أضيف في 2 ماي 2016 الساعة 00:52

لغة قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء تدعو إلى اليقظة بالرغم من فشل خصوم المغرب


عمر ح الدريسي

 

قال الرئيس الفرنسي دوغول De Gaule،  أيام تعضد مواجهته مع الولايات المتحدة الأمريكية، في ستينيات القرن الماضي ، إثر إحساس بلاده بتغول القرار الأمريكي ، قال ديغول "لا مبادئ في العلاقات الدولية، بل هناك مصالح تبدو وضيعة"، وإذ دو غول آنذاك، استخلص هذه النتيجة، إنما بمرارة ما تتعرض له مصالح بلاده الفرنسية العليا.. !!

والمغرب ومنذ عقود وهو يعمل على استرجاع ما قُضِم منه، بسبب التغول الإستعماري، والإستغلال الإمبريالي، والإستهتار بمصالح الشعوب غير الغربية، إذ موقع المغرب الإستراتيجي، جعله عُرضة لقضم جزء كبير من أراضيه التاريخية، و عَرّضَه لتقسيم ما تبقى منها،  بين القوى العظمى أنذاك، ذات التقسيم الذي لازال يُؤدي ثمنه غاليا وإلى اليوم، بالرغم من اختلاف التقاطبات وتداخل المصالح وتشابكها مع ذات القوى تقريبا نفسها.. !!

وحيث كانت الولايات المتحدة خارج تلك القوى، إلى أن دخلت تتزعمها في الحرب العالمية الثانية، وحيث كل الحروب لم تُـقام فوق أراضيها، فهي لم تَجْن إلا الأرباح الخالصة، من كل نزاعات العالم وإلى الآن، وذالك ما جعلها تبقى أكبر القوى العالمية، والمغرب وبحكم تاريخه الضارب في أعماق الزمن، وتاريخ دولته  لما يزيد عن ثلاثة عشر قرنا، كنظام قائم، وكمؤسسات متواصلة، اكتسبت المراس والتراكم السياسي، وأصبحت لها آلية التجديد، حسب الظروف والتغيرات، فكان المغرب من بين أول الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن الإنجليز، وذالك ما جعله حليفا تاريخيا لها، وحتى أيام الحرب الباردة، وسخونة التّـقاطب الدولي، لم  ينكفئ المغرب عن ما يربطه بأمريكا، بل  تطور ذالك عبر اتفاقيات ثنائية وقطاعية ومؤسساتية واقتصادية وثقافية، وصلت حد اتفاقيات "التبادل الحر"، لتعميق كل ما يجمع البلدين والشعبين، وحتى بزوغ ظاهرة الإرهاب،  كظاهرة معقدة ومقلقة ومتداخلة، أرّقت وتُـؤرّق الجميع، بقي المغرب شريكا فعليا، حاضرا وأساسيا مع الولايات المتحدة، وكان دوما يتجاوب مع جهود القوى المحبة للسلام والأمن والإستقرار العالميين عبر العالم... !!

والغريب الآن، و المغرب وهو يواجه أكبر المؤامرات ضد وحدته الترابية "نزاع الصحراء المفتعل"، والتي لم تبقى حبيسة  سراديب المكاتب، بل كُشفت للعلن، وجاءت عبر تصريحات منحازة وغير مسبوقة، لأكبر موظف أممي، والذي هو الأمين العام الحالي "بان كي مون" ضد الحقوق الطبيعية والتاريخية والمشروعة بالقانون الدولي نفسه للمغرب، وعوض أن  نجد ممثل  الولايات المتحدة إلى جانب المغرب في حقوقه، والتنبيه إلى الحياد الواجب للمؤسسات الأممية ولموظفيها، يتقدم ممثل أمريكا بمسودة مشروع  لا تعبر عن الصداقة التاريخية بين البلدين.. !؟

لغة القرار في المسودة الأمريكية، كانت مُعيبة على أن تكون من موظف دولة "عظمى" صديقة، لما تحمله من عبارات وتلميحات، وذالك ما يجعلنا نتساءل عن أسباب الموقف الأمريكي الجديد..؟!

هل هذا الموقف الأمريكي، نابع من مخطط استراتيجي، يتبنى تغيير خريطة الحلفاء عبر الإعتماد على التّبني الظاهري للمواقف الإنسانية، كـ ملفات "حقوق الإنسان" وتقارير منظمة كينيدي التي لا وجود لها في البؤر العالمية إلا عبر موقع لها على الأنترنيت، تدبج فيه تقارير ترسل لها ممن يريدون استغلالها كواجهة حقوقية دولية"، وتتبناها رسميا مؤسسات أمريكية أخرى، وعلى رأسها المنظمات القريبة من الديمقراطيين، وبذالك يمكن التساؤل التالي، هل باتت سياسة "الفوضى الخلاقة" التي تبناها المحافظون "الجدد" اتجاه دول العالم العربي، وسياسة "الهدم من الداخل" التي تبناها بعدهم الديمقراطيون، والآن بات  "استغلال ضعف الشعوب والناس وما بقي من مؤسسات دولهم والركوب على حقوقهم"، كآلية سياسية دولية تُعْتَمَدُ فيها الأمم المتحدة وملفات حقوقية للتغطية وصرف الأنظار،  لصناعة أزمات وبؤر سياسية تكون في صالح ما تريده سياسات الشركات العابرة للقارات ولوبيات الطاقة  والسلاح والمال والإقتصاد الأمريكي وشركائه الغربيين...؟!

التساؤلات هذه، تفرض نفسها، ومسودة  القرار التي خضعت للتصويت لأول مرة حول "قضية الصحراء" عوض توافق أعضاء مجلس الأمن صبيحة أمس الجمعة 29 أبريل / نيسان 2016، كان قرارا أمريكيا صرفا، قبل أن تُدخل عليه تعديلات اقترحها أصدقاء المغرب، كفرنسا وإسبانيا ومصر والسنغال، تشير إلى مجهودات المغرب لتعزيز وحدة أراضيه بما يكفل حقوق جميع المواطنين، بما فيهم مواطنو الأقاليم الجنوبية، وتعاونه المطلق مع الأمم المتحدة والأمانة العامة وانخراطه الإيجابي في مسلسل التسوية الذي انطلق منذ 1991، وتأسيسا على ذالك، اعترفت الأمم المتحدة باقتراح الحكم الذاتي في 11 أبريل /نيسان سنة  2007، وما تلاه من تطورات حقوقية واقتصادية وسياسية في المنطقة.

والعجيب، هو أن المُسودة الأمريكية، لولا التعديلات الآتية على عجل، لتتدارك مخاطر لغته، التي تجاهلت كل ذالك، بل دبج القرار  بالعبارات التي "يجترها" الأعداء في حملاتهم العدائية، والبرباغوندا الموجهه ضد المغرب،  بل المسودة، لم تُحمّل الأمين العام مسؤولية ما اقترفه من عدم "الحياد الواجب"، كمسؤول أممي، ولم تُثِر عدم اعتذاره للشعب والحكومة المغربية على عدم احترامه لـ "واجب التحفظ والحياد".. !! إضافة إلى تجاهلها لأصل وطبيعة بعض اللاجئين في تندوف، هم مُواطنون مغاربة مُختطفون من قبل نظام جار، لايريد استقرار ولا وحدة  المغرب الترابية، بل يحتجزهم ليتاجر بمآسيهم دوليا، بل أكثر من ذالك يجعلهم كرهينة للمساومة مع القوى العظمى الدولية، ولوبيات النفط  والسلاح العابرة للقارات، ليستعملها في قلب خدمة أجندته السيايسة، لذلك يترك أولئك  المحتجزون  بدون سكن وبدون حقوق مدنية  ولا عيش كريم، بل يتركهم عُنوة، بل يجبرهم للبقاء تحت رحمة المساعدات الدولية، والأنكى من ذالك، أن المنظمات الحقوقية، التي من واجبها ومسؤولياتها، كشف الحقائق، تتواطئ مع ذات النظام في طمر معاناتهم بل تتواطئ معه حتى في عدم إعداد لوائح إحصاء حقيقية لهم.. !!

لقد تعود المغاربة، أن يأتي شهر أبريل ويصبحوا أكثر توجسا من كل ما يدور في الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول" قضية الصحراء"، لأن السياسة  وكـ "علم منافع ومصالح"، بالمفهوم البراغماتي، لا تستحضر العلاقة التاريخية أو الصداقة أو حتى الأخوة، بل كل ما تستحضره،  هوالمنافع وقوة المصالح، ولا شيء غير موازين القوى، فعلاقة المغرب بأمريكا تاريخية ومتميزة، لكنها تعرف دوما تقلبات وتعثرات، لكون مال النفط والغاز، بدأ يؤثر سنة بعد أخرى في تلك العلاقات بل يحدث لها ضجيجا ووجعا في الرأس، علما أن الدول الغربية قاطبة، مهما ادّعت الصداقة، فهي من عملت و أبقت على الحدود بين الدول المُستعمرة آنفا، وحدود الدول العربية منها، مفتوحة وغير محسوم في بؤر عديدة منها، لتبقى  كمفتاح للتدخل بطريقة أو بأخرى في شؤونها.. !!

لذالك لم يعد كافيا، أن يكون المغاربة يقظين في رقعة شطرنج السياسية المعقدة دوليا، والتي تهيمن عليها مصالح الدول العظمى، فلا بد من ابتكار حلول ذاتية، تفرض نفسها على تلك القوى مُكرهةً، آلا وهو الإصلاح والبناء الداخلي المطرد والجاد.  بتسريع الإصلاحات التي تجعل المواطن المغربي  ومنه الجنوبي الصحراوي، أكثر إحساسا  بالتطورات النوعية  في مجال الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ليس كنصوص تشريعات، بل كواقع في معيشه اليومي، من صحة وتعليم وشغل وحرية وكرامة وضمان اجتماعي ومستوى معيشي ...الخ

ذالك ما سيسهل بمد جسور حوار صلبة ومُقنعة مع المؤسسات والمنظمات المدنية وشعوب الأنظمة  والدول الأعداء للوحدة الترابية للمغرب.. بدءا من شعوب الجوار والدول الإفريقية عامة ، ودول أوروبا، وأمريكا.. وهكذا يكون المغرب قد استفاد من كل الدروس والعقبات ونفض عن نفسه غبار وسبات الدبلوماسيه التقليدية.. وبذالك يربك المناوئين له، من أقوياء أو ضعفاء، ويجعل من حلبة صراعه معهم، حلبة ألغام، تُفاجئهم من حيث لم يحتسبوا... !!

عمر ح الدريسي

للتواصل:   drissi-omar1@live.fr


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق