أضيف في 12 يونيو 2016 الساعة 14:50

العمود الرابع


د موسى أبومحلولة

 

العمود الرابع

 

ميدان الطرف اﻷغر بقلب لندن هو بدون شك قبلة سياحية شهيرة تعج بالسواح من كل أنحاء الدنيا وتضج بحركة المرور وأصوات المحتجين المتظاهرين حينا والمحتفلين الصاخبين حينا آخر.. تحيط بالميدان "ناشيونال غاليري" و"بورتريه غاليري" اللتان تحتفظان بمجموعات من أجمل وأروع الأعمال الفنية العالمية وهما بذلك قبلتان للزائرين من الأجانب والبريطانيين...  في ساحة الميدان أربعة أعمدة رخامية ضخمة  ينتصب على ثﻻتة منها منذ زمن غابر بعيد تماثيل ضخمة لرجال مشاهير.

 

أما العمود الرابع وهو بيت قصيدنا وآخرها بناءا فقد شيد في عام1841م وصممه تشارلز باري ليضع عليه تمثاﻻ للملك ويليام الرابع لكن هذا لم يحدث  في حينه لأسباب تتعلق بنقص في التمويل وضيق لذات اليد.. مات باري ولحقه ويليام أو العكس وبقي العمود الرخامي الضخم الفخم شاغرا فارغا لأكثر من 150 عاما.

 

في عام 1999م كنت أقلب صفحات جريدة لندنية وعلى صفحتها الأولى وبالخط العريض خبر عن العمود الرابع هذا... لم أفهم المقصود حينها فإلمامي بتاريخ معركة الطرف اﻷغر وميدانها اللندني وعموده الرابع كان محدودا.. قلبت الصفحة غير آبه بعمود الخبر على صفحة الصحيفة... في لندن لايمكنك اﻹفلات من خبر كهذا فاﻹنجليز وصحفهم ومحطاتتهم التلفزية واﻹذاعية تحاصرك بأخبارها وتغريك بعناوينها وصورها وتجعلك ماتلبث أن تستسلم للقراءة أو المشاهدة أو كلاهما معا.

 

رفعت الراية البيضاء وقرأت الخبر وتابعته على الشاشات وكان مفاده أن الجمعية الملكية للفنون تقدمت مقترحات لعرض تﻻثة أعمال فنية على قمة العمود الرابع بشكل مؤقت وكان لها ما أرادت ثم تطور الأمر بعدها مع تولي كين ليفينجستون عمادة لندن فقد قرر الرجل أقامة العدل بين أعمدة ميدان الطرف اﻷغر اﻷربعة بوضع تمثال أو عمل فني على قمة "العمود الرابع" بشكل مستمر إسوة بالتﻻثة الأخرى، وبالطبع لن يكون التمثال للملك ويليام الرابع فقد مات المسكين ومات معه حلم الجلوس أو الوقوف على قمة العمود الرابع، ولم يكن العمدة الجنتلمان يفكر في أن يضع تمثالا لنفسه أو لرئيسه حينها السيد طوني بلير ولا حتي لصاحبة الجلالة إليزابيث الثانية فمثل هذا السلوك من النفاق والتقديس وعبادة الملوك والسﻻطين والرؤساء قد إنتهى في هذه البلاد من أمد بعيد وأتمنى أن يكون في طريقه للزوال في بلادنا العربية ومنطقتنا الشرق أوسطية فقد سقطت تماثيل صدام الضخمة المهيبة، وطوى النسيان قصيدة الهرم الرابع  التي تذكرتها وأنا أكتب عن العمود الرابع والشيء بالشيء يذكر.

 

مضت خمسة عشرة عاما توالت فيها عشرة أعمال فنية إبداعية رفيعة زينت الميدان وأمتعت الجمهور ورفعت من شأن العمود الرابع الذي عاد إلى واجهة الأحداث وعناوين اﻷخبار اللندنية هذا اﻹسبوع  عندما دشن عمدة لندن الحالي بوريس جونسون عملا إبداعيا جديدا للنحات اﻷلماني هانز هاك بعنوان "الحصان الهدية" وهو نحت برونزي لهيكل حصان ضخم ربط على ركبته الأمامية شريط إليكتروني يظهر مباشرة أسعار تداول بورصة لندن.

 

حظي الحدث الفني بالتغطية اﻹعلامية المناسبة وتحلق المواطنون والسواح والنقاد والصحفيين حول العمود الرابع يتأملون الجهد "اﻷلماني" الرائع ويلتقطون الصور التذكارية.

 

في نفس الوقت وفي أكثر من مكان من وطننا العربي وعلى كل الشاشات ظهرت  معاول الهدم تدك عشرات اﻷعمدة والتماثيل والمجسمات والنقوش والزخارف  وتزيل معالم حضارة اﻷجداد من الوجود.

 

المفارقة مذهلة والخسارة فادحة ودعوات اليونسكو لحماية اﻷثار والموروث الثقافي اﻹنساني في العراق وسوريا وليبيا تبدو حتى اﻵن محتشمة وخافتة وإذا لم تتظافر الجهود المحلية والدولية الرسمية والشعبية لحماية موروثنا الثقافي ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على هذه الكنور التاريخية وحمايتها من التهريب والتدمير فقد يزيل الجهل والتطرف والعبث مدننا اﻷثرية بكاملها ويهدم آثارها ومعالمها  وتماثيلها وأعمدتها وﻻ يبقى لنا وبعد فوات اﻷوان إﻻ أن نشد الرحال الي ميدان الطرف اﻻغر لنتأمل عموده الرابع ونتحسر على مادمرته أيدي العابثين من بني جلدتنا.

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق