أضيف في 12 فبراير 2016 الساعة 12:22

كلام في جدلية الثنائيات المغربية


عبد الفتاح عزاوي

تحكـم العقــل المغربي العــديد من الثنائيات المتناقضة لغويا وفكريا، والمتداولة من جيل إلى جيل . لعل أهمها ثنائيات بلاد السيبة \بلاد المخزن، الحركة الوطنية \ الحماية الفرنسية والدولة \المعارضة .الأمر الذي يغيب منطق التوفيق بينها و يجعل لغة الصدام والصراع هي المسيطرة بين هذه الأطراف المتضادة.

تميز التاريخ المغربي على امتداد أزيد من مائة سنة وإلى حدود سنة 1912 بسيطرة ثنائية بلاد السيبة \بلاد المخزن ، وابتداء من سنة 1912 إلى غاية سنة 1953 تغيرت المعادلة وأصبحنا نتحدث عن ثنائية الحركة الوطنية \الحماية الفرنسية . وبعد حصول المغرب على استقلاله طفت إلى السطح ثنائية الدولة \المعارضة .

وإذا رجعـــــــــنا إلى تاريخ الشعوب ، نجد أن المجتمعات التي حكمتها عقلية الثنائيات الإقصائية كانت تعيش أسوء أيامها .ولعل الدور السلبي الذي قامت به الكنيسة خير دليل على ذلك ،حيث قيدت العقل الغربي وجردته من فعل التفكير ، وقسمت الناس إلى ثنائية مغفور له \مطرود من رحمة الكنيسة . ولم تستطع أوربا النهوض إلا بعد تخلصها من لعنة هذه الثنائيات المتضادة ،وعودتها إلى الفكر اليوناني والروماني المبني على الثالوث كآلية تفكير .

لقد استطاع العديد من العظماء ،عبر التاريخ ، إبراز أهمية الثالوث كآلية تفكير بدل الثنائيات الهدامة . فالفيلسوف الكبير ابن رشد تمكن من التوفيق بين الفلسفة والدين، حتى اعتبره علماء الغرب آنذاك امتدادا للفكر اليوناني الأصيل . أما كارل ماركس ،صاحب نظرية صراع الطبقات ، فقد أوجد من الصراع القائم بين العامل ورب العمل طرفا ثالثا أسماه قيمة العمل. كما أبرز العديد من المفكرين والعلماء أن مفهوم ''العلمانية'' جاء تركيباً جامعاً لثنائية الدين \الدولة ،بغرض الفصل بينهما ومنع سيطرة أحد طرفي الثنائية على الآخر، إلا أن العقل العربي المحكوم بآلية الثنائيات أوجد له نقيضا سماه الإسلام ، فأصبحنا نتحدث عن ثنائية علماني \إسلامي ، ما زاد في تأجيج الصراعات السياسية .

إن آلية الثنائيات المنتهجة لن تسمح بتشكيل عقل يؤمن بالحق في الاختلاف والتسامح والبناء الديمقراطي السليم ، بل ستكرس جدلية الصراع الدائم والهدام ،المبني على منطق ''إما أنا أو أنت ''،وليس منطق ''أنــا وأنت '' . وقد اتضح ذلك جليا للعيان ، خلال فترة ما سمي بالربيع العربي ، حيث انقسم الشارع وفقا لثنائية مؤيد \معارض لما يحدث في الساحة العربية.

خلاصة القول ستبقى جدلية الثنائيات الفكريّة قائمة ما لم يتم تجاوزها إلى ثالوث يعتمد آلية الفكر التعددي المنفتح ،المؤمن بالرأي الآخر ، والذي لا يعيد إنتاج العوائق والمآزق. لأن معرفة موقعنا من الإعراب في جملة تاريخ الإنسانية رهــين بالقطع مع هذه الثنائيات التي جعلتنا نخلف الموعد مع التاريخ مرات عدة .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الفتاح عزاوي

أستاذ   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق