أضيف في 15 فبراير 2016 الساعة 01:25

الحب.. حيرة وإشكال.. !!


عمر ح الدريسي

 

 

الحيرة والإشكال حول موضوع "الحب"، لاترتبط فقط بحقيقة يوم 14 من شباط / فبراير، والذي أُصْبِغ عليه، يوم عيد "حب القديس فلنتان، Saint Valentin، Valentine day"، الذي استغلته الرأسمالية بدهاء كبير لترويج منتجاتها، ولم ولن تهتم للعواطف الإنسانية الجياشة التي همها أساسا، موضوع "الحب"، ذاك الحب الأول الذي قد بدأ بشكل ما.. وبه بدأت الحياة وأُسِّسَ للوجود الإنساني..  لكنه "حب" لا ينتهي.. وإلى أجل ما.. مُحمّل بالحيرة والإشكال.. !!

فكون الإنسان على مسافة وزمن الحياة، له مَشَاق ومخاطر، لا تخلو من تعثرات ومنعرجات وحفر، فإن الخوف على الحب، يكون من التورط في غول طعم ولذة الرغبة الجنسية، بحيث كل واحد يتوجس خيفة من أن يكون أحدٌ ما يحبه لأجل الجنس فقط،، بما يعني، أنه غير راغب فيه..؟؟ أي لا يحبه في حقيقة الأمر، وما تولُّهه به، إلا للجنس. وهنا لابد من الفصل ما بين: -1- الشهوة الخالصة في الجنس بدون حب..!! -2- الحب العفيف (العذري الخال من الجنس) موضوعه الإنسان ولكن عند المتصوفة موضوعه رباني (العشق الإلهي) ..!! -3- الحب المُحْتضَن بالجنس (موضوعه الإنسان، يبتدئ عذري عفيف ويكتمل بالجنس)، يقال عنه الحب الكامل..؟؟.

قديما، أحد الآباء، أُخْبِر من طرف أحد أقربائه، أن ابنه أصبح "عاشق"، فكان جواب الأب كالتالي: "جيد، أن يصبح لين، مرهف، رقيق، ذو إحساس رفيع وذوق بليغ وطيبة نفس عالية ومعاملة راقية.."، وحديثا، وأنا أتجول في مواقع التواصل الاجتماعي، صادفت صورة لسيدة مع طفل، وهي تزجي بعض الوقت بحديقة للعب الأطفال، وفي تعليق لها أسفل الصورة كتبت "هاهو من سيسرق قلوب بناتكم..." !!..

أسرد هذا وأنا أستحضر، عنوان"مجموعة قصصية"، ، ما الذي ستصير إليه ( إذا كنت تحب)، للكاتبة العراقية، لطفية الدليمي، والتي تقدم تعريفا له على صفحتها كالتالي: "لن يعرف تلك الصيرورة سوى العشاق الذين خبروا الشغف والتوق والتفتح واكتملت ذواتهم بالتحولات التي ينجزها الحب، فكل عشق أو موجة حب تعبر أفقنا تحول الحياة البشرية الخامدة إلى أسمى درجات التأنسن بفاعلية الشغف وتوهجات التوق وتفتح الروح وتمنح المرء قدرة التحليق واستيلاد الرؤى والأحلام، عند صعود الحب بين كائنين يسجل الموت إحدى هزائمه.

ففي الحب؛ لانأبه بالمخاطر والموت، ونجازف لمغادرة مألوف حياتنا، وكلما تعثرنا بلثغات الحب وتراتيل العشق، تتقاطر النجوم على أرواحنا وتُضاء قلوبنا، وتحدق بنا تجليات الجمال حين نتهجى الجسد في مباهج الحرية ونفلت من قيود الزمان والمكان.. يخطيء من يظن أن موضوعة الحب يمكن أن تستنفدها القصص والروايات والملاحم، فالحب طاقة فيضية متجددة كمثل طاقة الكون العظيم ومن فيوض الحب تتخصّب حياة البشر وأحلامهم وتتفجر طاقاتهم الحبيسة وقدراتهم وتعلو بهم الفيوض إلى مرتقيات لم يكونوا ليبلغوها دون تجربة حب.. وهل بغير الحب تسمو الحضارات ويتأنسن البشر ؟؟"

فكان تساؤل الحضارات منذ القدم  عن موضوع الحب، بل كان موضوع حوار ونقاش وقدمت فيه وحوله نظريات، حتى أصبح موضوعا علميا يأخذ بالألباب ولكنه دوما ما بقي يُحير الأرواح، وهو القادر على تأليف القلب والعقل والقادر على تغليب القلب على العقل وفي ذالك حيرة الحُيارى، وتيه الحكماء وتناسي الجهلاء وتجاوز المنتفعين باللذات العابرة، الغير المبالين لوقع غياب "الحب" على الروح والقلب.. !!

مثل هندي يؤكد: "الحب والموت كلاهما يأتيان بلا دعوه ، ولا أحد يستطيع ان يسيطر عليهما"، وفي بلاد الإغريق قديما، وعلى ضفاف غدير "إليسوس" وتحت أغصان "الصنار" الوارفة، انطق الفيلسوف "أفلاطون" أستاذه الفيلسوف "سقراط"، بحوار خالد، شغل عقول المفكرين منذ ثلاثة وعشرين قرنا، أثيرت فيه تساؤلات كبرى، حول مواضيع الحب و الجمال والفن والإلهام وطبيعة النفس البشرية، ولهذا لم تعد هذه المواضيع من اهتمام الفلسفة وحسب وإنما أصبحت مواضيع حقول معرفية أخرى كعلوم البيولوجيا والفيزياء والنفس والاجتماع والآداب .. !!

وفي كتاب المأدبة لأفلاطون، استراحة على مائدة شراب، ناقش فيها سقراط موضوع الرغبة والحب مع مجموعة من الشباب... كان خطاب سقراط يدور حول قضية أساسية وهي أن حب المعرفة هو الأعلى مقاما في أنواع الحب. ولن يكون التصور الذي وضعه النقاش في تلك الخلوة عن غضب الآلهة على البشر، حيث جعلتهم في حومة البحث "في حياتهم" عن نصفهم الضائع "الحب"، سوى أناشيد رددتها الحضارات في مختلف عصورها.".

وسقراط نفسه، حينما أمَرَتْهُ إمْرَأَتُهُ التي كانت كثيرة الغضب والحنق عليه، ولكثرة حبها له، كان يقول لها انت كـ "الرعد"، لأنها تزبد وترغد عليه، وتُنهي كل ذالك بالبكاء على صدره، كانت تطلب منه "بأن يعصر العنب بقدميه، ليكون خمرة تقدمها الى الأولمب، فما كان على سقراط، الاّ أن يعصره ويقدمه لها، وهو يغني أغنية، غنتها المغنية الأمريكية الشهيرة تينا جارلس: "..لك سكرة العنب ياحبيبي.. فضمني اليك، مثلما ضم (يوليسيس) موج البحر الى أحضانه .. واحمليني بجنان نسائم البحر .. مثلما حمل ( هرقليطيس) الكرة الأرضية..".

لا أتحدث هنا عن الشعراء وهم المصطافون حقا في التعبير عن "الحب" و"الوله" و"العشق"، ليس مبالغة، بل لأنهم القادرون طبعا على تجسيد ذلك، عبر ما يستقون من إلهام وبراعة إنشاد، ومن آثار بلاد ما بين النهرين، ظهرت أول قصيدة حب كتبت على ألواح في العصر السومري، حيث كانت تقرأ عروس الملك (سوهوسن) قصيدة الحب في حفلة الزفاف، وتكرر فيها الكلمات: (يا عريساً يحبه قلبي // ويا جميلاً ويا عسل النحل // ويا أسداً يحبه قلبي // ويا جميلاً ويا عسل النحل..).

والواقع أن السومريين، ثم البابليين من بعدهم، جعلوا القلب مركز العقل والمشاعر العقلية، ولكنهم جعلوا الكبد مركز المشاعر الفطرية من شوق وحزن. ولقد أخذ العرب بعض تلك الأفكار من البابليين، وأشركوا القلب والكبد في مشاعر الحب. ومن ذلك الارتباط بالكبد جاءتنا في اللغة لفظة "كَبد" ومشتقاتها، مثل قول امرئ القيس: (فَبِتُّ أُكابِدُ لَيلَ التِّما مِ ** وَالقَلبُ مِن خَشيَةٍ مُقشَعِرْ)، وقول عنترة: (وَلَم يَبقَ لي يا عَبلَ شَخصٌ مُعَرَّفٌ ** سِوى كَبِدٍ حَرّى تَذوبُ فَأَسقَمُ)، وقول العباس بن الأحنف: (فواكَبِدي مِن باطِنِ الشَوقِ وَالهَوى ** لَقَد خِفتُ أَن أَبقَى لَقىً هالِكاً جِدّا // إذا قُلتُ إنَّ الحُبَّ قَد بانَ وَانجَلَى ** عَنِ القَلبِ حَنَّ القَلبُ وَازدادَ وَاشتَدّا).

وصف الدكتور شوقي ضيف الحب العذري، الخالي من المادة، بأنه: "حب حقيقي عاشه العرب في عصورهم الإسلامية الأولى، حب ليس فيه إثم ولا جناح ولا فسوق ولا حرج ولا خيانة ولا عار ولا خطيئة ولا ريبة، إنما فيه الوفاء والصفاء والعفاف والطهر والنقاء. وفيه كان يحتفظ المحبون بكرامتهم مهما ألح عليهم الحب، وتحتفظ الفتاة بجلالها ووقارها مع رقة العواطف ورهافة المشاعر".

 وقد أشار إلى ذلك الإمام محمد ابن الإمام داؤد الظاهري في كتابه "الزهرة" إذ قال عن العشق: "إنه يقع ابتداؤه من النظر والسماع، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف". وطُورت النظرية على يد الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه الذائع الصيت "طوق الحمامة" والذي يقول فيه: "الحب أعزّك الله، أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف. فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا والذي أذهب إليه أنها اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع".

والى هنا يبدو ابن حزم  الأندلسي متأثراً بنظرية افلاطون الإغريقي عن الحب كما وردت في كتابه "المأدبة"، إلا أن إيمانويل كانط  الفرنسي، الملقب ب "عفيف الفلسفة وشريفها"، أحد رواد عصر الأنوار، فيلسوف العقل، كرس حياته للتأمل والدرس، ولم يعرف الحب قط، لا في السر ولا في العلن، هذا الفيلسوف الذي شغل عصره ليجعله يهتم بـ “ميتافزيقيا الأخلاق"، يقول : " ان الإنسان يهبط في الجنس لما هو أدنى من مرتبة الحيوانات"  وفي "الأنثربولوجيا" قال : "المثقفات يتزودن بالكتاب كما يرتدين ساعاتهن كي نرى أنهن يملكنها بغضّ النظر إذا كانت تعمل أو إذا كانت معطّلة" . لم يفكر لا في الحب ولا في الجنس في علاقته بالأنثى، لقد وضع خيار أفلاطون أمامه : الجنس أو العمل الفكري. فكان أغزر الفلاسفة إنتاجاً وأقحط الناس جنسا وقلبه أصقعهم حُبًا..!!

وعلى عكس الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور العدو الأول للمرأة والحب، بحيث يعتبر "الحب فخ الغريزة الجنسية" ، ليؤسس عليه "معركته الكبرى ضد الحياة": "أجعل من الحب رفاهية ووسيلة لتمرير الوقت، وتعامل معه كفنان من دون أن تعجب به كثيرا"، فإن ألان باديو المفكر الفرنسي الحداثي كتب فصولا مطولة عن الثنائي الأشهر في الحب والفلسفة: هايدغر وحنه اردنت، وسارتر وسيمون دي بوفوار.

وفي بحث مضني عن أسرار العلاقة، تتكشف حقيقة أن هايدغر كان شأنه شأن سارتر، زير نساء من الطراز الأول. وإن كان هايدغر "المتدين" قد حفظ حياته العائلية تحت يافطة الإخلاص "ل.. الرباط المقدس"، إلا أن زوجته المتعصبة والنازية النزعة، قد جعلته يعترف بأبوته لطفل ولدته من رجل آخر..!!

ورغم كل الحكايات التي تُقال عن حب أشهر ثنائيين في الفلسفة المعاصرة، وذالك بالنطر إلى ما كتبته كثيرا دي بوفوار عن مغامراتها ومغامرات سارتر العاطفية دون أن تزعزع فكرة الرباط الأبدي بينهما. غير أن ما يمكن أن ينطبق عليهما هو ما قاله باديو: "الحب يأخذنا إلى مناطق رئيسية من خبرة الاختلاف.هو خبرة فردية لكلية مجتمعة".

وهذا ما يفسره المسرحي والشاعر الإنجليزي الأكثر إنسانية في أبيات من قصيدة الصونيتة 22، التالية: "لأنّ كل هذا الجمال الذي يحتويك // ليس سوى الثوب الذي يبعث البهجة في قلبي // الذي يحيا في صدرك مثلما يحيا قلبك في صدري // فلا تتوقّع البتة إذن أن تستعيد قلبك عندما يُذبَحُ قلبي // أنت منحتني قلبك ولم يعُد متاحاً لك أن تستعيده منّي ثانية"

ليحتفل الناس بالحب ليس ليوم واحد فقط، بل في كل لحظة من لحظات الحياة والعمر، فقد غرقنا أو كدنا نغرق في بحور الكيد لبعضنا والاستبداد والظلم ممن تقوى علينا، وبدا بيننا جليا، حضور الكره ونفي الأخر وسيادة الغرائز على تحكيم العقل والقيم والأخلاق، لنحتفل في كل لحظة بالحب فكرا وسلوكا وتخاطبا، فما أحوجنا إلى الحب وصفاء سمائه من كل شائبة سوداء متعصبة بسبب اللون أو الجنس أو العرق أو الطائفة أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية. فالمحبة سمو ورفعة وطقس من طقوس البقاء لإنسانية الإنسان، وتأسيس لأخلاقيات أنسنة الحياة، ليتنا نعمل جميعا فيما يبشر بالمحبة والأخوة التي تفجر ينابيع العشق والجمال وتذيب الحيرة والخوف والإشكال، طبقا لما جاء في مستهل ديوان جلال الدين الرومي ".. إنني أنشد صدرًا مزّقه الفراق // حتى أشرح له ألم الاشتياق // فكلّ إنسان أقام بعيدًا عن أصله // يظلّ يبحث عن زمان وصله..."..؟!!

عمر ح الدريسي

Email : drissi-omar1@live.fr

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق