبير أمره بنفسى. ثم اقترحتْ أن أسير إلى نهاية الشارع مرورا بالمسجد لعلى أن أجد دكانا لا يزال مفتوحا (إذ كانت الساعة قد تجازوت الخامسة أصيلا) فأشترى منه بعض الطعام.

وهنا تركت كل ماقالته الفتاة الهادئة مما فهمتُه، وما أَقَلَّه، وما لم أفهمه، وهو الأكثر، وشَبَطْتُ فى كلمة "المسجد" قائلا فى نفسى: لن تضيع يا أبا خليل، وعندك مسجد! ولما حاذيت المسجد وجدته بناء ضخما جدرانه وسقفه من الخشب، وكان فى مرحلة التشييد لا يزال. وهناك وقفت أمام نافذة زجاجية ونظرت بالداخل، فوجدت شابا أسود فيه بعض ضخامة، فنقرت على الزجاج، ففتح وطلب منى أن أَدْخُلْ. فقلت له: أنا مسلم، وأبحث عن محل أو مطعم أبتاع منه طعاما، فكرر الإجابة أَنِ ادْخُلْ. فأعدت الكلام بأننى إنما أريد طعاما، فكرر الرد أَنِ "ادخل، وسوف أقدم لك طعاما". فقلت له: فى المسجد؟ قال: نعم فى المسجد. وهنا رقصت عصافير بطنى بعدما كانت تصيح وتصرخ وتلطم خدودها وتشق جيوبها وتنعى حظها، ولولا الحياء لرقصت أنا أيضا.

وبعدما دخلت وتوضأت وصليت وجدت أمامى أطباقا مملوءة بخيرات ربنا من أرز وبامية فيها نوع من اللحم أكلته فوجدته سمكا، إلا أنه كان لذيذا جدا. والطريف أننى كلما حكيت القصة لطلابى وطالباتى فى الجامعة كان رد فعلهم رسم كل علامات النفور والاشمئزاز على وجوههم وشفاههم. لكن لا ينبغى أن ننسى أننى كنت جوعان جدا، والجوع يضفى على أى شىء نأكله جاذبية وسحرا مهما كانت تفاهته. كما أننى قد علمت حينذاك أن دكاكين بريطانيا تغلق بعد الخامسة أو الخامسة والنصف بما يعنى أن من الممكن جدا أن أقضى بقية اليوم، ثم الليلة بكاملها، دون طعام. كذلك لا ينبغى أن ننسى أنه قد سبق لى قبل ذلك بسنين أن طعمت صراصير البحر مع صديقى اليابانى دون أن يحدث لى شىء. كما كنت أرى زميلا لى فى المدينة الجامعية من أندونيسيا يأكل البرتقال أبو صرة بعد أن يغمسه فى الملح مستغربا استغرابى لما يفعله. ثم لِمَ تستغربون أن يكون الله قد حَلَّى فى فمى طبق البامية بالسمك، والله على كل شىء قدير؟

وقد أخبرنى مُدَّثِّر، وهذا اسم الشاب النيجيرى صاحب طبق السمك بالبامية، أن أهل الخير من السيدات العرببات حين يأتين إلى المسجد يتبرعن ببعض المال، فيصنع منه طعاما للعابرين من أمثالى. تعيش السيدات، ولْيبارك الله فى السيدات، ولْيغفر الله للسيدات، ولْيسعد الله السيدات، اللاتى لولا عطفهن وكرمهن لمات المسكين، الذى هو أنا، فى ذلك اليوم جوعا. من قال إن النساء سيئات؟ إخص على من يقول عنهن هذا حتى لو كان القائل هو أنا. أيعيب عاقلٌ هؤلاء اللاتى جعلهن الله زينة الدنيا وبهجتها ومتوليات أمر طعامها وشرابها، وغير طعامها وشرابها؟ إنه إذن لغبى جهول! وصدق من سماهن: "الجنس اللطيف"؟ إنهن القوارير، بينما نحن البلاليص!

ولو كان الشدياق مكانى لوضع فى فضلهن هذا كتابا يخلّدهن طَوَال الدهر وجلس عند أقدامهن يتغزل فيهن ويقول فى حمدهن والثناء عليهن وعلى حلاوتهن وجمالهن، لا على باميتهن وسمكهن، الشِّعْر الجميل الذى يرى، وأنا معه تماما، أنهن يستحققنه. أما العبد لله فإنه يكتفى بالدعاء لهن من أجل السمك والبامية، والله أعلم بالسرائر وما تكنه. وهو سبحانه وتعالى قد أمر بالستر، فلا داعى للفضائح! آهاه! لقد نسيت شيئا آخر مهما، ألا وهو أن مدثر قد شفع تلك الغدوة الشهية بإصبع أو اثنين من الموز الذى يعادل الإصبع منه سباطة كاملة من موزنا القزم، إذ كانت الموزة فى حجم الذراع. وأرجو أن تمرروا لى تلك المبالغة، فلا شك أن الجوع قد أدار رأسى فلم يعد عندى تمييز. وكان الموز غاية فى الحلاوة وطيب الرائحة. ومنذ ذلك اليوم لم أعد أستلطف مَوْزَنا الصغير الذى تصادف أن رأيت فلما هناك يظهر فى أحد مشاهده محمود ياسين وهو يمسك منه أثناء جلوسه على المائدة موزة فى حجم الإصبع الصغير، فسألت زوجتى: ما هذا الشىء الذى يمسكه الرجل فى يده؟ فقالت ضاحكة: إصبع موز. فلم أُرِدْ أن أصدق ما تقول بسهولة. والعجيب أنه كان يحركه وهو يتكلم مستعينا به على توضيح ما يقوله لبطلة الفلم الجالسة معه على المائدة، فاستغربت أنه لا يخجل من الإمساك بهذه الموزة المتقزمة ولا يسارع إلى القذف بها فى شدقه كى يدارى هذا العار.

ولما وصلنا إلى لندن انتظمنا فى معهد آخر لاستكمال تأهيلنا اللغوى. وكنت قد تأخرت فى السفر فلم أرافق زملائى عندما غادروا مصر، بل سافرت بعدهم بعدة أسابيع لبعض الظروف التى لا أتذكرها الآن، وكانت ظروفا رسمية فيما أتصور. وبعد وصولى إلى لندن بعدة أسابيع نقلونا إلى ميناء هيستنجز حيث استأنفنا التأهل اللغوى فى معهد آخر، وسكن كل منا مع أسرة بريطانية حتى نكتسب القدرة على التفاهم بلغة جونبول ونعيش فى الجو الإنجليزى. ومن هنا كان القرار بعدم اصطحابنا لزوجاتنا معنا فى البداية. وكان كل شىء يتم فى سلاسة ويسر ودون مشاكل أو لخبطات، إذ من الواضح أن كل أمورنا قد خُطِّطَ لها تخطيطا سليما ودقيقا لا يعرف الارتجال والعفوية والتخبط الذى نعرفه فى بلادنا. وهذا بلا شك ثمرة من ثمار الحضارة المتقدمة.

وقد لاحظت أن الأمور كلها تسير فى كل مكان ببريطانيا على هذا النحو حتى لأذكر أننى، فى السنة الأخيرة، وقد قضيتها أنا وأسرتى فى لندن، قابلت فى المنطقة التجارية بشرق لندن حيث كنت أسكن، مبشرا روسى الأصل يوزع الكتاب المقدس على الرصيف بعدد من اللغات المختلفة، فأخذت منه نسخة بالإنجليزية وأخرى بالعبرية أملا فى أن أتعلم العبرية بعد عودتى إلى مصر حتى أستطيع أن أقرأه بها. ولما لم أجد نسخا بالعربية صارحته برغبتى فى نسخة من الترجمة العربية للكتاب المقدس، فما كان منه إلا أن أخرج نوتة وقلما وسجل ذلك، قائلا لى: تعال إلى هنا الأسبوع القادم فى مثل ذلك الوقت بالضبط، وسوف تجد معى نسخة فى انتظارك. وهو ما كان. لم يقل لى إنه قد نسى، أو فُتْ علينا غدا يا سيد، أو أى شىء من هذا القبيل الذى تجرى عليه حياتنا ببلادنا فى كل المجالات. يا رب، اجعل بلادنا مثل بريطانيا فى التقدم الحضارى. آمين!

وكان من نصيبى الإقامة فى هيستنجز مع أسرة مكونة من رجل ذى أصل إسبانى وامرأة بريطانية، ومعهما بنت فى المرحلة الابتدائية اسمها شارون من زوج المرأة السابق وولد رضيع اسمه آدم كان يبكى كثيرا لعيب خلقى فى خصيته، إن كنت فهمت ما قاله لى أبوه، إذ كانت إنجليزيتى فى ذلك الوقت المبكر شديدة الضعف. وكان معى فى البيت شاب إيرانى أصغر منى أرسله أبوه إلى بريطانيا ليحصل على البكالوريوس اسمه إسماعيل. وكان لطيف المعشر، ولكنه لم يكن يصلى أو يصوم، إلا أنه كان يعرف أحكام الدين فى هذه الأمور جيدا. ومن ذلك ما شرحه لى من أن المسح على اليدين فى التيمم لا يتطلب، كما علمهم الشيخ فى إيران، مسح الذراعين كلهما كما هو الحال فى غَسْل الوضوء، بل المطلوب هو مسح اليدين فقط حتى الرسغين. وكنت قد تعلمت فى الفقه الشافعى أن مسح اليدين يعنى مسح الذراعين بالكامل قياسا على ما يحدث مع الماء. وقد سارعت، حين سمعت من إسماعيل هذا الكلام، فتلوت الآية الخاصة بالتيمم فلم أجد فيها كلاما عن الذراعين بل عن اليدين فحسب على عكس آية الوضوء، التى تنص نصا على غسل الأيدى حتى المرافق، فبدا كلامه مقنعا. ومن عجب أنه، كما قلت، لم يكن يصلى أو يصوم. لكنى انتفعت بما قال. كما كانت تنزل عند تلك الأسرة وتتعلم معنا الإنجليزية فى نفس المدرسة فتاة فرنسية أصغر منا فى السن صِغَرًا واضحًا، فكانت تُقْبِل علىَّ فى المدرسة وتحدثنى وتتعامل معى بلطف وفرحة، حتى إذا كنا فى المنزل شعرتُ بها تبتعد. أتراها كانت حريصة على ألا تغضب الأسرة، التى قد تكون لاحظتْ أن ربها أو ربتها لا ترتاح لى لأننى أصلى وأصوم مثلا؟ مجرد تساؤل.

ذلك أننى كنت حريصا، بقدر إمكانى وفهمى فى ذلك الوقت، على ألا يصدر عنى ما يضايق أحدا حتى إننى كلما استحممت توخيت أن أنظف الإسفنجة والبانيو مما يكون قد عَلِق بهما من شعيرات انفصلت عن جسمى، على عكس إسماعيل، الذى كان يتصرف حسبما يحلو له، وحتى إننى كنت أؤجل إفطارى فى رمضان لحين تناول الطعام مع الجميع بعد نحو ساعتين كيلا أرهق ربة البيت. ومع هذا لاحظت أن رَبَِّى الأسرة كانا يستلطفان إسماعيل أكثر. فمن ذلك أننى وإسماعيل، فى اليوم الأول لتركيب السنترال هيتنج (التدفئة المركزية) بالمنزل، كنا فى غرفتى نسمر ونتناقش، فشعرنا أن الجو حار لا يطاق، فقام هو وخفض درجة الحرارة فى جهاز التدفئة. ثم إنى فى اليوم التالى سألت ربة المنزل عما ينبغى أن أفعله إذا ما أحسست بشدة الحرارة فى غرقتى، فقالت ما معناه أننى ينبغى ألا ألمس شيئا، بل علىَّ أن أعود إليهم حتى يتصرفوا هم، وإلا أفسدتُ الجهاز. فرددت عليها بعفوية: لكن إسماعيل قام بتخفيض درجة الحرارة دون أن يحدث شىء. وفى الحال وجدتها تنهض من مكانها كمن أصابتها لوثة، حقيقة لا مجازا، وتبكى بعصبية غريبة قائلة إننا بهذا سوف نهدم البيت، أو كلاما بهذا المعنى. ومع هذا لم تظهر هى أو زوجها شيئا من هذا الغضب لإسماعيل، بينما أَبْدَيَا الضيق نحوى.

وكان هذا من أغرب ما صادفت فى حياتى. ولما شكوت لبعض زملائى سلوك المرأة نحوى، وسلوك زوجها بالتبعية، قال لى زميل ممن يظنون أنهم قطعوا السمكة وذيلها، وليس غشيما مثلى، إننى لم أفتّح عينى مع الزوجة كما ينبغى. فاستغربت ذلك ضاحكا. ثم عدت فنظرت إلى المسألة من زاوية فكاهية قائلا فى نفسى إن المرأة، وإن لم تكن قبيحة، فهى أيضا عادية وليست جميلة تُغْرِى، فضلا عن أنها أكبر من أمثالى سنا. وإنى لأذكر أيضا أنها، فى بداية إقامتى معهم، قد سألتنى عن زوجتى وهل معى صورة لها أو لا، فأريتها صورتها التى كنت أحضرتها ضمن حاجيّاتى، فتأملتها برهة ثم ردتها لى.

وقد وقعت بعض الطرائف المزعجة أثناء إقامتى مع تلك الأسرة: فمنها أن ربة البيت كانت تقدم لى فى السَّحُور كل ليلة مربى أو عسلا حتى ضاق صدرى بهذا اللون الطعامى الذى لا يتغير، والذى أجده كل ليلة على المائدة حين أستيقظ لتناول السَّحُور، ففاتحتها برغبتى فى شىء من التغيير. مثل ماذا؟ قلت لها: بيضتان مثلا. قالت فى ضيق واضح: ألست تحب السكر وتطلب أن يكون الشاى (باللبن والله!) حلوا؟ قلت: وهل معنى ذلك أن أظل آكل المربى والعسل على الدوام؟ قالت: لكن البيض غال. فقلت فى سرى: ماذا أقول لبنت الفرطوس هذه؟ ثم توكلت على الله قائلا فى نفسى: هى مَوْتَةٌ أم أكثر؟ وأكدت لها أن ثمن المربى والعسل هو نفسه ثمن البيضتين. فاقتنعت ونزلت أخيرا على رأيى بعدما ظننت أن روحى ستطلع قبل أن أنجح فى زحزحتها عن عنادها وتيبُّس مخها. كما لاحظت أنهم ينادون إسماعيل بـ"إشماعيل" (بالشين) فأبديت دهشتى، فغضب الرجل منى وكأننى قد طعنته فى عِرْضه. وهذا إن كان الطعن فى العِرْض يزعجهم فى شىء! ثم نسمع من يقولون إن الإنجليز دائما أهل سياسة ودهاء من طراز رفيع! لا، يا سيدى أنت وهو، ليس دائما، وإن لم تصدقونى فاسألوا مدام جونزاليش وزوجها ذا الصوت الهادئ الصادر عن فمه وأنفه معا، والعينين اللتين لم أكن أرتاح لنظراتهما، وما هما إلا مجرد مثال!

وأخيرا ذهبت إلى أكسفورد، وكان أحد الموظفين فى مكتبنا الثقافى بلندن قد أعطانى عنوان دارس مصرى قديم فى تلك المدينة أوصانى أن أتصل به حال وصولى حتى يساعدنى فى التعرف إلى المدينة إلى أن تستقر اقدامى فيها بصفته أقدم منى فى الجامعة هناك. وقد اتصلت بالزميل المذكور متلهفا على مقابلة مصرى مثلى فى تلك المدينة التى لا أعرف ولا يعرفنى فيها أحد، وأحتاج إلى من يزيل عنى مرارة الغربة فيها، وبخاصة أن لغتى الإنجليزية كانت ضعيفة لا تساعدنى على العوم فى بحر المجتمع هناك. إلا أن الزميل المذكور واعدنى أن يلتقى بى بعد يومين. ولما تقابلنا وجدت أنه لم يكن يبعد عنى إلا بعرض شارع واحد، فدهشت من طول أناته فى ضرب الميعاد. ومع هذا فقد استقبلنى هو وزوجته استقبالا طيبا، وقدمت لى السيدة بعض الشطائر المنزلية اللذيذة وعصير البرتقال. وقد استسمحته أن أصلى العصر عنده فسمح مشكورا. ولما أعلنت عن رغبتى فى الاتصال به مرة أخرى قال إنه سوف يقوم هو بهذا الاتصال، فلا ينبغى أن أشغل نفسى بالأمر. ثم لم يحدث أن اتصل بى مرة أخرى طوال السنوات الست التى قضيتها فى بريطانيا.

ومع ذلك فقد تقابلنا بالمصادفة فى وسط المدينة ذات ضُحًى بعد مجىء زوجتى، فأخبرنى أنه ينتظر صديقا له يشتغل فى السلك الدبلوماسى المصرى بسويسرا دخل حانة هناك يأخذ كأسا. وأكد لى دون أن أسأله أنه هو نفسه لا يشرب. ثم افترقنا، ولم ير أحدنا الآخر إلا أثناء استعدادنا نحن الدارسين المصريين بأكسفورد لحفل عشاء أردنا أن نقيمه لأساتذتنا البريطانيين. وقد انقسمنا طائفتين: طائفة تقول إننا لن نقدم للأساتذة إلا الطعام والعصائر، وطائفة قالت: بل لا بد أن نقدم لهم خمرا ما داموا يشربون الخمر. وكنت أنا من الطائفة الأولى، وهو ذات الموقف الذى وقفته زوجتى بين زوجات الدارسين المصريين، على عكس زوجة صاحبنا، التى قالت لزوجتى وبقية النساء إنها، حين تدعو أحدا من الأساتذة إلى بيتها، تعمل كل ما من شأنه إرضاؤهم وإدخال المسرة على قلوبهم بما فى ذلك تقديم الويسكى. ثم رأيت صاحبنا نفسه يشرب الخمر فى إحدى الحفلات. إذن فلم قال لى ما قاله عن صديقه الذى يعمل بسفارتنا فى سويسرا؟ وقد تذكرت صَلاَتى فى بيته، فعزوت إليها السبب فى نفوره من قيام معرفة بيننا، وعرفت أنه كان يكذب علىَّ حين صور نفسه فى صورة الكاره للمشروبات الكحولية.

وفى أول حفل جامعى أشارك فيه، وهو الحفل الذى يستقبلون فيه الطلبة الجدد فى بداية العام، كان هناك عشاء قُدِّم لنا فيه أرز ولحم، وكان قبالتى قسيس الكلية يأكل فى طبقه مشغولا بطعامه دون أن ينظر إلينا. وكانت قطعة اللحم التى فى طبقى كبيرة، وكنت شديد الجوع، إذ كنت أعيش عيشة العَزَب، فلم تكن زوجتى قد لحقت بى بعد، إلا أننى أردت أن أستوثق من أن اللحم ليس خنزيرا. وتصادف أن كان جالسا بجوارى شاب أصغر منى من لبنان اسمه محمد، فسألته: كيف لى أن أعرف أن اللحم ليس لحم خنزير؟ فاستمهلنى حتى يشم الطبق، ثم قربه إلى أنفه دون أن يبدو عليه التحرج، ثم أعلن بكل ثقة أنه خنزير. كل ذلك، وعمنا القسيس ولا هو هنا، وإن كنت متيقنا أنه معنا بكل خلجة فى أعصابه. وإنى لأسأل: ألا تعرف الجامعة أننا مسلمون؟ فلم قدموا لنا لحم خنزير إذن؟ لقد كان البريطانيون يحتلون بلادا إسلامية كثيرة، وعندهم مستشرقون ومبشرون يعرفون كل شىء عن الإسلام وأتباعه، فأين غاب هذا كله عنهم؟

وقد تكرر هذا الأمر مع زوجتى حين كانت فى المستشفى بعد ذلك بشهور أثناء الحمل، إذ وجدتْ قطعة اللحم التى قدمت لها فى الغداء أكبر حجما مما يقدم لها من اللحم كل يوم. ثم اكتشفت أنه لحم خنزير رغم أنها كانت قد أخبرتهم بأنها مسلمة لا تأكل هذا النوع من الطعام ردا على سؤالهم لها لدن دخولها المستشفى. ولما راجعتْهم يومها بخصوص الخنزير اعتذروا، واستبدلوا به قطعة لحم حلال، لكنها كانت أقل حجما بكثير. وإنى لأتصور أنهم يفكرون على النحو التالى: فلنقدم لهم الخنزير، وحينئذ إما أن يأكلوه خجلا من الرفض، أو يأكلوه جهلا ثم يكتشفوا فيما بعد أنه خنزير. وفى الحالتين سيكون الجدار العالى والسميك الذى بين المسلم والخنزير قد انهدم، وهو مكسب ليس بالقليل. أما إن أصر المسلم على عدم أكل الخنزير فما أسهل أن نقول له بكل أدب واحترام: "آسفون! لقد فاتتنا هذه المرة، ولن نكررها بعد ذلك"، فيقبل عذرنا عن تلك الغلطة. ويا دار، ما دخلك شر!

وفى ليلة الحفلة تلك، فيما أظن، كانت عودتى إلى البيت برفقة طالبة بريطانية صغيرة تسكن فى الطابق الذى يقع أسفل شقتى بمنزل تابع للجامعة أنزلونى به مؤقتا إلى أن تلحق بى زوجتى من مصر. وقد سألتنى ونحن فى طريق العودة عن معنى كلمة "..."، فاستغربت استغرابا شديدا، وسألتها: من أين لك بهذه الكلمة؟ قالت: من ابن الملك ...، فقد كان زميلا لى فى المدرسة الثانوية. أما الكلمة التى سألتنى الطالبة الصغيرة الآتية لتوها من المرحلة الثانوية فهى اللفظ العامى الذى يطلق على عضو الذكورة، وإن كانت قد نطقته بالذال لا بالزاى. ولست أستطيع الآن أن أتذكر ماذا فعلتُ للخروج من ذلك الموقف المحرج. لكننى دهشت أن يكون هذا هو مستوى أبناء الحكام العرب. وهذا طبعا لو كان ما قالته البنت صحيحا، ولا أستبعد أن يكون.

وما دمنا فى هذه السيرة فقد فوجئنا بعد ذلك بسنتين أو نحو ذلك بخبر فى صحيفة محلية توزع مجانا فى أكسفورد وتقوم على الإعلانات مُفَادُه أن أميرا ... يدرس فى جامعة أكسفورد للحصول على الدكتورية قد تُوُفِّىَ فى مسكنه، ولم يكتشف وفاته إلا سائقه البريطانى، الذى لم يكن أميرنا يختلط بأحد سواه، ويسكر معه. وسر دهشتى هو أن يكون مثل هذا الأمير موجودا معنا فى الجامعة فلا يكلف نفسه الاتصال بزملائه من أمثالنا نحن صفوة الأكاديميين فى العالم العربى، مفضلا الاختلاط بالسائق الإنجليزى. وكان رأيى أن هذا هو المستوى اللائق بذلك الشاب، فهو لا يصلح لنا، بل يصلح لطبقة السائقين، فضلا عن أنه لا يهمه العلم فى قليل أو كثير بقدر ما يهمه الخمر والسكر وما يرتبط بالخمر والسكر والسائقين.

وكنا فى البداية أنا وزوجتى نشعر بحنينٍ طاغٍ إلى مصر، وكلما فكرنا فى أننا سوف نبقى فى بريطانيا نعانى هذا الحنين أربع سنوات نزداد غما، فلا نجد ما نتعزى به فى ليالينا الطويلة حين يضيق صدرى بالقراءة سوى لعب الورق رغم أننا لم نكن من محترفيه، بل كنا سذجا نريد التسلى لا غير. والحمد لله أننا لم نكن نعرف أننا سنبقى فى بريطانيا ست سنوات لا أربعا، وإلا كنا قد جُنِنَّا. وكنت أتلقى دروسا خاصة فى اللغة الإنجليزية مع مدرسة أمريكية هى مسز أَدَمِكْ قامت بيننا وبينها صداقة، فكانت تزورنا هى وابنها دوجلاس، ومعهما سيدة أسكتلندية، فنقضى أمسية جميلة تبدأ بعشاء شهى مما تبرع فيه زوجتى وتظل السيدتان تعربان عن سعادتهما بما فيه من ألوان الطعام اللذيذة، فتنشرح زوجتى لذلك الإطراء، وتستمر الأمسية فى الحديث والعصائر وما إلى ذلك. وكانت تلك الزيارات تشكل لى أنا وزوجتى فرصة لممارسة الحديث بالإنجليزية واكتساب بعض التعبيرات الجديدة وتطبيق ما نعرفه عبر الكتب من لغة جونبول بدلا من قبوعها فى أمخاخنا خاملة لا تُسْتَخْدَم وبقائها مجرد معلومات نظرية لا جدوى منها.

وبناء على هذا الاعتبار كنت حريصا على دعوة من أستطيع دعوتهم إلى بيتنا من أجل الغرض نفسه. ومن ذلك أننى دعوت شابا أمريكيا فارعا تعرفت إليه فى حجرة الطلاب بالجامعة، وقدمت له زوجتى إحدى عشرة شطيرة من ألوان الطعام المختلفة. وحين قابلته ثانى يوم كان ما قاله لى تعليقا على العزومة إننا نحن المصريين نأكل كثيرا. خيبة الله عليك من أمريكانى جربان! أأنا الذى أكلت الأحد عشر ساندويتشا أم أنت؟ ومثله حدث مع أحد أساتذة الجامعة الذين دعوناهم فى اللقاء المذكور آنفا، إذ بعدما أكل ما لذ وطاب من الكفتة والكباب لم يجد ما يعقب به على الكرم المصرى سوى الملاحظة السخيفة بأننا نأكل كثيرا، مع أنه كان ممتلئ الجسم قبل أن يأكل أكلنا. بالله قولوا لى: ماذا نفعل مع هؤلاء المكشوفى الوجه؟

وفى الأيام الأولى من وصول زوجتى إلى أكسفورد وقعت حادثة غريبة، فبينما كنا نتمشى فى الهاى ستريت، وهو أحد الشوارع التى تأخذك إلى خارج أكسفورد ويؤدى إلى لندن، مارين أمام بنك هناك، إذا بنا نجد الرصيف مرشوشا بخمسات جنيهات إسترلينية جديدة يصعب عدها، وامرأة عجوز تجمعها، وبجوارها شاب يسلمها ما يجمعه بدوره، فألفينا أنفسنا أنا وزوجتى ننحنى معهما ونساعد فى جمع ما تناثر على الرصيف من الخمسات الكثيرة جدا، ونعطيها المرأة نزولا على ما كنا نرى الشاب يصنع، وبخاصة أنه قال لنا إنها أخبرته بأنها سوف تحمل المال إلى قسم الشرطة. وكان هناك مفتش حافلات واقفا أمام البنك لا يبالى بما يقع أمامه، فسألته عن الأمر فأجاب بأنه لا يعرف عنه شيئا وانصرف إلى شأنه وكأنه لا يرى شيئا مما يدور حوله. ثم فوجئت، عند الانتهاء من جمع الخمسات التى تجل عن الإحصاء وإعطائها للسيدة العجوز، بأنها قد أخذت المال وركبت حافلة عكس اتجاه قسم الشرطة. يا خيبتك يا خِلّ أنت وزوجتك!

لكن زوجتى كانت قد ارتابت فى كلام العجوز، وأبقت على "خمساية" معها، وهو ما أبى "شرفى المصرى" أن يقبله حتى لو أُرِيقَ على جوانبه الدم، فأخذتُها منها، فلم تملك إلا أن تسلمها لى نزولا على حكم التقاليد والأصول. ألست زوجها، وعليها الطاعة؟ وسألتُ مدرستى الأمريكية ماذا أفعل بها، فقالت لى ضاحكة: هاتها لى، ولا تشغل نفسك بالأمر. فقلت لها ضاحكا إننى خائف عليها من دخول النار، فأكدت لى ضاحكة أنها لا تخاف نارا ولا دياولو. الله يخرب بيت الشيطان، والشيطانة أيضا. فكدت أسلمها لها، لكن الأمر انتهى بوضعى "الحتة بخمسة" فى حصالة المسجد، الذى اقترحتُ ضاحكا على كبير المسلمين فى أكسفورد مستر أحمد بُولُوك أن نطلق عليه: "مسجد السيدة أكسفورد رضى الله عنها". بركاتك يا طاهرة، يا شريفة! لكن الشيطان الرجيم أخذ يوسوس لى بعدها قائلا: ولماذا لم تسدد أول شىء لكمة إلى العجوز تطيرها بها من المكان وتستولى على الفلوس كلها؟ ألم تسرق بريطانيا الملايين المملينة من مصر يوم كان للجنيه صولة وطولة، مما يساوى مليارات متلتلة بسعر اليوم؟ فماذا تكون تلك الخمسات إزاء هذه المليارات؟ إنها لا تشترى سوى "شويّة" ترمس. فقلت له كما قالت له الست فايزة أحمد من قبل: ابعد يا شيطان، ابعد يا شيطان، ابعد يا شيطان! أم تريدنى أن أدخل النار؟ ثم أنحنى على حذائى أهم بقذفه به، فيجرى بعيدا عنى وهو يخرج لسانه ويأتى أشياء أخرى لا داعى لذكرها.

وفى الأسابيع الأولى لنا بأكسفورد كنت أنا وزوجتى نشعر بالملل والحنين القاهر الموجع إلى مصر. ومن بين ما لجأنا إليه لمواجهة الملل والحنين اجتماعنا مع بعض زملائنا العرب هناك ليلة الأربعاء فى بيت د. ... قريبا من إدارة الجامعة بوسط المدينة، وكانت له زوجة إنجليزية. وكان يطلب من كل منا أن يحضر معه قطعة جبن رومى وزجاجة خمر، فاستسخفتُ هذا الطلب ولم أكن أحضر ولا حتى عصير ليمون أو برتقال كرد عملى على هذا الطلب الرذل اعتمادا على أنه إذا لم يكن على استعداد لتقديم مشروب حلال لضيوفه من بيته فلا داعى للاجتماع عنده أصلا.

وكانت تدور بيينا المناقشات مقبولة فى أول الأمر، إلى أن ثار بيينا نقاش حول الإسلام والنصرانية، فوجدت زميلنا اللبنانى ...، الذى كان يقول إنه مسلم، وله ولد رضيع فى ذلك الوقت اسمه صبحى، والذى كانت زوجته تحضر معها فى كل مرة زجاجة خمر تتأبطها، ينتصر للنصرانية بحجة متخلفة هى أنه بينما يقول القرآن: "وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفة..." بما يعنى أن القرآن مشدود إلى الماضى، إذا بالنصرانية تتحدث عن ملكوت السماوات، وهو أمر من أمور المستقبل. يريد أن يقول إن القرآن رجعى، والنصرانية ديانة مستقبلية. وهو ما استفزنى إلى الرد على هذا التخلف الأبله بأن فى الكتاب الذى يقدسه النصارى كلاما طويلا ومفصلا عن قصة الخلق الأول، التى تقع فى أسحق زمان مضى، مثلما أن فى القرآن كلاما كثيرا جدا عن الجنة، وهى تمثل أبعد نقطة فى المستقبل. ثم تدخل ... مضيّفنا، الذى كنت أظنه حتى ذلك الوقت من المسلمين، قائلا دون مناسبة إنه لما كان فى أمريكا ووجد لويس عوض يهاجم الإسلام انبرى يرد عليه مدافعا عن الإسلام رغم أنه هو نفسه نصرانى. وكانت هذه الليلة هى آخر ليلة أجتمع فيها مع إخواننا هؤلاء، لاحقا بزوجتى، التى كانت قد قررت قبل أسبوع ألا تأتى معى إلى تلك اللقاءات واصفة المكان بأنه وكر.

وسبب ذلك أن مضيفنا ... فى ذلك الاجتماع السابق مد يده دون أدنى إنذار بكأس لها، فقالت له: أنا مسلمة لا أشرب الخمر. فرد بقوله: وماذا يعنى هذا؟ إن كثيرا من المسلمين هنا يشربون الخمر. فعادت تقول له: ولكنى أصلى وأصوم. فاستمر فى ترديد عبارته البلهاء: وماذا فى ذلك؟ وهنا كان صبرها قد نفد، فثارت وصاحت تعنفه قائلة: أقول لك إننى مسلمة أصلى وأصوم، فتقول لى: وماذا يعنى هذا؟ ما الذى جرى لك؟ والواقع أننى كلما تذكرت تلك الليلة شعرت بالفخر لموقف زوجتى، التى تركتها تأكل الرجل أكلا وأنا مطمئن أنها ستلقنه درسا لن يضيع أبدا من ذاكرته، فأنا أعرف طبيعتها. وكانت تلك آخر مرة تذهب إلى تلك اللقاءات، ولحقت أنا بها بعد أسبوع.

وكان من رواد تلك اللقاءات أيضا زميلى السورى بالجامعة ...، الذى لم أره يوما فى صلاة الجمعة بالمسجد رغم أنه كان يؤكد لى أنه لا يترك الصلاة أبدا، إلا أنه يصلى صلواته بالبيت، وإن كنت سمعت من طالب سورى آخر أنه نُصَيْرِىٌ، وليس مسلما. وكان هذا الزميل من الفخورين دائما بالدكتور ... المضيف، ويراه مفكرا وكاتبا كبيرا، أما أنا فقد اكتشفت منذ البداية، ثم تأكد لى فيما بعد، أنه سطحى لا يفهم النصوص ويدخل على موضوعه بآراء وأفكار مسبقة لا يستطيع أن يقدم برهانا على شىء منها سوى الرطانات الطنانة والمصطلحات الغامضة التى لا تعنى شيئا. ويمكن القراء أن يجدوا، فى كتابى: "المرايا المشوهة" بالفصل الثانى، شيئا من رأيى فى د. ... وما يسطِّره.

وفى الفصل الدراسى التالى من العام الأول لى بأكسفورد التحقتُ بمدرسة "فرذر إيديوكيشن كولدج" بغية مزيد من تعلم اللغة الإنجليزية، ودخلت مباشرة مستوى "الفرست سرتفيكيت"، وهو المستوى الذى لا يصل إليه المتعلم إلا بعد ثلاث سنوات. وحصلت فى الامتحان على تقدير "A"، أى "ممتاز"، لأنتقل بعد ذلك إلى مستوى "البروفشيانسى"، الذى لم أقض فيه سوى فصل دراسى واحد من ثلاثة فصول، وحصلت فى امتحانه أيضا على تقدير "ممتاز". وكان معى طلاب عرب يدرسون الإنجليزية طول عمرهم، وبعضهم كان يدرس بالجامعة الأمريكية فى بلده، وحصلوا على تقدير "C"، أى "جيد". وكانت زوجتى تتعلم على حسابى فى ذات المدرسة التى أتعلمبها. كما كان هناك مدرس يأتى لتعليمها فى البيت بعد توقفها عن الذهاب إلى المدرسة المذكورة عقب إنجابنا يمنى، وكان يسهر معنا ونقدم له العشاء تعبيرا عن شعورنا بجميله، إذ كان يتقاضى "شوية بنسات" فى الحصة التى كانت تمتد لساعتين. وكان مستر نايجل نايت رجلا هينا لينا لطيف الحضور. وكان يتمتع بصبر أيوب، ويصحح لى كذلك ما أكتبه من فصول الرسالة، فكان ينبهنى عادة إلى غلطة أو اثنتين فى الصفحة الفولسكاب. وأحسب أن الأمر على هذا النحو معقول جدا.

وقد ساعدنى على التفوق فى امتحانات اللغة الإنجليزية كثرة ما قرأته من كتب فى تعليم اللغة الإنجليزية حتى إننى أحصيتها فوجدتها تبلغ الخمسة والثلاثين. وكنت كلما انتهيت من كتاب انتقلت إلى كتاب أعلى... وهكذا. وبطبيعة الحال كانت هناك صعوبات ناشئة من اختلاف اللغتين ونظاميهما. فمثلا كنت إذا أردت أن أقول إننى كنت ألعب الكرة فى صغرى كل يوم عصرا أستخدم الماضى المستمر، فأقول: "I was playing"، فتصحح لى المدرسة الكلام إلى "I played". فأستغرب ولا أفهم السبب فى تصحيحها لما كتبتُه. ذلك أننا فى اللغة العربية نستخدم الماضى المستمر للتعبير عن هذا المعنى أيضا إلى جانب التعبير عن وقوع حدث فى الماضى فى الوقت الذى يقع فيه حادث آخر. وهو نفسه ما يفعله الفرنسيون فى لغتهم. وظللت فى حيرة من الأمر إلى أن تنبهت فى نوبة من نوبات الإلهام التى تحدث عادة على حين بغتة إلى أن اللغة الإنجليزية لا تستعمل الماضى المستمر إلا فى الحالة الثانية، كما أنها لا تستعمل الماضى البسيط للتعبير فقط عن وقوع حدث فى الماضى مرة واحدة، بل عن وقوعه باطراد بوصفه عادة من العادات أيضا، وهو ما يستعملون له كذلك التركيب التالى: "I used to play…".

ومن الأخطاء التى نبهنى فى البداية إليها الأستاذ المشرف علىَّ، وهو د. مصطفى بدوى أستاذ الأدب الإنجليزى فى جامعة الإسكندرية سابقا، عدم تفرقتى بين "foreword" و"forward"، وتصورى أنهما كلمة واحدة هى الأخيرة. ومع هذا فلو سئلت عن مدى رضاى عن المستوى الذى أحرزته فى تلك اللغة بعد كل هذا التعب فى تعلمها أقول بملء فمى: لست راضيا عن نفسى. ولكن لا بد أن أضيف أيضا أننى لو كُتِبَ لى أن أبقى فى بريطانيا واشتغلت فى إحدى جامعاتها مثلا لوصلت فيها، فيما أتصور، إلى نفس مستواى فى اللغة العربية بغض النظر عن أن مستواى فى لغتى مرتفع أو لا.

وقد اخترت فى البداية أن يكون موضوع أطروحتى هو القصّاص عبد الحميد جودة السحار، ومضيت فيه نحو سنتين، إلا أن كليتى فى مصر اعترضت على هذا الموضوع قائلة إنها لا تريد أن أمارس بل أدرس النقد القصصى، فأخبرت المشرف بأننى أريد تغيير الموضوع وصارحته بوجهة نظر الكلية، فكان رأيه أنى إذا ما أردت الاستمرار فى موضوعى الأصلى فسوف يقف إلى جانبى، إلا أننى رددت بأن كليتى هى التى تنفق على بعثتى، ومن ثم ينبغى تنفيذ ما تريد على طريقة "اربط الحمار فى المكان الذى يريده صاحبه"، وأن الأفضل المسارعة إلى تغيير الموضوع خشية من إصرارها على موقفها وتضييع الوقت من ثم سدى. وغيرت الموضوع بعد أن كان قد مر عامان ونصف من مدة بعثتى، لأكتشف أن الموضوع الذى اخترته قد حصل فيه قبل قليل باحث من مصر على درجة الدكتورية، فأرسلت أطلب من أحد أصدقائى فى مصر أن يوافينى بدراسته، التى كان قد أصدرها كتابا.

والحق أننى ما إن انتهيت من قراءتها حتى شعرت بما يشبه الإحباط، إذ أحسست أنه قد سد علىَّ الطريق والباب والشباك، ومواسير الصرف الصحى وبلاعاته أيضا. وكانت ليلة ليلاء، لكن ما إن بزغ نور الصباح حتى قالت ثقتى بنفسى كلمتها، وشعرتُ أننى "قادر ونصف" على أن أتعامل مع الموضوع وكأن أحدا لم يكتب فيه من قبل. وبالفعل وضعت خطة، واعتمدت منهجا، واخترت نقاط ارتكاز كانت ثمرتها دراسة مختلفة إلى حد بعيد عن دراسة زميلى، وكأننا نكتب فى موضوعين مختلفين. فالحمد لله. وقد استغرقت رسالتى حوالى ثلاثمائة وستين صفحة. وفى الشهرين اللذين بقيتهما فى بريطانيا عقب نجاحى فى مناقشة الرسالة فى أواخر يوليه 1982م قمت بترجمتها إلى العربية، وأعطيتها عنوان "نقد القصة فى مصر من بداياته حتى 1980م".

وكنت قد قرأت للدكتور مصطفى بدوى كتابا عن الشاعر والناقد الإنجليزى كوليردج قبل أن أسافر إلى أكسفورد، وإن لم أكن أعرف وقتئذ أنه يشتغل فى جامعتها، بل كنت أحسب أنه يعمل فى مصر. فلما علمت أنه مشرفى سررت. ولا شك أننى قد أفدت منه كثيرا: الانضباط فى العمل، فهو يطلب منى مقابلته كل أسبوعين تقريبا ليتابع نشاطى ويرى مدى تقدمى فى عملى ويراجع معى ما كتبته من رسالتى وما إلى ذلك. وهو يكتب ملاحظاته بدقة واهتمام، ويقف معى عند الدقائق يناقشنى فيها ويبدى رأيه بخصوصها. ومن ذلك مثلا أننى، قبل أن أغير موضوع الرسالة كما سبق أن شرحت آنفا، كنت أتناول ما قاله السحار فى بعض قصصه من أن بطلها قد انفصل عن زوجته، فترجمت العبارة إلى "He divorced her". إلا أن الأستاذ المشرف اعترض على ذلك قائلا إنه لم يطلقها بل انفصل عنها. فقلت له: وما الفرق؟ قال إن من الممكن انفصال الرجل عن زوجته دون أن يطلقها. قلت له: لكن هذا إنما يقع فى أوربا، أما عندنا فالانفصال يعنى الطلاق، وهو ما يرشحه السياق ويقصده السحار فيما هو واضحٌ بَيِّنٌ. لكنه أصر على تفسيره. ومع أننى لم أقتنع وقتها بما قال فلا شك أن الدقة تقتضى أن يلتزم المترجم بما جاء فى النص.

وبالرغم مما كان يبرز على السطح من اختلاف بيننا فى وجهات النظر تجاه الإسلام والحضارة الغربية لم تصل الأمور إلى درجة الصدام، بل كان كل منا يكتفى بإبداء رأيه فقط دون المسارعة إلى التصعيد. فمن ذلك مثلا أننا كنا، فى بداية التحاقى بجامعة أكسفورد، فى وسط المدينة ليلا ذاهبَيْن فيما أظن إلى أحد اللقاءات الجامعية، ولا أدرى السبب فى أن اتجه الحديث إلى ما يتهم المستشرقون به الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب الجهاد، فقلت ما معناه: هل كان الغربيون يريدون للرسول أن يقتله المشركون كما يعتقدون هم أنه قد حدث مع السيد المسيح كى يفركوا أيديهم عندئذ حبورا وسرورا؟ فكان رده: إن الأمر متوقف على ما نريده من النبوة: هل نريد صاحبها رجل حرب؟ أم هل نريده رجل سلام؟ ولا أظن إلا أن مقصده من الرد جَلِىٌّ تماما. ثم وجدته يشرب الخمر ويأكل الخنزير، ويباهى بالحضارة الغربية مباهاة شديدة، وألحظ عليه ضيقا خفيا إذا لم أرافئه على ما يقول مع أننى، علم الله، لا أنكر ما تتفوق فيه تلك الحضارة على الأوضاع البائسة فى بلادنا. لكنى إنما كنت أعارض ما أشعر به من أن الأمر ليس أمر مقارنة بين البلاد العربية حاليا وبين الدول الأوربية، بل بين الحضارة الغربية والإسلام نفسه، وبخاصة أن موقفه النافر من الإسلام واضح كما كنت ألاحظ دوما.

كما كان من رأيه أن اللغة العربية يناسبها الصوت العالى على عكس الإنجليزية، وأنه قد تنبه إلى هذا حين كان مبتعثا إلى بريطانيا ورأى زملاءه المصريين هناك يرفعون أصواتهم كلما تحدثوا بلغتهم، على عكس ما كانوا يفعلون حين يتكلمون الإنجليزية، إذ تنخفض أصواتهم تلقائيا. وقد استغربت هذا التفسير العجيب الذى لا يدخل العقل. ورأيى أنا العبد الغلبان أن الطلاب المصريين، حين يتكلمون العربية فى بريطانيا، يعلمون تماما أن أحدا ممن حولهم من الإنجليز لا يعرف تلك اللغة، فكانوا دون أن يشعروا يرفعون أصواتهم على طريقة المصريين عموما، اطمئنانا إلى أن أحدا لن يفهم ما يقولون، بخلاف ما لو كانوا يستعملون الإنجليزية، التى يعرفها الناس جميعا من حولهم.

ثم إن أهل الخليج، فيما لاحظت، أخفض صوتا منا نحن المصريين مع أنهم، بالله وتالله ووالله وتَرَبِّ الكعبة وتالرحمن ولَعَمْرِى وبكل ألوان القسم الأخرى، يتحدثون العربية مثلنا، بل إنهم هم الذين اخترعوا العربية وسجلوها باسمهم فى الشهر العقارى. لقد كنت مثلا ألاحظ، وأنا واقف أنتظر دورى على صندوق الهاتف العمومى فى الطائف، أن الشاب الذى يتحدث أمامى مباشرة يتحدث بصوت جد خفيض حتى إننى أنا الذى أكاد ألتصق بقفاه لا أسمع مما يقول شيئا. وكنت أتساءل: كيف للفتاة التى على طرف الهاتف الآخر (إذ كان من الواضح أن المكالمة غرامية) أن تسمعه؟ على أن انخفاض صوت أولئك الناس ليس خاصا بالحديث الهاتفى فى الشارع، بل يشمل كلامهم داخل قاعات المحاضرة حين يكونون بانتظار الأستاذ الدكتور، على العكس مما نراه ونسمعه فى قاعات المحاضرات فى الجامعات المصرية، إذ يخيل لى وأنا داخل القاعة أننى أمام عشة فراخ. وفى قطر كان الأمر أكثر هدوءا بطريقة تثير استغرابنا نحن المصريين. بل كثيرا ما دخلت على البنات هناك فأجدهن صامتات لا تحدث إحداهن الأخرى، وهو ما كنت أعلق عليه مداعبا بل متهكما، فيضحكن. فما رأى أستاذى د. مصطفى بدوى؟ وأذكر أننى قد أشرت إلى رأيه هذا وعقبت عليه تعقيبا سريعا فى أحد كتبى.

زد على ذلك أن إحدى بناته كانت تلبس فى عنقها الصليب. وذات مرة كان هو وأسرته ضيوفا عندنا، وكنا نتناول الطعام، فجاءت سيرة رمضان فأشرتُ إلى أن الصيام يدور مع دروان الفصول الأربعة: فمرة يأتى فى الصيف، ومرة يأتى فى الخريف، ومرة يأتى فى الشتاء، ومرة يأتى فى الربيع، فما كان من بنته ذات الصليب إلا أن علقت قائلة: "That is awful". وهو رد غبى لا معنى له، إذ لا أستطيع ولا يستطيع أى عاقل أن يعرف لماذا ينبغى أن يكون هذا التنوع الزمنى فى الصوم "awful"، فعقبت قائلا إن المقصود بهذا هو أن يَخْبُر المسلمون الصيام فى كل الظروف والأحوال. وأمن أبوها على كلامى، من باب المجاملة على ما لاحظت. وهنا أود أن أوضح أن ذلك النوع من الزيارات كان يتم بطريقة شبه دورية، فكان هو يستضيف طلابه مرة فى العام، فتقدم زوجته الهولندية لنا طعاما لطيفا وترحب بنا ترحيبا دافئا، ونعزمه نحن بدورنا فى بيوتنا هو وأسرته. وكان هو يقيم فى قرية قريبة من أكسفورد فى بيت يعود تاريخ بنائه إلى فترة زمنية بعيدة نسبيا، وكان منخفض سقف البهو، وفى السقف مسمار حَدَّادِىّ يعتز به لأنه من الأدلة على عراقته. وقد شرح لنا مرة أن أحد ضيوفه قد انتقد وجود هذا المسمار غير واع بأهميته التاريخية، وهو ما ضايقه مضايقة شديدة. فضحكت فى سرى من ضيقه ومسماره وقلت فى نفسى: ولا مسمار جحا فى زمانه. ولم أقل له بطبيعة الحال شيئا من هذا كيلا أزيده ضيقا.

وقد لاحظت أن بعض طلابه من العرب كانوا ينادونه فى الحفلات بـ"مصطفى" حافيا على الطريقة الإنجليزية، لكنى كنت حريصا على استعمال لقب "الدكتور" معه وعنه دائما جريا على التقاليد الإسلامية التى تحترم الكبير حتى لو كان ذلك فى حديثى مع زوجتى. يمكنكم أن تقولوا إننى أحبكها دون داع، لكن هذا لا يحرك فىَّ شعرة من الضيق، فهو فى أى الأحوال د. مصطفى بدوى، وليس مصطفى. هكذا تعلمنا الاحترام من أهلنا ومن ديننا مهما كان الاختلاف بيننا وبين الآخرين. وإذا كنت الآن لا أذكر فى العادة اسم أى من المعيدين الصغار إلا مشفوعا بلقب الأستاذ أو الآنسة أو الأستاذة، فمابا لكم إذا ذكرت أستاذى الذى أشرف علىَّ وأرشدنى طوال ست سنوات وتعلمت منه الكثير؟ ومن أقوال الحكماء: "عامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك به". بل إننى قد دافعت عنه مرة ضد ما عابه به أحد تلاميذه البريطانيين الصغار من أن إنجليزيته ليست كاملة، بل تظهر فيها آثار اللغة العربية، وعددت هذا لونا من العنصرية الإنجليزية. ولو كنت أُخَلِّى لمشاعرى الشخصية العِنَان لتركت الشاب البريطانى يقول فيه ما يريد دون أن أتدخل، بل لساعدته ضده. وعلى المستوى الشخصى كنت ألاحظ أن رائحته طيبة، ولم أشم ما ينفّرنى منه قط، كما كان دائما مهندما، وهى حسنة لا بد من ذكرها هنا.

وبالمثل كنت واعيا بأنه لا يحاول التدخل فى آرائى العلمية. كما كان يكرر أننى أَفْضَل منه درايةً بالموضوع الذى أدرسه، لأن هذا هو تخصصى، أما هو فوظيفته توجيهى منهجيا وعلميا ليس غير. وهذا أيضا معنى جميل وقيمة عظيمة لا يمنعنى ما كان ينشأ بيننا من اختلاف من ذكرها والإشادة بها. إلا أننى لا ينبغى أن أغفل ما وقع منه تجاهى من تقصير بل من إساءة حين لم يسند إلىَّ إلقاء محاضرة علمية فى إحدى ندوات الجامعة على نحو ما فعل مع بعض زملائى رغم أن لغتى كانت أفضل من لغتهم، على الأقل: بمقياس امتحانَىِ "الفرست سرتفيكيت" و"البروفشيانسى" كما سبقت الإشارة. ولا شك أن هذا مما يُؤْخَذ عليه دون مراء، وإن لم يخلّف الأمر فى نفسى أثرا كبيرا، وكل ما أردته من ذكره هنا هو تكملة الصورة ليس إلا.

كما آخذ عليه أننى، حين طلبت منى الجامعة أن أترك السكن الطلابى الخاص بالمتزوجين وأبحث لى عن سكن آخر فى السنة النهائية لى بالبعثة بما يعنيه هذا من اضطراب حياتى فى وقت أنا أحوج ما أكون فيه إلى السكينة حتى أشطِّب رسالتى فى سلام وصفاء ذهن، قد لجأت إليه كى يكلم الجامعة فى تركى بالسكن الجامعى الشهور الباقية لى أسوة على الأقل بالزميل المصرى النصرانى الذى تركوه للسنة السادسة فى ذلك المسكن، لم يهتم بل كان إِلْبًا علىَّ مع الجامعة، وهو ما استدعى بحثى عن مسكن فى أكسفورد ثم لما لم أجد بغيتى منه فى تلك المدينة وقراها مددت البحث إلى لندن حيث استقررت هناك السنة الأخيرة لى ببريطانيا فى بيت لرجل هندى مسلم بشرق العاصمة البريطانية.

ورغم ذلك كانت السنة الأخيرة لى ولأسرتى بالبعثة أكثر بهجة لأنى انتقلت فيها من أكسفورد الصغيرة الضيقة المجال إلى لندن الواسعة الهائلة التى تضم، فيما تضم، السفارة المصرية والمكتب الثقافى واتحاد الطلاب وهايد بارك والمسجد الكبير، والحافلة التى تقلنى من شرق لندن حيث كنا نسكن إلى وسط البلد فى ساعة كنت أهتبل فرصتها فى القراءة أحيانا والتمتع أحيانا أخرى بالنظر إلى الشارع الممتلئ حيوية وحركة من الطابق الثانى فى أوتوبيسات لندن المعروفة. ولتكميل الصورة أكثر قد ينبغى أن أقول إن أحد طلابى ممن صاروا زملاء لى فيما بعد قد حكى لى أنه لما ذهب يزور أكسفورد أيام كان فى مهمة علمية فى تسعينات القرن الماضى قابل د. بدوى وجاء ذكرى على لسانه، فلاحظ على وجه مشرفى القديم عدم ارتياح وأنه لا يحب أن يمضى فى الكلام معه عنى. هذا ما قاله التلميذ الزميل، والعهدة عليه. وقد حاولت هنا أن أرسم صورة له ولعلاقتى به محايدة على قدر ما أستطيع، ولعلى لم أظلم الواقع، أو لعلى لم أظلمه كثيرا.

كما وقعت بينى وبين مشرفى موقعة عنيفة ذات ضحى فى مكتبه بعد أن انصرم من زمن البعثة أكثر من نصفها، إذ كنت فى إحدى مقابلاتى الدورية معه، ونشأ بيننا نقاش فى موضوع من الموضوعات اختلفنا فيه، فظن هو أننى على غير الحق، وثار ما كان مستكنا وراسبا فى نفسه منذ وقت طويل، فقال ما معناه أننى بما أفعل إنما أضع نفسى فى وجه المدفع. يقصد أننى بهذا أضيع على نفسى الفرصة فى العودة إلى بلادى بالدرجة العلمية التى ابْتُعِثْتُ من أجلها. فقلت له: لا مدفع ولا حاجة. ليس هناك سوى واحد فقط بيده قرار حصولى على الدكتوراه أو لا هو هذا الذى فوق. وأشرت إلى الأعلى ناحية سقف المكتب، قاصدا الله سبحانه وتعالى. فقال: هذا مجرد كلام تقوله. يقصد أننى أهوِّش أو لا أدرى أبعاد ما أتلفظ به. فعدت أؤكد كلامى قائلا: إننى لا أبالى حصلت على الدكتوراه أو لا، وأنا على استعداد لأن أشتغل تاجرا فى قريتى فى الدكان الذى تركه أبى، والذى ينتظر أن نفتحه منذ عقود. فبدا عليه الاستغراب الشديد من الجنون الذى اعترانى طبقا لما يراه منى. ثم عاد يقول: يمكنك أن تكمل دراستك فى جامعة إكستر مع شعبان بدلا منى. يقصد د. محمد عبد الحى شعبان، الذى سوف أقول كلمة عنه بعد قليل. فقلت له ما معناه: لا شعبان ولا رمضان. دولتى أرسلتنى إلى أكسفورد، فإما أن أحصل منها على الدكتورية وإما أن أرجع بدون شهادة. فقال: خلاص. تسمع الكلام. قلت: أنت أول من يعرف أننى أشتغل بكل جدية. فبدا عليه الارتياح لجنوح الكلام إلى المسالمة بعد العاصفة التى لم يكن يتوقعها منى فيما هو واضح. واعتدل ميزان الأمر بيننا واستقام منذ ذلك اللقاء البركانى، فلم تحدث خلافات أو مشاكل حتى انتهيت أول واحد بين طلابه من الدكتوراه. وكان هو أول المهنئين لى حين نزلت من الطابق الثانى حيث الغرفة الصغيرة التى قضينا فيها أنا والمناقشان وحدنا دون أى جمهور أكثر من ساعتين انتهتا بأنْ بشرانى أنهما سوف يوصيان بمنحى درجة الدكتورية، وقدم لى عصير برتقال مرتين، أما هو فصب لنفسه بعض الخمر من زجاجة جميلة.

وأحب أن أوضح أن د. بدوى قد أحضرنى قبل اختيار المناقِشَيْن ليسألنى هل هناك اعتراض لى على أى منهما، موضحا أن لوائح الجامعة تقتضيه أن يسألنى هذا السؤال حتى إذا كان هناك من أعترض عليه منهما اسْتُبْعِد من المشاركة فى المناقشة، وإن لم يكن لى الحق مع هذا فى اختيار أى من المناقشين. فأجبته بأنه لا فرق لدىَّ بين مناقش وآخر، وليس لى أى اعتراض على أحد. ولا ريب أن هذا تقليد عظيم، على أقل تقدير: من حيث المبدأ، وإن كان البشر قادرين على تفريغ أى مبدإ جليل من مضمونه لو شاؤوا. إلا أننى فى ذات الوقت أرى أن الإنجليز بوجه عام أذكى من أن ينزلوا إلى هذا المستوى الخائب رغم أنهم بشر كبقية البشر فى نهاية المطاف. لكنهم يتسمون بالنزعة العملية، وهذه النزعة توجب عليهم ألا يفسدوا على أنفسهم ما تتمتع به جامعاتهم من سمعة طيبة بما يعنيه هذا من انصراف الطلاب الأجانب مع الأيام عنها إلى جامعات الدول الأخرى.

أما شعبان فهو د. محمد عبد الحى شعبان، ولم أكن سمعت به من قبل. وحين رفضت أن أحول الإشراف إليه طبقا لعرض د. بدوى إنما كنت أبين له أننى لا أبالى بما يهددنى به من طَرْفِ خفىٍّ ولا أقبل أى حل والسلام، بل أحرص على حقى كاملا مهما كانت النتائج. ثم مرت الأيام، وانتهيت من كتابة رسالتى، فقابلت فى لندن زميلى عبد الحميد شيحة، الذى تطرق الحديث بينى وبينه إلى د. شعبان، لا أدرى كيف ولا لماذا، فألفيته يقول إنه يزعم فى كتبه أن النبى عليه السلام كان قاطع طريق... أو شيئا بهذا المعنى. ثم مرت الأيام مرة أخرى وعدت إلى أرض الوطن حيث قضيت نحو خمسة أعوام وزيادة لأسافر فى إعارة إلى كلية التربية بالطائف. وذات ضحى كنت أبحث فى مكتبة الكلية عن رواية والتر سكوت: "The Talisman"، التى يتحدث فيها عن صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد، فلم أجدها، ولكن وجدت اسم د. شعبان، الذى يبدأ لقبه بحرف "S"، يأتى بعد لقب سكوت فى بطاقات المكتبة. وهنا نظرت فوجدت كتابا له بعنوان "Islamic History"، فقام فى نفسى أننى سوف أعثر فيه على ما قاله فى حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبالفعل وجدت ذلك فى أول فصل من فصول الكتاب حيث قرأت أن النبى لم يكن فى نظر د. شعبان إلا تاجرا يسير على خطا جده قُصَىّ وأنه إذا كان الأمر قد انتهى بإعلان النبوة وانتشار الإسلام فهذا مما لم يكن يدور له فى بال... إلى آخر هذه الأنغام الشاذة التى يبرع فى عزفها عتاة المستشرقين والمبشرين. وأنكى من ذلك أن الرجل لم يكلف نفسه الرجوع إلى أى مرجع عربى تقريبا. بل إن مراجعه الإنجليزية ذاتها كانت قليلة جدا، وتنحصر فى بعض المسائل الفرعية المكتوبة من وجهة نظر يسارية. زد على ذلك إهداءه الكتاب إلى وزير البترول السعودى، والمعنى فى بطن المؤلف. وقد أثارت هذه الأمور كلها استيائى ودفعتنى إلى ترجمة الفصل المذكور متبعا إياه بدراسته تبلغ ستة أضعافه حجما نعيتُ فيها انهيار المنهج العلمى على يدى المؤلف الشارد المسكين، ثم أخرجت ذلك بعد عودتى من السعودية إلى مصر فى كتاب بعنوان "ثورة الإسلام- أستاذ جامعى يزعم أن محمدا لم يكن إلا تاجرا: ترجمة وتفنيد". ثم علمت بالمصادفة من المرحوم د. مصطفى الشكعة أن د. شعبان كان يَدْرُس فى أمريكا أيام كان هو مستشارا ثقافيا لمصر هناك، وأنه كان يشرب الخمر وما إلى هذا، وإن كان قد أضاف أنه قد عاد فى أخريات حياته إلى مصر ورجع يصلى. وقد فهم د. الشكعة هذا المعنى الأخير من إشارة إلى صلاة الجمعة وردت على لسان الرجل فى اتصال هاتفى بينهما، مما استنتج منه أن الرجل صار يصلى. وكان د.شعبان قد مات قبل حديثى عنه مع الأستاذ الدكتور. وما دمنا قد بدأنا بولتر سكوت أحب أن أقول للقارئ إننى قد عثرت فى الدوحة على روايته التى كنت أبحث عنها فى الطائف، وقرأتها فألفيتها مملة ثقيلة الأسلوب طويلة الجمل على نحو مرهق. كما وجدت فيها سذاجةً ذكرتنى بسذاجة الروايات التاريخية التى ألفها جرجى زيدان وجرى فيها على طريقة سكوت.

وكنت فى بداية إقامتى فى بريطانيا قد ركزت اهتمامى على اللغة الإنجليزية وتعلمها وإتقانها، وأهملت دون قصد منى اللغة الفرنسية التى كانت تمثل لغتى الأجنبية الأولى فى مصر، إلى الدرجة التى كربتُ فيها أن أنساها، وظننتُ أننى لن أستفيد منها بعد ذلك أبدا. بيد أن الله الرحيم قد بث فى قلبى التحمس لها من جديد، وصعب على نفسى أن أفقد لغة كنت أعرفها وكنت حريا لو اهتممت بها قليلا أن أستخدمها فى قراءة المصادر والمراجع، فأقبلت عليها كرة أخرى ودرستها من البدايات الأولى كأننى أتعلمها من جديد، مستفيدا من تجربتى فى تعلم لغة جون بل، مما أثمر معرفة بها أفضل وأعمق. وقد أفدت، إلى جانب ذلك، من أن اللغتين تشتركان فى كثير من الألفاظ مع اختلاف النطق هنا عنه هناك، واختلاف شيات المعنى أيضا فى بعض الأحيان، إلى جانب أن بين اللسانين تعبيرات كثيرة مشتركة تبعا لتقارب الثقافتين وتمازج تاريخ البلدين وتقاربهما جغرافيا، إذ لا يفصل بينهما إلا بحر المانش. وقد انتهيت إلى أنْ صار من السهل علىَّ القراءة بالفرنسية، التى طالعت بها كثيرا من الكتب والدراسات والمقالات مما لم أطالع عشر معشاره من قبل ولا كان فهمى له بنفس الاتساع والعمق. وهو ما أحمد الله عليه كثيرا، فلا ريب أن هذه نعمة جزيلة.

وقد كنت، وأنا أدرس الإنجليزية بالذات، واعيا بوجوه التشابه والتخالف بينها وبين لغة الضاد فى النطق والإعراب والصرف والنحو والصور البلاغية وما إلى هذا، مما كان عونا كبيرا لى حينما فكرت فى وضع كتاب فى الترجمة بعد عودتى بقليل من بريطانيا، إذ ألفت كتابا بعنوان "الترجمة من الإنجليزية- منهج جديد" قسمته قسمين: الأول عبارة عن مقارنة نظرية بين اللغتين، وضحت فيه الفروق بينهما فى بناء الجملة والأزمنة وبعض التراكيب كأسلوب الشرط، إذ لاحظت أن كثيرا من الكتاب المتسرعين غير المتعمقين يزعمون أن العربية لا تعرف ما تعرفه الإنجليزية من أزمنة كثيرة كالماضى البعيد والمستقبل البعيد مثلا، فبينت أن لغتنا تعرف ذلك كما تعرفه الإنجليزية، وربما أفضل، لكنْ لكونها لا تخصص لذلك الموضوع بابا خاصا من أبواب النحو ظن المتسرعون السطحيون أنها متخلفة عن لغة جون بل فى ذلك. إنها مثلا تعرف باب "كان وأخواتها"، وهو باب لا تعرفه الإنجليزية. ولو كنا بارعين فى تسويق أنفسنا وثقافتنا لملأنا الدنيا ضجيجا بأن الإنجليزية لاتعرف فى نحوها هذا الباب، الذى لو وقفنا منه لدن "كان" وحدها وتنبهنا إلى أن مجىء خبرها مضارعا يعطينا على الفور زمن الماضى المستمر، كما هو الحال فى قولنا:"كان محمد يلعب (عندما حضر أبوه من السفر)"، وهو نفسه ما نستخدمه للدلالة على اطراد عمل ما أو تعودنا عمله فى الماضى (كان سعيد يذهب دائما إلى الكتاب فى طفولته بعد عودته من المدرسة)، مما تستخدم له الإنجليزية نفس زمن الماضى البسيط (Saeed went to…). أما إذا جاء خبر "كان" فعلا ماضيا فإن هذا يعطينا الماضى البعيد: "كان أحمد (قد) عاد من طنطا حين سأل أبوه عنه"... وهكذا.أما أساليب الشرط فيمكن الإشارة إليها على وجه السرعة كالآتى: "إذا استذكرت نجحت"، "إن تستذكر تنجح"، "لو كنت (قد) استذكرت" لنجحت". وطبعا هناك تفاصيل أكثر من هذا لا تعرفها الإنجليزية.

أما الدعوى السخيفة بخلو العربية من "الأدفرب" فيُخْرِس صوتَ زاعميها إشارتُنا إلى اشتمال النحو العربى على أبواب ظرف الزمان، وظرف المكان، والحال، والتمييز، والمفعول المطلق، والمفعول لأجله، وهو ما يقابل الأدفرب فى الإنجليزية والفرنسية. وواضح أن العربية هنا أغنى كثيرا منهاتين اللغتين. ورغم ذلك تجد فى أصحاب ذَيْنِك اللسانين استطالة زائفة علينا وعلى نحونا ولغتنا. ولهم كل الحق، فنحن نعانى منذ وقت طويل من أزمة ثقة بالنفس، وإن شاء الله نسترجع تلك الثقة المفقودة مع استرجاعنا مستوانا الحضارى القديم العالى. لكن متى؟ هذا ما احتارت البريَّة فيه! ومن ناحيتى فإنى أفكر فى وضع نحو للغة العربية آخُذُ فيه هذه الاعتبارات فى الذهن عند تأليفه. فهل أنشط لذلك يوما قريبا؟ دعواتكم لى من فضلكم. وبالمناسبة فكثيرا ما أقول هذا وغيره للطلاب والطالبات الغانيات الذين تأتى منهم كل عام مجموعة ليتعلموا اللغة والثقافة العربية، وأجد لذة كبرى فى التدريس لهم مع بعض زملائى من القسم وخطاطٍ من خارج الجامعة يعلمهم تحسين الخط مما لم يعد له مكان فى النظام التعليمى الآن، فكانت ثمرته المرة أن معظم الطلاب حاليا يكتبون بخطوط شائهة قبيحة قميئة لا تكاد تُقْرَأ فى كثير من الأحيان.

وقد طالعت فى أكسفورد ولندن كثيرا جدا من الكتب العربية والإنجليزية والفرنسية فى تخصصى وفى السياسة والتاريخ والإسلام واليهودية والنصرانية، وكذلك فى الأدب والنقد الإنجليزى والأوربى. وكانت مكتبة مركز دراسات الشرق الأوسط ومكتبة معهد الدراسات الشرقية والإفريقية ومكتبة بريزنوز كولدج بأكسفورد، ومكتبة مدرسة السِّيوَاس بجامعة لندن، ومكتبة أحد المساجد التى كنت أصلى فيها الجمعة بشرق العاصمة البريطانية حيث كنت أسكن فى السنة الأخيرة لى ببريطانيا، إلى جانب مكتبة الحى الذى كنت أسكنه بشرق لندن ومكتبى الخاصة، هى المصادر التى أحصل منها على ما أقرؤه من كتب. وقد اشتريت آلافا من الكتب ملأت أكثر من عشرين صندوقا من صناديق الشاى الأبلكاش شحنتها إلى الإسكندرية وتسلم معظمها أخى، والباقى أحضرته معى. وقد تعلمت أن أحصل على الكتاب بأرخص الأسعار، فكنت أشترى الكتب المستعملة عادة. وكنت أبحث على الرفوف على أرخص نسخة من الكتاب المستعمل المراد شراؤه، إذ كثيرا ما يكون هناك تفاوت هائل فى السعر بين نسخة وأخرى. كما حصلت على كثير من الكتب الجديدة فى التخفيضات السنوية التى تطرحها مكتبة بلاك وِلْ فى أكسفورد. وبعض الكتب اشتريتها من لندن وغيرها من المدن البريطانية. وبعضها اشتريته من بروكسل أو من باريس. وكثير من الكتب ابتعتها وأنا مارٌّ بإحدى المكتبات عَرَضًا فى هذه المدينة أو تلك كما هو الحال مثلا حين كنت أسير خارج سور حديقة هايد بارك عصر أحد الأيام، ففوجئت بمكتبة تعرض كالعادة بعض ما لديها من كتب على الرصيف، فنظرت فيها، فإذا بى أمام كتاب برتراند راسل: "تاريخ الفلسفة الغربية"، فاشتريته بحالة شبه جديدة بثلاثة جنيهات إسترلينية أيام كان الجنيه المصرى محترما. يا بلاش!

ومرة أخرى كنت مع زميل مصرى لى فى لندن، حين كنت لا أزال أسكن أكسفورد، فاشتريت طبعة 1939م من الموسوعة البريطانية بعشرين جنيها. يا بلاشين! وفيها قرأت مادة "Pearls" حين أفزعنى ما فهمته خطأً من الآية الثانية عشرة من سورة "فاطر" التى تذكر أن الحلى موجودة فى البحار والأنهار كلتيهما، إذ ظننت كما يظن كثير جدا من الناس أنها لا تتوافر إلا فى المياه الملحة... إلى أن وقع نظرى، وأنا ضائق الصدر أشد الضيق فى غرفة مكتبى بالقاهرة، على الموسوعة المذكورة فألفيتها تذكر أن اللؤلؤ يتوافر فى الأنهار كما يتوافر فى البحار. ومن ثم فلو لم يكن لتلك الطبعة من فائدة سوى إمدادها لى بهذه المعلومة لكان هذا كفاء ما دفعته من ثمن فيها وزيادة. وقد وجدت نفس الليلة فى ترجمة القرآن للعالم الهندى الكبير عبد الله يوسف على ما يعزز ما تقوله الموسوعة البريطانية، فزادنى هذا ارتياحا على ارتياح. ثم وقع بعد ذلك فى يدى بطريق المصادفة المحضة كتاب "المنتخب فى تفسير القرآن الكريم"، وهو تفسير بسيط جدا يناسب القارئ المبتدئ فى ذلك المجال أصدره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لأجد فيه بهامش الآية المذكورة أن هناك أنهارا فى روسيا والأورال ووسط أوربا وإسكتلندا والبرازيل يوجد فيها اللؤلؤ والألماس والسيليكون والزيركون والياقوت والذهب، فأثبتُّ ذلك كله فى كتابى عن "مصدر القرآن". وهذا الهامش وأمثاله من صنع كبار المتخصصين فى العلوم الطبيعية فى مصر. وهو شىء يتميز به هذا التفسير الشديد البساطة، ولولاه ما كنت أقبلت عليه.

ولكى أزيدك من الشعر بيتا يا عزيزى القارئ أقول لك إننى اشتركت فى حلقة تلفازية على هامش أحد معارض الكتاب بأواسط تسعينات القرن الماضى مع د. زغلول النجار ود. مستجير عن الإعجازالعلمى فى القرآن الكريم، وكان من رأى الدكتور مستجير أن الكلام فى هذا الموضوع تعسف وتكلف، وأنه يكفينا فى تفسير الكتاب الكريم علوم اللغة والقرآن وما يجرى مجراها، فانبريت ألفت النظر إلى أن علماء التفسير الفطاحل المتبحرين فى اللغة والنحو وعلوم القرآن قد يخطئون فهم النص القرآنى، كما هو الحال مع الطبرى، الذى يعد بحقٍّ أبا المفسرين جميعا وعمهم وخالهم وجدهم أيضا، فقد فسر قوله تعالى فى الآية المذكورة: "وما يستوى البحران: هذا عذبٌ فراتٌ سائغ شرابه، وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ. ومن كلٍّ تأكلون لحما طريا وتسخرجون حِلْيَةً تلبسونها..." بما يفيد أن الحلى إنما تستخرج من البحر الملح فقط، وأن الكلام فى الآية إنما يقوم على التعميم، أى يذكر البحرين: الملح والعذب مع إرادة البحر الملح فقط، ناسيا بل متناسيا أن عبارة "من كلٍّ" لا يمكن أن تفيد التعميم بل لا بد أن يكون معناها هو أن الحلى تستخرج من كل من البحار الملحة ومن الأنهار العذبة. أما السبب الذى أوقعه فى تلك الغلطة البلقاء فهو أن معارف عصره لم تكن تعرف سوى ما قال، فكرره بقضه وقضيضه رغم أنف النحو واللغة. ولكننى استطعت أن أنجو من ذلك الخطإ الذى كنت أعتقد أنا أيضا صحته بالرجوع للكتب الحديثة التى لم تكن متوافرة له، رحمه الله، كالموسوعة البريطانية مثلا، التى لم أعد بحاجة إليها لاعتمادى الآن على آخر طبعة منها.

ومرة أخرى كنت أسير ذات ضُحًى صيفىٍّ فى شارع لندنى جميل ووجدت فى الكتب الموضوعة على رف صغير أمام إحدى المكتبات بالشارع كتابا هنديا بالإنجليزية ينتصر لبوذا فى مواجهة الرسول الكريم، فأخذت أقلب صفحاته التى لم تكن تتجاوز الخمسين وألممت بزبدته ثم تركته ومضيت فى طريقى وأنا أقول: حتى أنت يا هندى؟ لم يبق إلا بوذا تقارنه بالنبى وتنصره عليه؟ والحق أننى كلما تذكرت تلك الواقعة ندمت على أنى لم أشتر الكتاب. ومما ندمت كذلك على أننى لم أحاول أن أقتنى نسخة أو صورة منه كتاب"Muhammad and Learning"، وهو من تأليف المستشرق البريطانى ن. ستيفن. وكنت قد استعرته من مكتبة الحى بشرق لندن، وقرأته أو قرأت بعض فصوله، فلفت انتباهى تحمس كاتبه لما يحتوى عليه القرآن والحديث من نصوص تتعلق بالعلم والتعلم يراها عجيبة غاية العجب، إذ تفوَّق فيها الرسول على آخر ما توصلت إليه الحضارة الحديثة من مبادئ ومفاهيم.

فمثلا يقول إن أقصى ما بلغته المجتمعات الغربية فى عصرنا بعد كل ذلك التقدم الحضارى المذهل هو أن العلم قد صار حقا من حقوق الإنسان، فماذا قال محمد فى هذا الموضوع، محمد الأمى ابن المجتمع البدوى فى القرن السابع الميلادى أيام كانت الكنيسة تحرّم على أتباعها مجرد قراءة الكتاب المقدس؟ لقد قال إن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. فانظر إلى الفرق بين ما توصلت إليه البشرية بعده بأربعة عشر قرنا قطعتْ فيها ما قطعته من مراحل حضارية تدير الرؤوس كجعل العلم حقا للبشر بما يفيد أن من حق الإنسان الاهتمام بالتعلم أو إهمال هذا الحق تبعا لرغبته، وبين ما يقوله الإسلام من أن التعلم فريضة، وهو ما يعنى أنه لا بد لكل إنسان من أن يطلب العلم، وإلا حوسب حسابا عسيرا على إهماله تلك الفريضة، فضلا عن أن الإسلام لا يميز بين الرجل والمرأة فى هذا المضمار. وقد قرأت زوجتى هى أيضا بعضا من فصول ذلك الكتاب وترجمتْ، بإيعازٍ منى، فصلين ضاعا فى زحمة الاستعداد للعودة إلى مصر، وكانت قد اقتربت، فكان أن أرجعنا الكتاب إلى مكتبة الحى دون أن نفكر للأسف فى تصويره. يا مائة خسارة!

وكنت كتبت عن ذلك الموضوع فى كتابى: "الحضارة الإسلامية" السطور التالية: "ولقد قرأت فى لندن عام 1982م كتابا بعنوان "Muhammad and Learning" للبروفسير ن. ستيفن (Prof. N. Stephen) تحدث فيه بأسلوب مشدوه عن دور الرسول الكريم فى مجال التعليم، مستغربا أن يتنبه رجل مثله يعتزى إلى أمةٍ باديةٍ أُمِّيّةٍ تعيش فى القرن السابع الميلادى إلى هذا الجانب من جوانب الحياة وأن يكون له تلك الآراء التقدمية والمواقف المذهلة التى تعكسها آيات القرآن والأحاديث الشريفة، وبخاصة أن الأديان الأخرى كانت تضع التعلم تحت الرقابة وتجعله حكرا على الكهنة والطبقة الحاكمة ليس إلا، إن لم تعاقب على إفشاء العلم بين العامّة، فضلا عن إحراق الكتب، الذى يؤكد أنه سيظل إلى الأبد وصمة عار فى جبين من اجترحوه، وكذلك فى جبين الكنيسة لارتضائها ومباركتها هذا العمل المخزى، على عكس محمد، الذى دعا البشر جميعا على اختلاف طبقاتهم ومهنهم وظروفهم إلى السعى حثيثا فى طلب العلم رجالا ونساء من المهد إلى اللحد، بل أوجبه عليهم غير مكتفٍ بجعله حقا من حقوقهم يمكنهم أن يأخذوه أو يهملوه، وجَعَله بابا إلى الجنة، وساواه فى الفضل بالاستشهاد فى سبيل الله، بل فضّل العلماء على العبّاد المنعزلين عن تيار الحياة وميادين الجهاد بمثل ما يَفْضُل به البدرُ سائرَ الكواكب. وفى ضوء هذا يمكننا أن نقدر صنيع العقاد حق قدره حين أكد أن "التفكير فريضة إسلامية"، بل جعل هذه العبارة عنوانا لواحد من أهم كتبه فى مجال الدراسات الإسلامية. وإذا كنت نادما الآن على شىء فعلى أنى لم أصور الكتاب وأترجمه. لقد عَهِدْتُ إلى زوجتى أن تقوم بترجمته، ولم تكذّب خبرا فترجمتْ فصلين أو ثلاثة، لكنها توقفت، إذ كنا نستعد للعودة إلى مصر بعد حصولى على الدكتورية من جامعة أكسفورد أوانذاك، ثم ضاع ما كانت قد ترجمتْه لا أدرى أين، ولا كيف! إلا أن الله سبحانه قد وضع يدى، وأنا أكتب هذه السطور، على صفحاتٍ من ذلك الكتاب متاحةٍ فى كتاب آخر وجدته على المشباك عنوانه: "Glimpses from the Life of the Prophet Muhammad" لبعض العلماء البارزين (Eminent Scholars, Glimpses from the Life of the Prophet Muhammad, England, PP. 102- 112). فله سبحانه وتعالى الحمدُ والمنَّةُ كفاءَ هذه النعمة الجليلة".

وبالمثل لا ينبغى أن أتجاهل رسالة د. زكى مبارك التى حصل بها على درجة الدكتورية من السوربون، والتى طبعتها ونشرتها له إحدى المكتبات فى باريس، ووقع الكتاب فى يدى فى أكسفورد. لقد اكتفيت بفَرِّه آنئذ، لكنّ ما لاحظته من أنه أصغر حجما من الطبعة العربية لم يفارق بالى... إلى أن خطر لى سنة 1996م أن أقارن بين الطبعتين لأعرف سبب التفاوت الكبير فى الحجم بينهما. وكان علىَّ أولا تأمين نسخة من الأصل الفرنسى، فحللت تلك المشكلة بطريقة أرسين لوبين وحصلت على نسخة مصورة من الكتاب الموجود عند ابنته السيدة كريمة دون أن تعرف أنها لى، ولا أدرى الآن السبب فى أننى لم أشأ أن أطلعها على شىء من الموضوع أصلا رغم ما كان بيننا من معرفة سابقة. وقمت بالمقارنة المطلوبة فوجدت أن الطبعة العربية ليست ترجمة للأصل الفرنسى بل إعادة صياغة له فيها حذف، وتصحيح، وإعادة ترتيب، وإضافة فصول وفقرات جديدة.

وكان هذا كشفا جديدا على الساحة الأدبية، وإن لم يأخذ الأمر حظه من الذيوع والنقاش كما هو المعتاد فى مثل تلك الظروف، إذ كنت وما زلت لا أجيد تسويق نفسى. وقد ألقيت ما كتبته حول ذلك الموضوع فى مؤتمر عن زكى مبارك منذ سنين فى المجلس الأعلى للثقافة. كما نشر لى المجلس الأعلى للثقافة أيضا فى ذلك الوقت ترجمتى للرسالة الصغيرة التى كتبها زكى مبارك فى السوربون تمهيدا لرسالته المذكورة، وهى عن النثر فى القرن الثالث الهجرى. بقى أن أقول إن السيدة كريمة زكى مبارك بعد ذلك حين علمت بالأمر أعطتنى نسخة أصلية من الكتاب، فصار عندى نسختان منه: هذه النسخة الأصلية، والنسخة المصورة التى اعتمدت عليها فى المقارنة. وبالمناسبة فقد كان رأى د. مصطفى بدوى فى رسالة زكى مبارك أنها سيئة ولا يتوفر لها المنهج العلمى. وقد رددت بأنها رسالة رائعة أسلوبا وأفكارا وعرضا. صحيح أن زكى مبارك، فى الطبعة العربية، ينحو أحيانا نحو العنصر الشخصى، لكن لماذا ينبغى أن ندين أية رسالة فيها الطعم الشخصى ما دامت تجرى على قواعد البحث العلمى وتقدم الجديد؟ ثم كم من الكتّاب يتمتعون بما يتمتع به الدكاترة زكى مبارك من أسلوب قوى حار عجيب يغزو عقول القراء وقلوبهم غزوا لا طاقة لأحد بإيقافه؟ ولا شك أن هذا الاختلاف بينى وبين مشرفى فى الرأى كان هو وأمثاله وراء انفجار العاصفة التى مر الحديث عنها.

ومن الكتب التى اشتريتها أيضا فى بلاد الإنجليز ولا يصح أن أمر عليها مرور الكرام ترجمة المستشرق الفرنسى المعروف ريجى بلاشير للقرآن الكريم إلى لغة بلاده. لقد كنت أرجع، وأنا هناك، إلى النسخة الموجودة بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية بأكسفورد حين كنت أكتب الفصل الخاص بتلك الترجمة من كتابى: "المستشرقون والقرآن" إلى أن انتهيت من ذلك الفصل ومن غيره من الفصول التى جمعتها بعد عودتى إلى الوطن وأصدرتها فى كتاب بالعنوان السابق. إلا أننى فى آخر زورة لى إلى أكسفورد، وكان ذلك فى اليوم التالى لمناقشة رسالتى، وكنت ذاهبا لتصحيح بعض الكلمات التى طلبت منى لجنة المناقشة تصحيحها فى نسخ الرسالة الموجودة بالجامعة، وبعد انتهائى من تصحيح الكلمات القليلة، مررت بمكتبة ثورنتون أند صن، وهى مكتبة تبيع الكتب القديمة والجديدة، وفيها غرفة خاصة بالكتب العربية والإسلامية وتلك التى ألفها مستشرقون عن العرب والإسلام، فأعطَوْنى مفتاح الغرفة وطلبوا منى كالعادة أن أغلقها علىَّ من الداخل لأنهم لا يسمحون بدخولها لأى إنسان وحده، بل يقصرونه على من يثقون بهم فقط. الحمد لله على تلك الثقة الغالية!

وبينما أنا أنظر لأرى هل هناك من جديد فى الكتب الموجودة بالقاعة شد نظرى كتاب غريب أمسكت به، فإذا هو ترجمة بلاشير للقرآن الكريم فى طبعة صغيرة نسبيا ومغلفة بغلاف بلاستيكى زيتى غليظ، وشبه جديدة، بل تكاد أن تكون جديدة، إن لم تكن فعلا جديدة. ونظرت فى سعرها فوجدته ثلاثة جنيهات ونصفا. يا3 بلاليش فى بعض! ثم نظرت ثانية إلى الكتاب اللُّقْطَة فإذا به ملصق عليه تذكرة صغيرة بالصفحة الأخيرة الخالية مطبوع عليها اسم المستشرق البريطانى هاملتون جب وعنوانه فى كمبريدج. الله أكبر! فلم أُكَذِّب خبرا، وأخذتها فى الحال ودفعت ثمنها وعدت إلى لندن وأنا أطير من الفرح بسبب الكنز البديع الذى عثرت عليه ذلك اليوم. وكنت قد اشتريت عددا من ترجمات القرآن إلى الإنجليزية والفرنسية سواء من بريطانيا نفسها أو من خارج بريطانيا: مباشرة أو بالبريد، وكذلك من السعودية بعد ذلك ومن قطر. ثم لما تعلمت التعامل مع الكاتوب والمشباك (الكمبيوتر والنت) صار عندى ترجمات أخرى غير الترجمات التى كانت لدىَّ قبلا والتى تجاوزت الثلاثين، دون أن أدفع مليما واحدا فى تلك الترجمات الجديدة.

وقد قمت بترجمة بعض الكتب والفصول فى بريطانيا، وإن لم أنشر ما نشرته منها إلا بعد عودتى إلى مصر: ترجمت رواية "آخر اليهود فى مصر" من الفرنسية، ومؤلفها هو إدجار سيد، ومن منشورات إحدى الدور اللبنانية. ولم تنشر الترجمة حتى الآن، وإن كانت صحيفة "آفاق عربية" القاهرية قد نشرت منها فصلا واحدا فى تسعينات القرن الماضى ثم توقفت عن النشر. كما أخذها ابن أحد المشايخ المعروفين لينشرها عن الدار التى أنشأها أبوه، إلا أنه عاد فأرجعها لى دون نشر، لأكتشف بعد فترة أن ورقة كبيرة ضاعت من المخطوط مكتوب عليها من الوجهين. وترجمت أيضا كتاب سراج على العالم القرآنى الهندى عن "الجهاد فى الإسلام" من الإنجليزية، ونشرته أكثر من مرة، ودرسه الطلاب معى. كما ترجمت فصولا عن القرآن المجيد من كتاب بلاشير عن تاريخ الأدب العربى ومن مقدمات بعض الترجمات القرآنية الفرنسية، وضَمَّنْتُها كتابى: "المستشرقون والقرآن" الآنف الذكر.

وقد قرأت الكثير مما ألفه المستشرقون والمبشرون من كتب ودراسات، فألممت بعالم الاستشراق والتبشير إلماما طيبا ساعدنى بعد ذلك حين شرعت أضع الكتب والبحوث، إذ كانت الخريطة واضحة بخطوطها العامة وكثير من تفاصيلها وأسرارها. ومن هنا فإن ما قد يستغرق فى يد غيرى من المؤلفين سنوات يمكن أن يأخذ منى شهرا أو شهرين. كما تنبهت هناك إلى أهمية المعاجم والموسوعات، وعرفت أن معجما واحدا لا يكفى ولا حتى معجمين أو ثلاثة لأن كل معجم يتميز بأشياء وينقصه أشياء، فالمعاجم يكمل بعضها بعضا. وينطبق هذا على دوائر المعارف. كما تنبهت إلى أن المعاجم عالم واسع وأنها ليست كلها للكلمة ومعناها، بل هناك معاجم من كل نوع وملة، وكلها هام أشد الأهمية. وكنت أظن أن الأوربيين عرفوا ألوانا من المعاجم والموسوعات لم يعرفها أجدادنا، لكنى تبينت أن تراثنا يضم كنوزا هائلة كنت جاهلا بها، وما زلت حتى هذه اللحظة لا أعرف عن معظمها سوى القليل الذى لا يغنى ولا يسمن من جوع.

على ذكر المعاجم فقد اشتريت من هناك قاموس إلياس الإنجليزى العربى من أكسفورد (طبعة قديمة جدا)، والعربى الإنجليزى من لندن (أيضا طبعة قديمة جدا). وأذكر أننى كنت حديث عهد بأكسفورد، فسألت المكتبىّ عن ثمن القاموس الأول، فقال: خمسة جنيهات (إسترلينية)، فساومته حتى نزل بالثمن إلى ثلاثة أو ثلاثة ونصف، وهو يقول لى مبتسما إننى صعب، فقلت له بصراحتى المعهودة: فعلا أنا صعب كما تقول. ولكن لا تنس أننى طالب. قلت هذا وأنا أضحك، فضحك هو أيضا، وكان مسرورا. ولنفترض أنه لم يكن مسرورا، فهو حر، وليشرب من البحر إن شاء، وعنده بحمد الله بحران: ليس البحر الأبيض والبحر الأحمر كما قال خالد الذكر، بل بحر المانش وبحر الشمال. وإذن فلا يهم أن يكون مسرورا، بل المهم أننى كنت مسرورا، وأرجو من الله أن تكون أنت أيضا يا عزيزى القارئ مسرورا. أم تراك غير مسرور؟ أنت تعرف ماذا سأقول لو أجبتنى بأنك غير مسرور, فخذها من قصيرها وابتسم، فالنبى تبسم. كما اشتريت من أكسفورد معجم "محيط المحيط" لبطرس البستانى بخمسة جنيهات، ومعجم "المفردات" للراغب الأصفهانى، و"قاموس الإسلام" بالإنجليزية لباتريك هيوز المبشر المعروف، وكتبا أخرى كثيرة جدا جدا لكبار المستشرقين والسياسيين الأوربيين. واشتريت كتبا وقواميس وموسوعات كثيرة عن الآداب الأوربية وعن اليهودية والنصرانية وديانات الشرق الأقصى والهند، وعن الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة وتواريخ الدول الأوربية، وترجمات لبعض دواوين الشعراء العرب ولبعض درر التراث، وكلها بأثمان زهيدة.

ولما عدت إلى مصر استمررت فى السير على تلك السياسة حتى صار عندى ما لا يقل إن لم يزد عن مائتى معجم وموسوعة. أما الآن فبفضل المشباك (النت)، تللك النعمة الإلهية الكريمة التى لا يستفيد منها المسلمون فى أمور حياتهم الجادة إلا فى أضيق نطاق، والتى سوف يكون حسابهم يوم القيامة بسبب عدم استفادتهم منها حسابا عسيرا شديد العسر، فقد صارت المعاجم ودوائر المعارف لدىَّ تلالا حتى إننى لم أعد أقوم من مكانى لأبحث عن كتاب أو معجم فى مكتبتى الورقية إلا نادرا جدا جدا. ولماذا أقوم من مكانى وأضيع وقتى فى البحث عن الكتاب وفَرِّه ورقة ورقة، والكاتوب بحمد الله يكفينى هذا كله وينجزه لى فى أسرع وقت، علاوة على أنه يوفر لى فرصة النسخ الآمن السريع الذى لا يكاد يستهلك زمنا؟

أما المحاضرات فلم أحضر منها فى أكسفورد إلا عينة صغيرة أعطتنى فكرة جيدة عما يدور فيها، وأهمه أن الهدوء والسكون هما السمة السائدة، فلا ضجيج ولا عجيج، ولا صوت من الشارع يمكنه التسلل عبر النوافذ ذات الطاقين الزجاجيين إلى آذان الدارسين أو الأساتيذ داخل قاعات المحاضرات، والإنصات والصمت هو سيد الموقف بين الطلاب والطالبات فلا كلام بينهم ولا همس، بل إنصات تام واهتمام بما يقوله الأستاذ المحاضر، على عكس الحال هنا، فأنت فى الجامعة بمصر تجد نفسك فى سويقة: فالميكروباصات تقف أمام بوابة الجامعة وتحت شبابيك قاعات الدرس بكل ما يمكنك أن تتخيله من صخب ونداءات عن مسار كل ميكروباص، ولا يمكنك أن تمضى فى شرحك للدرس كما ينبغى أن يكون الشرح، وإن كان الطلاب والطالبات لا يجدون أية غرابة فى هذا، بل يتعايشون معه على أحسن وفاق ممكن. كذلك فأنت فى الجامعة تجد نفسك أمام مجموعة من الشباب غير المؤهل للتعليم الجامعى إلا فى حالات نادرة، ويحتاجون إلى العودة إلى الحضانة لتدريبهم على التعامل مع العلم والتعليم بما يليق. الصمت عندهم كارثة لا تطاق ولا تُحْتَمَل، وهم لا يملون الثرثرة، وليس فى ثرثتهم ما يفيد البتة. لا يريدونك أن تسألهم فى شىء، فإذا أقللت عقلك وألقيت عليهم سؤالا كان الجواب هزة بالرأس كما يفعل الرجل الهندى حين تقول له أو يقول هو لك أى شىء، والفرق هو أن الهندى يرتدى عمامة ضخمة ظريفة فوق رأسه، ثم هو يبتسم لك ابتسامة أظرف، أما الطالب المصرى فكثير جدا منهم لا شىء فوق رأسه ولا داخل رأسه ولا فى أى مكان يتعلق برأسه، فضلا عن أنه لا يبتسم لك عند توجيه السؤال إليه، بل يتباله ويتجاهل أن الكلام موجه له ويظل زامًّا شفتيه وعقله مهما حاولت أن تفهمه أنك تقصده. وأنت لا تعرف العبد لله وطريقته فى التعريف بالطالب أو الطالبة التى يوجه إليها السؤال.

إننى أولا أنظر إلى الطالبة المقصودة بالسؤال وأشير إليها بإصبعى، ثم لا أكتفى بهذا، بل أقول: الطالبة التى تلبس طرحة شكلها كذا، ولونها كذا، وتجلس فى الصف الفلانى، وتضع يدها على خدها (وهنا تنزل هى يدها من على خدها تضليلا لى)، وقد أنزلت الآن يدها من على خدها (وهنا تعيد يدها إلى خدها مُضِيًّا مع سياسة التضليل)، وتحاول من جديد أن تعيد يدها إلى موضعها السابق على خدها لمزيد من التضليل... وأمضى فى هذا الموال، وهى ولا هى هنا. وبعد عدة دقائق أخرى فى هذا الموشح العبثى، وبعد أن تجد أننى لن أيأس وأتركها فى حالها، تقول فى براءة عجيبة ودهشة أعجب: أنا؟ فعندئذ يتنفس العبد لله الصُّعَدَاء، ويقول لها: "نعم أنت والله العظيم، وليس سواك"، ثم يعيد السؤال من جديد. ولكن لا بد أن تضع فى ذهنك أنك تتعامل مع ضرب من الطلاب المصريين لا يمكنك أن تزحزحه عن موقفه وتجعله ينطق مهما فعلت. ولسوف تباغَت بالطالبة المذكورة بعد هذا العذاب الأزلى تهز رأسها كالرجل الهندى دون أن تتفوه ببنت شفة، معيدة الأمر كله إلى المربع الأول.

وممن حضرت لهم محاضرات فى أكسفورد د. كون صاحبة كتاب "الهاجرية"، وكانت لها سن فضية لم تعجبنى. وقد شاهدتها تحرك يديها أثناء المحاضرة تحريكا حادا لا يخلو من عنف، وكأن المتحدث رجل خشن. وهناك محاضر آخر شاب وجدته يقول إن في القرآن أشياء كثيرة شاذة (أو كلمة بهذا المعنى) من الناحية النحوية والصرفية، وذكر من بينها استعمال "الذى" بمعنى الذين" فى قوله تعالى: "وخضتم كالذي خاضوا"، أى كالذين خاضوا. فعاجلته بأننى أنا العربى لا أفهمها إلا على أن معناها: "وخضتم كالخوض الذي خاضوه"، وإلا فما معنى أنكم خضتم كالذين خاضوا؟ إذ السؤال هو: أى خوض ذلك الذى خاضه هؤلاء وأولئك؟ فقال إن الطبرى هو الذى قال ذلك. ثم وعدنى بأن يخبرنى فيما بعد بالموضع الذى أستطيع أن أجد فيه هذا التفسير، فلم أكذِّب أنا خبرا ونزلت، عقب افتراقنا، إلى مكتبة المعهد الذى كنا نتناقش فيه وفتحت تفسير الطبرى عند الآية المذكورة فلم أجد شيئا من ذلك، بل وجدته، رحمه الله، يقول فى تفسير هذه العبارة: "وخضتم أنتم أيضا أيها المنافقون كخوض تلك الأمم قبلكم"، وهو ما يتسق تماما مع ما قلته. إذن فالطبرى لم يقل ما نسبه إليه المستشرق الشاب. ثم بدا لى أن أنظر فى تفسير نظام الدين النيسابورى المطبوع على هامش كتاب الطبرى، فوجدته، بعد أن أعربها الإعراب السابق، يضيف ما يلى: و"قيل" إن أصلها "الذين" فحذفت النون. أى أن النيسابورى لا الطبرى هو الذى ساق هذا التوجيه، فضلا عن أن النيسابورى إنما ساقه بصيغة التمريض، وهو ما يعنى أن الرواية ليست وثيقة، بل مجرد كلام يقال دون تحقيق.

كما أن بعض المحاضرين كان يحاضر من كراسة معه يملى منها على الطلاب فيكتبون ما يسمعونه. وقد استغربت ذلك كثيرا، إذ كنت أظن أن هذه الطريقة هى من ابتداعنا نحن العالم الثالث الكسول. إلا أننى، حين أعدت النظر، وجدت أن ما يمليه المحاضر بهذه الطريقة قد يكون فكرة جديدة لم يطمئن بعد إلى صحتها، فهو ينظر فى الكراس الذى دوَّنها أو دوَّن خلاصتها فيه ويمليها منه على طلابه إلى أن يستيقنها فيطبعها ويذيعها فى الناس: طلابا وأساتذة وقراء عاديين. وهذا مجرد تفسير أحاول به أن أجد لهذا النوع من المحاضرين عذرا لما يفعلون.

وأذكر أن أستاذى د. شوقى ضيف، فى السنة الثالثة لنا بالجامعة، قد أعطانا بعض المحاضرات وهو ينظر فى كشكول بيده، وإن كنت لا أستطيع القول الآن هل كان يملى منه علينا أم هل كان يكتفى بالنظر لما فى الكشكول ليذكِّر نفسه بما توصل إليه من أفكار جديدة. وسر ذلك أنه فى تلك السنة بدا له أن يراجع ما كان كتبه فى عقيدة أبى العلاء المعرى، التى كان يردد فيها قبلا ما هو شائع بين الدارسين من اتهام لصاحبها، إذ ظهر له أن دين الرجل يخلو من المغامز، وأن ما فى شعره من كلام يوهم أنه يهاجم الدين إنما قصد به فضح من يتسترون بردائه ليظهروا تقواهم المصطنعة المغشوشة، أو شيئا من هذا القبيل. ثم إن الأستاذ الدكتور قد أصدر طبعة جديدة من كتابه عن "الفن ومذاهبه فى الشعر العربى" فيها هذا الكلام الذى قاله لنا فى ذلك العام.

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق