أضيف في 24 يونيو 2016 الساعة 16:16

صفحات من كتابى: ''من كُتَّاب الشيخ مرسى إلى جامعة أكسفورد''


إبراهيم عوض

حلقة جديدة وطويلة من كتابى:

 

"من كُتّاب الشيخ مرسى 

 

إلى جامعة أكسفورد"

 

 

د. إبراهيم عوض


شىء آخر لا بد من ذكره فى هذا السياق، وهو العم فوزى صاحب بيت قديم واسع الغرف عالى الأسقف يسكن حجرة من حجراته بالدور الثانى بعض أصدقائى الأزهريين الذين عرفتهم بعد تحويل أوراقى إلى المدارس، وهم من قُرًى أخرى بعيدة عن قريتى. وفى زورة من زوراتى إليهم أخبرونى أن صاحب البيت ينزل إلى غرفتهم بانتظام ويجلس معهم مناقشا إياهم فى أمور الدين. ترى هل دَعَوْنى إلى المشاركة فى ذلك النقاش؟ لا أستطيع أن أحسم الجواب. لكنهم، فيما أذكر الآن بكل وضوح، تحدثوا إلىَّ عن زميل لهم متمرد يعلن عدم اقتناعه بالدين، وإن كنت لا أذكر أكان لتمرده ذاك علاقة بتردد مالك المنزل على غرفتهم أو لا. المهم أنهم قالوا لى: لم لا تأتى وتناقش فلانا هذا؟ وذهبتُ ودارت المناقشة على نحو عفوى، وأذكر أننى أخذت أسأله بعض الأسئلة مما يتصل بتمرده وهو يرد فى شىء من التخبط، أو هكذا بدا لى، وإن كنت لا أظن أنه اقتنع وقتذاك بما قلت، أو على الأقل: لا أظنه اقتنع تماما، أو لا أظنه رضى أن يعلن هزيمته فى حينها. وأيضا لا أعرف عن ذلك الشاب شيئا بعد ذلك، ولعل اسمه كان سعيدا. وأغلب الظن أنه رجع عن تمرده وفاءَ إلى عقله وتبينتْ له عظمة الإسلام، أو هكذا أرجو بعد كل ذلك العمر الطويل الذى يشارف الخمسين عاما. ومعروف أن بعض الشبان تأتى عليهم أحوال يراجعون فيها كل شىء ولا يعجبهم ما يؤمن به أهلوهم ومعارفهم، فيريد الواحد منهم أن يثبت ذاته: فإن كان ما يتمرد عليه باطلا كان تمرده فى محله، وإلا فهو انحراف قد يَبْقَى مرتكسا فيه مدة تختلف من حالة لأخرى، وكثيرا ما يعود سيرته الأولى بعد أن يتضح له خطؤه.
كذلك حدث، خلال السنة الأخيرة لى بالمرحلة الثانوية وطنطا، أن أعلن التلفاز عن لقاء بين د.طه حسين ولفيف من الأدباء والكتاب، فحرصت على أن أشاهده. وبالفعل شاهدته عند صديقى المرحوم أحمد الزاهد، واستمتعت برؤية الدكتور طه وبأسئلة الكُتَّاب له وردوده عليها وقوله: "لا تَعْنُفُوا بالبيت"، وأعجبتنى هذه العبارة كثيرا وأخذت أفكر فى الفعل الموجود فيها من ناحية وزنه الصرفى... ولفت نظرى بوجه خاص قوله إنه لم يفهم عبقريات العقاد، مما أثار زملائى الذين كانوا يشاهدون معنا اللقاء وسائر طلاب مصر على كتاب "عبقرية الصديق"، الذى كان مقررا علينا فى مادة اللغة العربية ذلك العام. وكان منطقهم أن طه حسين قد أعلن بكل صراحة ووضوح أنه لا يفهم العبقريات، فكيف يقررون علينا واحدة منها، ونحن لسنا طه حسين؟ وعبثا شرحت لهم ما فهمته من أن طه حسين لا يقصد المعنى الظاهرى، بل يريد أن يقول إنه لا يوافق العقاد على غايته من كتابة العبقريات ولا يوافق على ما فيها من آراء. ومن المؤكد أننى كنت قرأت قبل ذلك "عبقرية محمد"، وربما قرأت أيضا ما كتبه طه حسين عنها من أنه لا يفهم معنى المقارنة بين النبى عليه الصلاة والسلام وبين نابليون من ناحية القيادة العسكرية ووضع الخطط الحربية، إذ رأى طه حسين أن اختلاف الظروف بين طَرَفَىِ المقارنة لا تسمح بعقدها، فأين عصر نابليون والحروب التى خاضها والخطط التى كانت متبعة فيها من الرسول وعصره وحروبه؟ إلا أن الطلاب فى أنحاء الجمهورية كانوا قد وجدوا مناحة يشبعون فيها لطما. 
وأذكر بهذه المناسبة أن أنيس منصور قد كتب عقب هذا اللقاء مقالا يهاجم فيه طه حسين على لمزه للعقاد قرأته فى مسجد المنشاوى بطنطا حيث كنت أستذكر دروسى ظهر اليوم التالى إذا صحت ذاكرتى. والطريف أن أنيس منصور عاد بعد فترة فأخذ يثنى على طه حسين وعلى أستاذيته العطوف المتفهمة ووضوح فكرته وما إلى ذلك مما يجرى على العكس من هجومه المذكور على الرجل. ومع هذا فقد ظل يُكْبِر العقاد ويذكر مفاخره حتى لقد كتب كتابا كبيرا جدا عن تطوره هو فى دنيا الفكر والثقافة جعل منطلقه صالون العقاد. أقصد كتابه: "فى صالون العقاد كانت لنا أيام"، الذى تحدث فيه عن نفسه أكثر مما تحدث عن عملاق الفكر والأدب العربى.
وفى ذلك العام أيضا بدأت أكتب قصة قصيرة استوحيتها من فتاة متعلمة فى سننا كنت أسمع عنها من بعيد، لكنى لم أجد نفسى فى هذا اللون من الكتابة إذ أردت أن أصور عبثها واستهتارها مما لم أكن مهيأ له لبعدى عن عالم البنات والنساء العابثات وجهلى به وشعورى من ثم أن ما أكتبه عن عبث الفتاة ولهوها مع الشبان وتلاعبها بعواطفهم وغرورها المهلك هو كلامٌ متكلَّفٌ غير صادر عن خبرة وتجربة، فتركت القصة بعد صفحتين أو نحو ذلك. وكنت فى السنة الأولى الثانوية قد كتبت قصة أقلد فيها قصص أجاثا كريستى البوليسية، تلك القصص التى تختلف عن سائر شبيهاتها من قصص الجرائم فى أنها لا تقوم على الإثارة والمطاردة وحيل المجرمين فى الإفلات من تعقب الشرطة لهم، بل على الذكاء وتعمية القاتل استفزازا لعقل القراء كى ينهض وينشط ويحاول معرفة المجرم، الذى لم أفلح إلا مرة واحدة يتيمة فى تخمينه على كثرة ما قرأت لها من روايات وأقاصيص فى هذا الصدد. وبطبيعة الحال قد ضاعت تلك القصة مع ما ضاع من أشيائى فى تلك الفترة وما تلاها، وما أكثر ما ضاع من تلك الأشياء!
ولكن هل فى تلك الفترة اقتنيت تفسير محمد فريد وجدى الميسر؟ أم هل كان ذلك فى فترة لاحقة عندما ذهبت إلى القاهرة؟ لا أدرى. كل ما أذكره أننى عكفت على ذلك التفسير فقرأته، وقد أكون قرأته مرتين، وكنت سعيدا غاية السعادة أننى أطالع تفسير القرآن الكريم كاملا. لقد كتب الرجل تفسيره ذاك بأسلوب بسيط أقرب ما يكون لأسلوب الصحافة، مع شرح الكلمات التى تحتاج شرحا، فضلا عن إيراده أسباب النزول فى مواضعها، وفى وسط كل ذلك صفحة المصحف التى فيها النص المفسَّر. والآن كلما رأيت مع الطلبة أو الطالبات مصحفا يقرأون فيه أنبههم إلى أن قراءة القرآن هكذا لا تؤدى الغرض المطلوب، إذ ليس المقصود أن أتلفظ بكلماته، بل المقصود أن أفهمه، وهذا لن يتأتى إلا إذا عرفتُ أولا معانى تلك الكلمات، وقرأت تفسيرا له، مبسطا أول الأمر ثم موسعا بعد ذلك حسب ظروف كل شخص وغايته من قراءة التفسير. كما قرأت فى تلك الفترة تفسير جزء "عَمَّ" للشيخ محمد عبده، وتفسير جزء "تبارك" للشيخ عبد القادر المغربى السورى. وهكذا تعرفت إلى عظمة الإسلام وجماله من خلال العقاد ومحمد عبده وشلتوت ومن فى مستواهم. وهذه منة جليلة من الله سبحانه وتعالى لا أستطيع تأدية شكرها. وكان معى فى تلك الفترة معجم "مختار الصحاح"، أعطانيه طالب أزهرى كان قد أخذه من ابن عمه الذى يدرس فى مدرسة المعلمين بطنطا. وكنت سعيدا باقتنائى إياه سعادة عظمى، وكأنى قد ملكت اللغة العربية كلها فى يدى. إلا أننى لاحظت أننى لا أجد كثيرا من الكلمات فيه ولا فى معجم "المصباح المنير"، وبخاصة الكلمات الحديثة، غير متنبه إلى أن هذين المعجمين هما معجمان صغيران جدا أُلِّفا للطلاب المبتدئين منذ عدة قرون. لكن كان استعمالى لهذين المعجمين مع ذلك خطوة مهمة أشد الأهمية، وكان تعاملى معهما سهلا لمعرفتى الجيدة بالصرف ومقدرتى، بطريقة أو بأخرى، على تجريد أية كلمة من أحرف الزيادة واستطاعتى العثور عليها فى المعجم ومعرفتى لمعناها. 
أما الآن فنادرا ما يستطيع طالب أن يكشف فى المعجم عن أية كلمة، وذلك إن بدا له أصلا أن يفكر فى هذا الأمر، إذ هو لا يقرأ، وإذا قرأ فليست عايته الفهم بل الحفظ من أجل الامتحان لأنه لا يقرأ إلا الكتاب المقرر، بل فى كثير من الأحيان لا يقرأ ولا حتى الكتاب المقرر مكتفيا بالملخصات والمذكرات. ودعك من أن كثيرا منهم يعجز عن كتابة الكلمات كتابة صحيحة أو يفهم من أين جاءت وإلى أين تمضى. وما زلت أذكر كيف أتتنى منذ سنتين طالبة متفوقة فى السنة الرابعة بقسم اللغة العربية قائلة لى إنها لم تستطع أن تجد معنى كلمة "أَلْفَى"، التى أستخدمها كثيرا فى كتبى بدلا من "وَجَدَ"، وكانت قد سألتنى عن معناها كعادة الطلبة فى مثل هذه الحالة إذ لا يخطر ببالهم أبدا أن هناك شيئا اسمه المعاجم، وكل ما يفهمونه هو أن الدكتور على علم بكل شىء، فأحلتها على المعجم كى تعتمد على نفسها فى فهم ما يُشْكِل عليها من ألفاظ وعبارات. ثم أَرْدَفَتْ أنها لم تجد فى المعجم إلا أنها حرف من حروف اللغة اليونانية، فعَرَفْتُ أنها تقصد "ألفا باتا جاما دلتا". ومن الواضح أن السبب عجزها عن التمييز بين "أَلْفَى" فعلا عربيا مزيدا بهمزة، وبين "أَلْفَا" حرفا من حروف الأبجدية اليونانية. فإذا كان هذا هو مستوى طالبة ذكية كنت أشجعها هى وأمثالها بالكتب والفلوس كى تحب القراءة، وأحبتها فعلا، وكنتُ مسرورا بما تبديه من تقدم فى هذا المضمار، فما بالنا بسائر الطلاب ممن لا اهتمام عندهم بعلم ولا ثقافة، وكثيرٌ ما هم؟ 
وأنا هنا لا أحاول النيل من ذكاء طلاب هذا الجيل، فلا أظن أنهم يقلون عن جيلنا فى ذكائهم، بل لا بد أن يكون فيهم من يتفوقون علىَّ وعلى أمثالى فى ذلك. كل ما هنالك أنهم لم يَتَلَقَّوْا تعليما جيدا فى المدارس منذ الطفولة، بل إنهم فى السنة الثانية والثالثة الثانوية بتشجيع من مدرسيهم لا يذهبون إلى المدرسة أصلا، والبركة فى السناتر (أى مراكز الدروس الخصوصية التى تُدِرّ على الأستاذ الواحد فى اليوم الواحد بضعة عشر ألفا من الجنيهات وأكثر من ذلك فى كثير من الحالات)، ولا يجدون من الأمل ما يغريهم بالتعلم والقراءة وتحصيل أسباب الثقافة، إذ لا تنتظرهم بعد التخرج وظيفة يكسبون منها ما يطعمهم ويكسوهم ويوفر لهم المسكن ويساعدهم على إكمال نصف دينهم... وهكذا. ولو حدث أَنْ وجد أحدهم وظيفة كان المرتب ضئيلا لا يطعم عصفورا، مع أن أقل مرتب يمكن أن يكفى هذه الأيام شابا فى مقتبل عمره هو ألف وخمسمائة جنيه، على أن توفر له الدولة والمجتمع مسكنا إنسانيا يعيش فيه بأجر معقول. ولا ننس أن المجتمع كله تقريبا فى الوقت الحالى لا يقبل على القراءة، ولا يبالى بشؤون الثقافة والمعرفة والذوق السليم، ولا يقيم وزنا لقيمة الجمال للأسف الشديد، وما الطلاب إلا نبتة ذلك المجتمع، وهو ما يجعلنى أقيم لهم العذر، وإن كنت فى ذات الوقت أذكّرهم بأن إسلامهم يوجب عليهم حب المعرفة والاجتهاد بكل وسيلة فى تحصيلها مهما تكن ظروفهم وأحوال مجتمعهم، وأنه إذا جاز أن يهمل المتدين غير المسلم أمور المعرفة والذوق الجميل فإن هذا لا يجوز للمسلم بحال لأنه جزء من دينه لا يتجزأ، وسوف يكون محل حساب وثواب وعقاب.
أما ترك الأمور هكذا فلن يكون له من ثمرة غير استمرار التخلف والضياع الذى تعيشه البلاد مهما حاولنا مع طلابنا فى الجامعة، إذ الكثير منهم يأتون إلينا وهم لا يصلحون تقريبا لأى شىء ذى بال، إلا إذا أعيد تأهيلهم فى مقررات المرحلة الابتدائية فصاعدا من جديد لأنهم لا يستطيعون أن يكوّنوا جملة واحدة سليمة، بَلْهَ أن الأغلبية منهم لا يمكنها الكتابة الإملائية الصحيحة أبدا، وأن عقولهم فاضية مما هو مفيد، إذ لا يقرأون ولا يعرفون الطريق إلى الكتاب ولا يجدون فى أنفسهم رغبة فى ذلك بَتَّةً. أما فيما لا يفيد فتراهم يسبقون شياطين عبقر ذاتها فى الألمعية واللوذعية بأشواط شاسعة، بخلاف ما لو كلفتَهم بشىء نافع فى ميدان العلم إذ ترى الواحد منهم وقد "بَلَّطَ فى الخَطّ" لا يَرِيم مكانه ولا يتحرك إلى الأمام خطوة واحدة.
وكانت رحلة الأقصر وأسوان التى اشتركت فيها مع بعض زملائى من طلاب الثانوية العامة حدثا هاما. لقد استقللنا القطار من طنطا وقضينا على متنه ساعات طوالا فى الذهاب ومثلها فى الإياب، ونمنا فيه وقمنا، وراقبت الشمس وهى تشرق وأنا أحاول الوضوء فلا أستطيعه لعدم وجود الماء فى دورات القطار. ولا أذكر الآن أكنت أتيمم أم أترك الشمس تطلع دون صلاة الصبح فى ميعاده انتظارا لتوافر الماء. وفى تلك الرحلة عرفنا على الطبيعة أشياء مهمة جدا عن تاريخنا الفرعونى وما خلَّفه من آثار ومعابد وتماثيل وما يرتبط به من عقائد وأفكار وشخصيات تاريخية، وكذلك عن السد العالى، الذى كان العمل فيه لا يزال يجرى على قدم وساق آنئذ. كما اطلعت من كَثَبٍ على بعض مدن الصعيد، وكذلك بعض قراه التى كنا نشاهدها من نوافذ القطار، فضلا عن تنبهى إلى ضيق الوادى بطول نهر النيل بدءا من جنوب القاهرة تقريبا على عكس الحال فى الدلتا، التى تُوهِمُنا أن مصر كلها أرض خضراء، على حين أن المسكون والمزروع منها كله لا يبلغ نسبة الخمسة بالمائة من مساحتها. وكان الطلبة الكبار (كبار الأجسام غير المعروفين بالبراعة فى الدراسة) يقضون الوقت فى لعب الورق وما أشبه فى طرقات القطار، وأحيانا ما يناوشون الأساتذة ببعض الكلام غير المباشر، فيتجاهل هؤلاء ما يسمعون من المناوشة. وهو، والحق يقال، لا يعد شيئا بمقاييس هذه الأيام. 
ومما علق فى ذهنى من هذه الرحلة أننى جلست فى بعض الطريق مع أستاذ من أساتذة اللغة العربية أخذ يسألنى بعض الأسئلة اللغوية من مثل معنى كلمة "أسوان"، فأجبته فسُرَّ بى وأثنى علىَّ، وهو ما رفع معنوياتى بطبيعة الحال. ولست أذكر أننى رأيت ذلك الأستاذ بعد ذلك، وأغلب الظن أنه كان من مدرسة أخرى غير مدرستى. وكنت أصلى فى آخر العربة بعيدا عن المقاعد بين زملائى الذين كانوا يفترشون الأرض. ورغم أن العربة كانت مقصورة علينا نحن الطلاب فقد كان بعض الزملاء يهتبل توقف القطار ويثيرون المشاكل مع بياعى القصب الصعايدة على الرصيف. وأستغرب أنا هذا الحرص على إثارة المشاكل، وبخاصة مع أهل الصعيد المشهورين بالتهاب مشاعرهم وعدم تسامحهم مع أية إهانة تلحق بهم، وأخاف من انفجار معركة قد تخرج عن السيطرة. ولكن كان الله يسلم دائما. 
وفى هذه الرحلة أيضا رأيت بعض السائحات فى الأقصر يلبسن البنطلونات، فكانت هذه أول مرة أرى ذلك فى الواقع لا فى السينما. ثم رأينا بعد ذلك أيام الجامعة بعض المضيفات الباكستانيات فى شارع سليمان وقد ارتدين سرواويلَ فضفاضةً وسُتَرًا طويلة وأغطيةَ رأسٍ أنيقةً، فقلنا: هذا ملبس إسلامى وعصرى وأنيق فى ذات الوقت. وكان اكتشافا رائعا بالنسبة لنا. والآن ها هن أولاء الفتيات والنسوة المسلمات فى كل مكان يرتدين البنطال، وإن كان كثيرات من مستعمِلاته يخترنه محزقا، وأحيانا محزقا جدا. ولكنى أقول فى نفسى مع ذلك إنه أفضل من العرى الصريح، عرى الميكروجيب والبلوزات الكاشفة الصدر العديمة الأكمام. ثم إن الغالبية الآن من الجنس اللطيف يصلين، وإن كان تدينهن، وتدين كثير من الرجال معهن، يقف عند الصلاة والصيام، والحجاب (بالنسبة لهن) واللحية (بالنسبة للرجال)، ثم لا شىء ذا أهمية بعد هذا، وهو ما يجرد الإسلام من أعظم مزاياه، وهو أنه دين حضارى، بل هو الدين الحضارى الأوحد، إذ يُحِلّ العلم والعمل والإبداع والذوق الجميل والنظام والتخطيط والتضامن الاجتماعى ومد يد المساعدة للفقراء العاجزين والمحرومين المظلومين أرفع مكان فى الوقت الذى لا يُولِِى كثير من المسلمين شيئًا من ذلك اهتماما. لكنى أعود رغم هذا فأقول: شىء أفضل من لاشىء. ولخيرٌ للمسلمين أن يرتبطوا بدينهم ولو بشعرة معاوية من أن ينفلتوا من كل صلة لهم به، لكن على أمل أن يفهموا دينهم يوما من الأيام نرجو أن يكون قريبا، وإلا فعلى الدنيا والذوق والفهم والعزة والكرامة العَفَاء.
وقد انتهت الرحلة ويداى مشققتان جراء التوضؤ فى الهواء الطلق والبرد فى الأقصر وأسوان حتى إننى، لشدة ألمى بسبب هذه التشققات، قد أجلت صلاة المغرب حين وصولى إلى طنطا، فلم أؤدها فى مسجد محطة السكة الحديد رغم أنه كان هناك وقت كاف جدا لتأديتها، وصليتها فى البيت مع العشاء والشعور بالإثم رغم ذلك مع أن الرسول كان يجمع الصلاتين أحيانا فى الحَضَر. لكن أنى لى أن أعرف هذا فى ذلك الوقت المبكر؟ بل إننى، حين عرفت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أفهم الأمر فى البداية كما ينبغى، بل ظننت أنه، عليه السلام، كان يؤخر الظهر إلى آخر الوقت مع التبكير بصلاة العصر فى بداية وقته، فتبدو الصلاتان وكأنهما مجموعتان. ورأيت بعد ذلك بنحو ست سنوات عالما من علماء الدين المشاهير جدا يؤجل صلاة الظهر إلى ما بعد عودته لبيته، فأنكرت ذلك عليه فى قلبى جاهلا أنه جائز. وقد استغرق الأمر وقتا طويلا حتى أفهم الوضع على وجهه الصحيح. وكنت، وأنا فى الثالثة الثانوية، أنزل كل صلاة من الدور الرابع فى الشقة التى كنا نشغل غرفة منها فى شارع السيد عبد اللطيف قريبا من تقاطعه مع شارع سعيد لأؤديها فى مسجد المنشاوى القريب على بعد أمتار. وكنت أكون فى عِزّ انهماكى فى الاستذكار، فأترك كل شىء وأسرع إلى المسجد. أما فيما بعد ذلك فكنت أصلى أحيانا فى البيت متى حانت الصلاة وأنا هناك كما يصنع كثير من الناس فى مصر المحروسة، اللهم إلا إذا كنت فى القرية، فإننى عندئذ كنت أذهب للمسجد. أما الآن فأصلى عادة فى بيتى بالقرية متى كنت فى زيارة لها.
وفى الصيف السابق على آخر سنة لى فى المرحلة الثانوية اتفقنا أنا وبعض الأصدقاء من طلاب الأزهر بالقرية ممن يكبروننى فى السن أن من يقوم منا من النوم أولا قبل الشمس عليه أن يوقظ الآخرين كى نصلى الصبح حاضرا. وقد وقعتْ فى ذلك الإِبَّان بعض الأمور المضحكة: فمثلا كان هناك طالب طب بيتهم يقابل بيت خالى، الذى كنت أنام فيه فى تلك الأيام، فكنت إذا ذهبت لأوقظه أول واحد من الثلة عبر شباكهم المطل على الشارع بالدور الأول من بيتهم وسمعته يرد على تحيتى ماطًّا ياء "صباح الخير" (هكذا: "صباح الخيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر") بصوته المتكاسل الأجش بفعل النوم عرفت فى الحال أنه لا ينوى أن يقوم حتى لو ضربته بالقنبلة النووية، فأضحك وأمضى لأوقظ الآخرين. وهذا الطالب هو د. سيد الحسينى صيرة، وهو الآن على المعاش. وأحيانا ما نلتقى فى دكان ابن خالى محمد العزلة، فنتذاكر الماضى الهانئ الجميل، أو بالأقل: الذى نظنه هانئا جميلا.
ومرة جاء إبراهيم الزواوى من بيتهم البعيد نسبيا ليوقظنى، ولم يكن الظلام قد انقشع بعد، وكانت خالتى رحمها الله تنام معى فى نفس الغرفة بالدور الثانى، فحين شرع ينادينى وجدت خالتى الطيبة توقظنى بصوت عال يسمعه الناس فى بلاد الإسكيمو قائلة: يا بُرْهُم (تدليل "إبراهيم")، هناك نَدَّاهَة تناديك فى الشارع وتريدك أن تنزل لتخطفك، فلا تسمعْ كلامها ولا تستيقظْ. فأخذت أضحك وأنا أستيقظ رافعا صوتى أطمئن زميلى بأنى استيقظت وأنى نازل فى الحال. وكان هو بدوره قد سمعها وهى توقظنى وتحذرنى من النداهة، فأخذنا طول الطريق نضحك أنا وهو وسائر الزملاء من طيبة الخالة، التى كان من الممكن أن تتركنى نائما "قتيلا" دون أن توقظنى أولا ثم تضطر إلى تحذيرى ثانيا، وكفى الله الخالات تعب الإيقاظ والتحذير. وكانت تلك الواقعة حديثنا وتفكهنا بقية أيام الصيف، رحمها الله. 
أما النداهة فلمن لم يسمع بها هى امرأة أسطورية من الجانّ تتنصت على أى اثنين من الفلاحين يتفقان ليلا على القيام مبكرا قبل الفجر لسقى الأرض، فتذهب إلى أحدهما قبل الميعاد الذى ضربه مع رفيقه لتوقظه مصطنعة صوت ذلك الرفيق، وحينما ينزل إليها تأخذه فى الطريق إلى الحقل منفردة به وتقتله هناك أو تخبِّل عقله وتصيبه بالجنون. وبالمناسبة فقد ألف يوسف إدريس قصة بعنوان "النداهة" تقوم على إغواء أحد سكان عمارة من أهل المدينة لزوجة بوابها الريفية التى ظل يلح عليها بألوان الإغراءات المختلفة حتى أوقعها فى حبالته وأفسدها على زوجها، التى انتهى أمرها معه بأن تركت حجرة بئر السلم فى مدخل العمارة حيث كانت تعيش معه على الحلوة والمرة، وانطلقت إلى المجهول كما ينطلق الرجل الريفى مع النداهة إلى حيث الأذى الذى ليس منه اتقاء ولا شفاء. 
والعجيب الغريب أن النداهة فى ذلك الصباح المبكر لم تصبنى بأى أذى، فهأنذا معكم "صاغ سليم" كما يقول العامة فى بلادنا المحروسة، ولم أُجَنّ، بل ما زال "عقلى فى راسى أعرف به خلاصى". ولكن ما وجه العجب فى هذا، والنداهة، كما هو معروف، لا توقظ الناس لصلاة الفجر، بل لا تنتظر أصلا حتى يؤذن الفجر بل تأتيهم قبل ذلك فى الظلام، وسائر أهل القرية نيام نيام؟ وأخيرا فقد يظن بعض القراء أن الفعل: "نَدَهَ"، الذى اشْتُقَّت منه كلمة "النداهة"، هو تحريف عامى للفعل: "نادَى" كما كنت أظن وأنا صغير. بيد أن "نَدَهَ" صيغة فعلية فصيحة صحيحة تماما، وتعنى شيئا قريبا من النداء. ومنه اشْتُقَّ اسم بعض أهل الريف: "المندوه"، أى الذى ندهته النداهة فيما أتصور. كفاكم الله، وكفانا معكم نحن والسامعين والقارئين، شرور النداهة! آمين. 
ومن بين الفكاهات المتعلقة بصلاتنا الفجر فى ذلك الصيف أننا كنا، بعد الانتهاء من الصلاة، ننطلق إلى الساحل نتمشى ونأكل جميزا طازجا من قطب الحبشى حيث نجده هناك فوق جميزة يجمع ثمارها ويدلّيها فى سَفَطٍ لمن ينتظر دوره على الأرض من الشارين. فكان أحدنا، وهو الشيخ حمامة (اسم التدليل لـ"محمد أبو كوهية" رحمه الله)، يقضى وقت الانتظار فى لعب بعض التمرينات السويدية التى تعلمها فى فريق الكشافة بتجارة الأزهر، فلا يكون من الحبشى إلا أن يترك عمله ليشاهده من أعلى الجميزة وهو يضحك ويقول لنا مداعبا بطريقته الريفية: "بُصّ يا جدع أنت وهو: الشيخ حمامة بيدوِّر الطنبور!" لتشابه الحركة التى كان يأتيها كشافنا مع حركة الفلاح حين يشغِّل الطنبور فى رى الأرض من الترعة. ثم يمضى فى التهكم على تلك الحركات الرياضية بأسلوبه الريفى المضحك، فنضحك نحن بدورنا من أعماق قلوبنا على هذه التعليقات الظريفة الساذجة. هيه! لقد كانت القلوب خفيفة لم تثقلها أعباء الحياة ولا غزتها المرارات ولا جرحتها الخيبات التى تصيبنا بها الدنيا "بنت الَّذِين". رحم الله تلك الأيام، ورحم سذاجتنا القديمة وخُلُوّ قلوبنا من القلاقل والإزعاجات! 
لو أننا 
لو أننا 
لو أننا، وآهِ من قسوةِ "لَوْ"
يا فتنتي، إذا افتتحنا بالـمُنَى كلامَنا 
لكنّنا...
وآهِ من قسوتها: "لكننا"!
لأنها تقول في حروفها الملفوفةِ المشتبِكهْ 
بأننا نُنْكِرُ ما خَلَّفَتِ الأيامُ في نفوسنا 
نودُّ لو نخلعهُ 
نودُّ لو ننساه ْ
نودّ لو نُعِيده لرَحِمِ الحياهْ 
لكنني، يا فتنتي، مُجرِّبٌ قعيدْ 
على رصيف عالمٍ يموج بالتخليطِ والقمامهْ 
كونٍ خلا من الوَسامهْ
أكسبني التعتيمَ والجهامهْ
حين سقطْتُ فوقه في مطلع الصِّبا 
قد كنتُ في ما فات من أيّامْ 
يا فتنتي محاربًا صُلْبًا، وفارسًا هُمَامْ 
من قبل أن تدوس في فؤاديَ الأقدامْ 
من قبل أن تجلدني الشموسُ والصقيعْ 
لكي تُذِلَّ كبريائيَ الرفيعْ 
كنتُ أعيش في ربيعٍ خالدٍ، أيّ ربيعْ
...
ماذا جرى للفارس الهمامْ؟ 
انخلع القلبُ، وولَّى هاربًا بلا زِمامْ 
وانكسرتْ قوادمُ الأحلامْ 
يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الدمعةِ البريئهْ!
يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الضحكةِ البريئهْ! 
لكَ السلامْ 
لكَ السلامْ 
أُعْطِيكَ ما أعطتنيَ الدنيا من التجريب والمهاره ْ
لقاءَ يومٍ واحدٍ من البكاره ْ
لا، ليس غيرَ "أنتِ" من يُعيدُني للفارسِ القديمْ 
دونَ ثمنْ 
دون حسابِ الربحِ والخسارهْ 
هذا ما قاله صلاح عبد الصبور فى قصيدة "أحلام الفارس القديم"، وهذا ما أشعر به الآن وأنا أستعيد ذكريات الشباب، الذى يقول عنه أبو العتاهية: "روائح الجنة فى الشباب"!. فأما إذا أراد القارئ أن يعرف رأيى فى تلك القصيدة الصَّبُورِيَّة فيمكنه مشكورا الرجوع إلى كتابى: "فى الشعر العربى الحديث- تحليل وتذوق"، وهناك سوف يجد ما أرجو أن تَقَرَّ به عينه.
ومن منابع النشوة فى تلك الفترة كرة القدم، التى كنت ألعبها ضمن الفريق الأول بالقرية بعد أن كنت ألعب مع الصغار قبل ذلك. وكنت من المتميزين إلى حد معقول. وكان لنا جمهورنا، الذى يتبعنا من قريتنا إلى القرى التى نذهب لملاقاة فرقها، فيهتف لنا ويحملنا على الأعناق إذا انتصرنا، وكثيرا ما كنا ننتصر. ومن أحلى اللحظات فى مباريات الكرة تلك حين نتحلق شابكين أيدينا فوق أكتاف بعضنا البعض قبيل انطلاق صفارة البدء قريبا من دائرة منتصف الملعب، فنقرأ الفاتحة ثم يصيح قائد الفريق بصوتٍ جَهْوَرِىٍّ يسمعه الجمهور حول الملعب قائلا: "فريق كتامة يا"، فيرد باقى الفريق عليه للتو مكملا الكلمة الأخيرة المعلقة على لسانه قائلين: "عِيشْ"، فيعود ويقول: "يا"، فيقول الفريق مرة أخرى: "عيش"، "يا"، "عيش". والمعنى: "فريق كتابة يعيش"! وسر الفرحة أن ذلك معناه بدء المبارة وتعليق الأنفاس وانتظار الحركات النصف كُمّ التى يأتيها اللاعبون من ترقيص وتمرير وتهديف وصد وهجوم مضاد ينتهى بالانتصار فى كثير من الأحيان، فتعود القرية إلى بيوتها شاعرة بالمجد والفخار وكأننا حررنا فلسطين أو على الأقل: فتحنا عكا. 
وكان فريقنا من الفرق المرهوبة بين القرى المحيطة بقريتنا، إذ كان التوفيق حليفه فى كثير من الأحوال. وفى أول دورة على مستوى المركز، وكان ذلك خلال صيف 1966م قبل وقوع النكسة بنحو عام، جاء ترتيبنا الأول بعد أن تغلبنا على كل الفرق التى واجهناها، فقد سحقنا الفرقة الأولى أربعة دون رد، وكان من نصيبى تسجيل هدف منها، وهزمنا الثانية اثنين، كان لى شرف تسجيل أحدهما، إلى أن كانت المبارة الأخيرة بيننا وبين مشال (قرية د. زغلول النجار كما عرفت منذ عدة سنوات)، وفريقها من الفرق القوية، إلا أننا هزمناه بهدف دون مقابل على ساحة بسيون، وسجله مصطفى الجعيدى، وهو من كبار لاعبى الفريق. لكن عندما ترقينا إلى دورة المحافظة لم نحظ بنفس التوفيق. صحيح أننا غلبنا فريق الشين لانسحابه من أمامنا رغم أننا كنا متعادلين بهدف أحرزه العبد لله. وسر انسحاب الشين هو أن اللاعب الدولى الأسبق توتو، الذى كان يحكم اللقاء، قد احتسب لنا ضربة جزاء. أما كيف سجلت هدف التعادل فقد ركلتُ الكرة ضعيفة متهافتة كأنها إنسان فقير جائع يعانى الإعياء ويترنح، فمضت تشق طريقها فى كسل وتثاؤب بين الأرجل، التى بدا أصحابها وكأنهم قد أصيبوا بالشلل أو اعتراهم الخدر، أو كأن الكرة كانت مرصودة مَرْقِيَّة، فلم يحاول أى من لاعبى الفريق المضاد، على كثرة الأرجل التى قابلتها الكرة فى طريقها إلى المرمى، أن يوقفها مع أن أيا منهم لو نفخها بفمه لكانت وقفت مكانها لا تتحرك، إلى أن دخلت المرمى. وتوتو، لمن لا يعرفه، كان لاعبا دوليا مشهورا فى أيامه بفريقى الأهلى وطنطا.
لكننا انهزمنا بعد ذلك أربعة مقابل صفر من أبو صوير فى المباراة التى تلت، ووقعت أحداثها كالمباراة السابقة أيضا على إستاد طنطا، الذى أَمُرّ به عادة فى طريق الذهاب إلى القرية وإلإياب منها، فأتذكر هاتين المباراتين العجيبتين. وقد غاب عن الفريق فى تلك المباراة اثنان من أهم أعمدته، وكانا الأكبر عمرا والأكثر خبرة بيننا، ولا أدرى السبب الحقيقى فى تخلفهما عن اللعب رغم أننا رأيناهما أثناء المباراة فى المدرجات بين الجمهور. وقد سرت شائعة يومئذ أنهما كانا يعرفان قوة الفريق المنافس، الذى قيل إنه استعان ببعض لاعبى فريق غزل المحلة ذاته، وأننا لن نصمد أمامه، فآثرا ألا يشاركا فى مباراة كهذه تجنبا للخزى والعار. والله أعلم. وأذكر أننى يومها قد صوبت أربع كرات قوية على مرمى أبو صوير، إلا أنها جميعا قد علت العارضة. وقد خرجنا من المباراة مكسورين كسرة مؤلمة. ولم يخفف عنى سوى ذهابى إلى البيت الذى كنت أسكنه أثناء العام الدراسى السابق، وكانت علاقتى بالأسرة صاحبة البيت جيدة وتهش لاستقبالى إذا زرتها، وكانت لها ابنة فى مثل سنى رقيقة وجميلة، فمكثت هناك مع الأسرة والفتاة الرقيقة الجميلة وقتا أزال عن نفسى بعض ألمها جراء الهزيمة، وأدخل عليها بدلا من ذلك قسطا عظيما من السعادة. صدقت يا أبا العتاهية: "روائح الجنة فى الشباب"!
ومن المرات التى ذقت فيها أنا بالذات طعم الفشل الكروى الـمُرّ تلك الـمَرّة التى انتصر فيها علينا فريق كفر أبو جندى (قرية محمد فوزى وهدى سلطان وهند علام الفنانين الإخوة المعروفين) ستة لصفر، وهى المرة الوحيدة تقريبا التى انهزمنا فيها من إحدى القرى المحيطة على أرضنا. وكنت للأسف قائد الفريق، وكان يوما يعلم به ربنا، ولا أدرى ما الذى أصاب أفراد الفريق فى تلك المباراة، إذ أذكر مثلا أننى مَرَّرْتُ الكرة عدة مرات لهذا أو ذاك من زملائى فيجد نفسه وقد انفرد بالمرمى المنافس، إلا أنه إما أن يتزحلق ويقع على الأرض فجأة وإما أن تطيش تصويبته فتخرج الكرة بعيدا عن المرمى. وشيعتنا القرية إلى بيوتنا يومها بشماتة غريبة وهتافات مسيئة، ناسيةً البهجات التى كثيرا ما أدخلناها على القلوب. ولكن ماذا تقول فى الكرة ومشجعيها، وهذا حالها دائما؟
المرحلة الجامعية
ما إن حولتُ أوراقى من كلية الاقتصاد إلى كلية الآداب حتى انتظمت على التو فى محاضرات قسم اللغة العربية شاعرا بالسعادة أنْ تركت الكلية التى تخرج رجال السلك الدبلوماسى والسفراء كما كان الطلاب يظنون فى ذلك الوقت، ولم أنتظر حتى تأتى الموافقة على قبول أوراقى فى الكلية الجديدة، اطمئنانا منى إلى أن درجاتى أعلى كثيرا من درجات تلك الكلية، ووجدت نفسى فى الحال فى مقررات اللغة العربية وآدابها. وكان من أساتذتنا د. يوسف خليف ود. عبد الحميد يونس ود. عبد العزيز الأهوانى ود. شكرى عياد ود. حسين نصار ود. كامل جمعة ود. النعمان القاضى ود. عبد المنعم تليمة ود. محمود فهمى حجازى ود. أحمد مرسى، وكذلك الأستاذ عبد الحميد السيورى والأستاذ عبد الحكيم راضى (اللذان صارا دكتورين فيما بعد)... إلخ. 
وكان بعضهم يملى علينا ما يريد قوله، وبعضهم يحاضرنا. وكنت أناقش كل الأساتذة تقريبا فيما يقولون. وكتبت أول بحث فى مادة التاريخ العربى قبل الإسلام، التى كان يدرسها لنا فى السنة الأولى د. حجازى، ولم يكن البحث أكثر من تلخيص لما قرأت فى بعض الكتب المتعلقة بالموضوع. وأذكر أننى ألقيته فى المحاضرة برباطة جأش وثقة بالنفس وصوت قوى، وكان زملائى ينصتون جيدا دون أن يحدث أحدهم أية ضجة، وهذا من فضل الله رغم أنى لم أقدم أى جديد آنذاك. ويتضح معنى ما أقول إذا ذكرت أن أحد زملائى التوانسة، وكان معنا منهم فى الفرقة ثلاثة، وهو الأخ محمد بو زركونة، حين ألقى محاضرته لم يكن هناك ذلك الصمت الكامل, وربما كان ذلك راجعا إلى انخفاض صوته وغرابة لهجته. 
أما فى السنة التالية فكان علينا مادة بحث بإشراف د. خليف، وكانت تدور حول موضوع الشك فى الشعر الجاهلى. ولا أدرى الآن السبب فى عزوفى عن مجرد القراءة فى ذلك الموضوع، الذى كنت أسمع ما قالته لنا زميلتنا حسنة الزهار، الأستاذة الآن بكلية البنات بجامعة عين شمس، والتى لم أقابلها إلا أمس بعد انقطاع دام نحو ثلاثة وأربعين عاما لم ير فيها أحدنا الآخر، وكان ذلك فى كليتها حين ذهبت، كما أفعل كل أسبوع، لإعطاء طلبة الدراسات العليا محاضرتين فى نصوص المستشرقين ومناهج البحث، وهما المحاضرتان اللتان أعتمد فيهما على استحثاث الطلاب إلى إخراج ما عندهم والحديث بكل حرية عن رأيهم فيما قرأوه فى الموضوع الذى أحاضرهم فيه، شاعرا بالنشوة وأنا أستمع إليهم وأعقب على ما يقولون أو أبدى رأيى فى أمر من الأمور التى يسألوننى فيها... إلخ، موضحا لهم أننى أستفيد منهم كما يستفيدون هم منى وأن المحاضرة دون مشاركة الطلاب فى النقاش لا تساوى الكثير، وأن كثيرا من الأفكار التى أعتز بالتوصل إليها وأعد نفسى ابن بجدتها هى فى الغالب ثمرة أسئلتهم أو اعتراضهم أو تعبيرهم عن رأيهم حتى لو اختلفت معهم فيما يقولون، إذ الحوار هو الأساس فى كثير من الاكتشافات الفكرية، وأن الأستاذ هو فى الحقيقة مجرد طالب علم، وكل ما فى الأمر أنه سبق طلابه إلى طريق المعرفة وأنه قرأ أكثر منهم، وإن كان منهم من قد يفوقه ذكاء وفهما، وأنه من الطبيعى جدا أن يقع فى الأخطاء من كل نوع، وأن ما يقوله ليس كلاما معصوما، بل هو مجرد اجتهاد قد يصح وربما لا يصح، وأن الحقيقة لا يعلمها على وجه اليقين والكمال إلا الله، أما نحن فغايتنا أن ندندن حولها، وأن هذا هو ما سوف يحاسبنا الله على أساسه بغض النظر عن إصابتنا إياها أو لا، وأنه لا يصح أن يحقر أى منهم قدراته العقلية والفكرية. 
ترى هل يعى طلابى أبعاد ما أقول؟ أرجو هذا، وإن كان منهم من يؤكد لى أنهم قد تأثروا بكلامى وبإلحاحى الذى لا يفتر أبدا فصاروا يقرأون بعد أن كانوا لا يبالون بالكتاب ولا بالقراءة. وأحيانا ما أقول لنفسى إن كلامى سوف يؤتى ثماره بكل تأكيد ولو بعد حين، إذ لا يعقل أن يستحيل كل هذا الذى أقوله هباء منثورا دون أن يخلف وراءه أى أثر. ذلك أننى فى العادة لا أتصور أن يكون لكلامى تأثير ذو قيمة فى الطلاب، فأحاول أن أدخل الطمأنينة على قلبى بهذه الطريقة.
وكعادتى هنا فى استباق الأحداث للمقابلة بين ما كان وبين ما صار (وتكرير "بين" هنا مع اسمين ظاهرين سليم ليس فيه شائبة لغوية بالمناسبة) أقول: لقد دارت الأيام، وإذا بى أنغمس فى تلك القضية وأتناول ما كتبه مرجليوث فى بحثه الذائع الصيت: "The Origins of Arabic Poetry: أصول الشعر العربى"، فأترجمه وأعلق عليه وأدرسه فى كتاب مستقل، مع تفنيد كل ما جاء فيه مثلما فعلت مع كتاب "فى الشعر الجاهلى" لطه حسين فى كتابى: "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"، وكذلك فى بحث لى طويل بعنوان "نظرية طه حسين فى الشعر الجاهلى: سرقة أم ملكية صحيحة؟"، وهو منشور فى كتابى: "دراسات فى اللغة والأدب والدين"، ثم ينتهى بى الأمر إلى كتابة دراسة من عشرات الصفحات عما كتبه ابن سلام، الذى كنت فى البداية كغيرى من الباحثين أتصور أن ما قاله فى ذلك الموضوع هو الاعتدال المطلق والمنطق المحكم بعينه، فإذا بى منذ عدة أعوام قليلة أعكف عليه لأتبين أن معظم ما قاله ليس له أساس من الصحة، والباقى غير مقطوع به، إذ هو مجرد أحكام انطباعية أو مبتسَرة أو متسرعة من ناقدنا الكبير. وعنوان البحث المذكور هو "ابن سلام والشك فى الشعر الجاهلى"، وهو عبارة عن الفصل الأول من كتابى: "الأدب العربي- نظرة عامة لبيير كاكيا: عرض ومناقشة".
أما سبب عودتى إلى بحث ابن سلام فى الأعوام الأخيرة فهو دليل قاطع على صحة ما أقوله من أن مشاركة الطلاب فى المحاضرة، حتى لو قالوا كلاما غير ذى قيمة، من شأنه أن يحفز عقل الأستاذ على التفكير والإبداع. وهذا هو البيان: فقد حدث منذ عدة سنين قليلة أن كنت داخلا محاضرة "الثقافة العربية قبل الإسلام" للفرقة الأولى بقسم اللغة العربية بآداب عين شمس ظهرا، فوجدت طالبا كان يدرس فى السنة التمهيدية للماجستير يعترض طريقى فى الممر المؤدى إلى قاعة المحاضرة طالبا منى السماح له بحضور الدرس لأن أستاذهم لم يحضر ذلك اليوم، فرحبت به. وما إن شرعت أتكلم فى موضوع المحاضرة وأتناول الكلام عن الشك فى الشعر الجاهلى حتى علق قائلا إن ابن سلام قد أشار إلى أن الشعر الذى وردنا عن عاد وثمود غير صحيح لأن تينك القبيلتين قد بادتا عن آخرهما، ومن ثم لم يكن هناك من يمكن أن يكون قد روى شعرهما. قال الطالب ذلك دون أن تكون تلك هى النقطة التى أتحدث فيها ساعتئذ. ولكنى لم أُعِرْ تلك الشكلية اهتماما، بل ألفيت نفسى أقول له: اسمع يا فلان. هل تظن أن الله سبحانه قد أهلك نبييه: هودا وصالحا مع قوميهما؟ أجاب: لا. فعدت أسأله مرة أخرى: وهل تظن أن من آمنوا من هاتين القبيلتين بذينك النبيين قد عوقبوا وأُهْلِكُوا مع الهالكين؟ فعاد يجيب أنْ لا. فقلت للطلاب: ليعطنى أحدكم مصحفا لأقرأ الآيات التى تعرضت لعاد وثمود وعقابهما. ثم أردفت سريعا: وبالذات سورة "هود"، التى أحسب أنها أكثر السور القرآنية تفصيلا فى هذا الموضوع. 
فأعطتنى إحدى الطالبات مصحفا بعدما فتحتْه على الآيات المذكورة من تلك السورة الأخيرة، فقرأتُ على الطلاب بصوت عال ما جاء فى ختام الكلام عن كل قبيلة من القبيلتين وتمردها على نبيها: "وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ"، "فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ"، ثم عقبت بقولى: إذن فعاد وثمود لم تبيدا عن آخرهما كما ظن ابن سَلاَّم جَرَّاءَ فهمه الخاطئ لقوله تعالى فى سورتى "النَّجْم" و"الحاقَّة" على التوالى: "وأنه أهلك عادا الأولى * وثمود فما أَبْقَى"، "فأما ثمودُ فأُهْلِكوا بالطاغية * وأما عادٌ فأُهْلِكوا بريحٍ صَرْصَرٍ عاتية". ذلك أنه ظن أن الهلاك كان عاما شاملا لم يُبْقِ ولم يَذَرْ أحدا من هاتين القبيلتين، غير متنبه إلى أن الكلام هو عن الكافرين منهما لا عن كل أفرادهما واحد واحدا، وإلا لكان معنى الكلام هو أن الله قد عاقب نبييه: هودا وصالحا ومن آمن بهما ضمن من عاقبهم واستأصلهم من الكفار المتمردين، وهو ما لا يمكن أن يكون. 
ثم أردفتُ مرة أخرى: ولنفترض أن عادا وثمود قد استؤصلتا استئصالا تاما أفلم يكن هناك من القبائل العربية الأخرى من سمع بعض أشعار هاتين القبيلتين ورواها للأجيال القادمة؟ ثم مضيت فى توضيح فكرتى منبها إلى أن كلامى هذا لا يعنى بالضرورة أن ما جاءنا عن تينك القبيلتين من أشعار هو صحيح بالضرورة، بل كل ما أقصده هو أن حجة ابن سلام حجة داحضة، وإن كانت قد جازت على عقولنا قرونا طوالا. ثم قمت بتغيير سطر أو سطرين فى الطبعة الجديدة التى كانت توشك أن تظهر من كتابى: "فصول فى ثقافة العرب قبل الإسلام" فيهما خلاصة هذا كله باختصار شديد كيلا أفسد طبعة الكتاب كلها. لكنى لم أكتف بذلك، بل عكفت على مقدمة ابن سلام لكتابه: "طبقات الشعراء" أقرؤها بتدقيق لأنتهى بوضع دراسة مطولة عن الموضوع برمته لم أكد أترك فيها شيئا مما قاله ابن سلام فى تلك القضية إلا بينت أن أدلته فيها ضعيفة أو معدومة، ونشرتها أولا على المشباك (الإنترنت)، ثم ضمَّنتها بعد ذلك كتابى: "الأدب العربى- نظرة عامة لبيير كاكيا: عرض ومناقشة" كما وضحت آنفا. 
وكنت قد تنبهت إلى أهمية الحوار فى تحريك العقول وبلورة الأفكار وإبداعها منذ كنت فى الثانوية العامة، إذ قد أذكر أننى كنت ذات عصرية أستذكر دروسى فى مسجد السيد البدوى بطنطا، فجاءنى زميل لى (هو الذى ضربنى قبل عدة سنوات بالقبقاب فى رأسى) يسألنى عن شىء فى أحد المقررات، وكنت أظن أن معلوماتى فيه مشوشة فى ذاكرتى تشويشا تاما بحيث لا يمكننى أن أجمع أطرافها، لكنى ما إن بدأت أجيبه إلى مطلبه حتى ألفيتُ ما كنتُ قد نَسِيتُه من معلومات قد أخذ ينثال على تلك الذاكرة المظلومة، فتعجبتُ وعَزَوْتُ ذلك إلى أن سؤال زميلى لى قد أثار اعتزازى بنفسى حين قصدنى لأشرح له شيئا وكأنى أستاذ لا مجرد زميل له. ولست أظن هذا التعليل فاسدا لا قيمة له، ولكنى أضيف إليه الآن أن استفاضتى فى الكلام يرجع فى جانب منه على الأقل إلى أننى لم أكن أفكر وحدى فى الأمر، بل كان يحاورنى شخص آخر يستفز ذاكرتى وعقلى بسؤاله وإنصاته لى، وإن كان حواره سلبيا، بمعنى أنه اكتفى بالسؤال ثم صمت وأخذ يسمع، وأنا أستفيض فيما كنت أحسب أنه قد طار من ذهنى.
وفى الجامعة صارت القراءة أغزر وأعمق، وتصدرتْ قائمةَ الكتب التى أقرؤها تلك المتصلةُ بتخصصى من نحو وصرف وتفسير وتاريخ أدب ونقد وما إلى ذلك. وكانت زمالتى وصداقتى لبعض طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية سببا فى انغماسى فى المناقشات السياسية، والدينية أيضا، فقرأنا وتناقشنا فى الشيوعية والوجودية والاتحاد السوفييتى، الذى كان له بين زملائنا أنصار ومفتونون، مثلما كان له كارهون، وإن كانوا فى ذلك الوقت قليلين، وكنا منهم، إلا أننا كنا نتميز عنهم بأننا لا نحب أمريكا أيضا، ونرى ولا نزال أن الإسلام أفضل من الشيوعية والرأسمالية معا جميعا. ومما أذكره من الكتب التى قرأناها فى ذلك الحين كتاب "آثرت الحرية" لفيكتور كرافتشنكو، الذى اشتريناه بعشرة قروش من سور الأزبكية القديم أيام كانت حديقة الأزبكية مكانا شاعريا مخضوضرا. وكنت أسمع من زملائنا الكارهين للشيوعية قولهم: نار الرأسمالية ولا جنة الشيوعية. وكنا نقرأ كتب العقاد التالية: "الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام" و"لا شيوعية ولا استعمار" و"هتلر فى الميزان" و"فى عالم السدود والقيود" والعبقريات، بالإضافة إلى ردوده على المستشرقين والمبشرين من خصوم الإسلام، وكنا نعتز بما كتبه أيما اعتزاز، ونعد ما خطه يراعه هو القول الفصل، ونفضله كثيرا على طه حسين، على العكس من اليساريين والعلمانيين، الذين كانوا يَرَوْن أن طه حسين أفضل من العقاد. 
وكان نجيب محفوظ ضمن اكتشافاتى الجامعية، إذ لم أكن قرأت له شيئا من قبل، وكانت معرفتى به مقصورة على ما كنت أسمعه أوأقرؤه عنه. ومنه حديث سمعته له فى الإذاعة المصرية وجدته ينطق فيه كلمة "مغربى" بفتح الراء بدلا من كسرها، فأثار هذا استغرابى بشدة. كما كان لنا زميل أزهرى من القرية يصغرنا فى التعليم بسنة أو سنتين قال لنا، ونحن فى الإعدادية، إنه أرسل إلى نجيب محفوظ رسالة ضمنها بعض تجاريبه فى الكتابة فرد عليه الأديب الكبير برسالة مثلها. إلا أننا لم نشأ أن نصدق ما يقول، وألححنا عليه أن يطلعنا على الرسالة إن كان ما يقوله حقا، فكان يَعِدنا ثم يسوّف... إلى أن كنا على مئذنة الجامع الكبير ذات ظهرية، ورأيناه من هناك على سطح بيتهم، وكان قريبا نسبيا من الجامع، فأبصرناه يمسك ورقة فى الهواء ويقول إنها هى رسالة نجيب محفوظ. وانتهت المسألة عند هذا الحد، ولكننا بطبيعة الحال لم نصدق هذه الحيلة الساذجة. ولعل أول عمل طالعته لأديبنا العبقرى، الذى اتهمنى طبيب أسنان منذ عدة سنوات ظلما وافتراء بأنى شتمته فى المحاضرة أمام طلبتى قائلا إنه كافر وابن كلب، هو "الثلاثية"، التى أبكتنا وأضحكتنا حتى القهقهة بما فيها من حيوية وحياة لا أظن رواية عربية تحظى بهما أو بنصفهما. ثم كانت الثلاثية معبرا إلى عدد آخر من أعمال محفوظ والاستمتاع الضخم بما يكتبه. 
ومرت الأيام والشهور والأعوام، وإذا بى أكتب عن الرجل عددا من الدراسات منها الفصل الأخير من كتابى: "فصول من النقد القصصى" حيث تناولت بالتحليل المفصل روايته: "رحلة ابن فطومة"، والفصل الثانى من كتابى: "ست روايات مصرية مثيرة للجدل"، الذى خصصت فيه عشرات الصفحات للحديث عن "أولاد حارتنا" والرموز التى تتضمنها وما قاله النقاد عنها على اختلاف مشاربهم وأهوائهم وغاياتهم، ورأيى أنا فى تلك القضية. وهذا إلى جانب ما كتبتُه عَرَضًا عن الرجل فى هذا الكتاب أو ذاك من كتبى. ورأيى الذين أدين به وعلى استعداد للشهادة به أمام الله يوم القيامة أن محفوظ، أيا ما يكن رأينا فى اتجاهه الفكرى ومواقفه السياسية، هو أديب عالمى بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. وقد كررت مرارا أنه أفضل كثيرا من بعض من حصلوا من الأوربيين والأمريكيين على جائزة نوبل فى الآداب، وأنه كان يستحقها قبل زمن طويل من حصوله عليها فى أواخر ثمانينات القرن المنصرم. كذلك أرى أن العقاد مثلا قلما يوجد له ضريع بين مفكرى العالم وكُتَّابه، وأنه يستحق نوبل مثلما يستحقها محفوظ، بل أكثر مما يستحقها محفوظ. ولقد أكد محفوظ هذا المعنى حين فاز بالجائزة، وإن لم يقتصر على ذكر اسم العقاد فى هذا السياق، بل أرفق به طه حسين فيما أذكر، وكذلك توفيق الحكيم.
وكان زملائى فى الجامعة الذين مر ذكرهم من خيرة طلابها، إن لم أقل إنهم خيرهم بإطلاقٍ ذكاءً وثقافةً ونقاءً وتدينًا واستنارةً. ولم نكن ننتمى إلى أية جماعة أو تنظيم، وكنا نستقى ديننا من العقاد وشلتوت وأمثالهما فى المقام الأول، كما كنا نقرأ فى الفلسفة والمذاهب السياسية، ولم نعرف الانغلاق ولا التبعية لأى شخص. كذلك كنا نحب أن نقرأ لزكى نجيب محمود لنصاعة أسلوبه وسخريته المبطنة رغم مخالفتنا لكثير مما يكتب. وقد شعرنا بالفرحة حين علمنا أنه سوف يناقش طالبا من طلابه فى المدرج الكبير بكلية الآداب، وهو الطالب إمام أحمد إمام، فذهبنا لحضور تلك المناقشة، وكانت أول مرة نحضر مناقشة رسالة جامعية. واشترك معه فى مناقشة الطالب د. فؤاد زكريا، الذى أذكر أنه اعترض، ضمن ما اعترض عليه من لغة الطالب، على استعماله كلمة "لاَشَى"، قائلا إنه لا وجود لها فى المعجم، فاستغربت أنا من تلك التخطئة لتصورى أنه ما دام هناك "تلاشى" فمن الطبيعى أن يكون الفعل: "لاشى" موجودا أيضا لأن "تلاشى" هو المطاوِع له، والمطاوِع فرع من المطاوَع، وهو هنا "لاشَى". ذلك أننى أحب أن يطرد القياس فى اللغة إلى أبعد مدى، وإلا فما معنى القواعد اللغوية؟ وما لزومها؟ هكذا كنت أفكر. والانطباع الذى خرجت به من جَرْس صوت د. فؤاد زكريا هو الحذلقة، إلا أنها كانت حذلقة محببة. كما كان هناك كذلك د. يحيى هويدى، الذى حظى منا بأقل قبول بين الأساتذة الثلاثة المناقشين، الذين أَثْنَوْا على مقدرة الباحث فى الترجمة من "الألمانية"، إن كنت لا أزال أتذكر ما حصل جيدا.
وكعادتى فى سبق الأحداث قبل حلول موعدها أذكر أننى قد دخلت مع د. فؤاد زكريا بعد ذلك بنحو عشرين سنة فى معركة فكرية على صفحات "الوفد"، إذ كانت تلك الصحيفة قد اتفقت معى فى منتصف ثمانينات القرن المنصرم على كتابة مقال نقدى كل أسبوع فى نحو ست صفحات أو سبع، وزودنى الأستاذ جمال بدوى مدير التحرير ببعض الكتب أتخذ منها فى البداية موضوعات لمقالاتى، فاستقر عزمى على تناول كتاب د. زكريا عن "الحقيقة والوهم فى الحركات الإسلامية"، واختلفت معه فيما قال، لأفاجأ فى الاسبوع التالى بنشر الصحيفة ردا له على ما كتبت، وهو أمر طبيعى، إلا أن ما ليس طبيعيا أنهم لم يخبرونى بالأمر، علاوة على أنهم أجّلوا مقالى التالى ودون أن يخطرونى مسبقا كذلك. ثم زادوا فقالوا إنهم يغلقون باب الأخذ والرد فى الأمر، ودون أن يرجعوا إلىَّ أيضا، معتذرين عن نشر ردى على رد الرجل، فزاد هذا من حنقى، إلا أننى ضغطت على نفسى وقلت: دعك من العصبية المعروفة عنك يا خِلّ، وامض فى الكتابة وكأن شيئا لم يكن. بيد أننى فوجئت بهم ينشرون مقالا فى الرد على رد د. فؤاد زكريا لدكتور آخر ينتمى إلى الإسلاميين، فكانت هذه قاصمة الظهر، إذ توقفت عن إرسال أى شىء لهم بعد المقالين الآخرين اللذين كنت بعثت بهما إلى الصحيفة. وقد جاءنى شاب من تلاميذى كان يشتغل مصححا هناك يسألنى عن مقالى الجديد، فرفضت أن أعطيه شيئا رغم ما أكده لى من أنهم وعدوا بعدم الإقدام بعد ذلك على فعل أى شىء مما أغضبنى. إلا أننى أصررت على موقفى، لتنتهى صلتى بـ"الوفد" ولم تكد تبدأ. وقد عاتبنى صديق لى بأن هذه فرصة لى للانتشار وتحقيق الجماهيرية، لكنى اختلفت مع وجهة نظره مؤثرا كرامتى على جماهيريتى رغم أنه لم يجد فيما فعلته "الوفد" ما يمس تلك الكرامة. 
وأعود إلى أيام الجامعة فأقول إننا كنا نخرج فى كثير من العصارى نسير على أقدامنا فى الغالب من حى بين السرايات حيث تقوم المدينة الجامعية حتى التحرير، وأحيانا نستمر فى السير والنقاش حتى العتبة، ومرة أكملنا السير إلى حى الحسين ذاته، ثم بعد تطوافة هناك فى الشوارع الصغيرة ركبنا الحافلة وعدنا أدراجنا إلى بين السرايات. وكثيرا ما كنا نذهب للسينما أو نقصد آلاميريكين فى شارع 26 يوليه "l’Américaine À: على الطريقة الأمريكية". وكنا ننطقها كما ينطقها كل الناس: "الأمريكين" (بإمالة الياء الثانية) لتناول الآيس كريم الذى كنا نسميه: "ثلاثة خنازير صغيرة" مُتَرْجِمِين، فى قهقهة وحبور، اسمه الفرنسى: "Trois Petits Couchons"، فقد كان الجرسون يحضر لكل منا سلطانية تحتوى على ثلاث بولات، أى ثلاث قطع من الآيس كريم كروية الشكل، فنأكلها بالهنا والشفا ونضحك ونخرج سعداء إلى شارع 26 يوليه (أو كما كنا وكان ناس كثيرون فى ذلك الوقت يقولون: شارع فؤاد)، الذى كان يبدو لنا فى آنذاك غاية فى الأناقة والأرستقراطية. وفى الفترة الأخيرة (وآخرها اليوم 13 فبراير 2013م ظهرًا وأصيلاً) أتجول فيه كل عدة أيام، وقد أقف عند الواجهات الزجاجية أتفرج على الأحذية الجديدة كما كنت أصنع وأنا فى مقتبل الشباب. ولكن أين 26 يوليه الحالى من 26 يوليه القديم؟ وأين شارع سليمان ذلك الوقت من شارع سليمان الآن ببائعيه السريحة المنتشرين بعرباتهم فوق الأرصفة فى كل مكان؟ نعم أين شارع سليمان القديم من شارع سليمان ما بعد الثورة الينايرية، التى ما زالت توابعها المزلزلة تتتالى حتى بعد مرور سنتين دون أن يكون هناك ما يدل على أن مصر سوف تستقر أمورها قرييا؟
ياه! لقد كنت آنذاك فى الثامنة عشرة إلى الثانية والعشرين، أما الآن ففى الخامسة والستين. وكنت وقتها أتنزه فى وسط البلد للتنزه ذاته، أما الآن فلا أنزل وسط البلد إلا لبعض الأعمال الرسمية أو الملحة. كما أذهب الآن وحدى، على العكس من الوضع أيام زمان حيث كنت لا أكاد أنفصل عن أصدقائى. وكنت فى تلك الأيام أشعر بالمستقبل ممتدا منبسطا إلى أبعد مدى، أما الآن فلم يعد أمامى إلا أيام قليلة أغادر بعدها الدنيا تاركا إياها للأجيال التالية كما غادرها من سبقونا وتركوها لنا. هكذا سُنَّة الحياة!
وفى الجامعة كان لبطل مذكراتنا هذه زملاء وزميلات منهم زميلة من بلد عربى مجاور جميلة وأنيقة وحيية لفتت نظره ثم لفتت شيئا آخر غير نظره هو قلبه بل كيانه كله، وكان ذلك فى السنة الأولى، فكتب مقالا فى مجلة حائط كان يصدرها بمساعدة صديقه اليابانى المسلم الظريف الذى كان يصور المجلة بريشته البارعة، وكان عنوان المقال: "أميرتى ذات الحذاء الساحر"، ورسم اليابانى محسن يوشيهارو أوجاساوارا صورة قريبة الشبه بالأميرة. وشعر بطل مذكراتنا، على طريقة الفنانين، بالنشوة وهو ينشر المقال، إلا أن النشوة لم تكتمل ولم تستمر، إذ كان المقال سببا فى قيام حاجز من التحرج بين الاثنين على مدار السنوات الأربع التى استغرقتها الدراسة بالكلية، وعادت الأميرة إلى بلادها دون أن يتحادثا، اللهم إلا مرة واحدة يتيمة دار حديث سريع بينهما على انفراد بعد المحاضرة المسائية التى كان يلقيها عليهم د. محمود فهمى حجازى العائد حديثا من ألمانيا فى تاريخ العرب قبل الإسلام حيث سمع بطل مذكراتنا لأول مرة باسم د. جواد على وكتابه الخاص بتلك الفترة من التاريخ العربى. لقد دعاها عقب المحاضرة وانطلق وهى تتبعه مسرعة تبعا لإيقاع سيره السريع مما أثار استغراب الزملاء، وسألها وهما وحدهما عن خطاب بعث به إليها على الكلية فأنبأته أنها تسلمته، ودار بينهما حديث سريع حول ذلك الخطاب دون أن يبدو عليها ضيق أو انزعاج من الأمر ودون أن تقول مع هذا شيئا يشى بما تجنه فى قلبها. بيد أن غيابها على غير المعتاد فى اليوم التالى أفسد كل شىء وأيقظ حساسية الشاب، وهى المستيقظة بطبيعتها، فكانت الفاصلة. واصطبغت أيام بطلنا بالقلق والضيق والإحباط جراء ذلك الحاجز الصلب والصلد الذى قام بينهما بغتة، ولم يكن يخفف من ذلك سوى النظرات التى كانا يتبادلانها أثناء المحاضرات. لقد كان شديد الحساسية رغم جرأته الفنية تلك. ولو كان ذكيا لما نشر مثل ذلك المقال فى محيطه الضيق الذى لا يمكن أن تفوت الطلاب فيه فائتة، فضلا عن أن الطرف الآخر كان من بلد تغلب عليه التقاليد الصعبة. ومن يدرى، فلربما لم تكن تشعر نحوه بأى شىء. ولكن ماذا عن النظرات التى ظلت تُتَبَادَلُ بينهما طَوَال السنوات الأربع؟ كثيرا ما قال لنفسه: أتراها تهتم بك؟ فلِمَ إذن لا تُقْبِل عليك؟ فيجيب نفسه قائلا: وأنت ألا تهتم بها اهتماما ملك عليك أقطار نفسك وحياتك، ومع هذا فأنت لا تقبل عليها؟ إن هذا لمن ذاك. 
والحقيقة أنه، رغم مرور كل تلك العقود الطويلة على صديقنا المحب القديم ورغم نضجه الفكرى والاجتماعى والنفسى ورغم قراءاته وما يرفد به قصاده المتوجعين (مثلما كان يتوجع أيام الجامعة) من نصائح فى هذا المجال وكأنه قد قطَّع السمكة وذيلها، ما زال عاجزا عن إجابة ذلك السؤال. وكان أيامئذ كثيرا ما يسأل نفسه: وماذا لو كانت تبادلك الاهتمام وتصارحتما بما يشعر به كلاكما نحو صاحبه؟ أويمكن أن تتزوجها، وهى من بلد غير بلدك، وأنت غير مستعد للزواج ولا تستطيع الباءة التى تحدث عنها الرسول؟ لكن الحب بطبيعة الحال أعمى، أو قل: إنه إنسان طيب القلب على نياته لا يعرف مثل هذا المنطق الواقعى الأرضى. إنه يتغذى على ذاته ولا يستند إلى أى شىء خارج عن مملكته. وإلا فكيف تفسر، أيها القارئ، ما حدث لعنترة وقيس وجميل وكُثّيِّر والعباس بن الأحنف وابن زيدون... إلى آخر القائمة الطويلة للمحبين العرب وحدهم؟ لو كان الحب للزواج فقط ماكانت قصص الحب الخالدة التى عرفتها وتعرفها وستعرفها الإنسانية على مدى تاريخها الطويل فى كل بقاع الأرض، وعند كل الأمم. لقد كانت تجربته العاطفية تلك تختلف عن تجربته العاطفية القديمة حين تفتح قلبه للحب أول مرة وفتح عينيه على السعادة الصافية وهام فى الملكوت وصعد إلى السماوات العلا. لقد كان الحب الأول خاليا من الإحباطات، فقد كان يرى فتاته طوال إجازة صيفية كاملة وعام دراسى كامل بين أهلها وإخوتها، ويكلمها وتكلمه ويناقشها وتناقشه ويتبادلان الرأى... إلى آخر ما يمكن أن يكون بين فتى وفتاة فى مثل تلك الظروف، مع الاحترام التام والعفة النقية الصافية التى لا تكدر صفاءها ذرة من عيب. أما هذا الحب الجديد فكان، مع عنفه وبطشه، مفعما بالحرمانات والمرارات على الدوام. وكان أصدقاؤه المقربون يحاولون على الدوام التخفيف عنه فيهدأ بعض الوقت لتعود الأمور سيرتها الأولى مرارة واشتعالا... وهكذا دواليك، إلى أن انصرمت السنوات الأربع، وعادت الأميرة إلى بلادها. ترى أين هى الآن؟ وماذا تصنع؟ اللهم أسعد حياتها إذا كانت لا تزال على قيد هذه الحياة! 
على أن هذا الاشتغال بالأميرة كانت له فوائده التى لا تحصى. لقد عصمه الله به عن الدنايا، إذ من ذا الذى يهتم بمثل الأميرة أناقةً وجمالاً ورِقَّةً وحياءً وأرستقراطيةً ونعمةً ورُفَهْيِنَةً ثم يمكن أن يتدهدى إلى من هى دونها أو إلى أى سلوك لا يليق؟ كما أن صديقنا ذا العواطف المشتعلة كان يعمل، دون تنبه منه، كل ما من شأنه أن يزيده فى نظرها، طبقا للواقع الحقيقى أو للوهم الزائف المستكن فى ذهنه، رفعة وتفوقا، فكان يقرأ كثيرا، وإن كانت القراءة قد استحالت منذ وقت بعيد إدمانا لديه، فليس فيها فى ذاتها من جديد، إلا أنه كان أيضا لا يترك شيئا يقوله أستاذ من أساتذته ويكون له فيه رأى إلا ناقش الأستاذ بشأنه واستشهد بمن قرأ لهم من الكتاب والعلماء والمفكرين القدامى والمحدثين فى جرأة لا تعرف التردد أو الغمغمة، فكان الجميع يعاملونه معاملة خاصة حتى من لا يحبه منهم. وقد صقلت هذه المناقشات عقله وذوقه وشخصيته كلها، فخرج من الكلية وقد أمسى شخصا غير الذى كانه إلى حد بعيد، وهو ما عوضه بعض التعويض عن تلك الآلام الباهظة التى كان يصطليها فى معظم الأوقات طوال السنوات الأربع.
كما كانت الصلاة سبيلا إلى تخفيف الأوار المشتعل فى فؤاده، لكن الألم كان أقوى من أن يكون هناك حل حاسم يقضى عليه. وكانت الأغانى العاطفية سبيلا آخر للتخفيف عما يلاقيه من بُرَحَاء. إلا أنها، ككل شىء آخر، كانت تخفف عنه شيئا من التخفيف لتعود الأمور سريعا إلى ما كانت عليه من قبل. وكان يوم الجمعة يوما مملا لأنه لا يتمكن فيه من رؤية الأميرة، إذ الجامعة تغلق أبوابها. ومما لا يمكن أن ينساه صديقنا المحب أغنية عبد الحليم التى سمعها هو وبعض زملائه من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وهُمْ فى النصف الأول من أول أعوامهم الدراسية فى الجامعة، إذ كانوا عائدين ذات ليلة رمضانية بعد تناول السَّحُور فى مطعم المدينة الجامعية، فلم يشاؤوا الصعود إلى غرفهم، بل عاجوا على الصالون الزجاجى الواسع الموجود فى الطابق الأرضى من المبنى الخامس، وكان غير مضاء، ونور القمر النحيل يتسلل إلى ركن من أركانه، وكان هناك مذياعٌ يَدَوِىٌّ تنطلق منه أغنية "بأمر الحب"، فأنصت الجميع إنصاتا تاما، وجاشت مشاعره وهو يسمع المطرب الحاذق الحساس يشدو بقوله: "ونجمَهْ مسكْتِها بإيدى وكانت فى السما بِعِيدَه * وشِىءْ فى الليل متوِّهْنى، وشىء ف عْنِيك بيندهْنى"، فازدادت عواطفه جيشانا، وكادت دموعه تطفر من مآقيه لولا الحاضرون رغم ما يسود المكان من عَتَمَة، وشعر بروحه تنطلق من زجاج الصالون وترتفع إلى الأعالى مع كلمات الأغنية التى يطوّلها المغنى فى شجن قاهر وكأنه يطير معها إلى السماء يريد أن يفر من أوهاق الأرض وحسراتها. لقد كان سنوات أربعا صعابا تمام الصعوبة. رحم الله تلك الأيام الصعاب! إنها جزءٌ غالٍ من حياته لا يمكن أن يهون عليه. وهل تهون "الآلام" إلا على ابن الحرام؟ والآن هأنذا بعد أن كتبت هذا الكلام بعدة أسابيع أستمع إلى الأغنية المذكورة المسجلة على الكاتوب (أو الحاسوب إن شئت)، وأصل إلى البيتين اللذين يطيران بنا إلى النجم العالى الذى أمسك به الشاعر والمغنى فى رحلتهما السماوية وأمسكنا به معهما، ويرن فى أذنى صوت الأرغول البديع الحزين الذى يجاوب المغنى كلما أطال كلماته، فأتخيل تلك الليلة العجيبة، بل أعيش فيها من جديد رغم انصرام عشرات السنين وانتقالى معها من الصبا والشباب النضر المقبل على الحياة فى أمل، وإن كان حزينا شجيا، إلى الشيخوخة المولِّية، وأشعر بأن شيئا ما يقبض على قلبى ويؤلمه إيلاما، لكنه إيلام محبب رغم كل شىء، إذ فيه بعض من عطر الشباب الضائع، فتتندى له عيناى، وتوشك الدموع أن تنفرط من سلكها لولا فضل من تماسك. اللهم عفوك ورحمتك!
وفى تلك الأيام وقعت فى يد الفتى رواية الكاتب الروسى ترجنيف المسماة: "الحب الأول"، فقرأها فألفى نفسه يتقمص بطلها ويشعر بما يشعر به ذلك البطل، ويحس وهو يطالعها بأن شيئا عنيفا يضغط على قلبه بل يعصره. كما قرأ فى السنة التالية رواية محمد عبد الحليم عبد الله: "شمس الخريف"، التى كانت أول شىء يقرؤه للكاتب. وكان يطالعها وكأنه بطلها مختار، ذلك الصبى الذى كان يهرب من الإسكندرية إلى عزبة خورشيد بعد موت أبيه وترمُّل أمه، فينطلق فى الحقول أو يجلس إلى عم خليل الرجل الريفى وأسرته فى الحقل هناك، فكان صديقنا يجد نفسه كثيرا فى الرواية وأحداثها وفى الطبيعة التى أبدع الكاتب فى وصفها فى النصف الأول من الرواية قبل أن تنتقل أحداثها مع انتقال البطل إلى القاهرة. ومع هذا كله لم تستطع الرواية أن تقضى على آلام صديقنا القضاء المبرم رغم أنها قد لَطَّفَتْ، أثناء مطالعته لها، من ألم النيران التى كان يصطليها بعض التلطيف.
لقد كانت الكتب، وبخاصة الروايات، إحدى وسائله إلى هدهدة الجراح التى تنتاش قلبه. ولعل هذا كان، دون أن يدرى، السبب فى وقوفه عند هذه الوسيلة الناجعة فى مداواة العواطف فى رسالته التى حصل بها على درجة الدكتورية من أكسفورد سنة 1982م، وكذلك فى كتابه الذى ألفه فصلا بعد فصل مع كل محاضرة يلقيها على الطالبات فى جامعة قطر فى بداية هذا القرن، وهو كتاب "التذوق الأدبى". وإنه ليستغرب كيف يقدم بعض المشايخ من المحسوبين على علماء الإسلام، وبضاعتهم من الفهم والعلم والتذوق ضئيلة مزجاة، على تحريم كتابة الروايات والقصص بحجة أنها تقوم على الكذب، إذ يكتب القصاص أن فلانا قام من نومه الساعة الفلانية فصنع كذا وكذا، وقال كيت وذيت، فى حين لا وجود لفلان هذا ولا لما ينسب له من أقوال وأفعال. ولا ريب أن هذا ضيق أفق وقسوة وتنطع وسخف، إذ يكفى أن هؤلاء المحسوبين على علماء الدين يريدون حرمان عباد الله من دواء نفسى ناجع، وإن كان مؤقتا، لكنه بكل يقين أفضل تماما من ترك المعذبين يتلظَّوْن فى نار الحرمان دون أن نتيح لهم وسيلة تخفيف لهذا العذاب تخلو من عصيان الله ولا تؤذى أحدا من عباد الله. ثم أين الكذب هنا، والمؤلف لا يقول بتاتا إنه يحكى شيئا وقع، ولا يفهم القراء ذلك؟ ومن المعروف أن هناك اتفاقا ضمنيا على أن المؤلف إنما يروى ما يرويه من بُنَيَّات خياله وإبداعه. فلم التحبيك السخيف؟ إن هؤلاء المفتين يجهلون ما هو معروف فى النقد الأدبى من أن ما تقوله القصص لم يقع، ولكنه قابل لأن يقع، بمعنى أن حدوثه غير مستبعد، بله مستحيلا. وهذا مربط الفرس. 
وقد كانت مشاعر صديقنا هذه نحو فتاته سببا فى إثارة موضوع مهم يتعلق بالحب، ألا وهو: هل يمكن أن يقع الإنسان، رجلا كان أو امرأة، على مدار حياته فى أكثر من حب، ويكون حبا صادقا صادرا من الأعماق؟ لا ريب أن حالة صديقنا كانت أبلغ رد على من يتوهمون أن الحب الصادق العنيف لا يقع سوى مرة واحدة فى العمر بحيث لا يمكن أن يتعلق قلب الشخص إلا بمحبوب واحد. ومن الواضح أن هذا الوهم لا علاقة له بدنيا الواقع، التى كثيرا ما نقابل فيها من يمر بتجربة الحب مرة واثنتين وثلاثا... وهكذا، وبخاصة إذا لم يوفَّق فى حبه السابق فلم ينل غرضه من الاقتران بمن يحب. وفى الإسلام لا مكان لتلك الرهبنة التى يمكن أن يظن بعض الناس أنها هى الحل لمن فشل فلم يحصل على ما يريد ولم يتزوج من ثم حبيبته. ومن الواضح أيضا أن الحياة لا تصيخ السمع لمن يردد مع أساطير الإغريق أن الله قد خلق كل اثنين من بنى الإنسان كيانا واحدا ثم قسم ذلك الكيان الواحد اثنين ثم أنزلهما إلى الأرض ليبحث كل منهما عن نصفه الآخر، الذى لا يستريح ولا يجد نفسه ولا سعادته إلا معه دون سواه من أفراد الجنس المقابل، بما يعنى أنه لا يمكن أن يكون لكل منا إلا شخص واحد يناسبه هو نصفه الذى كان ملتحما به فى السماء قبل أن ينزلا إلى الأرض. إن هذا كلام فنى جميل، لكنه غير واقعى ولا منطقى. والقلب يمكن أن يقع فى الحب أكثر من مرة. كل ما هنالك أن فوز المحب بمحبوبه حَرِىٌّ أن يخفف من لهفته إليه وانتقال الحب المشتعل الذى كان يكوى قلبيها إلى عشرة ومودة هادئة فى أغلب الأحيان، إذ لم نر زوجين يظل كلاهما مشغوفا برفيقه نفس الشغف القديم الذى كان يعذبه قبل حصوله عليه. 
كما كانت تلك التجربة فرصة لصديقنا للتمعن فى ذوقه تجاه الجنس اللطيف، فتنبه إلى أنه بوجه عام لا يميل إلى السُّمْر ولا إلى النحيفات أو الممتلئات، بل البضات. كذلك لم تكن تعجبه المرأة إلا إذا كانت أنيقة راقية العقل مثقفة مهذبة رغم أنه من الريف، ولم يكن فى الريف وقتها بنات يتعلمن إلا على سبيل الشذوذ والندرة، كما أن البيئة الاجتماعية التى خرج منها بيئة عادية جدا، إلا إذا تنبهنا إلى أنه كان يقرأ، ويقرأ بعمق، ويصاحب عمالقة المؤلفين ممن نوروا عقله، وصقلوا ذوقه، وأرهفوا عواطفه، ورَقَّوْا مطامحه، وأخذوا بيده من الأرض إلى السماء. ولا ننس أن أباه، وإن كان تاجرا ريفيا، كان يقرأ الصحف والمجلات كلها تقريبا، ويستمع إلى أحاديث كبار الكتاب والصحفيين فى الإذاعة، فضلا عن بعض الكتب حسبما مر من قبل. ولا شك أن لهذا كله تأثيرا على صديقنا المحب.
ولا بد كذلك أن نتحدث عن أصدقاء صاحبنا غير المصريين فى تلك المرحلة، كمحسن اليابانى، وريانج الكورى الشمالى، ومحمد الهندى، وغيرهم من طلاب الصين والاتحاد السوفييتى وفييتنام. وقد جعلته هذه الصداقات التى حظى بها فى المدينة الجامعية بحى بين السرايات بالقاهرة عالمى الفكر، فهو يناقشهم ويقارن بين مايقولونه عن بلادهم وأديانهم وعقائدهم وما يراه هو حوله فى بلاده وما يعرفه عن دينه وأمته... وهكذا. وهو ما تكرر فى أكسفورد حيث انعقدت بينه وبين عدد من الباحثين من بلاد العالم المختلفة صداقة أو زمالة أو مجرد تعارف. وكان معظم هؤلاء الأصدقاء الذين تعرف إليهم فى جامعة القاهرة ظرافا خفاف الدم. فمحسن اليابانى مثلا لا يكف عن الضحك وحكاية نوادر جحا، الذى كان يسميه: "مهران العبيط"، أو بنطقه هو: "مَرَانَبِطْ". وقد كتبت عنه فى السنة الأولى بالجامعة مقالا بعنوان "الشعب المصرى شعب دمه خفيف"، شغل محسن منه حيزا كبيرا. ومما قلته عنه ما كان يردّ به علىَّ فى كل مرة أطلب منه على سبيل المداعبة أن يعطينى سترته، التى لم تكن تصلح لى لأن حجمى أكبر من حجمه كثيرا، فقد كان يقول: "انظر يا إبراهيم. إنها مكسورة". يقصد أن جيبها الداخلى ممزق بعض التمزيق. لكنه يتحدث عنها كما لو كانت منسوجة من الخشب أو من الحديد مثلا، ومن ثم لا يقول إنها ممزقة، بل مكسورة. وهنا أود أن أشير إلى أن اللغة الإنجليزية تقول عن الخيط إنه "broken"، والترجمة الحرفية أنه مكسور. أما نحن فنقول فى العربية إن الخيط مقطوع. 
ولم يكتف صديقنا بمصادقة هؤلاء فى الجامعة فقط، بل أخذ معه محسن اليابانى إلى طنطا عند أسرة صديقه المرحوم أحمد الزاهد، فاحْتَفَوْا به أيما احتفاء وأحبوه حبا جما. ومن ناحيته أحبهم هو كثيرا جدا. بل أخذتُه أيضا إلى قريتى كتامة الغابة، وقضينا هناك ليلة أزعجتْ البراغيث فيها محسنا، فكان يقوم من نومه ويضم كفيه مفتوحتين انتظارا لقفزة برغوث من هذه البراغيث، وحينئذ كان يغلق الكفين عليه فإذا به فى الشَّرَك لا يستطيع منه فكاكا. بل زدت فأخذته مرة إلى قرية إخوتى من أبى: ميت الديبة التابعة لمركز قَلِّين بمحافظة كفر الشيخ. ولما وصلنا كفر الشيخ وأردنا متابعة الرحلة إلى القرية المذكورة لم نجد إلا سيارة أجرة قديمة متهالكة من أيام نوح عليه السلام، أو ربما قبل نوح والطوفان، فلم نجد مفرا من ركوبها، ولم نجد فى داخلها مكانا لأينا، فتشعبطنا على الرفرف، وقد اختفت السيارة تماما وراء أجساد الركاب على الجانبين، وعلى الشنطة من الخلف، وعلى مقدمة السيارة ما عدا فرجة صغيرة من الزجاج كان السائق الريفى المفعوص تماما بين الركاب ينظر من خلالها إلى الطريق حتى لا يسقط ونسقط معه فى الترعة. ولست أستطيع أن أتذكر الآن هل كان هناك ركاب آخرون مسطّحون فوق السيارة أو لا. وكان محسن اليابانى يضحك وأضحك معه على هذا الزحام المرعب الذى لم يشاهده قط فى سيارة، ونأخذ فى عَدّ الركاب فنجدهم قد تجاوزوا العشرين كثيرا رغم أن السيارة من الناحية القانونية لا ينبغى أن تحمل أكثر من سبعة ليس إلا. وكان الخطاطون يكتبون أيامها على زجاج سيارات الأجرة الأمامى: "أولاد النبى 7 راكب". يا صلاة النبى! بالله عليكم هل شفتم عبقرية كعبقرية المصريين فى الربط بين النبى وسيارات الأجرة؟ ومما قاله لى محسن يوشيهارو أوجاساوارا ضاحكا، ونحن متشعبطون على السيارة: إنه سوف يكتب إلى أمه (ذلك أن أباه كان قد مات قبل ذلك) واصفا لها منظر السيارة ومحصيا لها عدد الركاب. ثم يردف قائلا: المشكلة أنها لن تفهم كلامى، بل ستظن أننى إنما أتحدث عن أوتوبيس لا تاكسى! فيفطس العبد لله من الضحك. ألم تفطسوا أنتم أيضا؟ إذا لم تكونوا قد فطستم فبالله عليكم أرجوكم أن تفطسوا، ولا تكسروا خاطرى. افطسوا! افطسوا! 
وكنت كثيرا ما أذهب مع محسن إلى مدينة البعوث الإسلامية فى الدراسة حيث يسكن، فيطبخ لى (أو لنا إذا كان معى صلاح أبو النجا زميلى بالاقتصاد والعلوم السياسية، والسادس فى دفعتى من الثانوية العامة على الجمهورية) طعاما يابانيا: أرزا بدون لبن أو سمن أو زيت (وربما بدون ماء ولا أرز أيضا)، وفيه صراصير بحر وخنافس بحر، ولا أدرى ماذا أيضا من العناصر البحرية ذات الأسماء البشعة مع أن طعمها لذيذ، على الأقل: ألذ من الأرز اليابانى الشاهق البياض. وكنت آكل دون تقزز، إذ لم تكن هناك صراصير ولا دياولو، بل مجرد أسماء فحسب. أما صديقى أبو النجا فكان يشمئز من الطعام ويكتفى بالنقنقة من أى لون محايد من ألوان الطعام المحسنى. وقد شاهدت محسن ذات مرة يصنع لى أنا وهو فى دقائق معدودات مخلل خيار لم أذق ألذ منه فى حياتى "ولا فى مماتى"، فقد أحضر الخبز وفَتَّهُ فى الماء حتى صار كالعجين وأضاف إليه ملحا وخلا ولا أدرى ماذا أيضا، ثم شرع يمرت قطع الخيار فى هذا العجين عدة دقائق، وإذا بقطع الخيار قد اصفرت وصارت طرية كالمخلل، وأربى مذاقها على الغاية فى الطعامة. هكذا ينبغى أن يكون أهل اليابان، وإلا فلا. ومع ذلك فلا بد من التنبيه إلى أنهم، مهما فعلوا وأبدعوا، لن يبلغوا مبلغنا فى العبقرية والاختراعات الخارقة. ألم نَصُرَّ نحن الفيل فى المنديل؟ ألم نعبئ الشمس فى زجاجات؟ ألم نخرم التعريفة؟ ألم ندهن الهواء دوكو؟ أويمكن اليابانيين أن ينجزوا عشر معشار شىء من هذا الذى أنجزناه نحن المصريين؟ لا طبعا، فنحن أُولُو حضارةٍ عمرها سبعة آلاف عام!
وكنت أنا وبعض زملائى الآخرين، على تفاوت بينهم فى ذلك، نساعد محسن اليابانى فى فهم الدروس والكتب، فنشرح له ونلخص كل شىء حتى كان أنشط زملائه وأسرعهم تعلما وتقدما. ولما انتهى من الليسانس بعد ستة أعوام (لاحظ أنه، حين أتى إلى مصر، لم يكن قد تعلم العربية، فدخل الآداب بعد مجيئه بسنة) عاد إلى اليابان، وانقطعت أخباره عنى، وإن كنت سمعت من صديق لى مصرى يعيش فى اليابان ومتزوج يابانية، وعرفنى عن طريق المشباك (الإنترنت) ودراساتى التى أنشرها من خلاله، أنه بحث عنه فى المشباك بناء على طلبى، فوجد له عدة كتب عن الأدب العربى. الله أكبر! لقد كبرنا إذن يا عم محسن وصار لنا ريش! فالحمد لله أنْ جاء تعبنا معك بفائدة، وأثمرت فينا صراصير البحر وخنافسه، وهذا هو الدليل!
وكمحسن اليابانى كان لى صديق آخر من كوريا الشمالية الشيوعية اسمه ريانج كان زميلنا عبد المنعم سعيد اليسارى يسميه: "ريانج الكافر"، مداعبة منه لبعض زملائنا المتدينين الصارمين. وقد طلب منى ريانج (الكافر طبعا) فى نصف العام الدراسى الأول لنا فى الجامعة أن يسكن معى حتى ينمى لغته ويصقلها من خلال السكنى مع واحدٍ من أبناء اللغة لَمِظٍ (لِمِض) مثلى، فتركت المبنى الخامس إلى المبنى الثانى، مبنى الكبار ذى الغرف الزوجية الواسعة الأنيقة التى بكل منها حوض خاص بها لغسل الوجه. وأشهد لقد كان ريانج "الكافر" لطيف المعشر، ولا أظننى أنا أيضا كنت سيئا. وكان يذهب إلى سفارتهم بين الحين والحين حيث يسهر مع زملائه هناك ويأتى وأنا نائم، فأستيقظ لصلاة الفجر فأجده ساهرا يقرأ على ضوء مصباحٍ مكتبىٍّ قد وضعه بعيدا عن عينى حتى لا أتأذى وأنا فى سابع نومة، وعيناه المشقوقتان الصغيرتان تبرقان لى عند استيقاظى، فأضحك ويضحك بدوره. ومرة وجدته يقوم من النوم ويشكو صداعا عنيفا فهمت من تأوهه منه أن رأسه يكاد ينفجر، مخبرا إياى أنه خُمَار المشروب الذى عَبَّ منه فى حفل السفارة، فقلت له مداعبا: انظر كم أن الإسلام لطيف نظيف، فنحن لا نشرب الخمر، ولا يصيبنا مثل هذا الصداع من ثم. فوافقنى، ربما مجاملة، وربما من أثر ما كان يعانيه من صداع، وربما من قلبه. غير أنه بقى كما كان "كافرا"، وسوف يذهب إلى النار خبْطَ لَزْقَ على رأى عبد المنعم سعيد.
وكان يزورنا بين الحين والحين شاب آخر من كوريا، لكنها كوريا الجنوبية، فكان ريانج "الكافر" يستقبله ويجامله، إلا أنه كان ينبهنى ألا أدعه يفتش أوراقه أو متاعه إذا جاء وهو بالخارج، موضحا لى ما لم أكن أجهله من أن الكوريتين بينهما من العداوة ما طرق الحداد. وكنت ألاحظ أن تصرفاته دائما تصرفات راقية دمثة أنيقة، وهو ما يتعارض وما أجابنى به حين سألته عن وظيفة والده، إذ كان يقول إنه عامل، فكنت ألوذ بالصمت. ثم لما ترك المدينة فى العام التالى صارحنى فى نوبة انبساط بأن أباه فى الحقيقة وزير وليس عاملا. ولعله قال إنه وزير العمل. ورجانى ألا أفشى ذلك السر إلا بعد مغادرته البلاد. و"أظن" أنه لا بد أن يكون قد غادرها خلال هذه الأعوام الخمسين، وإلا فأرجو أن تَنْسَوْا ما قلته لكم عن منصب أبيه. 
وكان ضحوكا يستجيب لفكاهاتنا، وكانت تعجبه العبارة التى كان أخى الأكبر، رحمه الله، يرددها أمامه دائما كلما حصل على إجازة من الجيش وأتى يزورنى فى المدينة الجامعية، ألا وهى أنه حاصل على المركز الأول فى العوم على الرمل، فيظل يضحك لها محاولا تصور كيفية السباحة فوق الرمل. وكان أذكى زملائه الكوريين مثلما كان محسن اليابانى أذكى وأنشط زملائه اليابانيين. ومرجع ذلك إلى أنهما اجتماعيان، فكان من السهل عليهما الاختلاط بنا والتعلم السريع منا، وبالذات لكثرة ما يدور بيننا وبينهما من حوار بالعربية وما كنا نشرحه لهما من الدروس. 
ومع هذا كانت تندّ منه عبارات متعثرة ظريفة تُضْحِك الثكلى كما يقول العرب القدماء، مثلما حدث ذات يوم حين كان يعاتبنى على أمر فعلته ولم يسترح إليه، إذ أجبته (مازحا أو جادا: لا أدرى) بأننى حُرّ، فما كان منه إلا أن قال من فوره محتدا: عِنْدَكَ مَفِيشِى حُرّ! فضحكت، وانتهى الموقف المتأزم بسلام. ومرة أخرى طلبت منه أن يناولنى شيئا أو يحمل لى شيئا، فأتتنى إجابته للتو: أنا خَدَمِىٌّ يا إبراهيم؟ فضحكت قائلا: لا يا عم ريانج، بل أنت صعيدىٌّ! أقصد أنه يحبكها أكثر من اللازم دون داع كما يفعل إخواننا الصعايدة، الذين أنا والله العظيم واحد منهم، إذ كان جدى لأبى صعيديا من الصعيد الجوانى (أو "الدُّوَّانِى" كما يقول أبناء عمومتنا هناك) هاجر إلى الوجه البحرى ليستقر فى نهاية المطاف فى قريتنا حيث تزوج ما لا أدرى عدده من النسوان من كل لون وطعم، فهو يتزوج ويطلق، ويتزوج ويطلق... ولهذا كانت جدتى لأمى، على قبرها شآبيب الرحمة والرضوان، كلما أزعجناها ونحن صغار بعفرتاتنا التى لا تنتهى، تشتمنا وتقول لى أنا بالذات وهى تشد شعرها منى: "يا صعيدى، يا ابن الـ..."، وأكملوا أنتم الباقى. وكانت تصفنا بأننا معجونون بماء العفاريت، فأضحك من هذه العبارة العبقرية، ولا أكف مع ذلك عن شيطاناتى.
وفى أثناء العام الجامعى الأول، والمحاضرات فى الكلية على أذنه، صدرت الأوامر بمنعنا نحن طلاب المدينة الجامعية من الذهاب إلى المحاضرات والانتظام فى دورة تثقيفية اشتراكية تابعة لمنظمة الشباب بلغت روحى منها الحلقوم لأكثر من سبب: فأنا لا أحب الاشتراكية بالمعنى الذى صدعوا أدمغتنا به، وبخاصة أننا كنا نشعر أنها شىء يراد إدخاله رؤوسنا بدلا من الإسلام. وكانت رائحة الشيوعية النتنة تفوح من كلام المشرفين الذين أحضروهم يقيمون معنا فى المدينة ويتقيأون ما عبأوهم به من الفكر اللقيط. وكان هؤلاء المشرفون الذين كانوا يقودون المناقشات ليلا فى مجموعات هم من السماجة والتنطع الاشتراكى، أو قل: الشيوعى، بحيث لم أكن أطيق الجلوس هادئا، بل كنت أتهكم على كل شىء فى الجلسة ولا أراعى النظام إلا مضطرا، وكنت أستغرب كيف يأخذ بعضنا نحن الطلاب الأمر مأخذ الجِدّ ويدخل فى مناقشات مع المشرفين وكأنه فعلا يؤمن بما يريدون أن يلقنونا إياه. ثم لا تنس أننى قد حُرِمْتُ طوال تلك الدورة اللعينة من رؤية الأميرة. صحيح أننا لم نكن نتحدث قط، لكنها على كل حال كانت على مقربة منى، وكانت هناك الالتفاتات المتبادلة التى لا تكاد تنتهى. وشىء خير من لاشىء. ألا لعنة الله على هذه الاشتراكية!
ثم بان الملعوب حين حانت الجلسات الخاصة بالدين، إذ جعلوها جلسة واحدة فى آخر يوم، وبالنهار، وجمعونا فى مطعم المدينة بربطة المعلم قبل الظهر، وأحضروا أستاذا من الحقوق فيما أذكر، ففتح الكتاب وهات يا قراءة مما أمامه، فلا تقسيم إلى مجموعات صغيرة ولا مناقشة ولا يحزنون ولا سهر ليلةً بعد ليلةٍ كمحاضرات الاشتراكية ومناقشاتها. أى أن المسألة فيما يخص الدين كانت بكشا فى بكش. وقد كانت النتيجة بعد أشهر قلائل هى الهزيمة الساحقة الماحقة، وعاش أبو خالد نَوَّراة بلدى! وإنى لأستعجب من الحمقى الذين يرددون فى سخف منقطع النظير أنه لو كان عبد الناصر حيا الآن لأوقف إسرائيل وأمريكا عند حدهما، وأرد عليهم وأنا أكاد أنفجر من الغيظ جراء هذا العته الميؤوس من علاجه: طبعا بأمارة الهزيمة التى أكلها وأكلناها معه بالسم الهارى على يد شذاذ الآفاق، فلم تقم لنا قائمة من يومها! 
وكنت أكتب فى مجلة الحائط التى أصدرها أنا وبعض زملائى بين حين وآخر معارضا الماركسية. ويبدو أن مثل تلك المقالات، وكذلك المناقشات التى كنا ندخل فيها مع بعض الزملاء والأساتذة اليساريين، كانت أحد الأسباب فى أنْ رفضوا تكليفى بالمعيدية فى آداب القاهرة وتَعَطَّلَ تعيينى معيدا فى آداب عين شمس فترة من الوقت مما اقتضى، حين استقر اختيار قسم اللغة العربية علىَّ لشغل وظيفة "معيد" التى أعلن عنها سنة 1971م، أن يرسلنى د. إبراهيم عبد الرحمن الأستاذ المساعد آنذاك بالقسم، بعد مرور عام وربع تقريبا من تاريخ الإعلان، إلى عميد شرطة يعرفه بلاظوغلى أحالنى بدوره إلى عميدٍ زميله بمبنى فى الدقى خلف كلية الفنون التطبيقية تقريبا حيث كان مَلَفِّى موجودا فيما أتصور، فكلف هذا الأخيرُ مشكورا ضابطًا شابًّا من مرؤوسيه بمقابلتى وتسديد الاستمارة الخاصة بى من خلال إجابتى على ما فى الاستمارة من أسئلة تريد الاطمئنان إلى أننى وأسرتى لسنا من الإقطاعيين أو الرأسماليين، وبطبيعة الحال لسنا من هؤلاء ولا هؤلاء، وذلك بعد أن أحضر لى ينسونا أو حلبة (المهم أنها كانت حاجة أَصْفَرَة، والسلام). وانتهى الأمر فى سلاسة عجيبة بعدما كنت، على مدار ثلاثة أشهر، لا أعرف رأسى من رجلى ولا أدرى هل سيتم تعيينى فى وظيفة المعيد أو لا، وطمأنونى أنهم فى خلال يومين سوف يرسلون إلى الجامعة موافقة الأمن. وقد كان. فاللهمَّ اجْزِ عنى كل من ساعدنى فى ذلك الأمر جزاء عظيما يكافئ هذه المعونة القيمة. 
وحين وقعت الهزيمة، التى سَمَّوْها: "نكسة" لم نكن نعرف فى البداية أننا قد هزمنا، وهزمنا شر هزيمة يمكن تخيلها. لقد كانت الآمال عند جماهير الشعب فى الانتصار على إسرائيل على يد عبد الناصر تبلغ عَنَان السماء، وكان المذياع يعلن على الناس صبيحة الخامس من يونيه سنة 1967م أن الطائرات الإسرائيلية تتساقط كالذباب، وكان هذا يسعدنا جدا. وكنت قد انتهيت من امتحاناتى بكلية الآداب قبلها بيوم، لكنى لم أكن قد عدت إلى القرية. وكنت، كما سبق التنويه، أسكن غرفة مشتركة فى المبنى الثانى بالمدينة الجامعية مع ريانج "الكافر"، وأذكر أننا وقفنا معا فى الشرفة نتطلع إلى السماء وهو يضحك جذلان سعيدا من الانتصار المؤزر الذى انتصرته مصر الاشتراكية على يد زعيمها الملهم. وأظن أنه هو صاحب تشبيه تساقط الطائرات الإسرائيلية الموهوم بتساقط الذباب. ثم أخذت مشاعرنا تتغير قليلا قليلا مع تقدم اليوم، فكان هناك قلق لا ندرى مبعثه، إلى أن علمنا الحقيقة بعد ذلك بيومين وتبين لنا أن الصوة الوردية التى رسموها لنا فى وسائل الإعلام كانت تضليلا فى تضليل. ومن بين ما قرأته فى الصحف ثانى يوم قبل انكشاف الحقيقة مقال لأنيس منصور فيما أذكر يتحدث فيه، طبقا لما قال، من غرفة عمليات بالجبهة ماضيا فى تخديرنا بالأنباء الكاذبة، على حين لم تكن هناك جبهة ولا يحزنون. 
وبعد ذلك بأيام كنت فى القرية فقابلت أحد الجنود من أبنائها الذين كانوا يلعبون معنا فى صغرنا، ففهمت منه أنه عاد إلى القرية من سيناء مباشرة دون أن يمر بوحدته العسكرية أو يسلم بندقيته، فعددت ذلك قلة وطنية، غير دارٍ بأبعاد الكارثة على وجهها الصحيح وأن المسكين لا ذنب له على الإطلاق، إذ لم يكن أمامه إلا أن يهرب بجلده من مجزرة تنتظر جميع جنودنا إذا بَقُوا فى سيناء بعد الهزيمة المذلة، أذل الله من تسبب فيها بغبائه واستبداده وكراهيته لدين أمته وموالاته للشيوعيين وكل من يبغضون الإسلام، وإن كانت الحقيقة تقتضينا القول بأنه لم يكن وحده فى ذلك، بل كان معظم حكام العرب والمسلمين مثله كراهية للإسلام وتآمرا مع الأجانب على أممهم. ولكن لا بد من المسارعة رغم هذا إلى القول بأن الشعوب التى يحكمها أولئك الحكام الخونة لا تستحق حكاما أفضل منهم لأنها كانت راضية بحكمهم بل كانت تُكِبّ على أحذيتهم تلعقها تعبيرا عن تقديسها لهم رغم حماقتهم وخيانتهم وقلة رحمتهم وما كانوا ينزلونه بها من عصف وعسف وهوان وتقتيل واعتقال ومصادرة للحريات والأموال. 
والدليل على ما نقول أن تلك الشعوب حين هبت وثارت على أولئك الخائنين قد نجحت فى التخلص منهم فى شبه غمضة عين، فلم تُغْنِ عنهم جيوشهم ولا جلاوزتهم ولا أجهزة أمنهم ومخابراتهم، بل انهارت دولهم انهيارا سريعا لم يكن يخطر لأحد على بال. وكنت أظن أن عبد الناصر سينهض سريعا من تلك الكبوة العارضة ويحارب إسرائيل ويمرغ أنفها فى التراب انتقاما مما وقع بنا على حين غرة ليس عليه فيها أدنى مسؤولية. لكن زملائى المتخصصين فى العلوم السياسية قالوا لى حين تقابلنا فى العام التالى إن ذلك أمر بعيد لأن الجيش انتهى أمره، وإن الأمر يحتاج إلى وقت جد طويل حتى نحصل على طائرات جديدة بدل التى دمرت ويتدرب عليها الطيارون جيدا، وهو ما سوف يستغرق زمنا غير قصير.
وقد قام عبد الناصر بإعلان تنحيه وتحمله المسؤولية عن كل ما حدث، فما إن انتهى من خطابه الذى أعلن فيه ذلك حتى خرج المصريون إلى الشوارع يهتفون ببقائه ويجددون الثقة به. وكنت ليلتها فى طنطا، وسرت مع أستاذى أبو رية فى المظاهرات بشارع البورصة فيما أظن. ومما لا أَبْرَح أذكره حتى هذه اللحظة أننى شاهدت فى أحد تلك الأيام فى أول شارع أحمد ماهر على يمين الداخل من ناحية شارع البحر، بين العصر والمغرب عقب معرفة الناس بالوكسة التى سموها: "نكسة"، رَفّاء بجلباب يتجه إلى السماء ويسب الدين لله سبحانه بسبب الهزيمة الفاضحة القاصمة، فاستغربت أشد الاستغراب من الغباء الذى يسول لبعض المتخلفين التطاول على الله فى أمرٍ هم سببُه الأول والأخير بسكوتهم على القهر والطغيان وتأليههم لحاكم فاشل أذاقهم صنوف العسف والتنكيل فى الوقت الذى يهتفون له فيه ويفدونه بحياتهم ودمائهم، وإن لم يكن عندهم دم البتة. 
وقد ساعد على هذا التخدير القاتل ما برع فيه نظام عبد الناصر من تجنيد الفنانين من مؤلفى أغانٍ وملحنين ومغنين لتمجيد عبد الناصر والتغنى بالوطنية وبالكفاح وهجاء الاستعمار فى أعمال اتسم معظمها، والحق يقال، بالجمال والجاذبية رغم كل شىء حتى إننى، حتى الآن ومع كل ما قلته فى عبد الناصر مما يستحق أفظع منه وأشنع، ما إن أسمع شيئا من تلك الأعمال حتى يستولى على فؤادى السحر القديم الذى كنت أجده لها فى نفسى عند سماعها فى صباى وشبابى، وأرتد مبهور الأنفاس إلى ذلك الماضى الذى كنا نظنه لشدة تخديرنا حينذاك جميلا ورائعا، ثم انكشف فى نهاية المطاف عن كابوس بشع مرعب. لقد كانت مشاعرى تجاه عبد الناصر ومواقفى منه متذبذبة، وأغلب الظن أن التيار العارم المناصر له كان له تأثير شديد علينا. لكنى بعد ذلك قد اتخذت موقفا ثابتا أو شبه ثابت منه حتى إننى، يوم وفاته وخروج الملايين لتشييع جثمانه، لم أشعر بالحزن ولا تعاطفت مع تلك الملايين، بل كنت أقرب إلى الضيق بهم منى إلى تفهم عذرهم.
وكنت أذهب فى الصيف إلى الإسكندرية حيث كان يعمل أخى الأكبر فى إحدى الشركات منذ كنت فى الإعدادية، فكنت أنزل عليه، فيتحملنى ويعطينى من المصروف ما تسمح به ماهيته الصغيرة. ومع ذلك كنت سعيدا. أما بعدما التحقتُ بالجامعة فكنت أتزاور أنا وزميلى صلاح أبو النجا، الذى تصادف أنْ كانت أسرته تسكن نفس الحى الذى يسكنه أخى قريبا من ترام الحضرة. وكان أبوه وأمه يستقبلاننى بترحاب، وكنت أحب ملاطفة إخوته: عادل الصغير (المستشار القضائى الآن)، الذى كان يزعجه مناداة أخواته البنات له بـ"ديدى"، وسامية وسهير وعفاف وعزة، وكانت البنات ذكيات، وكانت سهير أحلى الثلاث الكبيرات أسلوبا. أما حين عدت من بريطانيا فقد فوجئت بعزة ("عَذَّة" بالذال كما كانت تنطق اسمها وهى صغيرة تمسك بذيل جلباب أمها البيتى خجلا أو خوفا منى رغم ملاطفتى لها) طالبة بالفرقة الثالثة بقسم اللغة العربية بآداب الإسكندرية، فاختبرتها فى النحو والصرف خشية أن تكون قد دخلت القسم دون أن تكون مؤهلة له أو دون أن تكون محبة لموادّه، لأفاجأ أنها متفوقة فى تلك المادة التى يخشاها معظم طلاب مصر، ولا أدرى لماذا، فتوقعت لها أن تكون معيدة فى الجامعة، وقد كان. وهى الآن أستاذة مساعدة فى كلية البنات بجامعة عين شمس مع زميلتى القديمة د. حسنة الزهار.
وعن طريق صلاح أبو النجا (الذى كان يكتب اسمه وهو صغير فى المدرسة الابتدائية: "سلاح" كما أخبرنا مرارا، فكنت أتندر عليه، وصرت بعدما كبرت وألفت الكتب أكتب له فى الإهداء إلى الصديق "سلاح" أبو النجا، والذى أخبرنا من نوادر أخيه الصغير اللطيف أنه كان إذا سألوه عما حفظه من القرآن الكريم فى المدرسة يجيب قائلا: لقد حفظنا سورة "الهِرّة"! فيقولون له ضاحكين: هيا أسمعنا إذن سورة "الهرة"! فيتنحنح ويبدأ فى التلاوة وهو يتمايل يمنة ويسرة على عادة الأطفال حين يُسَمِّعون ما يحفظون من كتاب الله: "بسم الله الرحمن الرحيم. دخلت امرأةٌ النارَ فى هِرَّةٍ حبستْها: لا هى أطعمتها ولا هى تركتها تأكل من خَشَاش الأرض. صدق الله العظيم"، فيصفقون له إعجابا بذكائه ودقة حفظه) أقول: لقد تعرفت من طريق صديقى هذا إلى صديق آخر إسكندرانى كان مع عَمُّو "سلاح" فى مدرسة رأس التين هو هانى المرعشلى الأستاذ الحالى بتربية طنطا. ومن الذكريات الظريفة التى حكاها لى صديقى "سلاح" أن أستاذ الفرنسية كان يحبه ويطلب منه دائما أن يقرأ الدرس الفرنسى بعد الانتهاء من شرحه قائلا بصوته الرقيق: "Lisez Salah: لِيزِيه صلاح"، فينطلق الطلاب يغنون فى نغمة واحدة: "ليزيه صلاح. ليزيه صلاح. ليزيه صلاح. ليزيه صلاح..." وهم يتضاحكون. 
وكان أبو هانى المرعشلى مديرا بالجمارك، وكان رجلا طيبا يكرمنا ويستقبلنا أحسن استقبال كلما زرناهم فى شقتهم الأنيقة المطلة على مقابر النصارى الشاعرية بالأزاريطة. وكان ينتقد أخلاق الناس فى مصر قائلا إنه كلما نزل صباحا للذهاب إلى عمله هتف قائلا تشجيعا لنفسه: حى على الجهاد! يقصد أن أمامه يوما عصيبا بسبب وعورة أخلاق البشر والتوائهم وما انْطَوَوْا عليه من حب للأذى. وكان له ابن آخر هو هشام كان قد أصيب فى صغره بحُمَّى شوكية أورثته عجزا عن السيطرة على حركات جسمه وعن النطق. ومع هذا كان لطيفا وذكيا ويحبنا كثيرا، وكنا نحن نحبه أيضا ونداعبه. وكان يضع إصبعه بالطول تحت أنفه دلالة على الشارب كلما أراد أن يشير فى حديثه إلىَّ. ولا أدرى ما الذى كان يعجبه فى شاربى حتى يتخذه عنوانا علىَّ مع أننا جميعا كانت لنا شوارب. ولكن يبدو أن شاربى أنا بالذات كان صناعة يابانية (ألست صديق محسن يوشيهارو أوجاساوارا اليابانى؟)، بينما كانت شوارب الباقين فالصو: صناعة صينية! ولو كان حيا الآن (إذ مات رحمه الله منذ أعوام) فلا أدرى كيف كان يشير إلىَّ. أتراه كان يمرر يده على رأسه أمامًا ووراءً إيماء إلى صلعى؟
وبمناسبة الصين كان لنا فى المدينة الجامعية بالقاهرة بعض أصدقاء من الطلاب الصينيين نزورهم فى غرفهم، فكانوا يأتون لنا بكتيبات دعائية يقولون فيها إن الملاح يجدّف فى البحر بفضل أفكار الزعيم ماو، وكذلك الصانع يتقن عمله بفضل أفكار الزعيم ماو، وبالمثل تشرق الشمس على العالم بفضل أفكار الزعيم ماو، ولم يبق إلا أن يقولوا إن الرجال ينامون مع زوجاتهم... إلى آخر ما تعرفونه أو ما أتصور أنكم تعرفونه، وينجبون منهن أطفالا بفضل أفكار الزعيم ماو، أو فلنقل: بفضل الزعيم ماو مباشرة دون المرور بأفكاره، إذ ليس فيما يحدث بين الرجل وامرأته فى الفراش موضع لأية أفكار: لا أفكار ماو ولا أفكار غير ماو. 
وبالمناسبة أيضا أذكر أننى ضحكت حين قرأت للدكتور أحمد أمين فى تلك الأيام من كتاب "حياتى" أن زوجته فى الأيام الأولى من شهر العسل قد بحثت عنه ذات ليلة فى الشقة فوجدته فى مكتبه مشغولا تماما فلم يتنبه لها لأنه كان مستغرقا فى القراءة. ولما رويت القصة لفضيلة الشيخ محمد الغزالى وأنا أضحك، وكنت وبعض زملائى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حينذاك فى زيارة له فى بيته، علق قائلا وهو يضحك بدوره: طبعا حتى يذهب إليها وهو قارئ! فظللنا نردد كلمة الشيخ لأعوام طوال ونحن نضحك!
وهناك أيضا فتحى عثمان، وكان أكثرنا خبرة بالحياة وأقوانا نزعة عملية وأقدرنا على الصبر على لأواء الحياة، إذ ذكر لنا أنه كان يعمل صيفا فى كافتريا (أو "قهوشية" كما كان يسميها أنيس بن منصور) لتوفير مصاريفه. وقد صار أوفرنا حظا من المال، وله دارة جميلة رائعة وفسيحة فى مدينة الشروق، وفيها كلبان شرسان مخيفان، بارك الله له فى دارته الرائعة، وكذلك فى الكلبين جميعا، ولكن بعيدا عنى، فأنا أخاف الكلاب موتا. وهناك كذلك زميلنا إكرام إسماعيل، الذى كان أصلبنا وأقوانا إرادة، والذى حين قابلناه فى الجامعة كان مفتونا بسقراط، ثم بكَانْط، ثم بجمال الدين الأفغانى، الذى كان معجبا بعزوبته ويراها عزوفا رجوليا عن شهوة الجنس، فكنت أقول له: ليس هذا من المفاخر فى شىء، وقد يكون الأمر مرجعه إلى ضعف جنسى لا يد للرجل فيه. وحين ذهبت إلى بريطانيا ثم عدت فوجئت بأنه قد تشيع. 
وكنت أزوره ذات مرة استعادة للصداقة القديمة، ففوجئت أثناء نقاش دار بيننا أن رأيه شديد السوء فى عمر بن الخطاب وعائشة رضى الله عنهما. والغريب أن سبب هجومه على أم المؤمنين وابن الخطاب هو اعتراضه علىَّ لتناولى رئيس الوزراء الإسرائيلى مناحم بيجن ببعض الكلمات الشديدة التى عدها الصديق القديم مما لا يليق، بينما انجرف أثناء تبريره لاعتراضه ذاك إلى النيل من زوجة النبى وصَدِيقه الحميم رضى الله عنهما، غير واجد فيما قاله عن الفاروق وعن الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق شيئا لا يصح، وهو ما جعلنى أضع حدا بينى وبينه ولا أصلى أو آكل معه يومها على أساس أن تأدية الصلاة جماعةً معناها أن المصلين هم على قلب رجل واحد، وهو ما لم يكن متوافرا، كما أن أكل العيش والملح معا إنما يعنى الوفاء والإخلاص، وأين هما فى مثل تلك الظروف؟ ثم انصرفتُ عنه وأنا غير مصدق لما سمعت. وكان قد سافر أثناء غيابى بالخارج إلى بعض البلاد العربية والإسلامية ليكون إلى جانب المهدى المنتظر عندما يحين أوان ظهوره. وقد انتهى به الأمر إلى الانزواء فى ملوى مسقط رأسه والابتعاد عن القاهرة وصخبها. ولا أدرى الآن ماذا يصنع ولا ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة أو لا، فقد انقطعت بيننا وبينه السبل.
قلت فى الفقرة السابقة إننى لم أعد أسمع بالأستاذ إكرام إسماعيل ولا أدرى شيئا عن مصيره، إلا أننى قرات بعد ذلك بعدة ليال مقالا لعبد الرحمن بن لطفى منشور بجريدة "الشعب الجديدة" فى 7/ 5/ 2013م فوجئت بأنه قد أتى على ذكر صديقى القديم فيه. وهذا نص المقال كاملا حتى تلموا بالسياق الذى ورد فيه اسم صديقى القديم الذى ما زلت أحن إليه رغم كل شىء، وعنوان المقال: "مرحبا بالشيعة فى مصر": "أنا أعلم أن هذا العنوان الذي اخترته لكلمتي هذه سيستفز ويضايق عددا كبيرا من إخوانى المنتسبين إلى الدعوة السلفية. وأنا اخترت هذا العنوان عن عمد لا لأستفزهم وأضايقهم ولكن لأنبههم أنهم غالَوْا فى التحذير من خطر المد الشيعي على حساب أخطار أشد بكثير من وجهة نظري وقعوا هم فيها وخالفوا فيها ما كانوا يفتون به كتفرقهم إلى أحزاب كثيرة بعد أن كانوا ينكرون الجماعات والأحزاب ويقولون: "لا أحزاب فى الإسلام ولا جماعات". وهذا في عهد الرئيس الطاغية، الذي خلعه الله، والذى كان يجب عليهم أن يخرجوا عليه ويدعون الناس للخروج عليه كما فعلنا نحن فى حزب العمل. وبعدما تولى علينا حاكم نأمل أن يقيم فينا شرع الله واخترناه وشاركونا هم فى اختياره على هذا الأساس إذا بهم يقيمون أحزابا كثيرة فرقوا بها بين المسلمين وخالفوا هذا الحاكم بدلا من أن يعينوه على تنفيذ هذا الأمر الذى اخترناه من أجله ويأطرونه عليه. 
أما بالنسبة لعقيدة الشيعة التى يحاربونها ويحذرون منها فنحن أيضا نحاربها ونحذر منها، ولكن لا نغالي فى ذلك. وأنا شخصيا كتبت عام 1978 فى مجلة "الهدى النبوى"، التى كانت تصدرها جماعة أنصار السنة المحمدية، أحذر من كتب الشيعة،وذلك قبل قيام الثورة الإسلامية فى إيران. وذلك لأنني وجدت من يوزع كتبا تدعو إلى المذهب الشيعي والذى كان يوزعها فى بلدنا ملوى أخ كان يعمل سكرتيرا للشيخ محمد الغزالي السقا فى وزارة الأوقاف يدعى: إكرام إسماعيل، ولكنه ذهب إلى لبنان، وهناك تشيع وأحضر هذه الكتب معه مثل كتاب "المراجعات"، الذى زعموا أنه عبارة عن مناظرة بين عالم شيعي يدعى: عبد الحسين بن شرف الدين والشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق ، وكتاب "المسائل الفقهية بين الشيعة والسنة". ومن بين الكتب التى كان يوزعها كتاب بعنوان "لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت الأبرار؟". ووجدت فى هذا الكتاب سبا فى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين وافتراء عليهم، فكتبت ردا عليه بعنوان "كتاب آثم" فَنَّدْتُ فيه افتراءاته وأكاذيبه.
أما ما يحذّر منه الآن إخواننا السلفيون من أن الشيعة يقولون بتحريف القرآن وأن الصحابة كلهم ارتدوا عدا أربعة أو خمسة وأنهم يعتبرون التقيَّة فريضة لا يقوم مذهبهم إلا بها فهو باطل واضح البطلان لا يُخَاف منه لأن بطلانه لا يخفى على العوام، فضلا عن طلبه العلم. وعندما اعتنق خطيب كوبري الجامعة حسن شحاته هذا المذهب وصرح به تبرأ منه ابنه حمزه. ولذلك فأنا أقول لإخواني السلفيين: لا تخافوا على المصريين من المذهب الشيعي، بل افرحوا بقدوم الشيعة إلى مصر لنعلمهم نحن المذهب السنى لأنه الحق الذى ذرةٌ منه تقف أمام جبل من الباطل. هذا لو سلمنا جدلا أن كل الشيعة يقولون بهذه العقيدة الفاسدة، لأنني قرأت لبعض علمائهم إنكار ذلك وقولهم إن مصاحفنا تطبع فى السعودية. وسمعت الدكتور طارق سويدان يقول إن السيد حسين فضل الله شيخ السيد حسن نصر الله، الذى يقول عنه بعض السلفيين: "حسن نصر اللات"، ألف قصيدة يمدح فيها السيدة عائشة رضي الله عنها. بل إنني قرأت أن الإمام الخميني نفسه أمر أتباع المذهب الشيعي بالصلاة خلف أمام المسجد الحرام. وأذكر أن الرئيس السادات كان يشعل البايب ويقول: "اللى بيعمله الخميني ده ليس من الإسلام"، وكان الخميني وقتها أكثر التزاما بالإسلام من السادات لأن الخميني ذهبت له صحفية إيطالية لتجرى معه حوارا،فرفض أن تدخل عليه إلا إذا سترت جسمها ورأسها كما يأمرها بذلك دينها، وكما يأمر بذلك الإسلام، فى حين ذهبت جيهان السادات لمقابله بابا روما، فرفض دخولها عليه إلا بعد أن تغطي رأسهما، فقلت فى نفس من الذى يفعل ما هو ليس من الإسلام؟ السادات أم الخميني؟ 
وأذكر أنني منذ عدة سنوات صليت الجمعة فى مسجد العزيز بالله بالزيتون، وكان خطيب الجمعة الشيخ حسن أبو الأشبال، ووجدته يقول إن إيران وحزب الله عملاء لأمريكا وإسرائيل، فأرسلت له ورقة وهو على المنبر أقول له فيها: إن كلامك غير مقنع لأن إيران وحزب الله أذلاَّ أمريكا وإسرائيل. ولكنه لم يتراجع، وكرر كلامه بعد الصلاة، فتصديت له وقلت له إن مبارك هو عميل أمريكا وإسرائيل لأنه رفض الصلح مع إيران لأنها طالبته بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، فى حين طالبهم هو بتغيير اسم شارع خالد الإسلامبولى فى طهران. فسكت، ولم يرد علىَّ مما زادنى اقتناعا بأنه مخطئ.
وأخيرا أريد أن أقول لإخواني السلفيين: إنكم لا ترون غضاضة فى التعامل مع الذين يسبون الله ويزعمون أن له صاحبة وولدا، فمن باب أولى أن تتعاملوا مع الشيعة الجهلاء الذين يسبون الصحابة وتدْعونهم إلى دين الله الإسلام الذى لن يقبل الله من الخلق دينا غيره. وأقول لهم أيضا: إن السياح الإيرانيين الذين تخافون على العوام منهم لا يحسنون التكلم باللغة العربية ولا يقيمون في بلادنا إلا أياما معدودة، في حين يأتي إلى مصر آلاف الشيعة من العرب من السعودية والعراق والكويت والبحرين وغيرها، ومع ذلك لم يستطيعوا إقناع احد من المصريين بالتشيع إلا أعدادا قليلة لا تذكر. وكذلك لم نسمع أن أحدا من إخواننا في غزة تشيَّع مع أن إيران تساعدهم وتمدهم بالمال والسلاح. فيجب عليكم يا أخواننا أن تُعْرِضوا عن هذا الأمر، وإن أردتم إقامة دولة أهل السنة فعليكم أن تحلوا جماعاتكم وأحزابكم وتبايعوا الرئيس محمد مرسي على إقامة شرع الله والحكم بما أنزل الله وتأطرونه عليه".
وقد طالعت بين التعليقات التى علق بها القراء على هذا المقال التعليق التالى، وفيه ذكر لأحمد زكى، وهو أيضا من معارفى، وكنت أراه كثيرا عند ذهابى إلى مكتب الشيخ الغزالى رحمه الله فى أوائل سبعينات القرن الفائت، ويجرى بيننا الحديث فى شؤون وشجون شتى. وهذا هو التعليق الذى لفتنى إليه دون بقية التعليقات: "إكرام إسماعيل لم يكن شيعيا أثناء وظيفته بالأوقاف، والشيخ الغزالي كان له سكرتير آخر، اسمه أحمد زكي، سلفيّ المشرب ذهب شيكاغو وتسبب في قضية مدنية بالمسجد بين الرجال والنساء مناوئا لأحمد صقر اللبناني حكم فيها القاضي بتعيين يهودي بمبلغ نحو 35000 دولار يمسك مفتاح المسجد. ثم أحمد زكي رجع لمصر وحلق ذقنه وأصبح مدرسا بلغات الأزهر. نعود لإكرام إسماعيل: كان يسكن في ميدان الجيزة، وسافر للشارقة، وتعرف على الشيخ عبد البديع صقر سكرتير الشيخ حسن البنا الشخصي، ثم تركه وتشيع. وهو عاطفي جدا حتى إنه قابل الحافظ عبد الله الغماري لما زار دبي ولم يتأثر به". 
ومن أساتذتى الجامعيين الذين أرى أن أتوقف أمامهم قليلا د. شكرى عياد، الذى كان إذا أملى علينا شيئا ينحاز ناحية النافذة الجنوبية القريبة من مقعد المحاضر ويملى علينا جملة أو نحوها ثم يصمت قليلا وينظر إلى الخارج وهو يفكر فى شىء من المعاناة يظهر فى تجاعيد جبهته. وكان يلبس فى العادة بيريها أزرق داكنا. وقد شرعت أبحث أنا أيضا هذه الأيام عن مثل هذا البيريه، ولعلى أوفق إلى شراء اثنين منه أرتديهما بالتبادل فأكون من المفكرين. أليس لى نفس كبقية من يلبسون البيريه فيظهر على سمتهم أنهم مفكرون؟ كما كان من أساتذتى أيضا د. يوسف خليف، الذى كان لطيفا دمثا رقيقا، وكان يملى علينا هو أيضا مادة تاريخ الأدب الجاهلى، وكنت أتصور أنه لا يصنع شيئا سوى تلخيص ما كتبه أستاذه د. شوقى ضيف فى كتابه عن العصر الجاهلى وإعادة صياغته بأسلوبه الحلو القائم على الترادف. وذات مرة لاحظ أننى لا أكتب ما يمليه علينا فعلق ضاحكا بأن إبراهيم عوض (الذى هو أنا طبعا) يعرف أن د. خليف (الذى هو هو دون أدنى شك) ينتهج الترادف فى أسلوبه دائما، فهو لذلك يكتب مما أمليه جملة ويترك جملتين أو ثلاثا لها نفس المعنى. وقد ذهبت إلى بيته مع محسن اليابانى ذات ليلة، وأذكر أنه كان قريبا من ميدان الجيزة. كما ذهبت مع بعض زملائى فى مناسبة أخرى إلى شقة د. حجازى، وكان لايزال عَزَبا، وقدم لنا سباطة موز أخرجها من الثلاجة لنأكل منها. ولا أدرى أأكلنا منها فعلا أم غلبنا الحياء. ومن بين ما دار بيننا من نقاش فى تلك الليلة انتقاد أستاذنا لبعض الزعماء السوفييت الذين يريدون أن ينظروا لِلُّغة من زاوية شيوعية لا تلائم طبيعة اللسان البشرى.
أما د. شوقى ضيف فلم أره إلا فى العام الثالث لى بالكلية، إذ كان معارا قبل ذلك إلى الأردن. وكنت قد تأخرت تلك السنة فى القرية، ولم أحضر فى أول الدراسة لبعض الظروف الخاصة، فأتانى خطاب من صديق لى بقسم اللغات الشرقية هو المرحوم سليمان سباق يستحثنى على القدوم قائلا: "أَقْبِلْ أقبلْ يا إبراهيم، فقد أتانا أستاذ عظيم يحتاج وجوده أن يكون واحد مثلك بيننا"، أو كلاما بهذا المعنى. ففى الحال صح منى العزم على السفر إلى القاهرة. وفى أول محاضرة تقريبا خرجت وراءه فى الفسحة التى تفصل بين نصفى الدرس، وسألته عن الكيفية التى أتغلب بها على تشتت الحديث عن الشاعر الواحد فى عدة مجلدات من كتاب "الأغانى"، فوعدنى بأنه سوف يجيب على هذا السؤال حين يعود لاستكمال الدرس بعد دقائق الراحة. وحين عاد تناول الموضوع فعلا كما وعدنى، لكنه انتقدنى قائلا إنه من الواضح أن الطالب الذى سألنى قبل قليل فى كذا وكذا لم يقرأ كتاب "الأغانى" ولا يعرف أن المستشرقين قد ألحقوا به مجلدا كاملا يحتوى على الفهارس التى من شأنها تعريف القارئ بمواضع الحديث عن الشاعر المراد. فآلمتنى الملاحظة، ومكثت طوال كلامه وأنا قلق متوتر لا أدرى أأرد عليه أم أسكت حتى تنتهى المحاضرة ويصير لكل حادث حديث. وقد تغلب صوت الحكمة عندى هذه المرة على غير مألوف عادتى، فسكتُّ إلى أن انتهى الدرس وخرج الأستاذ، فخرجت وراءه سريعا حيث لحقت به فى الغرفة الملاصقة لقاعة المحاضرة. 
وكان معى زميلتان، فتكلمتُ قائلا إننى أعرف جيدا كتاب "الأغانى" وأقرأ فيه، ولا يقلل من شأنى أنى لا أعرف فهارس المستشرقين، فالعبرة بأنى أقرأ وأتابع وأهتم. ثم أضفت قائلا فى حدة فنية لا أقصد بها تجاوز حدود اللياقة بل التدلل حتى يعرف أستاذى أننى غير راض عما قاله فى حقى: وإذا كنتم، يا أساتذتنا، قد وضعتم منا أصابعكم العشرة فى الشق فنحن قد وضعنا منكم أصابعنا العشرين: أصابع يدينا وأصابع قدمينا معا. ففغرت إحدى الزميلتين، وكانت من قسم اللغات الشرقية، فاها استغرابا واستنكارا لهذه الجرأة غير المعهودة. فأشرت إليها برفق أن تتركنى أتحدث على راحتى، وهو ما أَمَّن عليه الأستاذ الدكتور فى رقة وعطف. 
ثم انتهى الموقف وعدت إلى المدينة الجامعية، وشيطان الفن يتنمر ويتقافز فوق كتفى تارة، وبين عينىَّ تارة أخرى، فلم أهدأ تلك الليلة حتى سطرت خطابا طويلا للدكتور شوقى ضيف أعنف من الكلام الذى تفوهت به فى اللقاء المذكور، ولم أنس أن أضمنه حكاية الأصابع العشرة والعشرين، وسلمته إياه فى غرفته، وانتظرت إلى المحاضرة التالية التى جئتها مبكرا وجلست فى الصف الأول على عادتى متحفزا بجوار الممر الذى يفصل بين نصفى القاعة. فلما دخل الأستاذ الدكتور كنت كُلِّى أعصابا مرهفة انتظارا لما سوف يكون عليه رد فعله. فما كان منه إلا أن تيممنى حيث أجلس وانحنى علىَّ هامسا بِحُنُوٍّ جميل أنه قرأ رسالتى وأنه مسرور بها، وأنه سوف يهدينى كتابا من كتبه، وهو ما حدث، إذ وجدته يحضر لى نسخة من كتابه: "العصر العباسى الثانى" وقد كتب فيها إهداء جميلا نعتنى فيه بـ"الصديق السيد فلان". 
الله أكبر. نعم هكذا ينبغى أن تسير الأمور، وإلا فلا. وقد أخذتُ منه رحمه الله تلك العادة، فلا أكاد ألمح طالبا نشيطا محبا للعلم والبحث حتى أشجعه بكل سبيل: بالكتب والمال والبسكويت والشيكولاتة والحديث الكثير عنه فى المحاضرة ومداعبته دائما أمام زملائه حتى أستفز قدراته ومواهبه وأُرْهِف اهتمامه بالعلم والثقافة لافتا إياه إلى خطر أمر العلم فى منظومة الحضارة وعند الله والرسول والملائكة، مبينا له أنه ما من دين يضع العلم فى ذات المكانة التى وضعه فيها الإسلام ولا تحدث عنه بنفس الحراراة والاهتمام كدين محمد. وبالمناسبة فالأستاذ الدكتور هو الذى اقترح علىَّ الكتابة عن محمود طاهر لاشين فى أطروحة الماجستير، وقد كتبتها تحت إشراف د. عبد القادر القط حين صرت معيدا بقسم اللغة العربية بآداب عين شمس، وإن كنت أنهيتها دون أن يرى الأستاذ المشرف شيئا مما كتبته فيها، وتمت مناقشتى ونجحت والحمد لله، وكانت لجنة المناقشة مكونة منه ومن د. عز الدين إسماعيل ود. أحمد كمال زكى. ولست أذكر أننى كنت خائفا أو قلقا فى ذلك الوقت ولا فى أكسفورد عندما انتهيت من أطروحة الدكتورية هناك وناقشنى فيها Dr. Derek Hopwood(الذى كان يقول مفاخرا على سبيل الدعابة إن اسمه مكون من كلمتى "حُبّ" و"وُدّ"، والذى سمعت أنه غير طبيعى، وإن لم ألحظ شيئا من ذلك على الرجل، وبخاصة أنه كان له جيرل فرند تشتغل فى مكتبة مركز دراسات الشرق الأوسط معه. وكانت شخصيته بوجه عام ودودة) ود. محمد عبد الحليم الأستاذ بمدرسة اللغات الشرقية بلندن ومترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية. وقد تبين لى بعد ذلك فيما بعد، حين اطلعت على كتاب أستاذى د. شوقى ضيف: "معى"، أنه رحمه الله قد اتخذ من كتاب "الأغانى" موضوعا لأطروحته فى الماجستير، ففسر لى هذا الأمر سر تعليقه المنزعج على ما قلته عن الكتاب. إنه "يعرفه كظهر يده" كما يقول التعبير الإنجليزى، فكان يتوقع أن يعرفه الطلاب كما يعرفه هو. 
ومنذ ذلك اللقاء الأول والخطاب الأول للدكتور شوقى ضيف قامت علاقة خاصة بينى وبينه، فكان يستقبلنى فى بيته متى ما زرته ويحمل لى بنفسه، كرما منه ولطفا، فنجان القهوة وقطعة الشكولاتة، فأشرب القهوة رغم أنى لست من شاربيها لا هى ولا الشاى، وأجد فيها لذة وسرورا لأنها من يد الدكتور، وآكل الشيكولاتة هَمّ يا مَمّ. وما أكثر المناقشات التى دارت بيننا فى تلك الزورات: ومنها مثلا أن همزة "أنَّ" بعد كلمة "حقا" تفتح ولا تكسر على أساس أنها واسمها وخبرها مصدر مؤول بالصريح فى محل رفع فاعل للفعل المقدر: "حَقَّ". كما أبديت أمامه ذات مرة ضيقى بنفسى لإحساسى أننى أقل ثقافة ومقدرة على التأليف من العقاد وطه حسين وأحمد أمين، فكانت إجابته أنْ ليس لى الحق فى هذا الضيق لأن المقارنة ظالمة، إذ يجب أن أقارن بينى وبينهم حين كانوا فى مثل سنى، لا بعدما صاروا كتابا مشهورين يكبروننى بعقود من السنين، فهدأت نفسى قليلا.
ومن تلك المناقشات أيضا المقارنة بين العقاد وطه حسين. وقد فوجئت به يفضل الأول على الثانى كثيرا، قائلا إن العقاد كان يبدو مترفعا فى ظاهر الأمر، لكنه كان شعبيا ديمقراطيا فى حياته وتصرفاته على عكس طه حسين، وإنه من ثم قد ألف كتابا كاملا عن العقاد (هو "مع العقاد"، الذى قرأته بعد انتهائى من المرحلة الإعدادية)، فى الوقت الذى لم يفكر فيه أن يضع كتابا عن أستاذه طه حسين. وقد سجلت ما دار فى هذا الحديث وأردت نشره فى إحدى المجلات ضمن مقال لى رسمت فيه صورة قلمية له، إلا أننى فكرت أولا أن أطلعه عليه حتى يبدى ما يراه من ملاحظات، فأشار علىَّ بأن أبقى على كلامه الخاص بالعقاد وأحذف ما قاله فى طه حسين حتى لا يتهمه الناس بالتنكر لأستاذه، أو كما قال. فانصعت لرغبته احتراما له ولما يراه، ونشرت المقال فى منتصف سبعينات القرن الفائت بملحق "الزهور" التابع لمجلة "الهلال" على أيام المرحوم صالح جودت فيما أذكر، وكان بعنوان "د. شوقى ضيف شيخ مؤرخى الأدب العربى- صورة قلمية". نشره لى الأستاذ نصر الدين عبد اللطيف، الذى لا أدرى ألا يزال حيا حتى الآن أم لا، وكان رقيقا مجاملا يشجعنا ويرحب على قدر وسعه بما أحمله إليه أنا وغيرى من مقالات. شكر الله له رقته ولطفه.
كما كتبتُ منذ عدة سنوات دراسة طويلة عن د. نصر أبو زيد بعنوان " نصر أبو زيد- أغلاط ومغالطات"، تناولت فيها، ضمن ما تناولت، النقد المجحف الذى وجهه د. جابر عصفور إلى أستاذه د. شوقى ضيف رحمه الله، واتهمه فيه بأنه لا يفهم شيئا فى البنيوية ولا التفكيكية ولا الهرمنيوطيقية، وأنه قد انسحب من اللجنة التى تم تشكيلها لقراءة إنتاج د. نصر أبوزيد العلمى للنظر فى مدى استحقاقه للترقية إلى رتبة الأستاذ، حتى يأخذ مكانه د. عبد الصبور شاهين، الذى كانت بينه وبين أبو زيد ثارات قديمة، مع أن د. جابر عصفور كان يمجد أستاذه د. شوقى ضيف دائما ولا يجرؤ أن يقول فيه أثناء حياته ولا واحدا على المليون من ذلك الكلام. وقد نشرتُ هذه الدراسة فى كتابى: "أفكار مارقة" شاغلة فصلا كاملا من فصول ذلك الكتاب. وفى هذه الدراسة يجد القارئ دفاعا عن أستاذى وأستاذ د. جابر عصفور يعتمد على الحقائق والعلم ولا يعرف الهلس ولا توجيه الاتهامات الزائفة الملفقة التى لا تستند إلى أى أساس ولا تستشهد بالموتى الذين انتقلوا إلى العالم الآخر ولم يعد بوسعهم أن ينطقوا ولا أن يقولوا إن ما ينسب إليهم من استشهادات إنما هو كلام باطل لم يتفوهوا بحرف واحد منه. 
ومن الأساتذة الذين لا يمكن الصمت عنهم فى هذه اللمحات د. حسن حنفى، الذى حاضرنا عامين متتابعتين فى السنتين الأخيرتين لى بآداب القاهرة فى الفلسفة الإسلامية والتصوف الإسلامى على التوالى. ولم يكن له كتاب نرجع إليه، بل كان الطلاب يعتمدون على تسجيل ما يقوله فى المحاضرات: يقوله لا يمليه، إذ كان يتحدث بالإيقاع المعتاد فى الحديث ودون أى تنظيم. أما أنا فلم أكن أكتب شيئا مما أسمعه منه، بل كنت أعود إلى المراجع أقرؤها فى المكتبة. وكنت ألاحظ أن د. حنفى يعزو بعض الآراء الغريبة إلى هذا الفيلسوف المسلم أو ذاك حتى إذا ما ذهبتُ وقرأتُ ما كتبه الفيلسوف نفسه فى كتبه ألفيته شيئا مختلفا عما يقوله الدكتور، وقد يكون مناقضا له، فأعود فى المحاضرة التالية وأعلن هذا على رؤوس الطلاب دون جمجمة أو تردد. وكانت المناقشات كثيرا ما تحتد بينى وبين أستاذى. ولا أذكر أنه حاول إسكاتى أو الانتقام منى طوال العامين اللذين قضيتهما فى الاعتراض معظم الوقت على ما يقول والمقارنة بينه وبين ما يقوله الفلاسفة المسلمون فى مؤلفاتهم، واتهامه بأنه يلوى كلامهم وينسب إليهم ما لم يقولوه. 
فمثلا كان ينسب إلى بعض الفلاسفة المسلمين القول بأن الله يعلم الكليات فقط دون الجزئيات أو أنهم ينكرون الحياة الآخرة. فرجعت مثلا إلى كتابَىِ ابن رشد: "فصل المقال" و"مناهج الأدلة" لأجده يؤمن بالحياة الآخرة وأنه لا شىء يند عن علم الله. كل ما هنالك أنه قد عرض آراء المتكلمين المسلمين فى تصور البعث من قائل بأنه سيكون جسديا، ومن قائل بأنه سيكون روحيا، ومن قائل بأنه سيكون جسديا لكن بأجساد جديدة أو شىء قريب من هذا. وقد علمنى هذا شيئا مهما، وهو عدم تصديق ما يسمعه الشخص أو يقرؤه من الآخرين دون تمحيص. وكان من رأى الأستاذ الدكتور أن ابن رشد قد بث آراءه فى شرحه لفلسفة أرسطو، على حين كان رأى العبد لله أن شرحه لأرسطو إنما هو عرض لأفكار أرسطو لا يُسْأَل هو عن شىء منه، أما كتاباه الآنفا الذكر فهما مناط البحث عن آراءئه. 
وأذكر أيضا أننى، فى إحدى المحاضرات وبعد انتهاء الدكتور حنفى من قول ما عنده وحلول ميعاد المناقشة، رفعت يدى طلبا للتعقيب، وكنت قريبا من آخر القاعة، فقال: سنبدأ من الصف الأول. فما كان منى إلا أن انتقلت من موضعى إلى الصف الأول كى أستطيع التعليق على ما قال قبل انتهاء المحاضرة. وكان معه قطعة من الطباشير فقذفها نحوى قائلا: ماذا تريد بانتقالك هذا؟ قلت له: أريد أن أتكلم قبل أن تنتهى المحاضرة. فقال: إذن تكلم، ولا تُطِلْ. فقلت ضاحكا، ولكن فى جد تام: بل سآخذ راحتى فى التعليق. فأجابنى حينئذ إلى طلبى دون تعسف. وقد حصلت فى المادتين اللتين حاضرَنا الأستاذ الدكتور فيهما خلال تَيْنِكَ السنتين على تقدير "ممتاز" و"جيد جدا" على التوالى. ولم يحصل أحد فى السنة الرابعة فى مادة "التصوف الإسلامى" على أعلى من "جيد جدا" بما يدل على أنه لم يكن كذلك الأستاذ الآخر الذى أعطانى فى مادتيه فى ذينك العامين أنفسهما أدنى درجة فى تقدير "الجيد". ولم أكن فى إجاباتى على أسئلة الدكتور حسن حنفى أستشهد بما يقول إلا على سبيل المناقشة له والاختلاف معه، ومع هذا لم يفكر الرجل فى طعن ظهرى فى الظلام. لكن لا بد من القول رغم ذلك بأننى حين أقرأ له شيئا الآن لا أستطيع إلا أن أتذكر طريقته فى عرض أفكاره أثناء المحاضرة، تلك الطريقة القائمة على الإتيان بنتائج خاطئة مبنية على مقدمات متهافتة. إلا أن هذه نقرة، وتلك نقرة أخرى! وقد تحدثت إلى د. شوقى ضيف ذات مرة عن آراء الدكتور حسن حنفى واختلافى مع ما يردده فى المحاضرات، فأبدى استغرابه لأنه، حسبما أخبرنى، كان عضوا فى جماعة الإخوان المسلمين! 
وأمس (الأحد 17 مارس 2013م) ظهرا، وبعد أن كتبت ما كتبته هنا عن أستاذى د. حسن حنفى بعدة أيام، كنت فى المجلس الأعلى للجامعات لحضور انتخابات اللجنة العلمية الدائمة لترقيات أساتذة اللغة العربية، وفى طريقى للانصراف أنا وزميلى بآداب عين شمس د.محمد يونس عبد العال بعد انتهاء الجلسة وصلاتى الظهر ومقابلتنا الصديق فيصل بدير عون أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب عين شمس ومناقشاتنا الضاحكة حول أرسطو، وهل كان يصلى كصلاتى (التى صليتها أمامهم فى البهو) أو لا، لمحت شخصا يجلس على كرسى متحرك ويدفعه شخص آخر فى الممر المؤدى إلى غرف الاجتماعات بالطابق الثانى، فقلت فى نفسى: إننى أعرف هذا الوجه. ثم سرعان ما تنبهت إلى أنه أستاذى د. حسن حنفى، لا لأننى ما زلت أتذكر ملامحه الأولى أيام كان يحاضرنا وهو مدرس شاب، بل من صوره التى تنشرها له الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية، فعدت أدراجى وناديت وأنا أنحنى ناحيته: د. حسن حنفى؟ فأجاب: نعم يا أخى. قلت له: تلميذك المزعج فلان. فلم يبد عليه ما يدل على أنه تذكرنى، وبخاصة أنه لم يرنى منذ أكثر من أربعين عاما، فضلا عن المباغتة التى تم بها الأمر، ولكنه رحب بى على الطائر كما هو الحال فى مثل تلك الظروف، ثم افترقنا: أنا فى طريق الخروج، وهو فى طريق الدخول يدفعه الرجل الذى كان معه. وهذه أول مرة أقابله فيها أو أتحدث إليه بعد عشرات السنين.
وهناك أيضا الدكتور الذى كان يحاضرنا فى خلال السنة الثالثة فى مادة "النقد الأدبى"، وهو الذى ذكرت آنفا أنه أعطانى فى مادتيه أدنى درجات "الجيد"، ولم يكن له كتاب، كما لم يكن يملى علينا شيئا، اللهم إلا من يريد الكتابة السريعة وراءه وهو يتحدث بسرعة الكلام المعتاد. ومع هذا وجدت فى كتاب د. سهير القلماوى فى "النقد الأدبى" ما يقوله أستاذنا، الذى كان مثل د. حسن حنفى ود. محمود فهمى حجازى لا يزال مدرسا فى أول الطريق. وحدث ذات محاضرة أنْ كان يشرح مفهوما من مفاهيم النقد وجدت أنا أنه بحاجة إلى تمثيل يوضح ما يريد أن يقوله ويزيل ما يبدو فيه من غموض، فرفعت يدى وطلبت منه أن يزودنا بمثال توضيحى. إلا أنه توقف عن الشرح بغتة، وطلب منى أن أقف، سائلا إياى ماذا قلت، مع رنة غضب مكتومة فى صوته، فارتبكت لأنى لم أتوقع قط أن يكون هذا هو رد فعله، إذ أنا متعود على مثل تلك الأسئلة مع أساتذتى، وليس فى طلبى ما يمكن أن يضايق أحدا. وقد أسرع أحد الطلبة الفلسطينيين، وكان جالسا ورائى، إلى توضيح ما يريده إبراهيم، فما كان من الدكتور إلا أن سكت ولَمَّ أوراقه وكراريسه وترك المحاضرة دون تعليق. وحتى الآن لا أدرى لماذا فعل ذلك. وقد حصلت فى مادته، رغم المراجع المتعددة التى استعنت بها فى إجابتى فى آخر العام، على أدنى درجات "الجيد" كما قلت آنفا على حين حصلت فى كل مواد القسم تقريبا على تقدير "ممتاز"، وهو ما تكرر معى فى المادة التى حاضرَنا فيها العامَ الذى يليه. 
ودارت الأيام إلى أن كنا فى عام 1986م، وهو العام الذى قدمت فيه ثمانية كتب من أجل الترقى لرتبة "الأستاذ المساعد"، وكان الرجل عضوا فى لجنة تقويم أعمالى هذه، فلم تجد اللجنة فى أى كتاب من تلك الكتب شيئا واحدا إيجابيا، وكتبتْ تقريرا خلاصته أن كتبى الثمانية تخلو تماما من أى شىء يصلح لترقيتى إلى مرتبة "الأستاذ المساعد". وكانت النتيجة أننى لم أُرَقَّ للرتبة المذكورة، وهو ما أفزعنى وصرفنى عن محاولة التقدم مرة أخرى للترقية لمدة خمس سنوات إيمانا منى بأن هناك تربصا بى لمنعى من نيل حقى رغم أنه كان من السهل علىَّ أن أعيد الكَرَّة العام القادم بكل سهولة. بيد أن زوجتى، بعد مضى خمس سنوات على الواقعة الأولى، قد أقدمت ذات زورة لها إلى أرض الوطن على تقديم بعض ما كان جاهزا لدىَّ من كتب للترقية من وراء ظهرى، إذ كنت متوجسا من تكرر ما وقع فى المرة الماضية، فطلبت منها بالهاتف ألا تقدم شيئا وتشددتُ فى ذلك تشددا عنيفا، إلا أنها تظاهرت بطاعتى ونوت فى سريرتها أمرا شجعتْها عليه والدتها حين سألتها عن توترها وضيق صدرها، فباحت لها بمخاوفى، فظنت السيدة النبيلة أن السبب هو خوفى أن يضيع ما أنفقته على طباعة الكتب الجديدة سدى، فقالت لها: تقدمى على بركة الله، ولسوف أدفع تكلفة الطباعة لإبراهيم. فلما أخبرتها ابنتها بالسبب الحقيقى غضبت ودعت على الظالمين وظلت تدفعها إلى التقدم، فقدمت زوجتى الكتب من ورائى، وكعادتى لم أعرف مَنْ أعضاء اللجنة التى تقرأ لى. ثم اتضح كل شىء بعد ذلك، إذ كان من بين الأعضاء د. عبد الصبور شاهين وعضوان آخران معاديان لى بسبب اتجاهى الفكرى، عضوان مستنيران لا رجعيان مثلى. وقد كانت النية متجهة هذه المرة إلى إسقاطى أيضا، بما يدل على أن توجساتى كانت فى محلها لولا أن د. شاهين قد تحدى العضوين الآخرين طالبا منهما أن يقرأ تقريره على لجنة الترقية الدائمة ثم يقرءا بدوريهما تقريريهما، وما إن انتهى من قراءة تقريره، الذى رفع فيه أعمالى إلى السماء، حتى أعرب العضوان الآخران عن موافقتهما على ذلك التقرير بعدما كانا قد أعدا تقريرا بأن أعمالى هذه المرة أيضا لا تصلح.
وكنت قدمت فى المرة الأولى ثمانية كتب أتصور أنها كافية لترقية مدرسين اثنين لا مدرس واحد. ومن بينها مثلا ثلاثة كتب عن المتنبى: واحد عن حياته وشخصيته تناولت فيه، ضمن ما تناولت، عقيدته وبينت أن الرجل مسلم ولم يتنبأ كما أشيع عنه، وليس فى إيمانه ما يشين سوى أنه مندفع هجام لا يتأنى فى الحديث عن نفسه وعرض أفكاره، وهو ما اقتضى منى تفلية شعره بيتا بيتا وتقليب كل ما قيل عن تمرده على الإسلام خبرا خبرا... إلى آخر تلك التحقيقات المرهقة التى يعرفها عنى من يقرأون لى شيئا. كما أننى عالجت فى ذلك الكتاب ما يقال عن أصله الأسرى، وهل هو ابن سقاء كوفى أم هل هو ابن رجل من الهاشميين كما يقول الأستاذ محمود شاكر أم هل هو ابن الإمام المهدى المنتظر نفسه حسبما كتب عبد الغنى الملاح، فى كتابه: "المتنبى يستردّ أباه". وكعادتى لم أترك حجرا إلا قلبته على كل وجوهه بحثا عما يمكن أن يكون تحته من أشياء قد تفيد الموضوع... وغير ذلك من الموضوعات على مدار ثلاثمائة صفحة وثلاثين ونيف. ومع هذا قيل إننى لم أقدم أى جديد. 
أما الكتاب الثانى فكان عن لغة المتنبى، وهو أكبر من الكتاب الأول. وقد تناولت فيه كل ما قيل فى ذلك الموضوع مناقشا مصححا مستدركا متوصلا إلى نتائج جديدة مستشهدا على هذه النتائج الجديدة بأشعار كثيرة من أشعار الرجل على عكس ما فعل من رددت عليهم إذ يقفون عند شاهد أو اثنين ثم يخرجون بما يخرجون به من نتائج. وقد استطعت من خلال القراءة المتفحصة الدقيقة لديوان المتنبى التوصل إلى عشرات السمات الأسلوبية التى تطبع لغته مما لم يتوصل إليه باحث من قبل فى حدود علمى. ومع هذا لم تجد اللجنة فى ذلك الكتاب أيضا شيئا يصح أن يُحْسَب لى، فى الوقت الذى وقفتْ فيه مثلا إزاء ألف مثبتة بعد واو فعل مضارع (لعله الفعل: "يدعو")، قائلة ما معناه أن "السيد الباحث" (هكذا بمثل تلك اللغة المهذبة!) لا يستطيع أن يفرق بين واو الفعل وواو الجماعة، مع أن هذا الأمر لم يتكرر فى هذا الكتاب ولا فى أى من الكتب الأخرى، فضلا عن أنهم قد علمونا هذه المعلومة فى الكتاب ونحن أطفال صغار، فالتزمنا بها منذ ذلك الحين لم نخطئ فيها قط. كما أن واحدا مثلى لا ينبغى أن يقال فى حقه هذا الكلام الصغير الذى ما كان يليق أن تردده اللجنة. وقد عدت يومذاك إلى أصول الكتاب عندى: سواء المسوَّدة التى كتبتها بيدى أو المبيَّضة التى نسختها لى زوجتى لأعرف من أين جاءت تلك الألف، فلم أجد تلك الألف، وهو ما يدل على أنها ليست سوى غلطة من طابع الكتاب. ولنفترض أنها غلطتى أنا، فهل يحاسب الباحث على غلطة لم تتكرر عنده قبل ذلك ولا بعد ذلك قط؟
وفى الكتاب الذى ترجمتُ فيه عن الفرنسية بحث ماسينيون عن قرمطية المتنبى درست كل ما قاله الرجل عن مذهب الشاعر وفَلَّيْتُه تفليةً ولم أترك شيئا كتبه إلا بينت عواره تماما من خلال الشواهد الكثيرة على عادتى التى أراعيها دائما بحيث لا أترك لأحد مُتَعَلَّقا يشغب به على ما أقول، ثم لم أكتف بهذا، بل عمدت إلى كل الأخبار التاريخية المتصلة بهذا الموضوع فناقشتها خبرا خبرا فلم أجد فيها شيئا يمكن الاعتماد عليه فى اتهام الرجل بالقرمطية كما صنع ما سينيون بِلَيِّه للنصوص وتأويله للأخبار لَيًّا وتأويلاً لا يصلحان فى ميدان البحث العلمى، وإن كان قد ذاع هذا الاتهام الماسينيونى بين الباحثين عربا وأجانب. فتركتِ اللجنة المذكورة هذا كله مما من شأنه أن يقلب ما هو شائع فى ذلك الحقل من حقول الدراسات المتنبئية رأسا على عقب، ووقفتْ عند كلمة مجاملة قلتها فى مقدمة الكتاب تشير إلى أنى قد ناقشت إحدى زميلاتى بقسم اللغة الفرنسية "على الواقف" فى "بضع" كلمات (أربع حسبما أتذكر الآن) من بحث ماسينيون. ويعلم الله أن الزميلة لم تقل شيئا أستفيد به، إلا أن طبيعة المجاملة عندى أبت علىَّ إلا أن أشكرها على مناقشتى لها فى "بضع" كلمات فى النص الفرنسى. فماذا قالت اللجنة الموقرة؟ قالت إننى استعنت فى ترجمة البحث بفلانة هذه. يا للهول! والله الذى لا إله إلا هو لا أظن الزميلة المشار إليها تتذكر شيئا مما دار بيننا فى المرة اليتيمة التى "وقفت" فيها أنا وهى لدقائق معدودات لا غير نتحدث أثناءها فى تلك الكلمات الأربع. أإلى هذا الحد يتربص بعض الناس ببعض ويُقَوِّل بعضهم بعضا كلاما لم يقولوه؟ 
وفى كتاب آخر لى أشرت إلى ما لاحظته من أن كلمة "أَوَى" كثيرا ما تكتب فى كتب د. طه حسين بمَدَّة على الألف، ولا أدرى حتى الآن لماذا. فهو يقول مثلا: "آوَى الرجلُ إلى بيته"، بمعنى "لجأ إليه أو دخله"، بدلا من "أَوَى" كما ينبغى أن تكون صيغة الفعل الماضى فى هذا السياق. ترى هل كفر العبد لله حين لاحظ هذه الملاحظة؟ لكن اللجنة التى كانت تقرأ أعمالى كان لها رأى آخر، إذ خطأتنى أنا، ثم لم تكتف بهذا بل استشهدت بالقرآن على صواب استعمال الـمَدَّة بدل الفتحة هنا. وهذان هما الشاهدان اللذان خطأتنى بهما: "قال (أى ابن نوح): سآوِى إلى جبل يعصمنى من الماء"، "قال (أى لوط): لو أن لى بكم قوة أو آوِى إلى ركن شديد". وكان رأى اللجنة أن القرآن الكريم قد استعمل الـمَدَّة لا الفتحة على الهمزة. فماذا يريد "السيد الباحث" بعد هذا؟ وطبعا هذا كلام "فى البطيخ" أو "فى الهجايص" كما يقال فى مصر، إذ الفعل هنا مضارع لا ماض، وماضيه هو "أَوَيْتُ"، والـمَدَّة سببها همزة المضارعة لا همزة التعدية، وهو ما يعضد ما قلت، إلا أن كلام اللجنة طبعا لا ينزل الأرض. ترى بالله عليك أيها القارئ الكريم ماذا يمكن أن يقال فى مثل هذا الكلام؟ 
أما فى كتابى: "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين" فقد أثبتُّ أن الدكتور طه قد أخذ إنكاره الشعر الجاهلى، كلَّه أو جُلَّه، من ديفيد صمويل مرجليوث، الكَيْذُبَان الذى زعم أن طه حسين قد توصل إلى رأيه هذا فى نفس الوقت الذى توصل هو فيه إلى إنكاره صحة الشعر الجاهلى كله، مع أن هناك فارقا زمنيا يبلغ عشرة أشهر، كان بحث مرجليوث أثناءه قد وصل لمصر وقرأه كثير من كتاب مصر وعلمائها، فضلا عن المستشرقين الذين كانوا يحاضرون فى الجامعة بالقاهرة، وكانوا أصدقاء طه حسين، ويجتمعون فى بيته كل أسبوع، فضلا عن أنه هو الذى استجلبهم أو استجلب عددا منهم، وأن طه حسين قد ساق نفس الأدلة التى ساقها مرجليوث. لكن لجنتنا المبجلة تركت كل هذا مما لم يقله أحد من قبل وأمسكت بكلمة "الكيذبان" التى وسمتُ بها مرجليوث، الذى كان يستأهل ما هو أشنع من هذا الوصف. كما أننى قد أثرت لأول مرة فى بحث جامعى ما اتهم فريد شحاتة به طه حسين من أنه تعمَّد قبل الزواج بسوزان فى فرنسا، وحاولتُ الوصول إلى رأى يريح ضمير العلم فلم أجد أمامى، بعد كل ما قمت به من تحليل وتدقيق وتقليب للأخبار المتعلقة بهذا الموضوع على كل وجوهها المحتملة، سوى الانتظار والتطلع إلى أن يقوم أحد الباحثين فيفحص سجلات كنيسة القرية التى تمت فيها خِطْبة طه لسوزان ليرى هل هناك ما يدل على صحة ما قاله شحاتة أو لا. وهذا، كما يرى القارئ، كلام علمى لا يخر منه الماء. لكن لجنة الترقية تجاهلت كل هذا الجهد العلمى الدقيق وأخذت كالعادة تبحث بإبرة عن عيب فى الكتاب.
ويمكنك أن تقول نفس الشىء فى موقف لجنتنا الموقرة من كتابى: "مصدر القرآن"، إذ لم تر فيه حسنة واحدة على مدار الصفحات التى تقترب من الثلاثمائة والخمسين قلبتُ فيها النظر فى النص القرآنى ودرست ظاهرة الوحى من خلال أعراضها التى تبدو للناظر الخارجى، كما حللت فيها الاتهامات الموجهة إلى شخصيته عليه السلام من قِبَل الكافرين به من مستشرقين ومبشرين من أنه كان كذابا مخادعا أو واهما مخدوعا أو مريضا بمرض عصبى كالصَّرْع والهلوسة والوسوسة، وانتهيت إلى أن الرسول عليه السلام لا يمكن أن يكون مخادعا أو مخدوعا أو مريضا بمرض عصبى، وأن القرآن يستحيل أن يكون بشرى المصدر. كل ذلك من خلال تحليلات عقلانية لا تترك شيئا إلا قلبته على كل الوجوه دون تحرج من شىء بالغا ما بلغت قداسته عندنا نحن المسلمين، فضلا عن الاستعانة بما يقوله المتخصصون فى الطب وعلم النفس عن أعراض الأمراض التى أُلْصِقَتْ بالرسول عليه الصلاة والسلام بهتانا وزورا. 
وبنفس العين نظرت اللجنة المبجلة إلى دراستى المعنونة: "موقف القرآن الكريم والكتاب المقدس من العلم"، مدعية أننى لم أفعل شيئا سوى النقل عن د. موريس بوكاى، مع أن سبيلى تختلف تماما عن سبيل بوكاى. بل إننى قد اختلفت مع بوكاى فى تفسير عدد من الآيات القرآنية المتصلة بالمعارف العلمية الحديثة. ويستطيع القارئ أن يقيس رأى اللجنة فى كتبى الأخرى على ما سبق. وهكذا ما من شىء قد أتيت فيه بالجديد، وما أكثره فى الكتب التى قدمتها إلى لجنة الترقية، إلا وتجاهلته اللجنة وتنقصت من قيمته، وكأننى باحث ساذج لا يفقه شيئا. وهو موقف عجيب فوضتُ فيه الأمر إلى الله، الذى سوف أقف أمامه يوم القيامة ومعى أعضاء اللجنة وأشكوهم إلى رب عادل لا يرضى بأن يُظْلَم أحد من عباده على هذا النحو الجلف. ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة: فإما اسودَّ وجه العبد لله وإما اسودَّ وجه عباد الله الآخرين. 
والعجيب فى رأى كثير من الناس أننى لذت بالصمت فلم أحاول الشكوى ولا الكتابة فى الصحف. والسبب هو أننى بطبيعتى أشعر بالخجل من لَوْك اسمى فى الصحف والمجلات وعلى ألسنة الناس بوصفى مظلوما أشكو. وبطبيعة الحال فإننى لو كنت يساريا أو حداثيا لانتفضت الكرة الأرضية من اليابان إلى أمريكا، ومن القطب الشمالى حتى القطب الجنوبى، دفاعا عنى وهجوما على من وقفوا ضدى حتى لو كان كل ما قالته اللجنة فى حقى هو الصواب المطلق. وقد حدث هذا بعدها بقليل فى موضوع د. نصر أبو زيد. بل إن بعض من وقفوا يدافعون عن د. نصر كانوا من أعضاء اللجنتين اللتين قرأتا أعمالى واشتركوا فى الإجحاف بحقى. وأنا الآن حين تأتينى أعمال أى دكتور متقدم للترقية أتذكر ما وقع لى فأقرؤها بعين العطف والخوف من الله وأُغَلِّب النظرة الإيجابية، ولا أفكر فى الانتقام من أحد ولا حتى ممن أشعر أن لهم فكرا يختلف عن فكرى واتجاها يغاير اتجاهى، واضعا فى ذهنى دائما أن له أولادا وزوجة سوف يتألمون أشد الألم إذا لم ينجح فى الترقية وشعروا أن هناك إجحافا بحقه. وأرجو ممن له رأى فى تقاريرى غير ما أقوله هنا أن يتقدم بما عنده. 
ونفس الشىء قل عن مناقشة المتقدمين لنيل درجتى الماجستير والدكتوراه، فإننى لا أحب أن أستعرض عضلاتى ولا أحرج أحدا، اللهم إلا مرة واحدة لم أستعرض فيها عضلاتى، ببساطة لأنى ليس لى عضلات أصلا ولمعرفتى بمحدودية علمى، بل خرج الأمر عن نطاق السيطرة حين قال الباحث ما معناه أننى أريد أن أنتقم منه لأننى نبهته إلى أمر فاته منهجيا أن يعمله، فلم يكن أمامى إلا أن أعلن استعدادى للانسحاب. ثم تطورت الأمور، واجتاز المناقشة بعد أن اقترح المناقش الخارجى، الذى كان متعاطفا معه ويظن أننى متحامل عليه، إعطاءه الدرجة بتقدير جيد جدا. وفى مثل تلك المناقشات لا أتردد إذا كنت قد ارتكبت ما آخذه على الباحث من خطإ فى مصارحته أمام الملإ بأننى كنت أرتكب الخطأ الذى أنبهه الآن إليه... وهكذا أذكر كل شىء لاحظته فى الرسالة دون أن أجرحه، بل عادة ما أبتسم له وأداعبه مهما كان المأخذ الذى آخذه عليه كبيرا. وهو ما أفعله فى المحاضرات دائما رغم شدتى فى الأمور المتعلقة بالنظام والهدوء فى القاعة.
مرة واحدة يتيمة طوال ما يقرب من عشرة أعوام أعطيت بحثا واحدا يتيما لدكتور متقدم للترقى صفرا. لكن لماذا؟ لقد كان البحث مكتوبا بالإنجليزية، وهى إنجليزية لا صلة بينها وبين الإنجليزية التى نعرفها ولا أية لغة أخرى. وربما وضعها الباحث على جوجل فتمت ترجمتها آليا، وقد أكون مخطئا فى هذا التعليل. والسبب فى كتابة البحث بالإنجليزية أنه مقدم إلى مؤتمر أحنبى خارج مصر، ولكن كان من الممكن تقديم أصله باللغة العربية إلى لجنة الترقية. أما سبب الصفر فلأن الباحث أقام بحثه على المقارنة بين بنت الشاطئ بجلالة قدرها وبين جيل الكاتبات الحاليات، فلم يجد من تمثل أولئك الكاتبات إلا فتاة تكتب على المشباك (الإنترنت) خواطر من خواطر الهواة الذين يجربون أقلامهم فى فضاء المشباك المفتوح لكل من هب ودب تتحدث فيها ضمن ما تتحدث عن راكب بجوارها فى الطائرة رأته يخرج عضوه ويستمنى أمامها، فشرعت تصف ما يقع. دعونا من النتانة التى تفوح فوحانا كريها من ذلك الكلام، وتعالَوْا فقط إلى المقارنة التى تَغَيَّاها الباحث فى كلامه. ترى هل يصح أن نقارن بين بنت الشاطئ وبنت مفعوصة وقحة لا علاقة لها بالتأليف والإبداع تكتب مثل هذه النتانات؟ هل مثل تلك الفتاة يصح أن نوقفها رأسا برأس إزاء د. عائشة عبد الرحمن؟ ومنذ متى تقدَّم البحوث للترقى فى ميدان الأدب العربى من باحث مصرى إلى لجنة مصرية باللغة الإنجليزية؟ ويا ليت اللغة التى كُتِب بها البحث قد تحقق لها الحد الأدنى من الصلاحية. أما بقية أبحاث ذلك الدكتور فقد أجزتُها، ولم آخذها بذنب هذا البحث الغريب. 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق