أضيف في 18 يونيو 2016 الساعة 13:31

بين حى بن يقظان وروبنسون كروسو


إبراهيم عوض

 د. إبراهيم عوض

فى التراث العربى أكثر من قصة بعنوان "حى بن يقظان" تدور حوادثها حول شخص نشأ فى جزيرةٍ منعزلة منقطعا عن عالم البشر، وتصور علاقته بالكون والدين. ويعد ابن سينا أول منشئ لقصة حى بن يقظان، ثم أعاد شهاب الدين السهروردي كتابتها، ليصوغها بعد ذلك الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل صياغة جديدة، ثم كان ابن النفيس آخر من قدمها على طريقته للقراء. وأشهر مؤلف بين هؤلاء الأربعة هو ابن طفيل. ويرى بعض العلماء والباحثين أن هناك قصصا غربية مثل "روبنسون كروسو" و"طرزان" قد نُسِجَتْ على نفس المنوال الذى نسجت عليه رسالة "حى بن يقظان" لابن طفيل. وقد خَصَّصْتُ هذا الفصل للمقارنة بين العملين سواء كان ديفو قد استفاد فعلا من رسالة ابن طفيل أو وضع روايته مستقلة عنها.

وتعرِّف مادة "حى بن يقظان" فى "الموسوعة العربية العالمية" برواية ابن طفيل فتقول: "حى بن يقظان: اسم قصة عربية أصيلة تمثل شكلا باكرًا من أشكال الفن القصصى عند العرب، وتبرز أنماط فهم الناس للدين، كما تظهر آراء صاحبها ومفهومه فى قضايا العقل والشريعة. كتبها فيلسوف غرناطة فى القرن السادس الهجرى أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسى (توفى 581هـ- 1186م). ولم يبق لنا من أعماله، وهو مُقِلٌّ، غير هذه القصة. وقد صبّ ابن طفيل فى هذه القصة آراءه القائلة بعدم التعارض بين العقل والشريعة، أو بين الفلسفة والدين، فى قالب روائى قصصى. نشأ بطلُ القصة حى بنُ يقظان فى جزيرة معزولة، وكان قد أُلْقِى فيها طفلا، أو نشأ بشكل طبيعى من مادتها وترابها. وبعد أن نما وترعرع تأمل الكون الذى حوله فوصل إلى حقيقة التوحيد بالفطرة. وينتقل إلى جزيرة أخرى فيلتقى بشخصين هما سلامان وأبسال: يعلِّم الأولُ منهما أهلَ الجزيرة، الذين يتدينون تدينًا سطحيًّا، الحقائقَ الإلهيةَ والوجوديةَ عن طريق ضرب الأمثال، بينما يميل الثانى إلى التأمل والنظر العقلى، وفيه نزعة صوفية.

ويدرك حى، بعد أن يتفاهم مع أبسال، أن ما توصل إليه من إدراكٍ لحقائق الوجود والكون بالفطرة وما ورثه أبسال عن طريق النبوة إن هما إلا وجهان لحقيقة واحدة: فالكون واحد، والخالق واحد، وهو رب السموات والأرض وصانع الموجودات. قد نصل إليه عن طريق التأمل الذاتى كأفراد، لكن الجماعات بحاجة إلى طريقة أبسال فى ضرب الأمثال الحسية لمعرفة ذلك لأنه لا قدرة للعامة على إدراك الحقيقة المجردة التى قد يصل إليها أصحاب التأمل الذاتى والنظر العقلى. والنبوة حق، ولا بد منها، والخليقة بحاجة إليها للوصول إلى معرفة الخالق. إلا أن حَيًّا لا يكاشف أهل الجزيرة بالحقيقة كلها، ويعود مع أبسال إلى الجزيرة الأخرى ليعبد الله عبادة روحية خالصة حتى يأتيهما اليقين.

وتمثل القصة العقل الإنسانى الذى يغمره نور العالم العلوى، فيصل إلى حقائق الكون والوجود بالفطرة والتأمل بعد أن تلقاها الإنسان عن طريق النبوة. وتؤكد قصة "حى بن يقظان" على أهمية التجربة الذاتية فى الخبرة الفكرية والدينية. وقد تركت آثارها على كثير من الجامعات والمفكرين، وتُرْجِمَت إلى اللاتينية واللغات الأوروبية الحديثة. وكان ابن طفيل أستاذًا لابن رشد، الذى سماه دانتى: الشارح الأكبر، والذى عن طريقه عرفت أوروبا فى عصر النهضة أرسطو وفلسفته. وقد حدد ابن رشد ثلاثة مستويات لفهم الشريعة والدين، وهى ليست بعيدة عن جوهر ما ذهب إليه ابن طفيل فى "حى بن يقظان": فهناك فهم العامة للدين، وفهم الخاصة، وفهم خاصة الخاصة، وإن كان للدين جوهر واحد لا يتغير. وقصة "حى بن يقظان" وضعت أيدينا على تباين المستويات لهذا الفهم بشكل روائى قصصى يطرح قضية فلسفية.

وتتجلى براعة ابن طفيل فى مزجه الأفكار الفلسفية الدقيقة بالقصص الشعبى، وفى جهده لتسويغ هذه الأفكار منطقيا وفنيا. وقد ذكر ابن طفيل تأثره فى قصته بفلسفة ابن سينا. وفى قصة "حى بن يقظان" جوانب من النضج القصصى، وإن كان قالب القصة ليس سوى إطار لصب الآراء الفلسفية والصوفية فى النص. وقد قدَّر كثير من النقاد هذا الجهد القصصى لابن طفيل فعدوا "حى بن يقظان" أفضل قصة عرفتها العصور الوسطى جميعًا".

وهناك روايتان أوردتهما الرواية فى بدايتها تفسران لنا مجىء حى بن يقظان إلى الوجود: الأولى تقول إنه تولد من الطين فى جزيرةٍ جنوبَ خط الاستواء تسمى: الواقواق، وهى جزيرة خيالية كما هو واضح، على حين تخبرنا الأخرى بأنه قد وُلِد لأميرة تزوجت على غير إرادة أخيها الملك من قريب لها اسمه يقظان، ثم أنجبت منه طفلا خافت أن يفتضح أمرها بسببه، فيعاقبها أخوها هى وزوجها لأنه لم يكن يريد لها أن تتزوج، فألقت ابنها فى تابوت وأسلمته إلى اليم، الذى حمله إلى جزيرة مهجورة. وتصادف أن مرت بالمكان الذى استقر فيه التابوت غزالة كانت تبحث عن ابنها الذى فقدته، فسمعت صوت بكاء فاتجهت نحوه، وكان أن عثرت على الطفل الرضيع فأخذته وأرضعته وحضنته وربته، وكانت تحمله هنا وهناك أينما اتجهت. ومن الواضح أن الروايتين ترمزان إلى الطريقة التى جاء ويجىء بها الجنس البشرى إلى الوجود: فالأولى تشير إلى خلق الإنسان الأول من الطين، والثانية تشير إلى التوالد الذى يحدث كل يوم جَرَّاءَ التقاء رجل بامرأة. كما تمثل القصة أيضا مسيرة الجنس البشرى، إذ استطاع حى أن يصل إلى كل ما وصلت إليه البشرية من علم وطب ودين وفلك وما إلى ذلك بجهده الذاتى، وهو ما لا يستطيعه إنسان وحده أبدا مهما كانت عبقريته. أما إذا نظرنا إلى القصة نظرة رمزية فإن أمورها تستقيم لنا، ويسهل علينا تقبّل وقائعها وإنجازات بطلها دون مشاكل.

والآن إذا أردنا أن نقارن بين "حى بن يقظان" و"روبنسون كروسو" فهناك عدة ملاحظات هامة بعضها يخص التشابهات بين العملين، وبعضها يتعلق بالاختلافات: فأما التشابهات فتتلخص فى أن كلتا الروايتين تدور حول شخص يعيش وحده دون أى أنيس بشرى على جزيرة مهجورة، وعليه أن يدبر جميع احتياجاته بنفسه دون أى معين، مستخدما عقله فى حل المشكلات التى تواجهه، وإنجاز الاحتياجات التى تنقصه، والتفكير فى أمور الكون من حوله، والتغلب على وحشة الوحدة التى تحيطه بل تغمره من كل جانب، إلى أن يقيض الله له من يأتيه فيأخذه من الجزيرة إلى المجتمع البشرى، منتشلا إياه من ذلك الانفراد الموحش. وهذه هى وجوه التشابه فى خطوطها العامة بين القصتين.

أما أوجه الخلاف فكثيرة: منها أن البطل فى "حى بن يقظان" موجود فى الجزيرة منذ اللحظة الأولى لتخلقه أو وصل إليها عقيب ولادته: فإذا كان قد تخلق من الطين فهو فى الجزيرة منذ اللحظة الأولى من حياته بل من قبل ذلك باعتبار أن الطين الذى تخلَّق منه هو جزء من أرض الجزيرة ذاتها من قديم الأزل. وأما إذا كانت أخت الملك قد حملت به فيكون قد وصل إلى الجزيرة عقب ولادته، وإلا انفضح أمرها، وهو ما كانت تحاذره تمام المحاذرة، وبالتالى فلا بد أن تكون قد ألقت به فى اليم منذ نزوله من أحشائها، تاركة إياه فى القارب دون رقيب أو حسيب، اللهم إلا رعاية الأقدار. وفى الحالين كان على حى بن يقظان أن يبدأ رحلة عمره بالجزيرة من نقطة الصفر، إذ بدأ أمره فيها خاما عاريا من أية خبرة سابقة يمكنه أن يعتمد عليها ويبنى فوقها مسيرته هناك، بل كان فى حالة عجز تام عن مجرد ممارسة الحياة ذاتها دون معونة خارجية لا يملك من أمرها شيئا، ولا يستطيع تدبيرها، بل ولا يمكنه أن يفكر فيها مجرد تفكير، لسبب بسيط جدا هو أنه لم يكن قادرا على التفكير ولا كانت لديه آلة التفكير ولا كان مهيأ بعد لاستخدام أعضائه وعضلاته، بل كانت أعضاؤه وعضلاته فى حالة عجز تام، إذ كان لا يزال رضيعا، ولم تكن هناك امرأة يمكن أن ترضعه.

هذا عن حى بن يقظان، أما روبنسون كروسو فقد جاء إلى الجزيرة ناضجا فى سن الشباب، وكان قادرا منذ اللحظة الأولى لوصوله هناك أن يفهم موقفه وأن يقدره وأن يفكر فى الكيفية التى يمكنه بها أن يواجه المشاكل التى تنشأ أولا بأول، أو المواقف التى يجد نفسه فيها، وأن يفكر فى إنجاز الأدوات التى يحتاجها لتدبير حاجاته والتغلب على صعوبات حياته، وأن يضع الخطط والحلول. كما كان يشعر أحيانا بالخوف والقلق واليأس والحيرة كأى إنسان فى أى موقف، بخلاف حى بن يقظان، الذى صوره ابن طفيل بلا مخاوفَ أو حيرةٍ أو يأسٍ البتة.

وبطبيعة الحال لا يمكن أن يعيش طفل فى ظروف حى بن يقظان دون أن يرعاه بشر، إذ هو بحاجة إلى من يرضعه، وبحاجة إلى من ينظفه كلما تبول أو تبرز أو اتسخ جسده أو ملبسه، وبحاجة إلى من يهدهده كلما بكى، وبحاجة إلى من يهيّئ له فراشه كى ينام، وبحاجة إلى من يشخّص مرضه ويعالجه كلما تعب، وبحاجة إلى من يناغيه ويعلمه الكلام والسلوك، وبحاجة إلى من يوجهه ويرشده كلما أخطأ بل حتى دون أن يخطئ كيلا يخطئ، وبحاجة إلى من يزوده بالملابس والأقمطة والأغطية، وبحاجة إلى من يضعه فى الفراش ويطمئن عليه ويستيقظ له كلما بكى ليرضعه أو يعطيه الدواء، وبحاجة إلى من يأخذ بيده ويلقنه واجباته وحقوقه... وهلم جرا. فكيف إذن جعله ابن طفيل يستغنى عن البشر منذ مجيئه إلى الوجود؟ ثم كيف تخلت عنه أمه فوضعته فى قارب تاركة إياه لرحمة الأقدار دون أن تحاول الاطمئنان على مصيره؟ قد يجيب أحدهم بأنها لم تكن مختارة بل كانت مضطرة أن تتخلص من الولد كيلا ينفضح أمرها ويُنْزِل بها أخوها العقاب الصارم الذى قد يصل إلى حد القتل. إلا أنه يمكن الرد على ذلك الرد بأنه كان بمستطاعها مثلا أن تعهد به هى وزوجها إلى أى إنسان يطمئنان إليه كما وقع لأوديب حين أمر أبوه الملكُ أحدَ كبار رجال الدولة بقتله فلم تطاوعه نفسه وأسلمه لراعٍ يرعاه ويربيه، وكذب على الملك وأوهمه أنه نفَّذ ما يريد.

وبالنسبة للرواية الأولى التى تفسر لنا كيف أتى حى إلى الوجود من الطبيعة مباشرة فمن المستحيل فى الواقع، طبقا لما نعرفه من سنن الكون، أن يتخلق إنسان أو أى كائن حى آخر من الطين دون التقاء ذكر وأنثى. صحيح أن الله خلق آدم من الطين، لكن هذا وضع آخر لا يقاس عليه، إذ إن الخلق من الطين على هذا النحو لم يحدث سوى مرة واحدة فى قديم الأزل، وبعدها لم يعد خلق الكائنات الحية يتم إلا من خلال ذكر وأثنى كما يحدث كل يوم بل كل لحظة، وكما حدث مع أخت الملك حين تزوجت من خلف ظهر أخيها وأنجبت من زوجها طفلا. نقول ذلك ونحن لا نعرف كيف تم الخلق الأول من الطين، إذ هو من أمور الغيب التى لم يشاهدها أحد: "ما أشهدتُهم خلقَ السماوات والأرض ولا خلقَ أنفسِهم"، فضلا عن أننا لا ينبغى أن نقيس أفعال الله على أفعالنا نحن العباد فلا نظن أن الله قد أحضر قطعة من الطين ثم أمسكها بيده وقربها من فمه ثم نفخ فيها كما ننفخ نحن، فانقلب الطين بشرا سويا. كذلك لو كان تخلُّق الإنسان، بعد الخلق الأول لآدم وحواء، من الطين ممكنا فلماذا لم يتكرر قبل حَىٍّ وبعده؟

وبالمثل لا أستطيع أن أتخيل، بناء على الأوضاع التى نظم المولى سبحانه كونه على أساسها، رضيعا يمكنه أن يعيش دون رعاية بشرية. لقد قال ابن طفيل إن غزالة حنت على حَىٍّ الصغير وصارت ترضعه وتحمله على ظهرها وتُعْنَى به. لكنه لم يشرح لنا كيف تم ذلك. ترى كيف كانت الغزالة ترضع حيا؟ إنها لو بقيت واقفة أثناء ذلك ما استطاعت أن توصل ضرعها إليه، ولو بركت لكان عليها أن تبرك فوقه حتى تستطيع أن تلقمه حلمة ضرعها، ولقتلته ببروكها. أما الأم البشرية فإنها تحمل ابنها على صدرها وتلقمه ثديها، ثم يقوم هو بالباقى طبقا لما فطره الله عليه. ثم فلنفترض أن الغزالة استطاعت أن تتغلب (كيف؟ لا أدرى) على تلك العقبة، فكيف يمكنها أن تلقم حيا ضرعها؟ إن الغزلان ليست لهن أيدٍ، وصغار الغزلان من ناحيتهم يرضعون وهم وقوف، فيمدون أفواههم إلى ضروع أمهاتهم، ولا تحتاج الأمهات إلى إلقامهم أثداءهن كما تفعل أمهات البشر. ومن ثم فقياس حَىٍّ على خِشْف هو قياس فى غير محله تماما. وعلى نفس الشاكلة من المستحيل أن تحمل غزالة رضيعا على ظهرها، وإلا فكيف تنقله من الأرض وتقعده فى ذلك الموضع من جسدها، وكيف يبقى فى مكانه لا يسقط دون أن يمسكه أحد، والغزالة كما نعرف لا يمكنها هذا ولا ذاك، وغنى عن البيان أنه هو أيضا لا يستطيع ذلك؟ ثم كيف تنزله حين يجوع أو ينام أو يبكى أو حين تضيق هى ويعتريها الإرهاق؟

قد يقال إن هناك حكايات متعددة تُنْسَب لبعض العلماء عن نشوء أطفال فى الغابات فى رعاية هذا الحيوان أو ذاك. لكن ينبغى أن نعرف أن هناك من يشكك فى تلك الحكايات، وإن كنت أنا لا أستبعد أن يكون بعضها صحيحا فعلا بشرط أن يكون الطفل قد وصل إلى الغابة وقد كبر بعض الشىء واستطاع الأكل والمشى وتسلق الأشجار وتدبير احتياجاته الأساسية بطريقة أو بأخرى. أما أن يُلْقَى فيها وهو رضيع لا يزال فلا أدرى كيف يُكْتَب له البقاء وينجو من لدغة ثعبان أو نقرة نسر أو نهشة ذئب أو قرسة ثلج أو ضربة مرض... إلخ.

كما أن الإنسان إذا ما أُلْقِىَ فى غابة كـ"حى بن يقظان" مثلا فإنه لا يمكنه التطور على النحو الذى تطوره حى فى قصة ابن طفيل. إنه سوف يبدأ حينئذ من نقطة الصفر التى كان عليها الإنسان الأول، فيصدر أصواتا كأصوات الحيوانات من حوله، ويمشى ويعدو على أربع كما تصنع، ويأكل النباتات واللحم نيئا ودون تقشير أو سلخ أو تهذيب مثلما تأكل، وإذا اكتسى فسوف يكون كساؤه بدائيا كأكسية الهمج المتوحشين بحيث لا يتميز، أو على الأقل: لا يتميز كثيرا، عن العجماوات التى يبصرها فى الغابة. ولقد كان كل الأطفال الذين عُثِر عليهم فى الغابات فى العصور المختلفة، حسب الروايات التى يصدقها كثير من العلماء ويشكك فيها البعض كما سلفت الإشارة، يشبهون فى نطقهم ونظراتهم وسلوكهم وهيئتهم وسيرهم وجريهم الحيوانات التى يعيشون معها، وكان صعبا عليهم التكيف مع المجتمعات البشرية حين تم العثور عليهم وحاول العلماء نقلهم من تلك البيئة الطبيعية الفطرية إلى بيئة متحضرة إنسانية. بل إن بعضهم كان يفر ممن عثروا عليه وأرادوا ترقيته وتحضيره إلى حيث كان يعيش مع العجماوات كَرَّةً أخرى. ومن هنا لا يمكن أن نوافق ابن طفيل فيما كتبه فى رسالته إذا ما كان المقصود هو القول بأن هذا أمر عادى يمكن أن يقع، ودعنا من أن يقع بالسهولة والسلاسة والبساطة التى وقع بها فى حكايته. ولنفترض أنه كان يعتقد بأن هذا محتمل الوقوع فإن اعتقاده هذا لا يلزمنا فى شىء، وتبقى الحكاية التى أوردها والتى لا نصدق بإمكان حدوثها مجرد مشجب تُعَلَّق عليها الآراء الفلسفية المبثوثة فى الكتاب، وتكون فى هذه الحالة قصة رمزية لا واقعية.

وقبل أن نغادر هذه النقطة يحسن أن نورد بعض المقتطفات من دراسةٍ جِدِّ هامةٍ منشورة على المشباك للدكتور على أسعد وطفة بعنوان "الأطفال المتوحشون: حقائق تاريخية ومعطيات تربوية" يقول فيها: "ينطوى مسرح الحياة الإنسانية على مشاهد تتجاوز حدود التصور بغرابتها، وتفوق إمكانيات الخيال بمفارقاتها. ومع ذلك فإن هذه المفارقات تندرج فى حدود الممكن، وتأخذ مساحتها الحقيقية فى دائرة الأحداث التاريخية... ومن مشاهد المفارقات الصعبة يقع موضوع الأطفال المتوحشين، وهم هؤلاء الأطفال الذين رمتهم أقدارهم إلى الحياة فى البرارى والغابات، فوجدوا أنفسهم فى أحضان الوحوش الكاسرة التى أغدقت عليهم من الحب والرعاية ما يمنحهم القدرة على التواصل وما يمنحهم الأمل فى الاستمرار وفى مواجهة أقدارهم. لقد وجد الأطفال الضائعون فى هذه الوحوش الكاسرة ما عوضهم عن حنان الأم ورعاية الأسرة، وتَلَقَّوْا على أيدى هذه الكائنات كل التدريبات والمهارات الضرورية لاستمرارية الحياة. ولكنَّ ما يُدْهِش فى هذا العالم الوحشى أن هؤلاء الأطفال قد فقدوا خصوصيتهم الإنسانية، وأصبحوا مع الوحوش التى عُنِيَتْ بهم من طبيعة واحدة سواء بسواء. وعندما اقتضى قدر الله لهم أن يعودوا إلى حظيرة المجتمع الإنسانى فقدوا كل إمكانيات التكيّف وشدّهم الحنين إلى حياتهم البرية، فبذلوا كل ما فى الإمكان للهروب والعودة إلى سيرتهم الأولى...

فى هذه المقالة سنستعرض حالات أطفال متوحشين تقريبا عُثِر عليهم فى كثير من أرجاء العالم بداية من القرن الرابع عشر حتى القرن العشرين حيث سجلت آخر حالة فى عام 1963. وقد بلغت هذه الحالات أكثر من خمسين حالة. ومع أهمية الوثائق والمعطيات التى نجدها حول أطفال التوحش فإنه يمكن التركيز على حالات أربعة لأطفال خضعوا بشكل علمى منظم للدراسة والبحث العلمى هى حالات آمالا وكامالا وقاسبار وفيكتور، وقد شكلت هذه الحالات الأربعة منطلق التوجهات العلمية التى اعْتُمِدَت لدحض الأطروحة التى ترى فى حقائق الأطفال المتوحشين مجرد أوهام سيكولوجية نسجتها مخيّلات هؤلاء الذين يبحثون عن عوامل الإدهاش والإثارة فيقدمون الواقع فى صيغة أسطورية مبالغ فى أحداثها".

ويمضى د. وطفة قائلا: "تفيض الأساطير والحكايات القديمة بصور لكائنات إنسانية متوحشة، وتنطوى هذه الأساطير على تلميحات وتصريحات لعلاقات وشيجة بين الأطفال وبين كائنات ووحوش مفترسة مرعبة. ففى القصص التى رواها المؤرخ العظيم Herodotes يحدثنا عن كائنات إنسانية متوحشة عاشت وتربّت فى رعاية حيوانات برّية متوحشة. لقد عاش تيرو Thyro وتَرَبَّى بين العجول والأبقار، وكان زيوس Zeus قد رضع من ثدى العنزة أمالثى Amalthée وتربّى فى أحضانها، وكان ريموس Remus ورومولوس Romulus قد عاشا ورُبِّيا كل منهما فى أحضان أمهات ذئاب.

ونجد مثل هذه القصص فى الأدب الفارسى، الذى يموج بحكايات خرافية عن أطفال عاشوا وتربَّوْا فى أحضان الدِّبَبَة والذئاب. وهذا ما نجده أيضا فى الأساطير اليابانية عن القردة الحاضنة للإنسان. كما نجد مثل هذه القصص فى الأسطورة الهولندية لعروس البحر التى قذفت بها الأمواج على شاطئ إدام Edam فى القرن الخامس عشر. وهذا كله يعبر عن هواجس إنسانية وخيالات مغرقة فى القدم حول طبيعة العلاقة الممكنة بين الإنسان والكائنات البريّة. وإذا كانت الأسطورة تشحذ إمكانيات الخيال فتأتى الصورة فى أكثر تجليات الجمال إبداعا وسحرا فإن الواقع أحيانا قد يفوق ما يكتنزه الخيال من جمال ومن قدرة على الإدهاش. وهذا ما نجده فى الاكتشافات الواقعية لطبيعة العلاقة بين الأطفال المتوحشين والحيوانات البرية".

ثم يتطرق إلى رغبة العلماء والمفكرين فى التحقق من هذا الأمر ودراسته دراسة علمية فيقول: "لقد استحوذت حالة الأطفال المتوحشين على اهتمام كثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء فى مختلف الميادين، فبدأوا بحثهم المتواصل فى جوانب هذه القضية وفى تضاريسها. وهنا نجد جهودا مميزة تعود إلى برنار كونور Bernard Connor بوصفه مؤرخا، وبوفون Buffon بوصفه عالم طبيعة، وكوندياك Condiac بوصفه فيلسوفا، حيث أَوْلَى هؤلاء المفكرون قضية الأطفال الذين قذفت بهم الأقدار إلى الحياة فى الغابات والكهوف والمغاور اهتماما كبيرا".

وينطلق الكاتب بعد ذلك موردا بعض القصص الخاصة بهذه القضية فيقول: "وفى هذا الميدان تكاثفت الشواهد التاريخية على وجود أطفال متوحشين عاشوا فى البرارى واستمروا فى الحياة فى دائرة شروط غير إنسانية. لقد عثر على الطفل الملقب بـ"هيس" L’enfant de Hesse عام 1344. ويُرْوَى أن الذئاب كانت قد هيأت له حفرة فرشتها بأوراق الأشجار، كما كانت تحيط به أثناء الليل لوقايته من البرد. هذا الطفل، كما هو واضح، عاش بعيدا عن الوسط الإنسانى فى عناية الذئاب وحمايتها. وكان هذا الطفل يسير على أربع أقدام على طريقة الذئاب إلى درجة أنه أصبح من الضرورى ربط جسمه بقطع من الخشب قصد إلزامه بالوقوف على قدميه مع الحفاظ على توازنه.

وحالة هيس تتشابه كثيرا مع حالة الطفل الذى عُثِر عليه فى غابات منطقة ليتوانيا Lithuanie، والذى كان يعيش مع الدببة. ولم يكن، حسب قول دى كندياك، يبدى أية علامة تدل على أنه يمتلك أية إمكانيات عقلية بشرية، إذ كان يمشى على رجليه ويديه، ولم يكن يتكلم أية لغة، والأصوات التى كان يصدرها تختلف كليا عن أصوات الإنسان.

ومن أكثر القصص غرابة وأهمية أيضا فى هذا المجال قصة الطفل الدب الذى لقب بـ"جوفينوس أورسينوس ليتوانوس "Juvenis Ursinus Lithuanus، والذى اكتشفه الصيادون فى منطقة ليتوانيا Lithuania عام 1661. وعندما أُلْقِى القبض عليه كان هذا الطفل يدافع عن نفسه بالزمجرة والخدش والعض. وكان يقبل بشراهة على أكل الكرنب choux والعشب واللحم النيئ، وقد مزق الثياب التى حاول الصيادون أن يلبسوه إياها يوم القبض عليه. ولم يستطع، حسبما يرويه فالمون دى بونار Valmont de Bonnare فى معجمه عن التاريخ الطبيعى، إظهار أية علامة تدل على تكيف حقيقي.

ومن هذه الغرائب قصة الطفل الأيرلندى الخروف جوفينوس أوفنوس هربنوس Juvenus Ovinus Herbernus، الذى قبض عليه 1672. هذا الطفل كان يجد متعة مماثلة فى تناول العشب والتبن، كما أنه لم يكن يتأثر ببرد الليل. لقد كان هذا المتوحش الأيرلندى، كما يصفه الطبيب نيكولا تولب Nicolas Tulp، مسطح الجبين، مستطيل القفا، عريض الحلقوم، ثخين اللسان، غائر البطن".

وفى عام 1719 عثر على طفلة كرانمبرج Kranemburg بولاية ترانزيسلانا Puella Transislana، وهى فى الشهر السادس عشر من عمرها وسط الغابات المجاورة لزفول Zwolle فى مقاطعة أوفيرسيل Overyssel بهولندا، وكانت الطفلة ترتدى كساء من القش. وقد أظهرت لاحقا اهتماما بعملية التواصل مع الغير رغم شراهتها فى تناول الأعشاب والأوراق. ولم تستطع هذه الطفلة تعلّم الكلام، ولكنها تعلمت غزل الصوف ومارسته حتى وفاتها.

وفى عام 1724 عثر على المتوحش بيتر هاميلن Peter Hameln سنة 1724. وقد شاهده الملاحون، قبيل القبض عليه، سائرا فى الاتجاه المعاكس لتيار الوادى، وكان هائما يحمل على جسمه بقايا قميص، ويتغذى بالنباتات وقشور الأشجار. وعندما ألقى القبض عليه حاول بعضهم حمله على تناول الخبز، غير أنه امتنع عن ذلك مفضلا تناول لحاء عصا صغيرة من الخشب الأخضر. وكان هذا الطفل المتشرد المدهش يكره الحجز، وتمكن عدة مرات من الهرب. وقد اقتيد إلى جورج الأول فى بلاط إنكلترا. إن بيتر Peter، هذا الذى قدر له أن يعيش 68 سنة فى المجتمع الإنسانى، كان يبدو حساسا بشكل خاص للإيقاعات الموسيقية. كما تعلم شيئا فشيئا أن يتحمل الملابس، وأبدى قدرة على ممارسة شىء من التقليد، ولكنه لم يتعلم الكلام أبدا.

ومن بدائع الاكتشاف فى هذا الميدان العثور على فتاة ريفية برية فى إحدى ليالى سبتمبر فى بولونيا فى منطقة شالون سورمارن Chalon-sur-marne. وشوهدت الفتاة وهى قابعة فوق شجرة تفاح حيث وثبت عند الاقتراب منها، وتمكنت من الفرار. ثم جرت محاصَرتها فى غابة مجاورة. وبعد عملية مطاردة تم القبض عليها عندما نزلت من فوق الشجرة لتشرب من سطل ماء على غرار ما تفعله الخيل. وقد كانت ترتدى خرقا وجلود حيوانات، أظافرها كالمخالب سوداء اللون، وبيدها هراوة. إن هذه الفتاة التى سميت فيما بعد: الآنسة لوبلان Leblanc كانت تحسن السباحة والعدو، وتتغذى بالطيور والضفادع، وتتلذذ بشرب دم الأرانب كلما أمكنها ذلك. ولطالما اعترفت بأنها كانت تجد صعوبة فى مقاومة ميلها المرضى إلى شرب الدم.

تعلمت لوبلان لاحقا الكلام عند راهبات منطقة شالون سورمارن Chalon-sur-marne، وهو المكان الذى أُودِعَت فيه حيث جاءت ملكة بولونيا لرؤيتها. كما جاء أيضا دوق أورليان Duc d’Orleans إثر نقلها إلى مقر الكاثوليكيات الجديدات. وأخيرا رغبت لوبلان فى أن تصبح راهبة فى دير بمنطقة شايو Chaillot، ولم يمنعها من ذلك إلا حالتها الصحية التى كانت متردية إلى حد كبير...".

وهكذا حتى يصل إلى الحالات الأربع التى قال إنها تتميز عن غيرها بأنها خضعت لتحقيق علمى أثبت صحتها، وسوف أكتفى بالفقرات التالية مما قاله عن هذه الحالات، وهو كثير: "فى أكتوبر 1920، وبينما كان سينج فى رحلة تبشيرية، أخبره أحد الفلاحين فى قرية قودامورى بوجود أناس مدهشين داخل الغابة. ومن أجل معاينة هذا الأمر قدم سينج إلى المكان المزعوم متخفيا عند الغروب. ومن مرصده استطاع أن يلمح ثلاثة ذئاب وجروين وكائنين إنسانيين غريبى الخلقة يمشيان على أربع، وهما يندفعان من جحر إلى آخر مع الذئاب. وقد تبين أن هذين الكائنين كانا طفلتين متوحشتين، وكانت إحداهما أصغر من الثانية بدرجة كبيرة. وكانتا، عند خروجهما من المغارة، تتصرفان كالذئاب تماما حيث تقومان بإخراج رأسيهما بحذر شديد أولا ثم تنطلقان وثبا إلى الخارج بسرعة مذهلة. ولما حاول أحد مُرَافِقِى سينج إطلاق النار عليهما مَنَعَه سينج حيث لاحظ سينج أن مرافقيه قد أصيبوا بحالة ذعر شديد. وهذا ما دفعه إلى تشكيل فريق جديد من المتطوعين أكثر جرأة وثباتا. وعندما عاد سينج إلى المكان من جديد بتاريخ 17 أكتوبر بصحبة فريقه الجديد شاهد اثنين من الذئاب الذكور المسنة تفرّ بعيدا عن المكان، أما الذئبة فقد بقيت تدافع عن مدخل الجحر عن جَرْوَيْها وعن الطفلتين البشريتين آمالا وكامالا حتى قتلت تحت وابل من السهام. وبعد موت الذئبة شاهد سينج داخل الجحر ذئبين وطفلين، وقد التصق كل منهما بالآخر. وعندما أحسوا بوجود سينج وجماعته تَقَوَّسَ الذئبان فى موقف دفاعى فى حين كانت الطفلتان أكثر تهديدا وأكثر عدوانية. وبعد القبض عليهما عُهِد بهما إلى أحد القرويين للعناية بهما. وعلى أثر ذهاب سينج أصيب هؤلاء القرويون بالخوف والهلع ففروا من القرية. ولما عاد سينج وجد الفتاتين فى حبسهما مهملتين مهددتين بالموت جوعا وعطشا. وبعد إكراههما على شرب الحليب ومعالجتهما لبضعة أيام حُمِلتا على عربة يجرها ثور إلى مأوى الأيتام بميدنابور، الذى يديره سينج.

لقد أطلق على الطفلة الصغرى "آمالا"، وكان عمرها سنة ونصفا، وأطلق على الطفلة الكبرى "كامالا"، وعمرها ثمانى سنوات ونصف، وهى طفلة عريضة المنكبين، طويلة اليدين، مستقيمة الظهر. وقد تصلبت عندهما بشرة الكفين والمرفقين والركبتين وأسفل القدمين، وكان لساناهما يتدليان بين شفتين قرمزيتين غليظتين ومهدبتين، وكانتا تلهثان كالذئاب تماما وتفتحان فكيهما بطريقة تثير الخوف أحيانا. كانت الطفلتان تبديان مخاوف مَرَضِيّة من الضوء وتعجزان عن الرؤية فى النهار، بينما كانتا تحسنان المشاهدة فى الليل. وكانتا تقضيان يومهما فى الظل تستلقيان ساكنتين إزاء حائط، وفى الليل كانتا تعويان بحزن وبصورة متكررة، وكانتا دائما تعبران عن رغبتهما بالفرار. كانت فترة نوم الطفلتين قصيرة لا تتجاوز أربع ساعات لكل أربع وعشرين ساعة. وفى التنقل من مكان لآخر كانتا تعتمدان المرفقين والرضفتين عند قطع المسافات القصيرة ببطء، وباستعمال اليدين والقدمين عند التحول إلى أماكن أبعد وعند العدو سريعا.

كانتا تلعقان وتتناولان الغذاء منحنيتين بوجهيهما إلى الأمام كالذئاب تماما، وكان ميلهما إلى أكل اللحوم لا يقاوَم حيث كانتا تطاردان الدجاج وتنبشان عن الجيف أو الأحشاء. وكانتا تُولِيَان كثيرا من الاهتمام إلى صغار الكلاب والقطط غير مباليتين بالأطفال، عدوانيتين إزاء السيدة سينج، مقوَّستى الظهر فى حالة استنفار عندما يقع الاقتراب منهما، معبرتين عن عدائهما وحذرهما بحركة رأسية سريعة نحو الأمام وإلى الوراء. وقد ماتت أمالا يوم 21 سبتمبر 1921 نتيجة إصابتها بالتهاب فى الكلى. وما سيدعو إلى الاستغراب أيضا أن كامالا ستموت أيضا هى الأخرى بالداء نفسه بعد ثمانى سنوات، أى فى عام 1929.

وقد وصف السيد سينج والطبيب صارباد يكارى أحوال التطور النفسى لكامالا على مدى السنوات الثمانى التى قضتها بملجأ الأيتام فى ميدنابور. وبعد إقامة كامالا فى الملجأ مدة عشرة أشهر تعلمت أن تمد يدها طلبا للغذاء. وبعد مضى ستة عشر شهرا استقامت على ركبتيها واستطاعت أن تمشى بعض الخطوات على نحو إنسانى، ومن ثم استطاعت أن تقف على قدميها لأول مرة معتمدة على ذاتها دونما حاجة إلى سند. كما أنها أصبحت بعد خمسة سنوات قادرة على المشى رغم أن أسلوبها فى الجرى بقى ذئبيًّا. ومن سنة إلى أخرى أصبح سلوك كامالا أكثر مرونة وتنوعا وانسجاما.

ومع الزمن بدأت السلوكيات الذئبيّة تختفى تدريجيا لصالح سلوكيات اجتماعية وثقافية محددة، مثل استخدام الكأس فى الشرب، واصطياد الغربان التى كانت تلتهم الحبوب المخصصة للدواجن، وعادات الاغتسال والاستحمام. كما كانت تجمع البيض من المدجنة، وتقوم بالعديد من الخدمات البسيطة.

وبدأت طباع كامالا تشهد تحولات نوعية مع تواتر الزمن. لقد تأثرت كثيرا بموت آمالا. لقد بكت لأول مرة، وامتنعت طيلة يومين عن تناول أى شراب أو غذاء. كما مكثت ستة أيام هامدة فى ركن، ثم ظلت فيما بعد تبحث بشكل واضح ولمدة عشرة أيام عن رفيقتها تتلمس أدنى رائحة قد تكون خَلَّفَتها.

وفى العام الثالث من إقامتها فى الملجأ أصبحت تتقبل قطع البسكويت التى تقدمها لها السيدة سينج، وتقترب منها عندما تقوم هذه بتوزيع الحليب. وكانت زوجة سينج تستخدم التسميد لتليين بشرة كامالا المتحجرة ومن أجل ترويض مفاصلها، وذلك على غرار ما كان يفعله إيتار بصورة عفوية. وفى أحد الأيام أمسكت كامالا بيد مربيتها ملتمسة منها أن تقوم بتدليكها. وفى نفس الشهر اقتربت من جديين وجلست حذوها، ثم ضمتها إليها وكلمتها كلاما غامضا. وبعد ثلاث سنوات أصبحت تخاف الظلمة وتحاول الاقتراب من الآخرين ليلا. كما أنها بدأت تقلق وتخاف عندما تبتعد عنها السيدة سينج، فتظهر فى وضعية تدعو إلى الشفقة، وكانت تقفز فرحا عند عودتها وتسرع للقائها. وفى السنة الخامسة من إقامتها فى الملجأ أصبح حسها الذوقى أكثر رهافة، وكذا الشأن بالنسبة لحياتها الانفعالية والوجدانية بوجه عام. وفى السنة السابعة بدأت تأنف أكل الجيف أو الاقتراب منها، وبدأت تتحاشى الكلاب، وتبكى عندما يذهب بقية الأطفال إلى السوق دونما اصطحابها، ويضيق صبرها أثناء الانتظار الطويل لأخذ دورها فى الملعب على الأرجوحة. كما بدأت تتأثر لعبارات الثناء، وتظهر أنفة وحياء برفضها الخروج من المبيت قبل ارتداء فستانها.

لقد تنامت قدرات كامالا العقلية ببطء، وتحررت هذه القدرات من غموضها. وفى البداية استطاعت كامالا أن تنطق كلمتين: الأولى هى "ما" بمعنى "أمي" مشيرةً بذلك إلى السيدة سينج. والثانية هى كلمة "وبهو" للتعبير عن الجوع والعطش. وبعد عامين تعلمت أن تقول: "نعم ولا"، وتعلمت أن تهزّ رأسها وهى تقول: نعم. وفى السنة الثالثة تعلمت أن تطلق على الأرز كلمة "بها" وتطلبه بالاسم نفسه. كما أصبحت ولأول مرة تقوم بفعل إدارى قائلة: "أريد". وقد تمكنت كامالا فى نهاية السنة الثالثة من إقامتها أن تتعرف على أدواتها الشخصية: صحنها وكأسها، ومن القيام بشبه محادثة. وقد وصلت مفرداتها إلى ثلاثين كلمة، وبدأت تفهم جيدا التعليمات الشفهية وتلجأ إلى الإشارات عندما تعوزها الكلمات. وفى أواخر حياتها، أى فى نوفمبر 1929، استطاعت، بالاعتماد على زادها اللغوى الذى بلغ خمسين مفردة، أن تخاطب الأطباء الذين كانوا يعالجونها حيث كانت تعرف أسماءهم جيدا.

وخلال هذه التجربة يمكن القول إنه لا يوجد شىء يدل على أنها كانت غبية بالوراثة. إن سوء حالتها الصحية والعقلية لم يكن إلا نتيجة لغياب الرعاية العائلية المفترضة تماما فى المرحلة الأولى من حياتها. كما أن سيفادون كان يذكر عند تعرضه لقصة كامالا بأنه يمكن الفصل بين المسائل العضوية والمسائل النفسية، مستنتجا من ذلك أن "الإنسان يتميز عن الحيوان بأنه يولد قبل الأوان. فشخصيته تتكون بعد الولادة داخل سلسلة من الأرحام الثقافية التى لا تقل أهمية بالنسبة لنموه عن رحم الأم. فالعلاقات والانفعالات التى تتكون بينه وبين أمه خلال السنتين الأُولَيَيْن هى التى تمنحه مختلف خصائصه وسماته النفسية. كما أن تعلم اللغة فى الوقت المناسب هو الذى يحدد كامل حياته العقلية. تأسيسا على ذلك يمكن القول إن طفلا ما عاديا عند الولادة يمكن أن يصبح غبيا بالفعل إذا ما كانت ظروف تربيته غير ملائمة. إن هذا المفهوم جوهرى. ذلك أن الشخصية لا تتطور إلا بقدر ما يقدمه المحيط، كقيمة تربوية، من إسهامات ثقافية مواتية وفى الوقت المناسب".

هذا، وقد سبق أن أشرت إلى أن العلماء منقسمون حول صحة هذه الحكايات. وهو ما تناوله د. وطفة قائلا: "بعض المفكرين يرى أن الأحداث المروية حول أطفال التوحش غير واقعية إطلاقا. وهم يتساءلون باستغراب عن الكيفية التى يمكن فيها لطفل وليد أن يكون قادرا على الاستمرار فى الوجود دون عون إنسانى. فالمسألة تبدو لهم خارج إمكانية التصديق. وهناك بعض المفكرين الذين يرفضون الحد الأول، أى إمكانية الاستمرار دون عون إنسانى، ولكنهم من جهة ثانية يعترفون بأنه يمكن لبعض الأطفال الذين فقدوا ذويهم فى مرحلة ما من أعمارهم العيش منعزلين وأن يحافظوا على وجودهم واستمرارهم بزادهم الثقافى البسيط الذى اكتسبوه فى أحضان ذويهم وثقافتهم الأولى.

فالأطفال الرُّضَّع الذين فقدوا ذويهم لأسباب مجهولة أمثال أمالا Amala قد تلقَّوْا مساعدة كاملة من الحيوانات. أما الأفراد الذين تاهوا وفقدوا ذويهم خلال السنوات الأولى من أعمارهم فقد تعرضوا لأمرين: يتمثل أحدهما فى توقف نمو ملكاتهم العقلية والذهنية، أما الثانى فيتمثل فى نسيان جميع ما تعلموه، شأنهم فى هذا شأن ذلك البحار الذى تُرِك داخل جزيرة مهجورة، ففقد القدرة على الكلام. وإذا كان بعض الأطفال المتوحشين الذين تَبَنَّتْهم الحيوانات قد تمكنوا فعلا من البقاء أثناء طفولتهم المبكرة فإنه ليس مستبعدا أن يكون بعض الأطفال الذين تَرَبَّوْا فى أحضان أسرهم لمدة كافية أكثر قدرة على الاستمرار فى الوجود والحياة أثناء عزلتهم. ومهما يكن فإنه لا يمكن استبعاد الحالات التى جعلت الطفل يفقد عندئذ كل ما اكتسبه ويتراجع فى سلوكه إلى مستويات دنيا.

وهذا الأمر لا يخرج عن دائرة التفسير العلمى الذى بموجبه يكون اكتساب العادات، حركية كانت أم ذهنية، مرهونا بعمليات التكرار والممارسة حتى يتم اكتساب هذه العادات بصورة نهائية. وتقرر هذه القاعدة العلمية أيضا أن كل مكتسب يتلاشى ويتبخر إذا لم ترسخه التجربة المتجددة. وترى ماريان سميث أن الجرح الذى يصيب وجدان كل طفل يتيه فجأة ويجد نفسه خارج دائرة المجتمع يمكن أن يعتمد فى تفسير انهيار الذهن ودماره. بعض الباحثين يقف من حكايات التوحش موقفا انتقائيا حيث يعتقدون أن كثيرا من الحالات مشكوك بصحتها. وبالمقابل هناك كثير من الحالات التى لا يمكن للمرء أن يفقد ثقته فيها لأسباب تتعلق بالتوثيق الذى حظيت به والقناعات التى تفرضها. وفى هذا الاتجاه يصنَّف موقف جيزيل، الذى يشك فى أن تكون هذه الروايات مقنعة دوما، ويوجه شكه هذا إلى الحالات التى تغيب فيها الأعراض المرضية للأطفال: بعض الروايات لا تشير إلى حالة التفكك والأعراض الخاصة بالذُّهَان والهذيان. لقد وقع الاعتراض الكبير على الفكرة القائلة بإمكانية بقاء الأطفال لمدة طويلة بمعزل عن المجتمع الإنسانى دون أن يموتوا جوعا أو بردا. ولذلك يفترض دينيس أن هؤلاء الأطفال لم يَبْقَوْا فى عزلتهم إلا فترة قصيرة جدا".

ويعلق المؤلف على ذلك قائلا: "عندما نأخذ الافتراض الذى يقول بأن هؤلاء الأطفال المتوحشين عاشوا مهجورين لفترة قصيرة من الزمن فكيف نفسر تيبّس الجلد وثخانته عند المرفقين والركبتين لدى طفلتى ميدنابور؟ وكيف نعلل الميل الشديد إلى تناول اللحم النيئ والأحشاء عند كل الأطفال الذئاب الذين تم اكتشافهم؟ وكيف نفهم ميل النباتيين منهم إلى تناول النباتات دون غيرها، ولا سيما عند الطفل الذى اهتم به إيتار؟ وهذا الافتراض يصطدم أيضا بشهادات عديدة منها على سبيل المثال شهادات السكان الذين لمحوا الطفل الإفيرونى عاريا فى الغابة ومنطلقا فيها، وذلك قبل أن يُمْسَك به لمدة طويلة من الزمن...

ولكن، ومهما يكن الأمر، فإن هناك حالات حقيقية من حالات التوحش لا تقبل الشك والطعن. وهى حالات لا يُشَكّ فيها إلا بقدر ما يُشَكّ فى حقائق علم التاريخ الأخرى. ومن دواعى هذه المصداقية الجهود التى بذلها علماء ومفكرون عُرِفوا فى ميادين اختصاصاتهم وفى ميادين الإبداع العلمى والفكرى. وهنا يشار إلى المفكر الفرنسى المعروف جان إيتارJean Itard ، الذى شغل منصب رئيس الأطباء فى مأوى الصم الكائن فى سان جاك، وفون فويرباخ رئيس محكمة الاستئناف بأنسباخ Ansbach، وج. أ. ل سينغ A. L. Singh I. A. L. مدير مأوى اليتامى فى ميدنابور. وهم، بوصفهم علماء ورجال دين وقضاء، انصرفوا إلى البحث عن حقيقة التوحش لأسباب قد تكون مختلفة، ولكنها تمثل فى نهاية الأمر فروضا متجانسة. وهم، عبر دراساتهم للتوحش، يقدمون أوصافا عن الإنسان المتوحش تتميز بطابع الدقة والتجانس إلى درجة يختفى معها كل غموض. ومن المهم الإشارة فى هذا السياق إلى أن أحدا من هؤلاء المفكرين الثلاثة لم يقرأ للآخر: فـسينغ لم يقرأ لا لـجان إيتار ولا لأنسيلم فون فوير باخ، الذى كان هو بدوره يجهل، على الأرجح، كتابات العالم الفرنسى إيتار. وهؤلاء الثلاثة لم يكونوا على اطلاع بمؤلفات لينى، إلا أنهم اكتشفوا جميعا الخصائص والسمات التى حددها لينى للتوحش فى كتابه المعروف بـ"النظام الطبيعى: Systema natural".

والنتائج التى يصل إليها أغلب الباحثين فى مجال التوحش تؤكد الصعوبات التى يعانيها المتوحش عند محاولة الانتصاب على قدميه. وهنا نتذكر حالة فيكتور طفل الإيفرون الذى تُرْوَى لنا أوصافه فى كل مرة بطرق قابلة لشتى التأويلات. من ذلك أنه كان يميل دائما إلى "الخبب أو الركض" حيث يصفه نوقايرول Nougairolle مدير مأوى سانت أفريك Saint- Afrique، وهو فى حالة هروب، بأنه كان يجرى على أربع عندما يشعر أن هناك من يوشك أن يقبض عليه أثناء مطاردته فى يوم من الأيام وسط أحد الحقول".

ومما قاله فى هذا الصدد: "لابد من التسليم بأن البشر ليسوا بشرا خارج الوسط الاجتماعى. ذلك أن خصوصيات البشر التى تتعلق بالابتسام والضحك لا مكان لها على وجوه الأطفال البريين. فبعض الانفعالات البدائية، مثل اللهفة والحزن والغضب، كانت وحدها تهز بعض هؤلاء المتوحشين، وكانوا يجدون سعادة كبيرة فى تواصلهم مع الحيوانات. وهذا ما أبداه كليمنس Clemens عند تعلقه بالفيلة. وهذا ما لوحظ عند قاسبار، الذى لا يكترث لأى شىء آخر عند ملاطفته للخيول. وقد برهنت هذه التجارب أن الاستعدادات الإنسانية الكامنة لا تتحقق فى حالة انعدام الإثارة التى يحدثها المحيط تماما كما هو الحال بالنسبة للنبات والأشجار عند غياب التراب والماء والنور. وقد أتاحت هذه الاكتشافات للأطفال المتوحشين إبراز تأثيرات المجتمع فى الفرد. وقد برهنت هذه التجارب الطبيعية، عن حجج واضحة ودامغة، على أن التربية والثقافة هى التى تجعل منا بشرا".

إذن فابن طفيل حينما يتحدث عن نشوء حى بن يقظان فى الغابة بين الوحوش ترعاه غزالة من الغزلان فهو لا يأتى بشىء من عنده، إذ البشر منذ القديم يعتقدون بصحة هذا الأمر. ومع هذا فقد قلت، ولا أزال أقول، إننى لا أتصور أن يعيش طفل رضيع يُلْقَى به فى الغابة دون رعاية بشرية. كذلك أميل إلى تصديق ما يقال عن الأطفال الذين يتركون بالغابة دون راع بشرى من أنهم لا يستطيعون النطق كما ينطق البشر، ولا يمكنهم أن يكتسبوا السلوك البشرى أو يعرفوا شيئا عن مراعاة أعراف المجتمع والذوق واللياقة، بل لا يمكن أن يرتقى تفكيرهم إلى المستوى الإنسانى حتى البسيط منه. ويحتاج الأمر منهم كى يصلوا إلى المستوى المعروف فى المجتمعات الإنسانية، إذا ما بقوا على هذا الوضع فى الغابة، ما احتاجه الإنسان الأول كى يبلغ ما بلغه من الحضارة الآن، أى أحقابا متطاولة.

أقول هذا وقد تابعت فى السنين الأخيرة أحفادى فى نموهم الجسدى والعقلى والنفسى. فمثلا أخذ الأمر وقتا جد طويل قبل أن يتعلم أى منهم إصدار أى صوت لغوى حتى لو كان كلمة مكسرة ناقصة مشوهة. وكان لا بد من التكرار من جانب كل واحد فى الأسرة. ومع هذا فها قد مر عامان بل أكثر من عامين ولم يستطع أى منهم التلفظ بكلمة سليمة كاملة رغم أننا جميعا نساند ونوجه وننطق أمامهم ثم نطلب منهم التقليد والإعادة ونصفق ونقبّل ونغنى ونربّت ونبتسم ونضحك ونهلل ونحتضن ونكافئ، ونفتح لهم التلفاز بأغانيه وتمثليلياته ونشغّل لهم الإسطوانات ونعمل البدع المتخيلة وغير المتخيلة. فماذا كانت النتيجة لتكون لو لم يكن شىء من هذا كله، وبقى كل واحد من هؤلاء الحَفَدَة بلا أنيس أو رفيق أو ملاحظ أو راعٍ إنسانى؟

وحتى يطمئن قلب القارئ أقول له: كيف نتوقع من أى إنسان يعيش وحده فى الغابة دون أن يكون قد عرف الاجتماع الإنسانى أن ينطق الكلمات والجمل؟ إنه ليس بحاجة إليها أبدا، فكيف نتصور أنه يمكن أن يتكلم؟ وكيف نتصور أنه يمكن أن ينتصب على قدميه وهو يرى كل ما حوله من الحيوانات تمشى على أربع؟ صحيح أن الإنسان الأول قد غادر الزحف على أربع وانتصبت قامته فى يوم من الأيام. لكنى أرى أن هذا قد استغرق وقتا طويلا. فلا ينبغى أن نقيس حال ذلك الطفل المتوحش بنظيره الذى ينشأ بين أفراد أسرته وفى مجتمع من البشر الناضجين الذين يورثونه خبراتهم ويعلمونه إياها لأن الأمرين مختلفان تماما.

فإذا كان الأمر هكذا فى مسألة النطق والمشى، وهما ما هما فى البساطة بالنسبة إلى أشياء أخرى أعقد وأشدّ وأكثر تشابكا، فكيف نظن أن مثل ذلك الطفل يمكن أن يفكر مثل تفكيرنا نحن المتحضرين الذين ذهبنا إلى المدارس والجامعات وقرأنا الكتب وسمعنا المحاضرات والخطب ودخلنا فيما لا يحصى من المناقشات وكتبنا بحوثا وقمنا بتجارب وخضعنا لمراقبة الآخرين ومراجعاتهم واستفدنا من ملاحظاتهم وتصحيحاتهم وأخذنا الجوائز مكافأة لنا على ما أنجزناه وتشجيعا لنا كى نستمر فى تلك الإنجازات، فضلا عما يرفدنا من فكر بشرى استغرق دهورا ودهورا واشترك فى إبداعه جميع الأمم والشعوب والجنسيات؟

أويظن القارئ الكريم أن طفلا ينشأ بين العجماوات المتوحشة يستطيع أن يأتى شيئا من هذا بتلك البساطة التى يصورها ابن طفيل فى رسالته عن حى بن يقظان؟ صحيح أن الله قد وهب الإنسان هبات عجيبة، وزوده بإمكانات هائلة يستطيع بها أن يطير فى الجو ويغوص فى الماء وينقب الأرض ويصنع السيارة والطيارة والصاروخ وسفينة الفضاء والتلفاز والكاتوب والمشباك (الإنترنت) وآلاف بل ملايين الأشياء المذهلة، بيد أنه سبحانه وتعالى قد رتب الأمر بحيث لا يمكن أن يتم ذلك إلا على سبيل التدرج والتراخى فى الأزمان المتطاولة وتعاون الناس مع بعضهم البعض وارتكاب ما لا يحصى من الأخطاء قبل بلوغ الصواب، وإلا فكيف تأخرت البشرية كل تلك الأحقاب المتناوحة التى لا يحيط بمداها سوى الله واحتاجت إلى كل تلك العقول والإرادات التى لا تعد ولا تحصى على مدى تلك الدهور الشاسعة فى الوصول إلى ما وصلت إليه فى العصر الحديث من تقدم علمى وتكنولوجى سوف يأتى عليه بدوره يوم يُنْظَر إليه فيه على أنه شىء متخلف عفا عليه الزمن؟

أما كروسو فقد أتى إلى الجزيرة ناضجا متعلما لديه خبرات حضارية كثيرة بنى عليها ما كان يحتاجه من إنجازات، ورغم هذا كانت تلك الإنجازات بدائية ساذجة تخلو من الدقة والجمال والأناقة، وكانت دائما فى أدنى درجات السلم الإبداعى والإنجازى. أى أنها كانت تؤدى الغرض والسلام على نحو أو على آخر. وكان منظره، يوم وصل إلى الجزيرة بعضُ أبناء بلده وحملوه معهم راجعين به إلى المجتمع البشرى والحضارة، يُهْلِك من يراه ضحكا. ثم كانت تلك الإنجازات كلها عبارة عن إنجازات مادية صغيرة وقليلة كإقامة سور أو بناء كوخ وسط الأشجار أو تركيب طوف أو بَرْى سكين أو استئناس جَدْى أو عمل شمع أو صنع إناء أو إيقاد نار أو صيد ببغاء أو خياطة ثوب من جلد المعز، بخلاف ما استطاع حى بن يقظان أن يعمله، إذ لم يترك شيئا عملته البشرية إلا عمله، وبكل سهولة. لقد صار عالما فلكيا وطبيبا لوذعيا وفيلسوفا عبقريا وصوفيا لم تلده ولادة، كل ذلك دون أن يكون لديه أساس يبنى عليه ولا أيد أخرى تتعاون معه ولا تخصُّص يحصر نفسه فيه ولا أحقاب طويلة تستغرقها إنجازاته، ودون أن يجترح أخطاء تذكر.

هل أنا أقلل من شأن ابن طفيل؟ كلا وحاشا، بل أرمى من وراء هذا إلى شىء هام لا بد أن نضعه فى حسباننا، وإلا انصرفنا عن كتاب الرجل وعددناه كلاما لا يدخل العقل. إن الرجل لم يكتب رواية واقعية ولا تاريخية، بل كتب رواية رمزية فلسفية. وفى مثل تلك الروايات لا يقف القارئ أمام ظاهرها بل ينفذ بنور بصره وبصيرته إلى ما فى باطنها وأحشائها. إن ابن طفيل، فيما أفهم، إنما أراد أن يسجل مسيرة البشرية الحضارية متمثلة فى واحد من البشر هو حى بن يقظان. وعلينا أن نغض الطرف عما يمكن أن يتعارض مع هذا الفهم، وإلا فسد فى أيدينا كل شىء. "فالإنسان، حسبما يقول أرسطو فى كتاب "السياسة"، هو اﻟﻤﺨلوق الوحيد الذى يميل إلى الحياة فى مدينة، ويخضع نفسه للقوانين، لكنه أيضا اﻟﻤﺨلوق الوحيد الذى ينتج العلم والفن والدين وجميع مظاهر الحضارة. وهى أمور تدل على كمال التطور البشرى، ولا يستطيع الإنسان تحقيقها إلا فى مجتمع المدينة أو الدولة. ومن يستطيع الحياة خارج المدينة، وليس به حاجة لأنه مكتفٍ بنفسه بالفعل، إما أن يكون حيوانا أو إلها" .

نعم إذا ما نظرنا إلى الرواية على أنها رواية رمزية لا واقعية مررنا على مثل هذه الأشياء مرور الكرام، وزال الاستغراب والإنكار. ذلك أن ابن طفيل لا يحكى لنا قصة وقعت أو يمكن أن تقع، ولا أظنه قصد أن يوقع فى رُوعِنا أن شيئا من ذلك حقيقى. وهو فى هذا يجرى على نفس السُّنَّة التى يجرى عليها مؤلفو قصص الحيوانات، وعلى ما جرى عليه مثلا هانز كريستيان أندرسون حينما كان يُنْطِق بالكلام إبريق الشاى والكستبان والدمية وما إلى هذا ويجعلهم يتصرفون ويفكرون وينفعلون كالبشر، ويكاد القارئ يجن من فرط الإعجاب. فهذا مثل هذا. ولو لم نتبع هذا المبدأ لرفضنا كثيرا من القصص والروايات والحكايات، ومنها مثلا حكايات "ألف ليلة وليلة"، التى بهرت الدنيا كلها رغم أنها لم تترك لدى مفكرينا وأدبائنا القدامى نفس الأثر التى تركته فى نفوس الغربيين، ثم فى نفوس العرب فى العصر الحديث بتأثير اهتمام الغرب وافتتانهم بها.

وابن طفيل، فى إيراده الروايتين اللتين تفسران مولد حى بن يقظان، يجرى، كما سبقت الإشارة، على ما يقوله الإسلام من أن الإنسان، كجنس من أجناس الخلق، قد جُبِل من الطين حسبما تنص الآيات القرآنية الكثيرة، إلا أنه كأفراد لا يتولد إلا من التقاء رجل بامرأة. والقصة تعكس، كما قلت، تطور الجنس البشرى على الأرض منذ خلق الله الإنسان إلى العصر الذى كان يعيش فيه ابن طفيل، إذ من المستحيل أن يتطور الفرد الإنسانى بهذه الطريقة وتلك السرعة، وعلى هذا النحو السلس الذى تطورت به حياة ابن طفيل فى القصة فيكتشف النار مثلا ويعرف التشريح والتفكير العلمى المنهجى والتأمل فى الكون والإيمان بالله وبالآخرة وبضرورة الأخلاق الفاضلة وما إلى هذا بتلك البساطة وفى ذلك الزمن القصير. فهى بهذا قصة رمزية، ولولا رمزيتها لما قبلنا أن تقوم غزالة بإرضاع طفل بشرى أو تنظفه من وساخاته وفضلاته أو تحميه من الآفات الطبيعية والهوام والحشرات والزواحف التى تعجّ بها الغابات أو تحمله على ظهرها من مكان إلى مكان... ببساطة لأن هذا أمر مستحيل.

وقد صبّ ابن طفيل فى هذه القصة آراءه القائلة بعدم التعارض بين العقل والشريعة أو بين الفلسفة والدين حسبما سلف القول. وهى فكرة كان يتبناها بعض الفلاسفة والمتكلمين المسلمين، إذ كانوا يقولون إن العقل الإنسانى كافٍ وحده لوصول الإنسان إلى الحقيقة بشأن وجود الله ومعرفة صفاته والإيمان بالآخرة، ومن ثم وجوب تحمله المسؤولية واستحقاقه للحساب الإلهى وما يترتب عليه من الثواب والعقاب حتى لو لم يُبْعَث إليه رسول. وكانوا يفسرون "الرسول" فى قوله تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا" بأنه هو العقل. وهذا التفسير يعكس شططا فى التفكير، إذ لا تساعد عليه اللغة العربية ولا النصوص القرآنية والحديثية ولا حقائق التاريخ.

فمن الناحية اللغوية لم نسمع أن العرب استخدموا يوما كلمة "الرسول" بمعنى العقل، وإلا فليأتنا ابن طفيل أو غير ابن طفيل بنص شعرى أو نثرى يقول إن الرسول يعنى، فيما يعنيه، العقل. أما من ناحية النصوص الدينية فلا ريب أن آيات قرآنية مثل قوله تعالى: "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا" ، أو قوله عز شأنه: "وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى" ، إلى جانب آية سورة "الإسراء" السابقة، تدل دلالة قاطعة على أنه لا حساب ولا ثواب ولا عقاب دون رسل من البشر لا من العقل حسبما يقول بعض الفلاسفة والمتكلمين المسلمين.

ثم لو كان العقل وحده كافيا فى مثل تلك الأمور فلماذا لم يَكِلِ اللهُ عبادَه إليه؟ ومن المعروف لنا جميعا من تجارب التاريخ والواقع الأليمة أنه رغم إرسال الأنبياء فما زال وسيظل هناك عصاة وكفار ومنافقون ومتمردون ومتشككون وظلمة ومستبدون وطغاة ولصوص وقتلة وزناة وكسالى وسبابون ومغتابون. فما بالنا لو ترك الله البشر لعقولهم المجردة دون أن يبعث إليهم برسل تأخذ بيد تلك العقول وتشير لها إلى الطريق وتعينها على التفكير السليم؟ ليس ذلك فحسب، فكبار ذوى العقول من العلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء مختلفون اختلافا شديدا فى عقائدهم، وكل منهم يستعين بعقله وعلمه وتفكيره وفلسفته لإثبات صحة ما يعتنقه ويذهب إليه من دين أو مذهب أو فلسفة أو نظام أو وضع، وما يراه من إيمان أو كفر. والانقسامات والنزاعات الحاصلة بينهم هى أكبر شاهد ودليل على ما نقول. فأى عقل ذلك الذى يقصده ابن طفيل حين يقول إن العقل لا يمكن أن يضاد الدين؟ بل إن الشخص الواحد قد يكون ملحدا اليوم ومؤمنا غدا، وهو فى كل مرة يدافع عن موقفه بالعقل. ولو كان كلامه صحيحا فلماذا لا يجمع الناس، على الأقل: الناس الذين يشغّلون عقولهم بعمق، على دين واحد؟ لكن الواقع يصيح بأعلى صوته أن هذا هو المستحيل بعينه.

كيف لا، والله سبحانه هو نفسه الذى يقرر ذلك: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ" ، "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" ؟ كما أن الآية 115 من سورة "النساء" تشير بكل وضوح إلى أن القرآن الكريم يميز بين إنسان يشاقّ الرسول من بعدما يتبين له الهدى وإنسان لا يتبين له ذلك الهدى. ومعنى هذا أن الاختلاف فى نتيجة التفكير أمر طبيعى، والمهم ألا يتبين للشخص الهدى ثم يعاند ويكفر تمردا وعصيانا. وكل ما عليه هو أن يبذل قصارى جهده، ثم ليس عليه بعد ذلك من تثريب إذا لم يتبين له الهدى. كذلك فالناس متفاوتة فى عقولها ما بين ذكى وغبى، ورئيس ومرؤوس، وواسع الأفق وضيقه، ومتعلم وجاهل، وعالم تربى فى جو معين وآخر تربى فى جو آخر، ومتخصص فى فن من الفنون ومتخصص فى فن مختلف... إلخ. كما أنه عليه السلام، فى حديث له مشهور، قد تحدث عن مجتهد يصيب ومجتهد يخطئ مبينا أن لكليهما أجره، وإن اختلف الأجران وتفاضلا. وهذا أيضا معناه أننا، بعد الاجتهاد، يمكن جدا أن نخطئ. وهو ما لم يجرّمه الرسول، بل توقعه وبين أنه أمر طبيعى ليس فيه شذوذ عن الطبيعة البشرية ونظام الكون.

من هذا كله نقول إن ابن طفيل وغيره من العلماء الذين يقولون إن العقل يستطيع بنفسه دون معاونة من الدين الوصول إلى حقائق الدين لم يوفَّقوا فى رأيهم. ولماذا الذهاب بعيدا، ولدينا ابن طفيل نفسه، فهل يرافئه جميع علماء المسلمين ومفكريه على آرائه الفلسفية؟ إن كلام ابن طفيل وأمثاله إنما يصدق لو كان هناك عقل واحد لكل البشر، عقل صاف نقى قوى قادر لا يخطئ ولا يتأثر بظروف صاحبه، عقل مجرد مطلق. وأين مثل ذلك العقل فى دنيا الإنسان؟ إنه غير موجود إلا فى عالم المثل، ونحن لا نعيش فى عالم المثل بل فى عالم الأرض. وليس معنى هذا أننا محكومون تماما بقيود ظروفنا وأوضاعنا وبيئتنا، وأننا مجبورون فى تفكيرنا لا نستطيع استقلالا، إذ قد وهبنا الله قدرا من الحرية نستطيع به صنع العجائب فى عالم الفكر والتصرف، وهو ما تشهد به تلك الإنجازات التى حققتها البشرية ولا تزال وستظل تحققها فى مختلف المجالات والميادين. إلا أن ذلك يتطلب منا يقظة ووعيا دائمين دائبين، واجتهادا مستمرا، ومراجعة متصلة لما نفعل، وحرصا على إتقان ما نصنع، وإيمانا بأننا عرضة للوقوع فى الأخطاء فى كل وقت، مع الاطمئنان أيضا إلى أن الله سوف يكافئنا على كل هذا بغض النظر عن ثمرة ما نفعل ما دمنا قد استفرغنا وسعنا ولم نترك شيئا دون أن نعمله: "وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" . إن الحقيقة المطلقة المحيطة بالشىء من كل جوانبه ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ليست لدينا، بل هى عند الله. وما نحن سوى مجتهدين، وكل ما ينبغى مراعاته هو الإخلاص واليقظة المستمرة والبحث الدائم والتواضع والمراجعة الدءوبة والمرونة وإسلام الأمر فى النهاية لله سبحانه، مع احترام حق الآخرين فى الحياة والاعتقاد والعبادة على النحو الذى يقررونه ما داموا لا يبغون على أحد.

كذلك هناك شىء لا بد من التوقف إزاءه قليلا، وهو أن ابن طفيل قد قدم لنا حى بن يقظان صحيح البدن والروح لم تعتره علة طوال حياته. ترى هل هذا ممكن؟ لقد أخذنا على ديفو أن كروسو لم يعرف المرض خلال الثلاثين عاما تقريبا التى عاشها على الجزيرة سوى مرة واحدة، وكانت بسبب نزلة برد ألمت به ولم تتكرر بعد أن صار يأخذ احتياطاته نحوها، وهو ما يخالف المعهود، إذ الأمراض لا بد أن تنتاش الإنسان من كل جانب بالغا ما بلغ حرصه وتَوَقِّيه، لأن الإنسان لا يملك أَزِمَّة كل شىء فى الكون حتى يستطيع النجاح فى الابتعاد عن الأمراض تماما، علاوة على أن الواقع يقول إن ذلك مستحيل استحالة باترة. وهذا هو حى بن يقظان يتفوق على كروسو فلا يمرض ولا حتى بنزلة برد أو يعطس أو يُمْغَص أو يُسْهِل أو يُصْدَع ولو مرة. كيف ذلك؟ هذا ما لا يمكن أن يكون إن كان حى بن يقظان شخصا واقعيا، أما إن رأينا فيه رمزا على البشرية كلها منذ أول الوجود إلى عصر ابن طفيل فإن غرابتنا قد تذهب ويحل محلها رضا بما نقرأ. سيقول البعض: لكن حتى لو كان ابن يقظان رمزا كما تقول على البشرية جمعاء، أليست البشرية تعرف الأمراض؟ بلى. لكن لو أننا فتحنا هذا الباب، باب المرض، لكان على ابن طفيل أن يصيب حى بن يقظان بكل الأمراض التى عرفتها البشرية منذ فجر الإنسانية حتى تاريخه. وهذا غير مقبول ولا مقنع. على أنى لا أقصد أن ابن طفيل قد كان واعيا بهذا الذى أقول. إنما هى رمية من غير رام. أما لو أردنا أن نكبر من شأنه ونقول إن هذه الفكرة لم تكن غائبة عنه لأمكننا أن نقول إنها كانت هناك مستكنة فى أطواء ضميره دون أن يكون واعيا لها. وكثير من أفكارنا لا يكون واضحا لنا ونحن نتكلم فى موضوع ما، ومع هذا فإن الفكرة تحكم مناقشتنا وتخطيطنا وردودنا وشروحنا دون أن نتنبه. وهذه هى المعرفة التطبيقية التى يمارسها كثير منا وهو غير دارٍ. إنها معرفة تجرى فى الدم دون أن نعيها.

شىء آخر توقفنا أمامه فى قصة "روبنسون كروسو" وينبغى أن نتوقف أمامه هنا أيضا، ألا وهو أن بطل الرواية يعيش على جزيرته المنعزلة عشرات السنين دون إحساس بالغريزة الجنسية، وكأنها لا وجود لها. هل يعقل أن شهوة الجنس لم تتحرك فى كيان حى بن يقظان ولو مرة واحدة، وكان طَوَال العقود التى قضاها وحيدا لا يفكر إلا فى الطب والأفلاك ووجود الله والجنة والنار وما أشبه؟ أمن المعقول أنه كان يرى الحيوانات والطيور تتسافد ثم لا يلتفت إلى هذا الأمر؟لا أظن إلا أن الجنس سوف يشغل الإنسان المنعزل فى مثل جزيرته مثلما يشغله الجوع والعطش والنوم. إن هذه كلها غرائز خلقها الله فينا كى تحركنا وتدفعنا إلى إشباعها، ومن ثم إلى الاجتهاد فى بناء الحضارة. فما الغرائز إلا الوقود الذى يدفع قاطرة البشرية إلى الأمام. ولولا هى ما كانت هناك حركة بشرية فى أى اتجاه ولا كانت هناك حضارة من ثم، ولظل الإنسان فى مكانه لا يَرِيمه أبدا، إذ ما الذى سوف يدفعه إلى الحركة والانتقال من موضعه إلى موضع آخر إذا كان لا يحتاج شيئا ولا يتطلع إلى تحقيق شىء بسبب أن الله قد فرَّغه من الغرائز والشهوات والأهواء؟ إن الحضارة هى الاجتهاد فى إشباع الحاجات الإنسانية. فإذا لم توجد حاجات إنسانية لم توجد الحضارة. ترى هل قَصَّر ابن طفيل كما قصر ديفو حين أهمل تصوير ذلك الجانب فى روايته؟ أتصور أن ابن طفيل لا ينبغى أن يلام كما يلام ديفو لأن ديفو كتب رواية واقعية، أما ابن طفيل فقد كتب رواية رمزية كما قلنا.

ثم إن المسألة لا تقف عند هذا الحد، إذ إن ابن طفيل لم يُعَنّ نفسه بالحديث عن طعام ابن يقظان وشرابه وكيفية تدبيره لهما، وكأنه لم يكن يأكل أو يشرب أو يقلق ويخاف ويرتعب مثلما كان كروسو يفعل. كما أن ابن طفيل لم يهتم بتغير الفصول وما يستتبعه من تغير الجو ووجوب اجتهادِ حَىٍّ فى التكيف مع كل فصل ومواجهته بما يتطلبه منه. وهذه، فى الواقع، ثغرة أخرى رغم علمنا بأن حَيًّا هو مجرد رمز كما قلنا وكما سنظل نقول. لقد استحال حَىٌّ عقلا محضا فلم يعد يهتم بأى شىء سوى التفكير والعلم والتأمل. لقد صار عالما فيلسوفا ثم لا شىء آخر. إن العلماء والفلاسفة لا يختلفون فى مسائل الطعام والشراب وشهوة الجنس عن أى إنسان آخر رغم اختلافهم عن سائر البشر فى اهتمامهم الشديد بالعقل والعلم والفكر والتأمل مما لا يلقى إليه معظم الناس، والعوام منهم بوجه خاص، بالا. إننا جميعا خاضعون لضرورات الجوع والعطش والشهوة النوعية، ولا يمكننا أن ننفك عنها ولا أن تنفك عنا. سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا. بل إن الحياة، كما سبق أن قلنا، لا يمكنها الاستمرار إلا من خلال إشباع الغرائز والشهوات. والإسلام لا ينكر ولا يمكن أن ينكر هذا، وإن كان دين محمد صلى الله عليه وسلم لا يريد لأتباعه أن يكون إشباع غرائز البدن هو كل شىء، وإلا كان الإنسان كائنا غير مكتمل.

أما فى "روبنسن كروسو" فكان البطل يهتم دائما بتدبير أمر طعامه وشرابه لا فى الحاضر فقط بل فى المستقبل أيضا، متبعا فى ذلك خطة طويلة المدى نسبيا، وإن كانت شهوات الجنس قد نُسِيَتْ تماما حسبما بَيَّنَّا. كما كان يتأمل فى الكون والغابة من حوله، وفى وقائع حياته وذكرياته والابتلاءات التى مر بها، علاوة على نصوص الكتاب المقدس، التى لم يكن يهتم بمطالعتها قبلا، فضلا عن جعلها موضوعا للتأمل والتفكير. يضاف إلى ذلك أنه لم يحاول أن يكون عالما، بل بقى مجرد صانع بدائى عليه أن يوفر لنفسه الأدوات البدائية التى يحتاج إليها فى أموره الأولية كالعجن والخبز والنشر والصيد والطبخ والدبغ والخياطة، منفقا فى كل شىء من ذلك الوقتَ الطويلَ، وخائضا غمرات الإخفاق كثيرا قبل أن يستقيم له الأمر. وهو لم يقل يوما إنه قد تجاوز فى شىء من ذلك حد الضرورة الأدنى، فلا جمال ولا إتقان ولا رفاهة ولا ولا، بل كان هِجِّيراه أن تؤدى الأداة التى يصنعها ما يحتاجه منها على أى نحو كان. المهم أنها تحقق الغرض، والسلام! وهو فى هذا كله يختلف عن حى بن يقظان اختلافا جوهريا كما سبق أن وضحنا.

ثم هناك فرق آخر مهم بين الروايتين هو أن رسالة "حى بن يقظان" لا تُعْنَى إلا بالخطوط العامة بخلاف "روبنسون كروسو"، التى تعج بالتفاصيل فى كل شىء. إن كروسو مثلا إذا ما أراد أن يصنع شيئا يستخدمه فى حياته اليومية فإنه يقص علينا كل ما عمله منذ شرع يفكر فى صنع ذلك الشىء إلى أن نجح فى صنعه ذاكرا محاولاته المتكررة وفشله فيها بدءا من الوقت الذى كان فيه مجرد خاطرة فى ذهنه، ثم أثناء صنعه، ثم عند الانتهاء منه، ثم بعد الانتهاء منه وكيفية استعماله... إلخ. أما بالنسبة إلى حى فيكتفى ابن طفيل بتلخيص الأمر فى عجالة ودون دخول فى التفاصيل إلا ما ندر.

كذلك هناك الفرق بين جمعة وأبسالان: فجمعة شاب زنجى وثنى أقل من كروسو حضارة وثقافة، علاوة على أنه يختلف عنه لغة مما دفع كروسو إلى تعليمه الإنجليزية. أما أبسالان فلا فرق بينه وبين حى. كما أنه لم يكن تابعا له تبعية العبد للسيد كما كانت العلاقة بين كروسو وجمعة، بل كان صديقا وزميلا على نفس المستوى الفكرى. وبالمثل لم يقم حى بإدخال أبسالان فى الإسلام مثلما نَصَّرَ كروسو جمعة، إذ كان أبسالان مسلما مثل حى، ومن ثم لم يكن هناك مجال أصلا للتفكير، مجرد التفكير، فى أسلمته. كذلك ففى الوقت الذى انتهت رواية كروسو بتركه الجزيرة وعودته إلى المجتمع البشرى إلى الأبد ألفينا حَيًّا ما إن يترك الجزيرة مع أبسالان ويعود إلى المجتمع العمرانى حتى يصمم على العودة إلى الجزيرة المقفرة مرة أخرى لعدم انسجام فهمه للدين مع فهم الناس فى المجتمع الذى انتقل هو وأبسالان إليه. ومن الناحية الفنية فإن ديفو قد عهد إلى كروسو بسرد أحداث قصته، بخلاف ابن طفيل، الذى اعتمد فى سرد قصته على ضمير الغائب، وهو الأسلوب الذى تجرى عليه القصص العربية القديمة كلها فى حدود ما أذكر.

هذا عن أوجه التشابه والاختلاف بين "حى بن يقظان" و"روبنسون كروسو". لكن هل كانت هناك صلة تاريخية بين العملين بحيث يمكن القول بأن ديفو قد تأثر، فى تأليف روايته، بماكتبه ابن طفيل؟ تعالَوْا أولا نستعرض ما قالته مادة "حى بن يقظان" فى النسخة الإنجليزية من موسوعة "Wikipedia: ويكيبيديا"، التى نقرأ فيها أنه قد ظهرت لرواية ابن طفيل ترجمة لاتينية عام 1671م بقلم إدوارد بوكوك، الذى كان قد أعدها منذ عام 1660م، وأنها قد أوحت إلى المفكرين بمفهوم الـ"tabula rasa"، أى العقل فى حالته الأصلية قبل أن تدخله أية فكرة أو معلومة، وقبل أن يخبر الحياة أو يعرف أى شىء فيها. وهو المفهوم الذى طوره جون لوك فى رسالته: "An Essay Concerning Human Understanding". وكان لوك تلميذا لبوكوك، وقرأ ترجمته لكتاب ابن طفيل وأبدى إعجابه به. كما أوحت "حى بن يقظان" إلى روبرت بويل بكتابة روايته: "The Aspiring Naturalist"، التى تقع أحداثها هى أيضا فوق جزيرة من الجزر.

أما أول ترجمة إنجليزية فقد صدرت عام 1686م بقلم جورج آشويل اعتمادا على الترجمة اللاتينية السالفة الذكر، ثم ترجمت مرة أخرى إلى الإنجليزية من العربية مباشرة عام 1708م على يد سيمون أوكلى لتظهر بعدها ترجمتان إنجليزيتان أُخْرَيَان. كما أشار محرر المادة إلى اطّلاع سبينوزا الفيلسوف الألمانى على الرواية وتشجيعه أحد أصدقائه على ترجمتها إلى الهولندية، فكانت الترجمة التى ظهرت سنة 1672م، وتبعتها ترجمة هولندية أخرى عام 1701م. كذلك ظهرت ترجمتان ألمانيتان أُخْرَيَان: أولاهما تستند إلى الترجمة اللاتينية، والثانية مأخوذة من النص العربى دون وسيط. وقد اطَّلع الفيلسوف الألمانى لينيتز على إحدى هاتين الترجمتين وأثنى على ما فى الرواية من فلسفة عربية إسلامية ثناء كبيرا. وبالمثل اطلع أساتذة السوربون على ترجمة بوكوك، وكانوا مبتهجين بها أشد الابتهاج.

ويمضى كاتب المادة قائلا إن إحدى ترجمات "حى بن يقظان" الإنجليزية قد ألهمت الروائى دانييل ديفو فكتب روايته: "Robinson Crusoe"، التى جرت وقائعها فى إحدى الجزر المهجورة، وهو العمل الذى يعده مؤرخو الأدب أول رواية إنجليزية. ثم ظهرت رواية أخرى عام 1761م فى بريطانيا على نفس الشاكلة تحتوى على أشياء كثيرة جدا من ترجمة بوكوك لــ"حى بن يقظان". ثم أعيد طبع ترجمة بوكوك ثانية عام 1804م. أما ترجمة "ابن يقظان" إلى الأسبانية فقد تأخر ظهورها إلى بداية القرن العشرين. ثم ظهرت ترجمة فرنسية لها فى نفس العام بقلم المستشرق ليون جوتييه.

وفضلا عن هذا كانت "حى بن يقظان" إرهاصا على نحو من الأنحاء برواية جان جاك روسو المشهورة: "Emile"، كما أن بينها وبين رواية رديار كبلنج: "The Jungle Book" شبها واضحا، وكذلك بينها وبين رواية "طرزان"، التى ألفها إدجار رايس باروز، وتدور حول طفل رضيع هجرته أمه فى جزيرة استوائية خالية من السكان حيث التقطته وربته واعتنت به ذئبة من الذئاب. وهناك كتاب ومفكرون أوربيون غير قليلين تأثروا بترجمة بوكوك لرواية "حى بن يقظان" منهم جون واليس وروبرت باركلى وكارل ماركس وطائفة الكويكرز المعروفة وآخرون.

وفى عام 1721م ظهر فى أمريكا كتاب "The Christian Philosopher" للكاتب والقسيس الأمريكى البيوريتانى كوتون ميثر، الذى لم يمنعه وَسْمُه المسلمين بالكفر من استيحاء رواية "حى بن يقظان" فى كتابه هذا ولا من الاعتراف بتأثيره عليه، ناظرا إلى حَىٍّ بطل الرواية بوصفه نموذجا للفيلسوف النصرانى المثالى، ومحاولا من خلاله فهم نفسية سكان أمريكا الأصليين، أى الهنود الحمر، بغية تحويلهم إلى مذهبه البيوريتانى.

وكما نرى فإن مادة "حى بن يقظان" فى النسخة الإنجليزية من "ويكيبيديا" تؤكد أن تأثير رواية ابن طفيل على الآداب الأوربية تأثير واسع وعميق. وعند هذه النقطة نحب أن نتوقف بشىء من التفصيل إزاء قضية الصلة بين تلك الرواية وبين رواية ديفو: "روبنسون كروسو". ولكن علينا قبل ذلك أن نتعرف، من خلال النسخة الإنجليزية من "ويكيبيديا" أيضا، إلى "روبنسون كروسو" مثلما تعرفنا إلى "حى بن يقظان"، فنقول إن "روبنسون كروسو" قصة كتبها دانيال ديفو، ونشرها لأول مرة عام 1719م. وهى تحكى قصة شاب عاش فى جزيرة من الجزر وحيدا لمدة طويلة دون أن يقابل أحدا من البشر، ثم بعد عدة سنوات التقى بأحد المتوحشين فعلّمه بعض ما وصل اليه الإنسان المتحضر من تقدم فكرى واتخذه خادما له، ثم يعود فى نهاية القصة مصطحبا خادمه إلى أوروبا حيث العالم المتحضر.

وتبدأ القصة بمغادرة كروسو إنجلترا فى رحلة بحرية فى سبتمبر عام 1651م مخالفا رغبات والديه، ويسطو القراصنة على السفينة، ويصبح كروسو عبدا للمغاربة، إلا أنه يتمكن من الهرب فى زورق ويصادق قائد سفينة برتغالية قادمة من الساحل الغربى لأفريقيا فى طريقها إلى البرازيل حيث يصبح كروسو مالكا لإحدى المزارع وينضم إلى بعثة لجلب العبيد من أفريقيا. وتغرق السفينة التى كان فيها خلال عاصفة تبعد أربعين ميلا فى البحر فى مدخل نهر أورينوكو فى 30 سبتمبر عام 1659م، فيموت جميع رفاقه ما عداه. ويتمكن من استخلاص الأسلحة والأدوات والتجهيزات الأخرى التى كانت فى السفينة قبل أن تتحطم تماما وتغوص فى الماء. ثم يقوم ببناء سور لمسكنه الذى أقامه فى كهف، ويصنع أيضا تقويما يتعرف به على مرور الزمن من خلال علامات يرسمها على قطعة خشب. كما يقوم بالصيد وزراعة الذرة ويتعلم صناعة الفخار وتربية المعز، ويقرأ الإنجيل ويصبح متدينا فجأة ويشكر الله على مصيره، فلا شىء قد فُقِد منه إلا المجتمع.

وفى يوم من الأيام يكتشف كروسو جماعة من آكلى لحوم البشر يترددون على الجزيرة ليقتلوا ويأكلوا أسراهم على شواطئها. وعندما استطاع سجين من السجناء الهروب انضم إلى كروسو، الذى سماه: "فرايداى: Friday" باسم يوم الجمعة، الذى قابله فيه، فشرع يعلمه الإنجليزية حتى يستطيع التفاهم معه، كما نجح فى تحويله إلى النصرانية. ثم تصل مجموعة جديدة من السكان الأصليين لصنع وليمة أخرى من اللحوم البشرية، ويستطيع جمعة وكروسو قتل معظمهم مع الاحتفاظ باثنين من أسراهم: أحدهما هو والد جمعة، والثانى أسبانى. ويخبر هذا الأخير كروسو أن مجموعة من الأسبان الذين غرقوا موجودون على هذه الجزيرة. ويستطيع الثلاثة بمعاونة هؤلاء الأسبان بناء سفينة يبحرون بها إلى أسبانيا. بيد أن سفينة إنجليزية تظهر ويقع فيها تمرد يسيطر أصحابه على السفينة ويتركون قائدهم على الجزيرة، لكنه يستطيع، بمساعدة كروسو، استرداد سفينته. ثم يسافر كروسو بعد ذلك إلى البرتغال للبحث عن قائده القديم الذى يُخْبِرُه بأنّ مزرعته البرازيلية قد جعلته رجلا غنيا. ومن البرتغال يسافر كروسو برا إلى إنجلترا عن طريق أسبانيا وفرنسا حيث تتعرض القافلة التى كان فيها لهجوم من الذئاب أثناء عبورها جبال البيرينيز. ويُقَرّر كروسو بَيْع مزرعته نظرا إلى أن عودته إلى البرازيل تستلزم تحوله إلى الكاثوليكية، وهو ما لا يريده، ثم يتزوج ويصبح أبا لثلاثة أطفال. وعندما تموت زوجته ويصبح أرمل يعود إلى جزيرته فى نهاية المطاف.

هذا، وقد سبق أن رأينا كيف تؤكد مادة "حى بن يقظان" فى موسوعة "ويكبيديا" أن للرواية العربية تأثيرا قويا على نظيرتها الإنجليزية. وهو رأى من الآراء المختلفة فى هذه القضية التى ينقسم مقارنو الأدب بشأنها، إذ هناك من يتجاهل تلك الصلة ولا يتحدث عنها بل لا يومئ إليها مجرد إيماء، وكأنها لم تكن ولا يمكن أن تكون. وهناك من يؤكد أن ديفو إنما سرق ما كتبه سلكيرك البحار الأسكتلندى عن مغامراته الحقيقية المشابهة لما جاء فى قصة "روبنسون كروسو"، تلك المغامرات التى نُشِرت قبل كتابة ديفو لروايته. وهناك من يشير إلى وجوه الشبه بين الرواية العربية والرواية الإنجليزية، إلا أنه يردف تلك الإشارة بأنه لم يثبت أن ديفو قد استوحى كتاب ابن طفيل، إذ ليس هناك أى دليل على أنه قد وقع فى يده، فضلا عن أن يكون قد قرأه. وهناك من يوافق على أنه لم يثبت تاريخيا أن ديفو قد اطلع على "حى بن يقظان"، بيد أنه يحتّم مع هذا أن يكون قد قرأها وتأثر بها، اعتمادا على البرهان النظرى لا الواقعى.

يقول د. سعيد إبراهيم عبد الواحد (فى مقال له بعنوان "الترجمة إثراء للثقافات المختلفة" منشور فى مجلة "ديوان العرب" الضوئية بتاريخ 8 ديسمبر ٢٠٠٥م) عن "حى بين يقظان" إنها "من أعظم قصص العصور الوسطى ابتكارا. وقد كان لهذه القصة الأثر الفعال فى الآداب الأوروبية بعد عصر النهضة، وذلك بعد أن ترجمت إلى لغات أجنبية مختلفة وانتشرت طبعاتها فى كل مكان: فقد ترجمت إلى العبرية سنة 1280م (679 هجري) على يد اليهودى إسحاق بن لطيف، ثم زاد عليها موشيه بن يشوا الملقب بالشرنوبى بعض الحواشى والشروح. كان هذا عام 1349م الموافق 750 هجرى.

وفى العام 1671م ظهرت طبعة جيدة تحمل النص العربى للقصة مع ترجمة لاتينية قام بها إدوارد بوكوك، وقد كانت مصدرا لعدة ترجمات ظهرت بالإنجليزية فيما بعد. كما تنسب إلى سبينوزا ترجمة لقصة "حى بن يقظان" من اللغة اللاتينية إلى اللغة الهولندية. ويذكر فاروق سعد فى كتابه عن"حى بن يقظان" أن جورج كيث قد قدم فى العام 1674م ترجمة رائعة باللغة الإنجليزية عن النص اللاتينى المترجم عن العربية أصلا. وبعدها بعدة سنوات، أى فى العام 1686م، ظهرت ترجمة أخرى للقصة من اللاتينية إلى الإنجليزية قام بها جورج آشويل. وفى عام 1708م نشرت ترجمة إنجليزية لقصة "حى بن يقظان" أعدها سيمون أوكلى معتمدا على النص العربى المحقَّق من بوكوك. وتتميز ترجمة أوكلى بأنها كاملة. أما عن الترجمات الحديثة فقد قام ب. برومل بترجمة "حى بن يقظان" إلى الإنجليزية عام 1904م.

وعرفت اللغة الألمانية ترجمة لقصة ابن طفيل: "حى بن يقظان" قام بها ج. بارتيوس، ونُشِرَت فى فرانكفورت عام 1726م. كما أنّ هناك ترجمة أخرى لقصة "حى بن يقظان" إلى اللغة الألمانية قام بها ج. ج. أيكورم، ونشرت فى برلين عام 1783م. وفى عام 1900م نشرت فى سرقسطة الترجمة الأسبانية لقصة "حى بن يقظان"، وقام بها ب. بونز. وحديثا فى العام 1937م ظهرت ترجمة أخرى إلى الأسبانية قام بها أنخل غونثالث بالنثيا. وترجم ليون غويته قصة "حى بن يقظان" إلى الفرنسية. وقد صدرت إحدى طبعات هذه الترجمة فى بيروت عام 1936م.

ولعل غويته هو أول من بحث علاقة قصة "حى بن يقظان" بقصة روبنسون كروسو المكتوبة عام 1719م فى بريطانيا تحت عنوان "مغامرات عجيبة فى قصة حياة روبنسون كروسو". ووقف غويته عند حد افتراض اطلاع دى فو على قصة ابن طفيل. وفى "دائرة المعارف الإسلامية" ذهب إلى اعتبار أن كروسو تمثل نمطا للرجل العملى دنيويا، فى حين يمثل حى بن يقظان مثلا للحياة التأمليه التصوفية. ويأتى ايرنست بيكر فى كتابه: "تاريخ القصة الإنجليزية" الصادر فى لندن سنة 1943م ليعتبر "حى بن يقظان" أحد المصادر المحتملة لقصة "روبنسون كروسو". وينضم ويليام كيرى وليفيج أولوفسون إلى أولئك الذين جزموا باطلاع دى فو على قصة "حى بن يقظان"، فى حين يقف أوغسطين سيرارو وديرهارو ويختناش دون الجزم. أما الكتاب العرب عمر فروخ ومحمد غلاب وعلى المصراتى وقدرى طوقان وكمال اليازجى وأنطوان كرم وإبراهيم مدكور ومحمد لطفى جمعة ولطفى عبد البديع وسعيد عبد الفتاح عاشور وكامل الكيلانى فقد ذهب جميعهم إلى تأكيد أثر قصة "حى بن يقظان" فى قصة روبنسون كروسو".

وممن افترض أيضا اطلاعَ ديفو على "حى بن يقظان" المستشرق A. M. Goichon كاتب مادة "حى بن يقظان" فى الطبعة الجديدة من "دائرة المعارف الإسلامية"، إذ قال ما نصه:

"It is possible that Defoe's Robinson Crusoe, the first part of which appeared is 1719, owed something to Ockley's translation of Ibn Tufayl."

أى من المحتمل أن تكون قصة "روبنسون كروسو"، التى ظهر جزؤها الأول عام 1719م، مدينة بعض الشىء للترجمة التى قام بها أوكلى لقصة ابن طفيل. كذلك يقرر كامل كيلانى فى مقدمة ترجمته المبسطة للناشئين لرواية "روبنسون كروسو" أنه "قد ظهر فيه أثر القصة العربية الخالدة: حى بن يقظان".

أما د. عمر فروخ فقال فى كتابه: "تاريخ الأدب العربى": "لقد قلد هذه القصة كتاب كثيرون أشهرهم وأقربهم إليه السياسى القصصى الأدبى دانيال ده فو (ت1731م) فى قصته: روبنسون كروسو" . ولفروخ فى ذات الوقت كتاب كامل عن قصة الفيلسوف الأندلسى عنوانه "ابن طفيل وقصة حى بن يقظان" تناول فيه بشىء من التفصيل القول فى هذه القضية . كذلك كتب جميل صليبا وكامل عياد فى مقدمة تحقيقهما لكتاب ابن طفيل ما يلى: "تمتاز قصة ابن طفيل عن قصة "روبنسون كروسو" من الناحية الفلسفية. كذلك تمتاز على غيرها من القصص الفلسفية الشرقية بالقرب من الحقيقة الواقعة، وبالوصف الطبيعى، وبالتفصيلات الدقيقة عن الحياة العملية، عدا رشاقة الأسلوب وسهولة العبارات وحسن الترتيب. وهى بهذه المزايا تعتبر فى مقدمة الآثار العربية التى تستحق الخلود فى تاريخ الفكر البشري". وبالمثل تؤكد مادة "روبنسون كروسو" فى "زُهْلُول- الموسوعة العالمية المجانية" الضوئية أن رواية ديفو مستوحاة من "حى بين يقظان"، إذ نقرأ فيها أنها "قصة أوروبية مأخوذة عن قصة حى بن يقظان لابن طفيل الأندلسي"، وأنه "بعد ترجمة قصة "حى بن يقظان" بدأ الغربيون ينسجون على منوالها. ولعل أهم ما نسجوه قصة "روبنسون كروسو" للكاتب دانيال ديفو". ورغم هذا فإن كاتب المادة لا يُغْفِل الفروق التى بين الروايتين، بل يرصدها مُعْلِيًا فى الوقت ذاته من شأن الرواية العربية على نظيرتها الإنجليزية.

وأما د. محمد غنيمى هلال فيستبعد أن يكون لـ"حى ين يقظان" تأثير على قصة ديفو لأن التشابه بينهما ظاهرى ضئيل كما يقول، علاوة على أن لقصة "روبنسون كروسو" أصلا تاريخيا يتمثل فى مغامرات البحار الإسكتلندى سلكيرك، التى كتب عنها زميل له من البحارة عام 1709م، أى قبل ظهور "روبنسون كروسو" بعشر سنوات . ومع هذا نرى هلال فى ذات الوقت يؤكد أن قصة الكاتب الأسبانى بلتاسار جراثيان: "الكريتيكون"، التى ظهرت أجزاؤها الثلاثة تباعا فى خمسينات القرن السابع عشر، والتى تشبه قصة ابن طفيل، لا بد أن تكون قد تأثرت بهذه الأخيرة، إذ من المؤكد فى رأيه أن يكون جراثيان قد اطلع على قصة ابن طفيل رغم أنها لم تكن قد ترجمت بعد إلى أية لغة أوربية لأنه من الصعوبة بمكان أن نرجع هذا التشابه بين العملين إلى مجرد المصادفة".

وهناك أيضا مدنى صالح، الذى يخلص فى مقاله المنشور فى العدد التاسع من مجلة "الأقلام" العراقية إلى أن قصة روبنسون كروسو هى "عنصر من عناصر بيئة دى فو الثقافية"، وهو ما يؤيده فاروق سعد صاحب كتاب "حى بن يقظان" لابن طفيل. وهذا يعنى أن ذينك الكاتبين يريان أنه لا وجود لأية صلة أو عملية تأثير وتأثر بين قصة ابن طفيل وقصة دانيال ديفو. وبالمثل فإن كاتب مادة "Robinson Crusoe" فى موسوعة "إنكارتا" الإنجليزية (ط2009م) لا يشير إلى أية صلة بين العملين مكتفيا فقط بلفت النظر إلى ما قيل عن تأثر ديفو فى كتابة "روبنسون كروسو" بما وقع لألكسندر سلكيرك من مغامرات حقيقية قرأها الجمهور على نطاق واسع قبل صدور روبنسون كروسو. ونفس الشىء يردده كاتب ذات المادة فى النسخة الفرنسية من طبعة 2009م من "إنكارتا"، إذ يرجع مصدر إلهامها إلى ما وقع لألكسندر سلكيرك البحار الأسكتلندى الذى غرقت سفينته واضطر للعيش وحيدا فوق جزيرة من جزر أرخبيل خوان فرنانديز بشيلى. وعلى نفس الشاكلة تمضى "Encyclopædia Britannica: الموسوعة البريطانية" (ط2008م) فى ترجمتها لديفو، إذ كل ما تقوله فى هذا الصدد هو أن المؤلف قد اعتمد جزئيا على مذكرات بعض الرحالة والناجين من الغرق من أمثال سلكيرك، ثم لا شىء آخر. وتكتفى مادة "دانييل ديفو فى "Encyclopaedia Universalis: الموسوعة اليونيفرسالية" بالقول بأن روايته تستلهم مغامرات البحار الأسكتلندى سلكيرك.

وممن درسوا هذا الموضوع أيضا د. غسان مرتضى، الذى قام بالمقارنة بين العملين مبينًا أنّ التشابه بينهما يثير كثيرًا من الأسئلة حول مدى تأثير الرواية الأولى فى الثانية، وبخاصة أن "حى بن يقظان" تسبق "روبنسون كروسو" فى الظهور بزمنٍ جِدّ طويل، فضلا عن ترجمتها إلى بعض اللغات الأوروبية قبيل ظهور رواية "مغامرات روبنسون كروسو". وقد قام د. مرتضى بتلخيص قصة "حى بن يقظان"، الذى قذفت به الأمواج إلى جزيرة الواقواق الخيالية فتحدث عما ذكره ابن طفيل من ولادة حى غير العادية، وكيف عاش فى كَنَف غزالة أعانته على الحياة كما تعين الأم وليدها، وكيف وعى الفروق الجسدية التى تميزه عن حيوانات الغابة، وكيف أخذ يستر عورته وجسده بأوراق الأشجار، ثم كيف ماتت الغزالة فحاول معرفة سبب موتها لكن دون جدوى، وكيف دفنها كما تفعل الغربان... إلخ. وانتقل الباحث بعد ذلك للحديث عن نمو مدارك ابن يقظان وحواسه واكتشافه للنار وفهمه لمسألة الجسد والروح، وكيف أخذ يدرك طبيعة الأجسام والأشياء من حوله ويعرف أوضاع الأفلاك والأجرام السماوية، ليتوصل إلى أن هذا كله لا يصدر إلا عن فاعل مختار فى غاية الكمال. وعندما بلغ ابن يقظان الخامسة والثلاثين تحول حرصه من معرفة المصنوع إلى معرفة الصانع، فزهد فى الطعام والشراب ولجأ إلى كوخ ينفق وقته فى التأمل رغبة فى الوصول إلى مرتبة مشاهدة الحق، إلى أن تمّ له ذلك، ففنى عن ذاته وعن جميع الذوات، ولم يعد فى الوجود إلا الحى القيوم، وبقى كذلك حتى بلغ الخمسين من عمره. ثم أوضح الباحث كيف تعلم حى بن يقظان لغة الكلام من رجل اسمه أسال قدم إلى الجزيرة، وكيف اصطحبه أسال إلى مدينته لإقناع الناس بأهمية التأمل لحياتهم الروحية، لكن ذلك لم يُجْدِ معهم للنقص الذى كان فى فطرتهم، فرجعا معًا إلى جزيرة الواقواق حيث أخذا يعبدان الله بطريقتهما حتى أتاهما اليقين.

ثم ينتقل الباحث إلى تلخيص رواية "روبنسون كروسو" فيقول إنها تتحدث عن مغامرات روبنسون كروسو، الذى ترك بيته وأهله خلافًا لرغبتهم، ورحل طالبًا الثروة والمغامرة، فصادف أثناء ترحاله مخاطر وأهوالا كثيرة منها غرق سفينته ثم نجاته رغم هذا ووصوله على ظهر موجة إلى اليابسة فى جزيرة ليس فيها إلا الأدغال والوحوش، ليجد نفسه هناك وحيدًا دون رفيق من بنى جنسه، ثم محاولته التأقلم مع حياته الجديدة مستغلا كل ما حوله من موجودات فى تدبير مأكله وصنع ملبسه، ثم تخليصه بعض العبيد من يد جماعة من آكلى لحوم البشر وتعليمه العبد فرايدى اللغة الانكليزية ومبادئ النصرانية.

بعد ذلك يورد الباحث أوجه الاتفاق بين حى بن يقظان وروبنسون كروسو على النحو التالى: 1- رَمَى القدر كلا من حى وروبنسون فى جزيرة لا حياة فيها لبنى البشر. 2- اضطر كل منهما أن يتأقلم مع حياته مستخدمًا أدوات بسيطة ليحمى نفسه. 3- يلتقى حى بأسال، ويلتقى روبنسون بفرايدى، فيعلّم أسال حيًّا الكلام، ويعلّم كروسو فرايدى اللغة الإنكليزية ومبادىء النصرانية. 4- حاول ابن طفيل أن يؤدى عبر حى بن يقظان رسالة مفادها أن الانسان قادر بفضل حواسه وعقله وحدسه الوصول إلى حقائق الكون كلها ومعرفة الله بعقله المحض دون الاستعانة بالأديان، أما دانييل ديفو فأراد إيصال رسالة مختلفة بعض الشىء. 5- تتفق القصتان فى كثير من الجوانب الفنية وفى تعليل الحدث واعتماد الحوار الداخلى وتصوير شخصية نامية متطورة.

ثم يسرد المحاضر أوجه التباين بين الروايتين، وهى كما يلى: 1- وصل حى إلى الجزيرة وعمره لم يتجاوز اليوم الواحد، على حين وصل كروسو إليها وهو شاب. فتأقلم الأول مع واقعه ذاتيا وبالفطرة، فيما استخدم كروسو خبراته السابقة فى عملية التأقلم. 2- حاول الكاتبان إبراز مقدرة الانسان فى التأقلم مع الطبيعة والحياة دون مُعِين، لكن ابن طفيل كان هدفه رمزيا يتمثل فى إبراز مقدرة الانسان على التطور ماديا وروحيا دون شرائع مسبقة، أما ديفو فلم يكن هدفه سوى عرض جانب المغامرة بما تنطوى عليه من تصعيد قصصى وتشويق. 3- لقاء حى بأسال كان لقاءً نديًّا، بخلاف لقاء روبنسون بفرايدى، الذى كان لقاء مصلحة ومنفعة. 4- فى رواية "حى بن يقظان" تكثر الأفكار الفلسفية مما أضعف عنصر التشويق والاثارة، على عكس رواية "روبنسون كروسو"، التى اتسمت بالإحكام الفنى. 5- الجانب المهم فى شخصية حى هو التأمل، أما فى شخصية روبنسون فهو الاكتشاف وبناء السلوك وفقًا لهذا الاكتشاف. 6- تحدث ابن طفيل فى روايته بضمير الغائب، أما رواية دانييل ديفو فقد كتبت بضمير المتكلم مما أعطاها واقعية أكثر. 7- رواية ابن طفيل رواية عقلية فكرية ليس فيها وجود للعناصر الاجتماعية الأندلسية أو الأسبانية، بخلاف رواية ديفو، التى تمجد الحياة الاجتماعية وصراع الانسان عبر العمل للسيطرة على الطبيعة.

وهنا يطرح المحاضر السؤال التالى: هل أثرت رواية "حى بن يقظان" فى "روبنسون كروسو"؟ ليجيب موضحا أن الترجمتين اللاتينية والإنجليزية لرواية "حى بن يقظان" قد ظهرتا قبل إصدار ديفو روايته بأكثر من عشرين سنة. فمن المحتمل إذن أن يكون ديفو قد اطلع على عمل ابن طفيل، وهو أمر قد يؤكده اهتمام الأوروبيين عموما بالثقافة العربية آنذاك. لكن المسألة ليست مسألة عواطف ورغبات. لذا لا بد من التروى قبل إطلاق الأحكام. وإضافة إلى ذلك ثمة اعتقاد متداوَل بين بعض الباحثين مُؤَدَّاه أن ديفو قد اعتمد فى روايته على حادثة حقيقية معروفة وقعت لبحار أسكتلندى يدعى: ألكسندر سلكيرك، وهو ما يعنى أن تأثر ديفو بالرواية العربية ضعيف جدا .

وبخصوص اتهام ديفو بالسطو على ما كتبه سلكيرك البحار الأسكتلندى الذى وقع له مثل ما وقع لبطل ديفو ثم مقال كتبه د. نجم عبد الكريم بعنوان "روبنسون كروسو: سرقة أدبية فى سياق المغامرة!" نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" العربية اللندنية بتاريخ الاثنيـن 11 أكتوبر 2004م جاء فيه: "ينسب الكثير من النقاد العرب أن رائعة الكاتب الإنجليزى دانييل ديفو: "مغامرات روبنسون كروسو" إنما هى مأخوذة من تراث عربى، واعتبروها عبارة عن سطوٍ أدبى على قصة ابن طفيل: "حى بن يقظان". وهناك من يقارن بين أحداثها وبين رحلات السندباد. وفيهم من نسب مغامرات روبنسون كروسو إلى تأثرها ببعض الرحالة من العرب! ومما لا شك فيه أن الأعمال الأدبية العظيمة لا تنبع من فراغ، ولا يلزم أن يخوض الكاتب تجربة أبطال روايته أو مسرحيته، فهناك دائما مؤثرات خارجية تدفع بالعمل الإبداعى إلى البروز وفقا لمدى قدرات وإبداعات ذلك الكاتب فى تصويرها.

لكن السيدة سلكيرك التى التقيتها مصادفة فى مناسبة اجتماعية بمدينة مارلو الإنجليزية تزعم بعكس ذلك تماما، فهى ترى أن دانييل ديفو مؤلف رواية "مغامرات روبنسون كروسو" ما هو إلا كاتب أفّاق وسارق لأفكار غيره، وكان جزاؤه أن مات فقيرا عندما دُفِن فى مقابر الفقراء. وتزعم السيدة سلكيرك أنها تحتفظ بالأدلة الأكيدة على حقيقة شخصية روبنسون كروسو لأنه جدها الرابع، واسمه "ألكسندر سلكيرك". والسيدة سلكيرك هذه قد تجاوزت العقد الثامن عمرها، لكنها تتمتع بذهنية متوقدة، وتتحدث بحماس عن جدها الذى تعتبره الأب الحقيقى لرواية "مغامرات روبنسون كروسو"...".

وتعقيبا على ما قالته السيدة البريطانية نذكر نبذة عن جدها البعيد وعن الجزيرة التى عاش فيها على مدى عشرات الشهور وحيدا دون أنيس من بنى الإنسان، فنقول إن ألكسندر سلكيرك (1676- 1721م) رجل أسكتلندى عاش وحيدا فى جزيرة معزولة من جزر شيلى بأمريكا الجنوبية، فكانت له تجربة مثيرة. فعندما كان يعبر البحار الجنوبية عام 1704م فى حملة للقرصنة البحرية تشاجر سلكيرك مع قبطان السفينة. وبناءً على طلبه تُرِك فى إحدى جزر خوان فرنانديز على بعد حوالى 640 كم غرب تشيلى، فعاش هناك وحيدًا لمدة 52 شهرًا حتى أنقذه القبطان وودز روجرز. وقد سجل القبطان تجارب سلكيرك فى كتابه: "رحلة ممتعة حول العالم"، كما وصفها القبطان إدوارد كوك فى كتابيه: "رحلة إلى البحار الجنوبية" و"حول العالم". أما اسم رواية ديفو فمأخوذ من اسم إحدى الجزر التابعة لأرخبيل خوان فرنانديز، الذى يتبع دولة تشيلى، وهى: روبنسون كروسو، وسانتا كلارا، وأليجاندرو سلكيرك. ويعيش نحو 400 نسمة من المتحدثين بالأسبانية فى جزيرة كروسو، التى اشتهرت بوصفها الجزيرة التى عاش فيها المنبوذ ألكسندر سلكيرك وحيدًا لأكثر من أربع سنوات (1704- 1709م). وكان الرحالة الأسبانى خوان فرنانديز أول من اكتشف هذه الجزر عام 1563م.

والآن، وبعد أن ألممنا جيدا بشكل القصتين ومضمونهما واطلعنا على المقارنات المختلفة بينهما وعرفنا الظروف التى صدرت فيها كل منهما، يمكننا أن نقول: الراجح أنه كان لمغامرة سلكيرك، التى سجلها القبطان الذى أنقذه ونشرها على الجمهور، فضل كبير على رواية ديفو، إذ من المستبعد أن تنشر تلك المغامرات فى العصر الذى يعيش فيه كاتب وأديب وسياسى مثله دون أن يدرى ويتأثر بها فى قصته. وهناك ما يشبه الإجماع على الاعتراف بهذا التأثير. لكن هل هذا يعنى بالضرورة أنه لا مكان لأى تأثير من جانب "حى بين يقظان" فى ذلك العمل؟ لقد تمت ترجمة الرواية الأخيرة إلى الإنجليزية واللاتينية قبل كتابة ديفو روايته بزمن غير قصير، ومن المستبعد أيضا أن يجهل واحد مثله ذلك العمل الذى شد كبار عصره فى أوربا كلها وأعجبهم إعجابا شديدا وكانت له تلك التأثيرات العميقة على عدد من مفكرى القارة وفلاسفتها مما سقنا بعضه فيما سبق. ومن هنا فإننى أقول بأنه من المحتمل جدا أن يكون ديفو قد تأثر بها أيضا كما تأثر بمغامرات سلكيرك. تأثر بها على الأقل من حيث إنها قد شجعته على أن يحول ما قرأه عن مغامرات البحار الأسكتلندى إلى عمل قصصى وعلى تضمين قصته بعض القضايا الفكرية مثلما اشتملت "حى يبن يقظان" على مثل تلك القضايا، وإن اختلف نوع قضاياه عن قضايا ابن طفيل نظرا لاختلاف شخصيتيهما وبيئتيهما وثقافتيهما ووظيفتيهما... صحيح أن أحدا من المقارنين لم يستطع حتى الآن، فى حدود علمنا، أن يضع يده على شىء يثبت أن ديفو قد اطلع فعلا على "حى بن يقظان". بيد أن هذا، كما قلت، لا يستلزم بالضرورة ألا يكون الاطلاع قد حدث أو أن التأثر لم يقع، إذ الأمران مختلفان تماما. وعلى هذا فإننى لا أستطيع الجزم القاطع بتأثير القصة العربية على نظيرتها الإنجليزية كما صنع بعض المتحمسين من الباحثين العرب والأوربيين، بل أكتفى بالترجيح نظرا لما ذكرته قبل قليل من الأسباب الحاملة لى على ذلك، بالإضافة إلى وجوه التشابه القوية بين العملين وقرب الزمنين اللذين ظهرا فيهما. أما الجزم بنفى أى تأثير لرواية ابن طفيل على "روبنسون كروسو" فأمر لا يمكننى الإقدام عليه ولا حتى تقبله.

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق