أضيف في 2 يناير 2016 الساعة 22:09

هل من أمل إنساني سنة 2016 يُـنسي العالم مآسي 2015..؟!


عمر ح الدريسي

ودع العالم سنة 2015 كرقم،أضيف إلى سجيلات التاريخ  بحُلوها ومُرها، ربما سنة كانت حمراء قانية بالمعنى الكامل  للحُمرة.. !! العالم نفسه يتمنى في سنة 2016 شيئا من الأمل وبلا تشاؤم، بالرغم من أن هذا العالم نفسه، فيه من يُودع العام ويستقبل الآخر على وقع الأكوابُ المُترعة على الأفواه العطشى وفي البطون الشرهى، أمام الأعين الثملى وتحت الأضواء والأصوات الصاخبة، ومنهم من يُودع العام ببطون جائعة وأجسام سقيمة وأطراف نحيلة ومآسي فظيعة، مُلقاة شبه عارية، تلتحف السماء وتفترش الأرض تحت البرد القارس الزّمهرير.. ربما هذا ما أثر في  الإيطالي  اونطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) ليكتب مقالته الشهيرة تحت عنوان "أكره رأس السنة" في أول يناير من عام 1916.

هذا العالم نفسه، هو من يعج بالحمقى والمعتوهين والمتهورين وبالكثير الكثير من المتعصبين الجهلة.. ؟؟!!

 

هؤلاء وأمام بُؤس نظرتهم، وأفول آمالهم وتشنج رُؤاهم، لا يأبهون بأصحاب العقول النيرة ولا بالمسالمين الطيبين ولا بالحكماء الحاذقين، بل تجدهم وقد تهافتوا على المواقع وصارعوا بدون حق من أجل تبوء المناصب، لكي يكون لهم التأثير وتُسلط عليهم الأضواء وتُسمع افترآتهم، ويُسوق كلامهم ويُحدثون الضجيج الكافي، كمن يقرع الطبول في أزقة تعج بالمارة لكي تُفرغ من نشاطها وحيويتها إيذانا بقدوم مكروه،  ليغرقوا العالم في أُتون الفوضى واللاهدوء، مما يسمح بتناثر الغُبار الذي يُسهل عليهم تنفيذ برامجهم الفاشلة  ونزواتهم المتعصبة.. !!

 

من أولئك لا الحصر.. !! الذين فجاءهم الربيع العربي وأخافهم أن يُزهر فانقضوا على وروده وخُضرته وباتوا يجزون حتى الأرض التي تَفتّق من بطنها لكي لاينقدح منه رحيقاً ولا يفوح عنه طيباً أبدا.. !! فجعلوا من المنطقة "جغرافية بلا سياسة"، بل باتوا يُهشمون السواعد التي سقت الربيع بالهلع، ويتوعدون العقول التي روته، بل أرعبوا بالموت،  وجعلوا من القتل والتهجير مصيرا لكل من عول على مثل ذالك في المستقبل.. كما في الماضي، إنهم أعداء الشعوب قاطبة..

 

أولئك هم طبعا، أعداء  اللا أحد (los nadies)، وهي تسميته للمظلومين المقهورين، والضحايا المنسيين حسب وصف الكاتب إدواردو غاليانو (الأوروغواي، 3 ديسمبر 1940- 13 أبريل 2015)، وهم من باتوا في واضحة النهار يُكنون العداوة لجميع الشعوب العربية، التي تَكَالب عليها الجهل لقرون والاستعمار لعقود وجشع الفساد ردحا زمنيا مستمرا، وريع السياسة والزبونية والمحسوبية، وشبه غياب لحقوق الفرد مستمر يوما عن يوم..

 

أولئك مناوئي الشعوب العربية، وجدوا الفرصة مرة أخرى مواتية، ليضعوا المنطقة كلها في كف عفريت، يعرفون جيدا تاريخها، ويضبطون نقط ضعفها، ليؤججوا أنينها ويُثخنوا من هول جراحها، ليُساوموا بها بين أقوياء أهلها، وبعيدا عن رأي أغلبيتها أو مصلحة شعوبها، تأسيًا في ميكيافيليتهم المقيتة وخدمتهم دوما لمصالحهم الإنتهازية، ونفعيتهم الفردانية الاستعلائية المريضة.. !!

 

عالم اليوم عالم ينمو فيه التطرف والتعصب بشكل مُخيف، ويُغّيب أو يُحجم فيه تأثير القانون لزرع المزيد من الخوف والهلع بين البُسطاء والفقراء والناس العاديين، فكيف ستكون حياة هؤلاء تحت رحمة أولئك: هؤلاء "اللاأحد" لدى إدواردو غاليانوا، هؤلاء الغالبية العُظمى الذين صودرت حُقوقهم، لطيبوبتهم فقط، فأصبحوا بها، أكبر المظلومين وأكثر المقهورين، والضحايا المنسيين، أليس هؤلاء "اللاأحد" هم القادرون حقا على منح معنَى للحياة.. !!؟

 

هؤلاء "اللاأحد"، هم حسب المتواضع الحكيم الشاعر السويدي طوماس ترانسترومر (1931- 2015)، الذين من أجلهم  " أحمل بداخلي كلّ وجوهي العتيقة كما تحمل الشّجرة حلقات نموّها، فمجموع هذه الوجوه هو.. أنا"، بل مجموع قلب تلك الوجوه هو قلبي، القلب الذي يطفح حبا وسلاما وأملا ومساواتا وعدلا وإنسانية...

 

مثل هؤلاء لا يهمهم عقيدتك ولا تهمهم طائفتك ولا يهمهم حزبك ولا يهمهم جنسيتك.. كن مسلما أو مسيحيا، كن شيعيا أو سنيا، كن كاتوليكيا او أرتد وكسيا، كن محافظا أو منفتحا، كن حداثيا أو رجعيا، كن ما كنت... لايهم..  الذي يهم، هو أنك إنسان تؤمن بالكرامة والقيم الإنسانية، تؤمن بالعدل والحرية والمساواة..!!  متطلبات واحدة، لا يختلف عليها هندوسي أو سيخي، يهودي أو بوذي .. مؤمن سماوي أو ملحد طبيعي..

 

لوبيات الاقتصاد وخدامهم المتزلفون من عبيد المناصب والريع السياسي وأبواق الإعلام  وصناع "البروباغوندا" الراكعون القابعون دوما تحت صنابير المال والإيديولوجيات المقيتة واللاإنسانية، أغرقوا الشعوب في سياسة التفرقة وطمروا ما يجمعهم  وأبرزوا ما يفرقهم، ووضعوه حواجز ضد أي تآلف أو تقارب، وهكذا وجدت السياسة العالمية البؤرة أكثر في الوطن العربي الرخو بتعدد وتوالي المآسي، والتي أصبحت جل القوى العالمية تتآمر على خيرات المنطقة، وتستغل كل ما من شأنه، خلق النزاعات الداخلية بين مكوناته، وتأجيج الفتن والتفرقة وقد نجحت في ذلك قبل وبعد "سايكس بيكو" وعبر العقود الأخيرة،  وبشكل  تؤكده  الوقائع والأحداث العالمية، حيث أصبح  المسلم والعربي يترنح بين الأثافي العظام؛  من ضحية للتطرف والجهل والقلاقل إلى ضحية  للعنصرية والفتن والحروب الطائفية والأمية والخراب والتخلف.. !!

 

وحيث تم "تدويل عوائد النفط " وذالك تفاديا لما حدث، حصار نفطي عربي على الغرب سنة 1973، طبقا لرؤية محددة  ل هنري كسينجر (مقال في صحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيون، 19 شتنبرر 2008 - بالتعاون مع البروفيسور مارتن فيلدشتاين، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد)، بجعل النفط العربي مقابل الغداء ومنع أي تحول اقتصادي كبير في المنطقة عن طريق امتصاص صناديق الفائض المالي البترولي"، بما معناه، استعادة الغرب لأموال العرب، عن طريق التمويل مرة ثم الهدم مرة أخرى، بل زادوا عن ذالك بالقتل اليومي للعرب؛ العربي يقتل العربي بأموال النفط العربي الذي به يَشْتَرِي السلاح الغربي، لكي تعود الأموال عبر صفقات الشركات  الغربية الكبرى، وتبقى الأموال في البنوك الغربية، أي لابد وأن المال يبقى غربيا والضحايا يبقوا عربا وتحت رحمة القرارات الغربية دوما، التي تكون بتمويل المال العربي الذي بين الأيادي والمؤسسات الغربية.. !!

 

العالم يودع سنة 2016، بلونها الأحمر القاني، ويستقبل سنة 2016 بأمل كبير في أن ينعم كل مواطن، كل إنسان-إنسان، بابتسامة تُحيي فيه الروح وتبعث فيه جسده الحياة، روح التآخي، روح المحبة، عوض أن يكون ضحية لمن يتنكرون لمبادئ الإنسانية ويصبح مرة أخرى مصارع ثيران الفساد، يسقط وقد تهشمت أطرافه، لتتلقفها ضباع الانتهازية وجبة  شهية.

 

ليته عام 2016 يكون عام انجاز وتقدم وتغيير نحو الأفضل في حياة الأفراد الشخصية وفي حياة الشعوب والأوطان المتعبة، ليت الجميع يوقد شموعا من أجل السلام والحب والإنسانية ونبذ التطرف والتعصب والعنصرية والكراهية ، ويعمل الجميع بتضامن  من أجل الحب والأمن والسلام اليوم، ومن أجل البناء للغد وللأجيال القادمة وبلا تمييز.. !!

 

لا شك في الأمل، في أن سنة 2016، ستكون سنة تحولات مفصلية عالميا، أوربيا وعربيا، لنكن حذرين أكثر وبأمل أكثر.. وبلا قلق طبعا كما يقول الشاعر الدانمركي نيلس هاو: "ما مدى المعرفة بالخير وبالشر.. // لنكف عن بث رائحة القلق..// فالكل يعمل جاهدا ليعيش..".. إذن فلنعش بأمل وحب وسلام، رحل الشاعر محمود درويش وترك لنا وصية الأمل "..وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.. كتابات أسخيليوس ، أوالحب، عشب على حجرٍ، أمهاتٌ تقفن على خيط ناي، وخوف الغزاة من الذكرياتْ ...  وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ... على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ.. "..!!

 

عمر ح الدريسي

للتواصل:  E-mail : drissi-omar1@live.fr


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق