أضيف في 8 مارس 2016 الساعة 01:03

لِمَاذَا الْإصْرَار عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْن الذّكَر والأُنْثَى.. !؟


عمر ح الدريسي

 

"لا يُوجدُ انتقامٌ أكثرَ اكتمالاً مِن العَفو.." أوردها يوما السّيد المسيح حين قَال أيضًا: "ليسَ بالخبز وحدهُ يعيشُ الإنسان"، وفي حديث للنبي الكريم سيّدنا مُحمد "صَ": "نَعَمْ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، ما أكْرَمَهُنّ إلّا كَرِيم، وما أهَانَهُنّ إلّا لَـئِيم.."، النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ أي نُظائرهم وأمْثالهم في الخلقِ والطّباعِ حسب شرح ابن الأثير. إذن فلماذا وُجدَ تمييزُ النّوع؟ لمَاذا هذا ذَكر وتلك أُنثى أمام الحُقوق والواجبَات؟ مَن يُساهم في الهُوّة مابين الذُّكُورة والأُنُوثة؟

 

يأتي يوم الثامن من مارس لمُسائلة الوَاقع واستِشْراف المُستقبل لبنَاء وعْيٍ إنسانيٍّ تنتفي فيه الفرديَّة والأُحاديَّة بحيثُ لا وُجود لِـ "إـِنسْانٍ" إلا بِوُجودِ الذَّكر والأُنثى معًا.. !!

 

إذا كان الفَلاسفةُ والمُفكرُون من كُتَّاب وفنَّانين ومُصلحين يَسعوْن، كلٌّ على طريقته، إلى السمو بهذا الإنسان نحو الكمَال الذي خسره وريما لازال يخْسره، أو "اليوتوبيا" أو "المدينة الفاضلة" التي يَرسمُونها، أو يتخيَّلونها له، لم يُفرقوا يومًا ما بين هذا ذكر وتلك أنثى، فكُلما تعمَّقوا في مشاكل الإنسانية المُختلفة، بالرَّغم من الواقع الذي دفع بِـ "الذكورية"  إلى الواجهة وجعل "الأنثوية" تتوارى عن الواجهة، وجدوا "الأنثوية" في الخفاء والأسرار هي الأقوى واقعيًا، وتعرف كيف تُلين من الخُشونة "الذُّكورية" مهمَا اشتدَّت أنيابُها بل وأكثر تَمرُّسًا من الذكر، يُورد الإنجليزي جورج برنارد شو: " المرأة الذكية والجذابة ليست بحاجة لحق الاقتراع، ولا مانع لديها بأن تترك الرجل يحكم طالما أنها تحكمه".

 

سيكون كلام برنارد شو صحيحا لو أن كل رجل وكل امرأة في المجتمع نال حظَّه من الثروة والطَّفْرة العلمية والتقنية، وكانت مقومات العيش الكريم مضمونة حتى يستمرَّا  في أمانٍ، في كنفِ عواطفِهمَا ودفْئِ قُلوبهِمَا ويُصبح الجانبُ الماديُّ  بالنّسبة لهما دِرْعًا  للحَيَاةِ وليسِ جَسَدًا للحَيَاةِ. فالأسبقيةُ المُعترف بها للرجال بشكل شامل، تَتَأكدُ في موضوعيّة البنيات الاجتماعيّة وخدمَات الإنتَاج وإعادَة الإنتاجِ القائمةِ على أساسِ تقسيمٍ جنسيٍّ لعملِ الإنتاجِ البيولُوجي والاجتماعي الذي يمنحُ الرجلَ النصيبَ الأفضلَ، كما أوضح بيار بورديو: "ان الذّكورة كما نرى هي مقولة عقلانية للغاية، مشيدة في مواجهة، ومن اجل الرجال الآخرين، وضد الأنوثة، ضمن نوع من الخوف من المؤنث داخل المرء ذاته أولا".

 

فبعد الثورات والنِّضالات التي حصلت عبر التَّاريخ في العالم من أجل الديمقراطية وكل التضحيات والدِّماء التي سالت من أجلها، وبعد كتابة خزانات كتب حول الحقوق والمساواة  والديمقراطية وأزماتها الاجتماعية، وسبُل الوُصول إليها وكيفية تحقيقها.. يُطرح السُّؤال من جديد لماذا هذه الفُوبيا من الأنوثة؟ إن كان "تمييز النوع" في المجتمعات المتخلفة واضحا  فإنه في الغرب لازال تمييز النوع حاصلا  أيضا ولو أنه رمزي رغم أُفول مُعاينته واقعًا..

 

لعل مجرد طرح السؤال، ُيشكّل تشكيكاً ونقداً لتلك الديمقراطيات كما مُورست منذ نشأتها وحتى الوقت الراهن. وبداية النقد تعود إلى بداية الفكرة، وقد انطلقت بحسب تورين عبر نقض الأفكار التقليدية والاستبدادية ومنها هيمنة الذكورة وتستر الأنوثة وراء تلك الهيمنة: لماذا نقض الأفكار هذا ولما التَّستر؟ أم هو طرح لأهداف آخرى؟

 

لعل النظرة الغربية للمرأة لا تنطلق من منطلقات قيمية أو أخلاقية، (نتذكر موقف العديد من الفلاسفة منها)، بل إنها في جوهرها مواقف نظرة نفعية (لصالح الأقوياء حيث لامجال للذكر والأنثى..!)، "فالمجتمع الغربي في جوهره برجماتي نفعي، والسلوك الأخلاقي فيه سطحي واستعراضي، مثل السياسة لدى هذا الغرب،  فإذا ما كان التمسك بالمبادئ الأخلاقية عائقًا يحول دون النجاح وتحقيق أهداف مهمة ، أو على الأخص إذا كان ينذر بمتاعب وخسائر جدية، فإن الرّأي العام، ومنه عموم الناس الغربيين، لا يترددون في تجاوز ونسيان الجانب الأخلاقي في سلوكهم، ويتصرفون "دون تأنيب ضمير" وفقًا لما تقتضيه المنفعة و المصلحة الذاتية، بل تطفو الأنانية وكأنها "الصواب"، ذلك أن الغربيين، أخلاقيون في ما يفيدهم، وفي الصغائر المشتركة، مع غيرهم التي ليس فيها مجازفة، شريطة أن تكون مريحة ويراها الآخرون أنها إنجازات عظيمة تُجاههم.

 

سلطة الدولة في المجتمعات "المتخلفة والتقليدية"، تنبني على توافقات في المصالح، الأقوياء اقتصاديا يتخذون الإعلام كمنابر لتصريف قراراتهم وخدمة رُؤاهم لجعلها رأياً مُجتمعِيًا، ويدفعون بساسة وبرامج سياسية على مقياس مصالحهم تلك. وفي الدول المسماة "المتقدمة والحديثة"، الدولة هي هيمنة سلطة رجال المال والإعلام. أما في المجتمعات الأقل،  أقل تقدماً، فالدولة إن وجدت حقًّا، فستخضع لهيمنة العصبيات الطائفية أو العرقية أو الإثنية والهويات المنغلقة على نفسها. السؤال البديهي هنا كم من مال  واقتصاد اعترفا بحقوق الضعفاء؟  هل العصبي والمنغلق يستخدم الفكر لينفتح على الأخر؟ هل من إعلام يُحابي من ليس له مال ولا قوة؟

 

مُناضلي الحركة النّسائية والمُناضلون السيَاسيون يعرفون أكثر من غيرهم  الواقع، لأنهم يعملون بصفة "مُناضل"، والمهمة "المقدسة " لدى ذات المسمى بـ "المُناضل"، هي إنقاذ وضعهم،  ووضع من يُشاركهم المعانات نفسها في واقع مرير، ليَقِينِهم بِصُعوبة غايات "النّضال"، وطول الطريق المحفوفة بالألغام للوصول للأهداف.. لأن من يُكبل هؤلاء المناضلون عن الجهر أكثر  بالحرية والمساواة هو المال، وخُدامه في الحقل السياسي وذالك باحتضان فريق من هؤلاء وقلب الظهر عن آخرين، وبذالك يكون قد دُقّ إسفين الخلاف الدائم بينهم، وتفريقهم دون رجعة، وبالتالي نسف أهداف نضالاتهم واقعًا... !!

 

هؤلاء المناضلون أول من يعرفون هذه الرُّؤية "الذُّكورية"، رؤية "الأقوياء من رجال ونساء.. !!" التي تفرض نفسها كأنها محايدة بقوة "النزعة البراغماتية"، وأنها ليست بحاجة إلى أن تُعلن عن نفسها في خطاب يهدف إلى شرعنتها، لأن "الحاجة تبرر الوسيلة" على حد تعبير كارل ماركس، فضلاً عن ذلك، أن النظام الاجتماعي يشتغل باعتباره آلة رمزية ضخمة، لأصحاب الأموال والساسة والإعلام، تصبوا إلى استمرار الهيمنة "الذُّكورية"، التي يتأسس عليها التقسيم الجنسي للعمل والتوزيع الصارم للنّشاطات الممنوحة لكل واحد من الجنسين، هذه العملية ليست نتيجة ضمنية للبيولوجيا، وإنما يمكن فهمها وفق الاجتماع البشري والتنوع الاجتماعي، والذي يُحَوِّل هذا الاختلاف الجنسي إلى علاقة تراتُبية هَرمِية تلعب لصالح الهيمنة الرجولية حسب بيار بورديو، أو بمعنى أكثر وضوحا هيمنة الأقوياء ممن تجمعهم المصالح الإقتصادية واللوبيات من الذكور والإناث.. !!

 

إنّ إشكالية "تمييز النّوع" ليست بالوجاهة الحقيقية قانونية صرفة، وإن كانت نصية كذالك، وإنما هي منفعة اقتصادية وقضية سياسة مثل العديد من القضايا التي تُعرقل المُساواة بَيْن بَنِي الإنْسان دُون مَيْزٍ يُذكَرُ، فحين نتأمل واقعنا الذي نعيشه، نتلمس حجم خسائرنا في مسيرتنا الإنسانية، وهي خسائر متراكمة ومستمرة طالما أن الإذلال والاستغلال قائم ومُستمر، وخوفي  أنْ نُصبح مَخلوقات مِن نِوع آخر... !!

 

ليس القصد الابتعاد عن الشكل الظاهري للإنسان ذكر أو أنثى ولكن التغيير الأكثر خُطورة، هو الذي يجرى في بنيته الدَّاخلية العَقلية والنَّفسية، تقول الكاتبة “مي زيادة” والتي مازالت كتاباتها ترن في أذن كل امرأة تصبوا إلى التحرر كـ "إنسان"، له ما لـ "الرجل" كـ "إنسان"، وتحلم بأن تتحقق مطالبها كـ مطالب لها ولـ "الرّجل" أيضا، حيث لافرق بينها على أرض الواقع، إلا من حيث فَرَّق بينهم الأقوياء بالصّلف والظلم والاستغلاليون بالقهر والحرمان، تقول مي زيادة: "يجب أن يُباشر بتحرير المرأة، لئلا يكون المُتغذُّون بلبنها عبيدًا".   لأن حقَّ المرأة من حقِّ الرّجل وحقّ الرّجل من حقّ المرأة،  يعني حقوق وكرامة الإنسان كلُّ لايتجزأ... !!

 

عمر ح الدريسي 

للتواصل عبر الإيميل:  drissi-omar1@live.fr

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق