أضيف في 23 أبريل 2016 الساعة 11:15

آسفي..المدينة الضّاربة في أعماق التاريخ (2)


عبد الله النملي

آسفي..المدينة الضّاربة في أعماق التاريخ (2)

عبد الله النملي

 كاتب وباحث

الجزء الثاني من المقال

آسفي تنبت الصلحاء كما تنبت الربيع

منذ أقدم العصور، وقبل دخول الإسلام، اعتبرت آسفي ضمن المدن المقدسة المعروفة في العالم القديم، فبشمال المدينة، توقف الرحالة المغامر "حانون القرطاجي"، في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد، وبنى معبدا ضخما  ل"بوصيدون" سيد البحر والأنهار والعواصف، وترك لنا نصا منقوشا على لوحة من البرونز يروي فيه رحلته بالتفصيل، ولم يصلنا منها إلا ترجمتها اليونانية التي قام بها شيخ المؤرخين هيردوس. هذا التقرير يشير إلى منطقة آسفي في الفقرة الثالثة ( ثم اتجهنا إلى الغرب وأدركنا مكانا يعرف بصوليوس  كاب صوليس (..) بعدما أقمنا هناك معبدا للإله بوصيدون، سافرنا في البحر مدة نصف يوم فوصلنا إلى بحيرة قريبة من البحر يغطيها قصب كثير ومرتفع ترعى فيه الفيلة وعدد كبير من الحيوانات الأخرى..).

ولعل أهم حَدث عرفته المدينة، هو دخول الإسلام لآسفي على يد الصحابي القائد عقبة بن نافع الفهري عام 62 هجرية / 681 ميلادية، حيث وقف على شاطئ بحرها المحيط ودعا بدعائه الشهير (اللهم رب محمد، لولا أني لا أعلم وراء هذا البحر يابسة لاقتحمت هذا الهول المائج لأنشر اسم مجدك العظيم في أقصى حدود الدنيا (..) اللهم إني لم أخرج بطرا ولا شبرا وإنك لتعلم أنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين وهو أن تعبد ولا يشرك بك شيئا". وقد ترك عقبة بن نافع صاحبه شاكر لينشر الإسلام بالمنطقة، وتحول مقامه إلى رباط يعمره الصالحون، حتى قيل أنه أول وأقدم مسجد بالمغرب. وقد ترك لنا المؤرخ أحمد بن الخطيب القسنطيني (بن قنفذ) وصفا لهذا الرباط الذي يعقد فيه الزهاد والعباد من مختلف نواحي المغرب مؤتمرهم السنوي فقال " ولقد حضرت مع جملة من هذه الطوائف مواطن عدة، منها زمان اجتماع فقراء المغرب الأقصى على ساحل البحر المحيط، جوف إقليم دكالة بين بلد آسفي وبلد تيطنفطر، وكان الاجتماع في شهر ربيع الأولى المبارك الأسعد سنة تسع وستين وسبعمائة (1367 م) وحضر من لا يحصى عدد من الفضلاء، ولقيت هناك من أخبارهم وعلمائهم وصلحائهم ما شردت به عيني بسبب كثرتهم).  ويصف بن قنقذ آسفي قائلا (إن أرضها تُنبت الصلحاء كما تنبت الربيع".

قالوا عن آسفي..

خلال رحلته إلى المغرب في القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر الميلادي، قال الأديب والوزير لسان الدين بن الخطيب عن آسفي " لطف حفي وجناب خفي ووعد وفي ودين ظاهره مالكي وباطنه حنفي، الدماثة والجمال والجلال والصبر والاحتمال والزهد والمال، قليلة الأحزان صابرة على الاختزان وافية المكيال والميزان، رافعة اللواء بصحة الهواء، بلد موصوف برفيع ثياب الصوف، وبه تربة الشيخ أبي محمد صالح، وهو خاتمة المراحل لمسورات ذلك الساحل). ويصف القاضي الأندلسي مطرف بن غميرة المخزومي آسفي بكونها " أخصب الأرجاء وأقبلها للغرباء ". وقال عنها ناظر أحباسها الفقيه المؤرخ أحمد الصبيحي السلاوي " أهل آسفي أهل دين متين، ودماثة أخلاق يألفون ".  

وزار آسفي الطبيب الإنجليزي "ارثر ليرد" سنة 1872 م، أواخر عهد السلطان محمد بن عبد الرحمان، وقال فيها (مدينة عريقة في القدم، وهي عاصمة عبدة، ويحيط بها سور عال، كما تقع على هضبتين، ولا تزال بها آثار قصور ومعاقل البرتغال، ويبلغ عدد سكانها 8000 نسمة (..) من بينهم عدد مهم من اليهود)، وكتب عن مرسى آسفي قائلا (تقع آسفي على ساحل بحر شديد الهيجان، ومن المسلي مشاهدة المهارة والجرأة التي يحوط بها البحارة في قواربهم المحملة بالحبوب الأمواج الخطيرة إلى البواخر التي تنتظر بعيدا في عرض البحر، وتوجد بالقرب من الساحل صخرة تحيط بها المياه بينما يكون المد عاليا، يقف عليها رجل مغربي يراقب سير الأمواج حتى إذا حل الوقت الذي يصبح فيه من الممكن أن تعبر المركب أعطاها إشارة بذلك)، وعن جمال حدائق آسفي ومظاهرها الطبيعية الخلابة نورد قوله ( إن خصوبة وجمال الحدائق التي يمتلكها الأوربيون في مدينة آسفي، وعلى رأسها حديقة مستر مردوخ، لأقوى دليل على مدى ما يمكن أن يتحقق من نجاح زراعي في هذه البلاد، ففي كل مكان يوجد فيه ماء تلبس الأرض أرديتها الخضراء..).

 أما وصفه لقصر السلطان بآسفي فينم عن حنين إلى هذا القصر الذي كانت تعيش فيه سيدة انجليزية من أصل ايرلندي قدمت إلى المغرب في عهد محمد بن عبد الله وكانت جميلة المحيا، وأصبحت مغربية واعتنقت الإسلام ( بشرق قصر السلطان على المدينة وبه قاعات ذات سقوف عالية مزخرفة بسخاء وقد بني أهم جزء فيه بالحجر، وتوجد فوق سطحه مدافع بريطانية الصنع عديمة الجدوى (..) ويوجد بالقصر جناح به مجموعة من الغرف كانت تقيم فيه في الماضي سلطانة من السلالة الإنجليزية..)، وعن اليهود القاطنين بآسفي والذين لا يسكنون ملاحا خاصا بهم قال الكاتب ( لما كانت آسفي إحدى المدن العتيقة بالمغرب فإن الناس ( اليهود) يحجون إليها، ذلك أنها تشتمل على كثير من الدور المقدسة يشرف عليها  رهبان كسولون يعيشون على إحسان أتباعهم، ومن بينها دار تتمتع باحترام خاص تدعى دار الإخوة السبعة اولاد بن زميرو، وقد ماتوا في يوم واحد ودفنوا بعضهم إلى جانب بعض، ويزور اليهود قبورهم المقدسة..).

أما الكاتبة "فرنسيس مكنب" التي زارت آسفي في مطلع 1901 م، فقد قالت في آسفي قولة يمكن الاعتزاز بها ( كانت آسفي في القرن ما قبل الماضي 19 مركزا تجاريا مهما تشرف عليه شركة دنمركية، وكان البرتغاليون من قبل يشجعون التجارة فيها وبلغت شهرتها في القرن 17 درجة عظيمة صدر معها الأمر إلى كل سفينة بريطانية تزور المغرب أن تبدأ بزيارة آسفي). و حلّ بالمدينة الرحالة الفرنسي "أوبان أوديسكوس أوجين" سنة 1902 م، حيث جمع كتاباته تحت عنوان " مغرب اليوم" سنة 1904 م، و قام بترجمة نصوصها الدكتور محمد حجي تحت عنوان " آسفي وعبدة في  مطلع القرن العشرين من خلال كتاب أوبان " ( وصل أوبان إلى آسفي فشاهد الشاطئ المستدير مع آثار مركب برتغالي قديم على الرأس المشرف من جهة الشمال والمدينة المتراكمة فوق نتوء صخر ينحدر بسرعة نحو البحر والقصبة المرتفعة في جانب النجد، ومن داخل القصبة يبصر عند قدميه شلالا ضيقا من الدور البيضاء المنبسطة السطوح الشديدة الانحدار بين سورين متوازيين محصنين ببروج مسننة تنبثق وسطها كتلة الصومعة المربعة الفريدة، وإلى اليمين واد عميق يضم قبابا وأكواخا مبعثرة (..) وإلى اليسار ربض الشيخ أبي محمد صالح مقر مستودعات التجار، أُخذ المؤلف بهذا المنظر العجيب فحكم لآسفي بأنها أجمل مدينة شاطئية بالمغرب ).

وتحدث الكاتب الإنجليزي "سكون أوكنور" عن آسفي وهي تحت الحماية الفرنسية قائلا ( وبالرغم من أن البرتغاليين لم يحتلوها أكثر من جيل فإن طابعهم أصبح عالقا بها، ويتمثل ذلك في أسوارها الضخمة وفن السلالم التي نحتوها من الصخر، وفي القلعة التي تبدو شديدة المناعة، ويوجد داخلها قصر مغربي صغير، وبالقرب منه مسجد مولاي زيدان السعدي، لكن هذا المسجد لا يتمتع بأكثر من الجمال الخارجي، أما داخله فقد تهدم ولذلك لم تعد تقام به الصلاة). وزار المدينة في مطلع القرن العشرين، في عهد المولى عبد العزيز، الرحالة والديبلوماسي الفرنسي "ايتيان ريشت"، حيث وصفها بالقول ( وصلنا إلى آسفي والشمس تغرب، هذه المدينة محصورة في نتوء صخري ينحدر نحو البحر، وأول من يظهر منها قصبتها (..) وعلى الشاطئ قلعة منشأها برتغالي وتكمل بتناسق التحصينات، وفي وسط المدينة البيضاء برز هيكل مربع لصومعة، وإلى اليمين مسيل واد عميق (..) وعلى جانب ضريح ولي المدينة شيدت المخازن وبناية الزاوية).

 آسفي ليست بقعة جغرافية محدودة بمحيط معين، بل هي التاريخ والحضارة والجمال، أقدم مدن المغرب المأهولة، تبارى في وصفها الشعراء منذ أن كان الشعر والشعراء، أحبوها وكتبوا عنها، ووصفوها بأشعارهم، زارها شعراء كثر لم يستطيعوا  إخفاء عشقهم وولعهم بها. ويكفينا فخرا ما قاله الإمام أبو حفص عمر بن عبد الله الفاسي:

لله دركم بني آسفي          فنزيلكم يشفى من الأسف

أخلاقكم كالعطر في نفس   ووجوهكم كالبدر في شرف

أو قول محمد بن الطاهر الهواري:

أهلا بأهل آسفي        من كل خل منصف

أكرم بهم من معشر     حازوا الجمال اليوسفي

سادوا الأنام كرما         فمثلهم فلتعرف

أما الوزير الشاعر محمد بن ادريس العمراوي فقد قال عن أهلها:

 إن لم تعاشر أناسا خيموا آسفي    فقل على عمر قد ضاع وا آسفي

آسفي حيّرت الأركيولوجيين والمؤرخين

وحتى الكُتّاب كان لهم نصيب وافر في التعريف بآسفي، حيث جاء في "رواية خبز وحشيش وسمك" للأستاذ عبد الرحيم لحبيبي قوله (كان البحر بدءا، وكانت آسفي، استوت على الجرف العالي واستوى الفلك على الجودي، صاعدة من قلب الطوفان جوهرة ومنارة وحضنا للتائهين والحيارى وعابري المحيط والمؤلفة قلوبهم على الخير والصلاح والواصلين من أهل الله (..) من قمة سيدي بوزيد تبدو المدينة في عناق حميمي خالد مع البحر، فكأنها تخرج من بين ذراعيه، أو هو ينسل من بين أحضانها، أو كأنهما في اللحظات الأخيرة للانفصال عن بعضهما أو هما في اللحظة الأولى للعناق والالتحام والضم). وقال الأستاذ محمد القاضي عن آسفي ( ارتبطت بالبحر ارتباطا وثيقا منذ القدم إلى اليوم، هذه المدينة الضاربة بمهمازها في جلد التاريخ. إنها العروس البيضاء المستلقية على ضفاف المحيط الأطلسي، ما زالت تستحم في هدوء تحت أشعة الشمس الذهبية، هذا البحر بأمواجه الزبدية يداعبها في حركة مد وجزر سرمدية (..) مدينة حيّرت الأركيولوجيين والمؤرخين بسرها التاريخي والحضاري الدفين. وفي كل مرة تطل من تحت أنقاض زمنها القديم بصمات ومعالم لحضارات عريقة كالفينيقية والقرطاجية (..) وربما الفرعونية. انصهرت فيها أجناس بربرية وإفريقية وعربية وأوربية، وتعايشت فيها الديانات الثلاث: اليهودية والنصرانية والإسلامية).

ما يشبه الختم:

حاولت في هذا المقال الهروب من حاضر المدينة إلى ماضيها الجميل، في نوع من النوستالجيا والحنين للماضي، وأعلم علم اليقين أن الناس تهرب من الماضي إلى المستقبل، وليس العكس، قد لا يتفق معي البعض، ويرى أني قد بالغت في حب ماضي آسفي، وفي المقابل يتفق معي الكثيرون أن آسفي اليوم، بحاجة لبعث جديد لتكتمل صورتها البهية، حضارة وتاريخا وتنمية. وعلى الرغم من واقع التهميش المفروض على المدينة و مراسيم الحداد اليومية، تمنحك آسفي أملا أنها عائدة كما كانت وأجمل، تغريك بجمال الأيام القادمة لتُنسيك قَباحة اللّحظة. وإن كنت قد سجلت في هذه المقالة بعضا من تاريخ ومكانة هذه المدينة القديمة عبر التاريخ، فقد غابت عني الكثير من الحقائق التي أخفتها دفات المصادر أو طمست معالمها حوادث الأيام.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الله النملي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق