أضيف في 6 فبراير 2016 الساعة 16:27

المسرح العربي يفقد أحد أعمدته الكبار.. وداعا الطيب الصديقي.. !!


عمر ح الدريسي

 

يُقال، الناس تفترق، والأيام تجمع، لكن مع الموت، كما تحكي الجدات أيام زمان للصغار، فالموت لا يشبع، هو دائم الجوع، نهم في خطف الأرواح حد الجشع، لو يشبع الموت قليلًا فيمتنع عن خطف الأحباء.. ! الموت لا يعرف كيف يسحب أرواح المتسلّطين والمتجبرّين!..  لكنّه يأتي إلا ليخطف منا كل عزيز، فبرحيل الفنان المغربي والمسرحي الكبير الطيب الصديقي عن هذا العالم، يكون المسرح العربي قد فقد قامة فنية كبيرة من قاماته العظام.. !؟

 

تعتبر شخصية الفنان الطيب الصديقي، الشخصية الأبرز التي واكبت الحركة المسرحية الحديثة بالمغرب، منذ انطلاقتها بعد الاستقلال، وعايشتها عن قرب عبر كل تحولاتها وازدهارها وانتكاساتها. يقول المؤلف المسرحي، الدكتور عبد الكريم برشيد، بعد علمه بوفاة الصديقي، في تصريح لهسبريس، "إن الفقيد يعد من قامات المسرح العربي، برفقة كل من الطيب العلج، ومحمد حسن الجندي، وعبد الله شقرون، ومحمد سعيد عفيفي، وعبد الصمد دينيا، وهم مؤسسو المسرح المغربي". كان هاجسه الكبير منح المسرح المغربي هويته وخصوصيته التراثية دون الاستغناء عن روح العصر.

 

روح العصر هذه، هي ما جعلت الطيب الصديقي يقتبس من كبار المؤلفين الفرنسيين ومن أعظم المؤلفين العرب والتي أظهر من خلالها فهمه العميق لحركة المسرح بنوعيه، الكلاسيكي والحديث في العالم، وقدرته على التواصل والتعامل مع تقنياته وأفكاره وخطابه.

 

بعد عودته من فرنسا ، بدأ ممثلا بـ "فرقة التمثيل المغربي"، والتي سميت بعد ذلك بـ "فرقة المركز المغربي لـلأبحاث المسرحية"، حيث طلبت منه نقابة "الاتحاد المغربي للشغل" تكوين فرقة "المسرح العمالي" سنة 1957 بمدينة الدار البيضاء وهو موسمها الأول، الذي دشنته بمسرحية "الوارث". وقدمت مسرحية "بين يوم وليلة" لتوفيق الحكيم، فمسرحية "المفتش" و شارك في مسرحية "مريض خاطرو" التي مثلت المغرب رسميا في مهرجان الأمم  بباريس عام 1958. وفي سنة 1959 قدمت مسرحية "الجنس اللطيف" المقتبسة عن أريستو فان.

 

وفي بداية موسم 1960-1961، طلب منه مدير المسرح البلدي بالدار البيضاء، روجي سيليسي إنشاء فرقة تتخذ من المسرح البلدي مقرا لها، أصبحت تحمل اسم "فرقة المسرح البلدي"، قدمت في موسمها الأول مسرحية "الحسناء" التي اقتبسها الصديقي عن "أسطورة ليدي كوديفا" لجان كانول، ثم "رحلة شونغ لي" لساشا كيتري، و"مولاة الفندق" المقتبسة عن"اللوكانديرة" لكولدوني.

وضع حدا لنشاطه في المسرح البلدي في مارس 1962، ونشأ فرقة تحمل اسمه في العام الموالي. استقر في إحدى القاعات السينمائيـة (سينما الكواكب) في أحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، وبها قام بإخراج مسرحية مقتبسة عن "لعبة الحب والمصادفة" للكاتب الفرنسي ماريفو.

 

ألف عام 1966 أول مسرحية "في الطريق" التي سيحولها هو نفسه إلى فيلم سينمائي بعنوان "الزفت"، وهي مسرحية اجتماعية، تعالج ظاهرة الأولياء (الأضرحة)، وفي نفس الموسم، قدم مسرحية "مدينة النحاس".

 

ربما كانت الإرهاصات الأولي للتوغل في التراث، انكبابه على المؤلفات التاريخية لينقل أحداثا عظيمة ويشخص حياة شخصيات مشهورة، وهكذا يجسد أطوارا وقائع مهمة للجمهور الفني والمسرحي في تاريخ المغرب كمسرحية "معركة الملوك الثلاثة"، ومسرحية "المغرب واحد". ربما ذالك ما جعله  يغوص في التراث، لأهميته في تكوين الأمة ثقافيا ونفسيا وفكريا، حيث ركز اهتمامه عليه وأعطاه بعدا فُرجويا وجماهيريا واسعا، يؤكد الدكتور برشيد في نفس السياق: "كان قريبا جدا من التراث المحلي بشتى صنوفه وتجاربه الغزيرة، كما كان قريبا من نبض الشعب الذي استمد منه مسرحياته".

 

 الغوص في التراث ونبض الشعب سيتجسد عبر أحد أجود أعماله؛ مسرحية تتعرض لحياة وأزجال شاعر شعبي مغربي، هو الشيخ عبد الرحمان المجذوب (1503- 1569)، الذي ينتقد الأوضاع الإجتماعية في عصره. وكذالك مسرحية " الحـراز " التي تستلهم أدب شعر الملحون "ديوان المغاربة"، في بنائها الدرامي، الذي يعتبر أحد الأنماط الشعرية الغنائية الشعبية الراقية، كمادة لها صلة عميقة بوجدان الشعب المغربي.

 

وفي أكتوبر 1971، قدم مسرحية "بديع الزمان الهمداني"، هو ما جعل هذه المسرحية في نظر النقاد "أكثر الأعمال المسرحية اقترابا من الأصالة العربية حيث استفادت من إمكانيات المسرح المعاصر في تقنياته ، ومن إمكانات التراث العربي في أصوله  لهذا صنفت من بين الأعمال التي أصلت الشكل المسرحي العربي" وهو ما يتلاءم مع شهادة  الدكتور برشيد عبر هيسبريس : "يعد أول من أوصل المسرح المغربي إلى العالمية، وهو الذي تمكن من تغطية جميع المدارس المسرحية، وبحث في كل التجارب التي شهدتها المسارح العربية والعالمية، مشيرا إلى العناية الكبيرة للصديقي بالتراث المغربي وتوظيفه في أعماله الفنية."

 

وذلك ما سيتأكد، بعد فترة توقف، حيث عاد ودشن أعماله المسرحية من جديد بالاعتماد على فرجة البساط التي ظهرت في بداية القرن الماضي، وترتكز على التنكر "الكرنفالي"، كما تقوم على نصوص مخططة سابقا وعلى فعل الارتجال والحركة والغناء، وكثيرا ما كان "البساط " فرصة يغتنمها المشخصون، لتبليغ شكواهم أو تذمرهم من أحد رجال السلطة أو الكشف عن عيوب المجتمع وفضح الممارسات المشبوهة، التي لا يكون هنالك سبيل لإعلانها وإدانتها سوى بتشخيص أطوارها أمام أولي الأمر، في قالب فني انتقادي، يعتمد الرمز والمجاز أحيانا والتصريح المباشر أحيانا أخرى.

 

أهمية "البساط" كفن فُـرجوي، لا ينغلق في جوانب التسلية العقيمة، فهو بالتأكيد، يحمل إرهاصات الالتزام العميق، كـ "مسرح تقليدي"، وكان هذا الفن الفرجوي، يعود تاريخه ،إلى القرن الثامن عشر، حينما كان يقدم أمام السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757-1790)، إلا أن عصره الذهبي، كان أثناء فترة حكم المولى عبد العزيز (1895-1905).

 

ترجم الطيب الصديقي واقتبس أكثر من ثلاثين عملا دراميا، وكتب أكثر من ثلاثين نصا مسرحيا باللغتين العربية والفرنسية، وأخرج العديد من الأعمال المسرحية والسينمائية والأشرطة الوثائقية، ومثّل في عدد من الأفلام الأوروبية والعالمية، منها فيلم "الرسالة". كان له باع في الفن التشكيلي، وساهم في تأليف كتاب حول الفنون التقليدية في الهندسة المعمارية الإسلامية، وكان آخر عمل له، مسرحية "عزيزي"، والتي كانت آخر عمل درامي قدمه عام 2005 قبل أن يقعده المرض.

 

ولد الطيب الصديقي عام 1937 في مدينة الصويرة بالمغرب، في بيت علم. تلقى تعليمه الابتدائي بمدينة الصويرة، وحصل على شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة) بمدينة الدار البيضاء، وسافر -وهو في السادسة عشر- إلى فرنسا لاستكمال الدراسة، فحصل على البكالوريوس في شعبة الآداب، وتلقى دورات تكوينية مسرحية قبل أن يعود إلى وطنه لاستئناف نشاطه الفني.

 

اشتغل الصديقي ممثلا مسرحيا وسينمائيا، وشكل عدة فرق مسرحية. تولى منصب مدير فني للمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، ثم مديرا للمسرح البلدي بالدار البيضاء (1965-1977)، وعين لسنتين وزيرا للسياحة (1980-1982).

 

مسار فني ومسرحي حافل بالعطاء، حيث اعتبره النقاد أحد أهم أعمدة المسرح مغربيا وعربيا وعالميا، حصل على عدة أوسمة، منها وسام العرش عام 2008، وكُرِّم في محطات عديدة داخل المغرب وخارجه، وبعد معاناة كبيرة مع المرض وافته المنية عشية يوم الجمعة الخامس من شهر شباط/فبراير  2016. رحمة الله عليك الفنان الكبير الطيب الصديقي.

 

E-mail : drissi-omar1@live.fr.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق