أضيف في 24 يناير 2016 الساعة 19:58

في تواصل الفشل التنموي


عبد القادر معيوف

 

لا أحد يستطيع أن يتنكر لمطالب الثورة الحقيقية من تشغيل وكرامة وعدالة إجتماعية ، إلا أنه كمعظم الحالات عند نشوب أي حراك شعبي عفوي فإنه يقع فريسة لكثير من الفطريات التي تحاول الركوب على الأحداث و إستغلالها من أجل مصالح ضيقة وأجندات خفية. بيد أن الحراك الأخير كشف عن أشياء أخرى كثيرة، مما يجعله حراكا خاصا قد يمثل منعرجا خطيرا في مستقبل هذا الشعب.

إن انتفاضة الشباب المهمش والعاطل في تونس جاء كردة فعل طبيعية لتواتر الفشل التنموي والذي مثل المحرك الأساسي للثورة في 2011، فبعد 5 سنوات إزدادت الأوضاع الإقتصادية سوءا بدل ان تتحسن ، فحسب الأرقام الرسمية لم تتعد نسبة النمو خلال السنوات الثلاث الأخيرة 2,5 بالمئة رغم إرتفاع التوظيف العمومي ، وإستقرت نسبة البطالة فوق 15 بالمئة لتشمل أكثر من 750 ألف عاطل عن العمل حوالي 300 ألف منهم من حملة الشهائد العليا ، وإرتفع الدين العام إلى حوالي 60 بالمئة من الناتج القومي الخام مقابل 40 بالمئة أواخر 2010 ، وشهد معدل الأسعار إرتفاعا يفوق 5 بالمئة سنويا في الوقت الذي يعيش فيه العالم فترة من إنكماش الأسعار نتيجة لإنهيار أسواق الطاقة حيث لا يتعدى مؤشر التضخم المالي مثلا في أوروبا 0 بالمئة وحتى في البلدان المجاورة فإنه في حدود 1 بالمئة بالمغرب و0 بالجزائر خلال السنوات الثلاث الأخيرة على سبيل المثال. ولكن أهم المؤشرات إرتفاعا هي نسبة المواطنين الذين هم تحت خط الفقر التي إرتفعت إلى 20 بالمئة مقابل 15 بالمئة إبان الثورة سنة 2011.

في الأثناء ، ضلت سياسات الحكومات المتعاقبة بعد الثورة إرتجالية وغير فعالة لارتكازها على سياسات اقتصاد السوق الليبرالية المتوحشة المنصاعة لصندوق النقد الدولي الذي يعد اليوم الممول الاول للدولة في غياب البديل ، وفي نفس الوقت لا تزال الشفافية غير كافية ، فلحد الآن لم تتم مصارحة الشعب وفتح ملفات الطاقة مثلا أو الفساد الإداري واستغلال السلطة أو ملفات التهرب الضريبي لرجال الأعمال والذي من شأنه أن  يوفر حوالي 15 ألف مليار دينار للدولة ، ولا حتى ملفات التعيين الوظيفي في السنوات الأخيرة والذي تحوَل إلى نوع من المكافئة من أحزاب حكومات الترويكا السابقة لمنتسبيها إظافة إلى التعويضات التي دفعت لهم من خزينة الدولة التي تحولت طيلة ثلاث سنوات لأشبه ما يكون بالغنيمة.

اليوم لا تختلف الصورة كثيرا ، فلا تزال القرارات المترددة مسيطرة على الوضع العام ، ولا يزال المواطن البسيط هو من يدفع فاتورة الفشل المستمر ، فتارة يقتطع من راتبه بإسم المسؤولية الوطنية ! وتارة أخرى بإضعاف هذا الراتب عبر بعض الزيادات التي تكون ضعيفة مقارنة بارتفاع الأسعار، وفي نفس الوقت لا يزال رجل الأعمال فوق القانون ، فمعظم رجال الأعمال سووا وضعيتهم مع الدولة بالطريقة الكلاسيكية بما فيهم بعض أصهار الرئيس السابق الذين طالما ظلموا وجاروا وإفتكوا حقوق الناس وأملاكهم بدون حق.

لكل ذلك إذا ،كان من الطبيعي أن ينتفض الشباب الذي لا يزال البعض يحاول تنويمه ، مرة بإسم الدين ومرة بإسم الوطنية ، ليطالب بما طالب به منذ خمس سنين ، فخرجت المسيرات في معظم المناطق الداخلية قبل أن تتمدد إلى المناطق المجاورة لها وتعم الإحتجاجات لتتخذ أشكالا كثيرة وصلت إلى مصادمات مع رجال الأمن . ولكن الأخطر هو خروج بعض المناطق والأحياء المعدومة في عصيان وعنف لتتحول إلى قوة تدميرية فوضية لايمكن السيطرة عليها ، وهو الخطر الذي نبه له الكثيرون منذ سنوات أي خطر ثورة الجياع.

إن ثورة الجياع ، تختلف تماما عن كل أشكال الثورات الأخرى ، فهي تستمد شرعيتها وإستمراريتها من الحرمان ، ولذا فهي لا تخضع لأي ضوابط أخلاقية أو وطنية أو دينية ، هي نوع من الإنفجار الذي لا حدود له والذي من شأنه تدمير كل ما يعترضه دون خلق للبديل ، والفوضى لا غيرها هي نتيجتها الطبيعية.

إن ما حدث من سلب ونهب للممتلكات الخاصة والعامة، لا يجب أن يمر مرور الكرام ولا يجب التعامل معه أمنيا فقط، فالخيار الأمني هو خيار منقوص لا يتجاوز أن يكون مجرد حل على المدى القصير ، وإذا ما تواصلت الأمور بهذه الطريقة ، وأقصد هنا الخيارات والسياسات الإقتصادية والإجتماعية ذاتها ، فإن الإنفجار قادم لا محالة حتى وإن تأخر لبعض الوقت.

وإذا ما تطرقنا لمسألة الجوع والتهميش والفقر ، فإنه من الضروري أن نتطرق إلى الخطر الإرهابي الذي تمثل له هذه البيئة المجال المناسب كي ينمو ويتطور وليأخذ أشكال مختلفة، فمن الطبيعي أن يكون الجائع العاطل فريسة سهلة أمام شبكات منظمة وذات إمكانيات مادية ضخمة ، تعتمد على تغليف فكرها وأجنداتها بطابع ديني يصور الأمور على عكسها ويبث سموم الجهل والتطرف.

لقد جاءت هذه الأحداث لتثبت أن طريق الثورة لا يزال طويلا وأن التحديات مازالت كبيرة ، ولتحذر من إمكانية إنحدار الأمور إلى ماهو أسوء ، فهل ستفهم الطبقة السياسية أن صراع الكراسي لن يزيد الأمور إلا تعقيدا ؟ وأن هذا الشباب ، الذي قاطع الإنتخابات الماضية ليأسه من وجود بديل واقعي مقنع من شأنه ان يحد من الفقر والبطالة ، لم يعد يتحمل المماطلات والوعود الساخرة. في نفس الوقت إن إثقال كاهل الطبقة المتوسطة بالضرائب لتدفع دون غيرها فاتورة الفشل من شأنه أن يزيد من السخط والإحتقان ، وقد يدفع بدوره الأمور إلى ما لا تحمد عقباه ، فالمطلوب اليوم من الحكومة واضح وجلي : التغيير والإنحياز للطبقات المتوسطة والفقيرة والتسريع باتخاذ خطوات ملموسة وعاجلة من شأنها فتح الطريق لمعالجة حقيقية للمشاكل الأساسية لتونس اليوم. 

 

عبد القادر معيوف

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد القادر معيوف

, تونس