أضيف في 27 يناير 2016 الساعة 18:05

جدلية التربية والهوية


أحمد حسيسو

الفهرس:

مقدمة........................................................................................

دلالات التربية..............................................................................

محددات الهوية..............................................................................

تأثير التربية على الهوية...................................................................

تحَكُّمُ الهويةِ في مسار التربية............................................................

خاتمة.......................................................................................

 

مقدمة:

قبل الحديث عن التربية و الهوية أستحضر مثلا كنا نحن الصغار نسمعه من الكبار منذ نعومة أظافرنا، كان يضربه الناس في المجتمع المغربي عندما يَشْكُلُ على الأفهام تحديد السابق من اللاحق بين شيئين تربطهما علاقة سببية، أو يرتبط وجود أحدهما بوجود الآخر، فيقال "هل البيضة أسبق من الدجاجة أم الدجاجة أسبق من البيضة! ؟" هذا التساؤل الفلسفي الوجودي السببي ينسحب على قضيتيين من الأهمية بمكان في حياة المجتمعات البشرية، أولاهما التربية بما هي تنشئة و تكوين و تعليم لبني الإنسان، ثانيهما الهوية بما هي تعريف و خصوصية و ثقافة و أسلوب حياة يميز كل مجتمع بشري عن سواه، فهل نستطيع الحسم في تقرير كون التربية عندنا أو عند غيرنا هي التي صنعت أو تصنع الهوية، أم أن الهوية هي التي تحدد مبادئ التربية و تتحكم في مناهجها و برامجها؟ أم أن ثمة أمور متداخلة بين التربية و الهوية، تتكامل أو تسير في خطوط متوازية أحيانا و تتنافس أو تتناقض أحيانا أخرى؟ هذه بعض التساؤلات التي تفرض نفسها في هذا الموضوع الشائك، وهناك أسئلة غيرها مشروعة تحتاج إلى حوار هادئ و بحث عميق بين الفاعلين التربويين و الاجتماعيين و الاقتصاديين والسياسيين و غيرهم ممن لهم صلة بهذا الأمر البالغ الخطورة، لكي يتحمل كل مكون منهم مسؤوليته الحضارية و التاريخية، و حتى يكون الجميع على بينة من التساؤلات المحرجة الخطيرة الضرورية، من نحن و ماذا نريد و كيف نتصرف و من أين نبدأ و ما هي أهدافنا القريبة ومطامحنا البعيدة و ما الغاية من وجودنا؟ و لا مفر لإنسان جاد من المذاكرة و الفهم و الجواب.

دلالات التربية:

التربية كلمة مشتقة من فعل ربَّى يربِّي و تحمل دلالات التنمية و الزيادة و التنشئة و التوجيه و التعديل و التعليم و التكوين، و هي أنواع عديدة، فمنها التربية الجسدية و التربية الروحية و التربية السلوكية و التربية الخلقية و التربية العقلية و التربية النفسية و التربية الجنسية، و هلم جرا، و عندما نحصرها في المجال البشري فيَغلبُ اعتبارُها ممارسةً من لدن الراشد على الناشئ و الناضج على النامي، و هذه الممارسة تتم في قالب فلسفي مجتمعي معين ينسجم مع هوية المجتمع، فعلى هذا الاعتبار يمكن القول بأن الهوية تساهم في الإمساك بتلابيب التربية، و وضع خططها و رسم ضوابطها والتحكم في مبادئها و مناهجها وبرامجها.

محددات الهوية:

مما لا شك فيه أن لكل مجتمع من المجتمعات البشرية المختلفة خصوصياتُه الثقافية و التاريخية و الحضارية التي تميزه عن غيره، و مبادئُه التي يعمل على الوفاء بها، وعاداته وقيمُه التي ينبذ من ينسلخ منها أو يفرط فيها، ومتطلباتُه المادية وحاجياتُه المعنوية التي لا غنى له عنها، تلك الخصوصيات و المبادئ والعادات و القيم و الحاجيات هي التي تشكل بمجموعها هوية المجتمع، و ذاك هو الطابع العام الذي تصطبغ به معظم مكوناته، و تعتبره من الثوابث التي لا ترتضي عنها بديلا، لكن هذا لا ينفي وجود أطراف لها رغبة في تعديل تلك التوابث أو مصلحة في تبديلها.

فإذا سلمنا بكون الهوية هي التي تفرض المعالم الكبرى للتربية و تحدد الملامح الأساسية المرغوبة للتنشئة، فإن طبيعة التربية و التعليم في كل مجتمع مرآة عاكسة لهويته.

فما دور التربية و التعليم بالمقابل في ضمان الحفاظ على الهوية و حمايتها أو على العكس من ذلك العمل على تغييرها أو مسخها؟ و هل من عوامل أخرى تؤثر على الهوية سلبا أو إيجابا، دعما أو هدما، ترسيخا أو مسخا؟

هذه بعض القضايا التي سوف يتم التطرق إليها في هذا العرض، وهناك قضايا أخرى ذات صلة بها لا مناص من استحضارها، أرجو أن تكون هذه المحاولة إثارة للمزيد من التفكير العميق و البحث الجاد في موضوع نراه من الأهمية بمكان خاصة في هذا الزمان، حيث تسود عولمة كل شيء و في كل ميدان، و أضحت هوية المغلوب عرضة للذوبان.

تأثير التربية على الهوية:

إذا كانت الهوية تعريفا و توصيفا لطبيعة مجتمع ما في مختلف جوانب حياته، فإن التربية بما هي مبدئياً سلاح للحفاظ على الهوية، هي إذن عمليةٌ تعليميةٌ و تكوينية و توجيهية تستهدف جعل الناشئة في خدمة الهوية، إذ تطمح الأجيال السابقة و تجتهد في تنشئةِ الأجيال اللاحقة تنشئةً من شأنها الحفاظ على الإرث و التراث، و الدود عن القيم و المبادئ، بما لا يتنافى مع بذل الجهد و السعي الدؤوب لتطوير الوسائل و تحسينها و تسخيرها لدعم نفس الغاية، ذلك في حضن أمة تعتز بجذورها و هويتها وحضارتها و تخشى عليها عوامل التبديل و التغيير التي من شأنها أن تنتج نسخا و مسخا لما تعتبره ثوابث لا ينبغي التنازل عنها و لا التساهل فيها، و من مسؤولية الراشد تربية الناشئ على الوفاء بمقتضياتها، وتثبيت ركائزها و تحقيق غاياتها.

بيد أن التربية رغم أن من وظائفها الحفاظ على الهوية، فيمكن استخدامها عكسيا، وذلك بجعلها وسيلةً لتنمية و تكوين نمط حضاري مدني آخر من الفكر و السلوك، و الشعور و الوجدان، لدى الخلف بما يصطدم مع مراد السلف وراحته و طمأنينته و تطلعاته، و لا ينسجم مع الهوية الأصلية الأصيلة؛ إن الذي يسعى هذا المسعى التغييري لهوية أمة من الأمم، أو مجتمع من المجتمعات، لا يكاد يخرج عن أحد الأصناف الخمسة الآتية:

1) إما خصم من خارج حدود الأمة جغرافيا أو شعوريا؛

2) إما منبهر بما عند غيره، غير راض عن حاله و محتقر لبيئته التي نشأ في أحضانها؛

3) إما متمرد عن قومه منسلخ عن أصالته لحساب أجندات أجنبية؛

4) وإما لدواعي موضوعية، علمية كانت أو أخلاقية أو فلسفية أو حضارية؛

5) أو نظام مستبد لا تسعفه هوية المجتمع في تثبيت حكمه، فيسعى لإرساء هوية بديلة لا تضايق مآربه.

ترى هل ينبغي النظر بالضرورة إلى هذه الأصناف الخمسة أو لبعضها نظرة تخوين و اعتبارها عامل هدم و تخريب؟ أم هناك حالات صحية منها تحتمل من الإيجابيات أكثر مما يمكن تتضمنه من السلبيات؟ و هل شهدت البشرية لكل منها أو لبعضها أمثلة و نماذج في تاريخها؟

1) فأما خصوم الأمة من خارج حدودها الجغرافية، فبديهي أن يخططوا لإيجاد مواطئ أقدام جغرافية و فكرية و ثقافية و فلسفية داخلها لأجل تسهيل السيطرة على مقدراتها و غير ذلك من الأهداف الاستعمارية، و قد يتخذون معزوفة قيم الحقوق و الحريات و الديمقراطية مطية للركوب عليها لضرب القوى المناوئة كما يتعامل الغرب " الديمقراطي" مثلا مع إيران و كوريا الشمالية و الصين، لكونها قوى منافسة له على النفوذ و التوسع و المصالح الاستراتيجية، و عليه وجب تصدير الفوضى " الحقوقية" و "الأخلاقية" للنيل من استقرارها و عرقلة تعاظم أدوارها الدولية، و قد يلجأ الخصوم إلى خيار القوة العسكرية ضد أمة ضعيفة لأجل تركيعها ونهب خيراتها كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية حين أبادت الآلاف المؤلفة من الأبرياء في مدن و قرى أفغانستان مسوقة لذلك بأكذوبة محاربة الإرهاب، وحين دمرت البنية التحتية للعراق تحت ذريعة تحرير الكويت، ثم احتلاله متذرعة بخرافة إزالة أسلحة الدمار الشامل الوهمية، مستعملة أسلحة غاية في الوحشية و الفتك، كاليورانيوم المنضب الذي تصطلي بنار تبعاته و عاهاته و لا تزال الأجيال الحالية و القادمة إلى ما شاء الله.

خلخلة المنظومة القيمية و الثقافية لأمة مستهدفة و التأثير عليها بما يخدم مصالح الأقوياء يتطلب ترسانة من وسائل الإعلام المضلة و الأفلام المنتقاة و المنظمات الهدامة و الضغوط الاقتصادية و الضربات العسكرية، و هلم جرا.

و هناك خصوم للأمة بين ظهرانيها تتغذى أجسادهم في كنفها، أما ولاؤهم الحقيقي و جهدهم الفكري و سعيهم العملي فكل ذلك مسخر لمصالح أعدائها، جسد هنا و روح هناك، فلا يدخرون جهدا في العمل ضد هويتها و ضربها و تخريبها من الداخل.

2) أما المنبهر بالغير، فيسعى لانتحال نحلته، و يتمنى الاتصاف بأوصافه، و تَمَثُّلِ جوانبَ من ثقافته و فلسفته، في ذات الوقت الذي يستشعر فيه التنقيص من هوية بني جلدته و بيئته و واقعه، و الأمثلة لذلك كثيرة و متنوعة، نجدها في كافة مكونات المجتمع و فئاته، الممتدة من السياسي المثقف و المفكر المنظر إلى الشاب و المراهق، و إلى الأسرة والطفل ، فيعمل هذا و ذاك على تغيير هويته و هوية قومه بما أوتي من إمكانات تحت تأثير تربية تشربها ممن أعجب به، بهذا تكون التربية الخارجية عاملا من عوامل التأثير في الهوية الأصلية سلبا أو إيجابا، إذ يمكن أن يكون ذاك السلوك تقليدا أعمى ضرره أكبر من نفعه، حذر رسول الله محمد بن عبد الله عليه و على آله أفضل الصلوات و أزكى التسليمات أمته من ذلك عندما قال: " لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلتموه"، و ها نحن الآن معشر أبناء الدول المتخلفة لا نتبع سنن الذين من قبلنا فحسب بل نقلد أيضا الكثير من مظاهر الحضارة الدوابية المعاصرة في غثها مع الأسف لا في سمينها، و في سلبياتها لا في إيجابياتها. و قد يكون المسعى التغييري للهوية تعويضا لنمط من الفكر و الحياة بما هو أفضل منه و أرقى.

3) و هناك فاعلون منسلخون من أصالتهم لا لشيء إلا لكونهم مأجورين و موظفين لحساب أجندات أجنبية أو فئوية أو طائفية، هؤلاء لا خلاق لهم و لا دين و لا ملة، و الغاية تبرر لديهم كل وسيلة، لا هَمَّ سوى جلب المصالح المادية الخاصة، ولتندثر هوية قومهم و لينمح تاريخهم من الوجود! فهم بمثابة معاول هدم لهوية الأمة عبر بث أفكار و مبادئ تحتقر مقوماتها و آدابها لأجل تغييرها أو النيل منها، المصلحة الشخصية أولى عندهم من كل شيء، أولئك أضل من الأنعام سبيلا.

4) و هناك من يسعى إلى تغيير هوية أمة من الأمم لقناعات فلسفية أو حضارية أو دينية أو علمية أو أخلاقية أو لقضاء مآرب أخرى، فعندما يبدو له من خلال مرجعيته الجديدة أن هناك خللا ينبغي تصحيحه، يتخذ من التربية و التعليم و الإعلام و غير ذلك من الوسائل المتاحة سبلا لتبديل الهوية أو تعديلها، و الأمثلة في الموضوع لا حصر لها و غير خافية على من يتفحص التا ريخ و له إلمام بالصراعات الحضارية و تدافعها و تداولها، أكتفي بذكر أربع أمثلة منها:

• فمثلا كان الأنبياء و المرسلون عليهم الصلاة و السلام كلما ابتعث الحق سبحانه جل جلاله أحدهم، وجد أمته على نمط من الحياة يتخلله انحراف سلوكي أو معاملاتي أو أخلاقي أو اعتقادي أو تعبدي أو غير ذلك، مما يستلزم تصحيحا و تصويبا، فيتخذ نبي الله من التربية الرحيمة المتدرجة و التعليم الرفيق سُبُلاً لإرساء أسلوب حياة جديد طيب بديل، و من الترغيب و الترهيب وسيلتين لحمل البشرية على الاستقامة ابتغاء وجه الله و الدار الآخرة و خوفا من شدة الحساب وسوء المآل، فبذلك تغير التربية النبوية هوية الأمة و تنقلها من حال إلى حال، إمام الأنبياء و خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم كان القدوة الناصعة و المثل الأعلى في ذلك، فقد أرسى أساس أعظم و أروع حضارة في العالمين، و شيدها على أنقاض جاهلية عبثية دوابية فاسدة مهلكة.

• ثاني الأمثلة يتجلى في سلوك معتنقي الحضارة الشيوعية و عقيدتها الإلحادية، فقد كان الشيوعيون خاصة في أوج قوة الإتحاد السوفياتي يعملون على تربية الطفل منذ نعومة أظافره على الكفر بالله تعالى و بغيبه و نبذ جميع الأديان و نكرانها، يأتي الراشد المعلم المربي فيقول للطفل الصغير " أطلب الله أن يعطيك تفاحة ! " فيفعل الطفل، غير أنه لا يرى تفاحة تهبط إليه من السماء كما يتصور بعقله و إدراكه ! و عندئذ يقول له المعلم " أطلب مني أنا أن أعطيك إياها!" و ما أن يفعل الطفل حتى يسارع المعلم المضل إلى تلبة الطلب و إهداء التفاحة إلى الصبي البريء! بمثل هذه الأساليب التربوية التعليمية، و بغيرها المتمثلة في القهر و الإرهاب تمت إبادة حضارات شعوب في ظل الاتحاد السوفياتي و تم طمس هوياتها لفرض هوية أخرى طيلة سبعة عقود من الزمان.

• ثالثها قصة كليلي المشهورة الذي اجتهد لتفنيد الفكر الخرافي الذي فرضته الكنيسة على عموم الناس يومئذ، فأعلن أن الأرض دائرية و تدور حول الشمس، مما أغضب رجال الدين الذين ضغطوا عليه و هددوه كي يتراجع عن فكرته، لكنه صمد و رفض فقتلوه، و ترك قولته الشهيرة قبيل إعدامه " ومع ذلك فهي تدور!" و بذلك ترك للعالَم ثورة علمية ذات أبعاد حضارية عظيمة، مات العالِم، لكنه استطاع أن يغير بسلوكه و علمه و جرأته هوية أمم جاهلة راضخة خاملة، فقامت من ظلمات الجهل المطبق إلى نور المعرفة العلمية.

• رابع الأمثلة هو ثورة مفكري عصر الأنوار الذين غيروا هوية أوروبا من بلدان تعيش في ظل الحرمان و الهوان، وفي ظل الاستبداد الوراثي، و في ظل الدين الكنسي الأفيون، إلى أمم تسودها قيم الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و الكرامة الآدمية، ما ساعد على التقدم و الرقي في مختلف الميادين، و إلى حياة الترف و الرفاهية، ثم إلى النزوع إلى الهيمنة و السيطرة على الأمم المغلوبة، هي إذن هوية التنعم التمتع و تبادل الحقوق داخليا، ممتزجة بذهنية الاستعلاء إزاء الأمم الضعيفة و الاستخفاف بحرماتها و سحقها و نهب أرزاقها، هوية منافقة مزدوجة المعايير، يتنادى القوم لنصرة الديمقراطية هنا و لتكريس الاستبداد هناك، المسألة مسألة مصالح و ليست مسألة مبادئ، تتفرج الحضارة الغربية على سفك دماء مئات الآلاف بل و تساهم و تشجع إذا كان الضحايا مسلمون، بينما تهب جحافلها العسكرية لنجدة امرؤ نصراني أو يهودي يُحتملُ تعرُّضُه للأذى في ناحية من بقاع المعمور! هوية صنعها الفكر الكافر آلت إلى الترف و الغرور ثم الاستكبار و الدمار.

5) صنف آخر لا يقل أهمية عما ذكر، يتمثل في حكام الاستبداد و الطغيان الذين لا يألون جهدا في ضرب هوية الأمة في عزتها و أنفتها باستعمال و سائل غاية في الخسة لقتل الوعي و الشهامة و المروءة في الشعوب، شهد التاريخ البشري أمثلة عديدة لذلك، وتعيش الأمة الإسلامية اليوم أنصع الأمثلة في حكام الجور و الوقاحة و الجرأة على الله و رسوله و دينه، فتراهم يقومون بتغيير البرامج الدراسية و مسخها بما يشرعن في عقول الناشئة حكم السيف و الرضوخ، واستعمال فتاوي فقهاء البلاط لإضفاء طابع القداسة على الحاكم في عمق الشعور و اللاشعور لدى عامة السذج، و بتشجيع الميوعة الأخلاقية ونشر الانحراف في أوساط الشباب، و ما إلى ذلك من ألوان الموبقات التي تفتك بمناعة المجتمع حتى لا يقوى على النهوض لاسترجاع كرامته المسلوبة و انتزاع حقوقه المهضومة من بين مخالب الاستبداد الجشعة و أنيابه النتنة.

تحَكُّمُ الهويةِ في مسار التربية:

اليابان في عصرنا مثال واضح لأمة تعتز بهويتها و تشد عليها بالنواجد، ومن اطلع على البرامج التربوية التعليمية في تلك البلاد سيقف على العجب العجاب، وسيجد بلا شك صعوبة في فهم أنى لتلك العقول العلمية التكنولوجية الجبارة أن تدين بالديانة البوذية و تصدق بها و ترضخ لها و تستسلم، سيادة الروح البوذية بحمولاتها الفلسفية و الأخلاقية و الاجتماعية في البرامج التربوية و التعليمية من أدنى المستويات الدراسية إلى أعلاها لا مجال لمناقشته، رغم الانفتاح على الثقافات الأوروبية والعالمية، فالشخصية اليابانية على العموم وفية لهويتها أينما حلت و ارتحلت، طريقة تعاطي الإنسان الياباني مع اللباس و التقاليد و الطقوس و الأخلاق و المعاملات و الرياضات و العادات و العبادات، تميزه عن غيره، و ليس للتربية و التعليم أن يسبحا ضد تيار الهوية " المقدسة" بل أن يكونا خدمين طيعين بين يدي قداستها.

قرأت مؤخرا قصة غريبة لشرطي فرنسي سلم على زملائه مزاحا باللغة العربية، فتعرض المسكين لعقوبة قاسية في بلاد حرية التعبير! و لا ندري ما الذي بلغ بالسلطة الوصية في فرنسا إلى هذا الحد، هل هو كره لغة الضاد و هوان أهلها، أم هو الحرص على لغة بلاد ثقافة الأنوار؟ على كل حال فالانتصار للهوية الوطنية وارد لا مراء فيه، و الاعتزازا بها حاضر لا ريب فيه، الهوية الفرنكفونية تعاني و تقاوم لأجل البقاء في ظل المنافسة الشرسة للحضارات و اللغات الصاعدة، معتمدة على برامج تربوية و بيداغوجية و تعليمية وطنية في فرنسا، وعلى الوسائل الاقتصادية و العسكرية لضمان استمرار نفوذها في المستعمرات القديمة، و لك أخي القارئ الكريم أن تتأمل كيف ينتشي المثقفون المغاربة و الجزائريون وغيرهم من أهالي مستعمرات فرنسا، و كيف يفتخرون عندما يحدث بعضهم بعضا بلغة المستعمِر، خاصة إذا كان يتقنها ويتمثل حركات و إيماءات و نظرات الناطقين بالفرنسية، إنه الاستلاب الثقافي في أبشع صوره، استشعار النقص يجعل المغلوب ينتحل نحلة الغالب، كما عبر عن ذلك ابن خلدون رحمه الله، مفخرة علماء الاجتماع المسلمين، و لا يدري مثقفونا المغفلون أن اللغة الفرنسية قد تجاوزها الآن ركب اللغات، لكن هوية النظام الحاكم لبلادنا قد شرعنت لنا هذا النمط التربوي شئنا أم أبينا، على هذه فشد يدك يا أخي، لنعلم مصدر الداء قبل الحديث عن الدواء.

في المغرب الأقصى، هوية الماسكين بالزمام بعد رحيل عساكر فرنسا هي التي تسري في الشعب رغم مقاومة المصلحين، صنائع الاستعمار غيروا و يغيرون هوية البلد من حياء و حشمة إلى ميوعة و وقاحة، ومن عفة طاهرة إلى فاحشة فاجرة، و من ورع إلى جشع، و هلم جرا، تربية استعمارية صنعت جيلا من المثقفين المغربين استأمنهم المستعمر على مصالحه قبل الاستقلال الصوري "الاحتقلال"، و أجلسهم على سدة الحكم، و نفذ وارثوا الاستعمار مخططاته التربوية و التعليمية و الإعلامية، فأفرزت فينا هوية جديدة ممسوخة تحت ظل الاستبداد، خمر و عري و ربا و رشوة و قمار و سرقة وسباب و فظاظة و وقاحة و فاحشة في واضحة النهار على مرآى و مسمع من العباد، قبل الاستعمار كان الوضع معاكسا ومختلفا تماما كما يقال بمائة و ثمانين درجة عما هو عليه الآن، أسلحة المغربين الفتاكة المجدية التي سخروها شر تسخير لتحقيق تلك الطوام كلها هي التربية و التعليم و التقليد و الإعلام، ذات يوم حكى لي أحد الأصدقاء الثقاة أنه استقل سيارة أجرة في سفر، وكانت في السيارة فتاتين متبرجتين و على وجهيهما مساحيق التجميل، فناول صديقي سائقَ السيارة شريطا لأحد الدعاة يذكر فيه بالله و الدار الآخرة، و يعظ فيه النساء و ينهاهن عن التبرج و السفور و يحذرهن من تبعات ذلك يوم القيامة، صمت الجميع منصتا متدبرا، فما هي إلا لحظات حتى أجهشت الفتاتان بالبكاء، و صرحتا بأنهما ليستا على علم بهذه الأمور مطلقا، و أنهما يتصرفان هكذا كما هو العادة في المجتمع المغربي خاصة في المدن، فطفقتا تمسحان المساحيق من وجهيهما، معربتين عن الندم و الاستغفار و التوبة إلى الله تعالى، يحق لنا أن نتساءل كيف استقرت هذه الأفهام المنحرفة في المجتمع، كيف أصبح الفسوق و المنكر معروفا متعارفا عليه عاديا في المجتمع؟ من المسؤول عن هذه الثقافة السائدة؟ لنقف أخي القارئ قليلا و نفكر في أمر التربية و التعليم بالمغرب، لو كان الأمر بأيد أمينة مستقلة نزيهة خبيرة، هل ستصل البلاد إلى هذا الحضيض على المستوى الثقافي و الأخلاقي و العلمي و التكنولوجي الذي وصلت إليه؟ كلا و الله، يكفي الزائر للمغرب أن يتجول قليلا في أي شارع بمدينة مراكش أو الرباط أو البيضاء أو غيرها ليتعجب أشد العجب، و ليتساءل هل هو فعلا في بلاد الإسلام أم في بلاد العم سام، المغرب الحبيب يُرغم على الانسلاخ من هويته الأصيلة لصالح هوية تلامذة الاستعمار بمخطط تربوي تعليمي إعلامي محكم، و هو الشيء ذاته الذي تفرضه أمريكا على أفغانستان الصامدة، لكن بقوة الحديد و النار، كما سعت لذلك في حق العراق الشهيد بطرق ماكرة أخرى لم تسلم منها أيضا بلدان الخليج المأسورة بقيود جلادي أمريكا المحكومة بسلطان عملاءها، و كما يفعل الاحتلال الصهيوني الهمجي لطمس معالم و هوية بلاد فلسطين الجريحة النازفة بكل الوسائل الجهنمية الشيطانية المتاحة منذ سنة 1948 م.

خاتمة:

قضيتا التربية والهوية هَمَّانِ حضاريان متداخلان في حياة الأمم والمجتمعات البشرية لا تنفك إحداهما عن الأخرى، و من الصعب على مفكر عميق الفكر أو منظر ثاقب النظر أن يجيب ببساطة عن التساؤلات الفلسفية السببة من قبيل أيٌّ مِنَ المسألتين تصنع الأخرى؟ وأيٌّ منهما تسبق الأخرى؟ لكن هذا لا يمنعنا إن كانت لنا إرادة صاقة و عقدنا عزما ماضيا، و لا يمنع أية أمة باحثة جادة، من إيجاد الأجوبة عن الأسئلة المصيرية و الوجودية، من نحن؟ و ماذا نريد؟ و مِنْ أين نبدأ الإصلاح لتحقيق الصلاح؟ و ماهي أهدافنا القريبة و مرامينا البعيدة؟ وما الغاية من وجودنا؟

دون إيجاد الأجوبة العلمية العملية الدقيقة لهذه الأسئلة المحرجة والعمل بمقتضياتها، لن نعدو كَمًّا مُهْمَلاً في العالمين.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق