أضيف في 26 يونيو 2016 الساعة 10:08

حديث عابر


د موسى أبومحلولة

حديث عابر

اليوم كان الجو في لندن مشمسا وجميلا فخرجت إلى حديقة البيت وأمضيت فيها وقتا ممتعا أقص عشب البساط الأخضر وأروي مغروسات ونباتات وأعتني بأزهار وأشجار أقلمها وأتأمل منظرها ... تجمع لدي بالنتيجة قدر هائل من اﻷغصان واﻷعشاب ومخلفات البستنة وصار ضروريا أن أقوم برحلة معتادة إلى مكب مخلفات الحدائق  التابع للبلدية للتخلص منها ... 

 

في بريطانيا ينهمك الناس في هذا الوقت من السنة في اﻹهتمام بالحدائق  Gardening  ويخصصون الوقت والجهد والمال للإهتمام بحديقة البيت وهذا نشاط شائع ومألوف وهواية تعطي المرء حيوية ومتعة كبيرة وتجدد نشاطه إستعدادا ﻹسبوع عمل طويل يبدأ صباح كل اثنين ....  

 

ذهبت بعد ذلك إلى مجمع خاص ببيع مستلزمات الحدائق وأنواع شتى من النباتات وأﻻزهار   Garden centre   للنزهة وشراء بعض اﻷشياء ...

 

الشمس ساطعة وكل شيء يبدو جميلا هنا .. أزهار منسقة ونباتات يانعة جميلة في كل اﻷنحاء  وأناس يتجولون ويشترون ويبتسمون ويستمتعون بقضاء وقت جميل في جو رائع ... تجاذبنت أطراف  الحديث مع شاب بريطاني من أصول صينية يعمل بائعا بالمكان وقد بدل جهدا في اﻹجابة على أسئلتي وتوضيح ما أحتجت إلى إستيضاحه وكعادة اﻹنجليز دائما حدتني الرجل عن الطقس الجميل وشمس هذا اليوم الساطعة الدافئة ... ثم سألني : 

- من أي بلد انت؟

- من ليبيا ؟

بدت علائم الحيرة على وجهه وأرتبك قليلا ... فحاولت أن أسهل له أﻷمر فقلت :

- طرابلس ... ليبيا

أزدادت ملامح الحيرة وأﻹرتباك على وجهه وبدا اﻹحساس بالحرج واضحا  ... وقبل ان يطلب اﻹتصال بصديق أو يضطر لطلب مساعدة الجمهور حاولت على مضض ان أخرجه من حرجه وللضرورة أحكام فقلت : 

- ليبيا ... قذافي ...

لم تفلح هذه أيضا وأبتسم الشاب بأدب وأستغراب وأعتذر عن عدم معرفة ليبيا ... وطلب مني أن أتهجأ له إسم ليبيا بالحروف اﻹنجليزية وأخرج هاتفه الذكي من جيبه  وفي لمح البصر كانت ليبيا بموقعها الذي يتوسط العالم وشاطئها المتوسطي الطويل ومساحتها الشاسعة وإسمها الجميل أمامه وأمامي على شاشة جهاز هاتفه الذكي .... نظر اليها مليا وهز رأسه بالموافقة وأنفرجت أساريره وعادت اﻹبتسامة الى محياه ، وبلسمة من أصبعه أراني خارطة الصين ثم اليابان قبل أن يصف لي صور له ولوالديه التقطها أثناء إجازة للاسرة في طوكيو.              

 

دفعت ثمن ما أشتريت وشكرته مودعا وغادرت المكان.

 

جلست خلف عجلة القيادة في طريقي إلى البيت متأملا مادار بالحديث مع البائع الشاب وأختلطت مشاعري وتزاحمت أفكاري ، فهذه هي المرة اﻷولى التى أقابل فيها شخص لم يسمع بليبيا وﻻيعرف شيئا عنها رغم مادار ويدور فيها من أحداث جسام  فهل بدأ العالم يتجاهل ليبيا ويغض الطرف عنها وﻻ يكترث لمعاناة شعبها أم أن أﻷمر متعلق بفتى يافع ﻻ يتابع مايدور في العالم من أحداث وﻻيكترث بذلك  والدليل أنه لم يسمع بالدكتاتور القذافي الذي كان إسمه مرادفا ﻹسم ليبيا على مدي أربعين عاما وحتى عهد قريب ...  رجحت أﻷمر الثاني ودعوت الله أن يحفظ ليبيا من كل سوء ،  وها أنا أدعو أبناءها أن يكفوا عن عبثهم ونزاعهم وينهوا صراعهم ويحلوا خلافاتهم ويلتفتوا لبناء دولتهم ورفع إسم  وعلم ليبيا عاليا بين أﻻمم ... وإن لم يفعلوا فقد يأتي يوما - ﻻسمح الله - تختفي فيه ليبيا من على خارطة العالم وﻻ نراها بعد ذلك حتى على شاشة تليفون الفتى اللندني الصيني اﻷصل.

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق