أضيف في 10 يونيو 2016 الساعة 23:57

القراءة بالمجان


د موسى أبومحلولة

القراءة بالمجان

 

في عام 1999 ظهرت في لندن صحيفة ورقية شعبية توزع بالمجان علي مستعملي وسائل المواصلات العامة بالمدينه وهم بالملايين وأستمر الي اليوم توزيعها في لندن وغيرها من المدن البريطانية الكبرى... الصحيفة موضوع الحديث إسمها "مترو" ويجدها المسافر تنتظره كل صباح في نقاط توزيع ثابتة وعديدة في جميع محطات قطارات لندن... بل وقد يقدمها له بكل أدب واحترام ومعها إبتسامة ودودة وعبارة "شكرا سيدي" شاب يافع أو فتاة حسناء إختارا القيام بهذه المهمة...

 

وﻷن "المترو" كانت صحيفة شاملة تغطي وبإسلوب سلس سهل أخبار الساعة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية وحتى السياسية في لندن وبريطانيا وتحوي مواضيع شيقة متنوعة وتطبع بتقنية عالية وإخراج صحفي محترف، وﻷن المواطن اﻹنجليزي بطبعه يحب القراءة ويعشق تصفح كتاب أو جريدة وهو جالس بهدوء على مقعده في قطار أو حافلة أو حديقة عامة وجدت الصحيفة إقبالا واسعا تطور مع مرور الزمن إلى نجاح كبير وسرعان ما أصبحت موضوعات الصحيفة حديث قهوة الصباح في إدارت ومصانع ومكاتب ومقاهي لندن بعد وصول المسافرين القراء إلى أماكن عملهم.

 

كان لهذا النجاح ربما أثره السلبي على توزيع جريدة شعبية لندنية مرموقة أخرى إسمها "لندن ايفينينج ستاندارد" كانت توزع بعد ظهر كل يوم في لندن بمقابل، وتحقق إيرادات جيدة قبل أن تصيبها غريمتها الجديدة "مترو" في مقتل فأفلست وأعلن مالكوها عرضها للبيع...

 

شراء صحيفة محلية مفلسة عمرها 180 عام وغير قادرة على المنافسة يحتاج إلى غني مجنون أو رجل أعمال مغامر.. وهذا المغامر بماله وربما بسمعته أيضا لن يكون إنجليزيا حريصا محافظا أو خليجا ثريا قد تكون الصحافة والثقافة آخر إهتماماته بل كان روسيا مغامرا ربما كان قد إتخذ قراره "المتهور" هذا وهو يعاقر الفوذكا الروسية الشهيرة -والعياذ بالله - في أحد حانات لندن "الروسية".

 

حدث هذا الجنون "البزنسي" في عام 2009.... وإشترى رجل أﻻعمال الروسي الكسندر ليبيديف الصحيفة المفلسة ووقع الفاس في الرأس... لكن صاحبنا مالبث أن أثبت لمنتقديه من خبراء إدارة المال واﻻعمال وندمائه في الحانة الروسية على حد سواء خبرته الواسعة ودرايته الوافرة بشئون البيع والشراء واﻷخد والعطاء ففي زمن قياسي وبعد مراجعة وتعديل لمنهاج وسياسة الصحيفة التحريرية وإعادة إطلاقها بثوب جديد فاجأ ليبيديف أوساط لندن اﻹعلامية بأعلن عزمه توزيع الصحيفة بالمجان في منطقة وسط لندن وبمقابل بسيط في ضواحيها.

 

لم يمضي وقت طويل حتى تحققت المعجزة وأنتعشت الصحيفة وتضاعفت نسبة توزيعها ثلاثة مرات وتوالت عليها عقود اﻹعلانات المجزية من كل حدب وصوب وبدأ صاحبنا المغامر يحقق نجاحا ويحصد أرباحا.

 

لم ينتهي أﻷمر عند هذا الحد بل تجاوزه الي الظفر بجوائز إعلامية مرموقة وألقاب صحفية غير مسبوقة ... وأهم من هذا كله إستمر ملايين اللندنيين في قرأءتهم المجانية لصحيفتي "مترو" و"إيفينينج ستاندارد" كل صباح وكل مساء دون كلل أو ملل  وأستمرت شركات ومؤسسات عامة وخاصة ورجال أعمال أفراد في دعم الصحيفتين باﻹعلان المدفوع اﻷجر في جهد مجتمعي جماعي رائع يعود بالنفع على الجميع.

 

هكذا هي أفكار البزنس واﻹستثمار الخلاق والذي ينفع الناس فهل نتعلم - نحن بني يعرب - الدرس ويتفتق ذهن رجل أعمال عربي عاقل أو مستثمر وطني صالح بعيد النظر...  سعودي او قطري.. إماراتي أو ليبي.. ونرى في مقبل أﻻيام صحفا مجانية مستقلة مكتوبة بلغة الضاد يتصفحها مواطن عربي وهو في قطار أنفاق القاهرة أو دبي أوفي حافلة عامة في طرابلس أو الرباط أوعمان.. هل سيأتي يوم يكون لنا فيه ما للآخرين  من مؤسسات إعلامية راسخة وصحافة رصينة هادفة تنير الطريق للمواطن العربي وتثقفه وتسليه وتكون في متناول يده ولا تثقل على جيبه...

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق