أضيف في 28 دجنبر 2015 الساعة 20:37

الطوفــان المذهبــي ومــا وراءه


ياسر الزعاترة

عندما يصرح وزير النقل العراقي بأن 27 مليونا حضروا أربعينية الحسين، فلا يمكن أن يكون ذلك الرقم صحيحا بأي حال، كما لا يمكن أن يكون إطلاقه بلا دلالة أيضا، هو الذي يساوي أضعاف أضعاف الرقم الحقيقي دون شك، ولا تتوقف الدلالة عند دفع المعنيين إلى المقارنة بين الحشد الإسلامي في موسم الحج، وبين الحشد المذكور، فضلا عن القول إنه مر من دون مشاكل، بخلاف موسم الحج الذي سقط فيه ضحايا في حادثتي الرافعة والتدافع بمنى.
وحين يصرح خامنئي شخصيا مرارا وتكرارا في المناسبة معتبرا أن هذا الموسم؛ موسم الأربعينية يمثل ميزة خاصة لأتباع أهل البيت، بما ينطوي عليه من روحانية، فهذا يعكس مساعي التميز عن بقية الأمة، وهي الغالبية منها دون شك.
وحين يذهب زعيم فصيل من فصائل الحشد إلى القول إن البرزاني وأردوغان يمثلان معسكر يزيد، فهذا يعكس إرادة حشر الأمة في معسكرين، بخاصة حين جاء التصريح في لحظة انحياز الغالبية السنية لأردوغان في معركته مع الروس بعد إسقاط الطائرة.
نتابع هذه القصة منذ سنوات، تحديدا منذ انطلاق الطوفان المذهبي إن جاز التعبير بعد فشل الغزو الأمريكي للعراق، واتضاح السيطرة الشيعية، والإيرانية تحديدا على البلد، لكن هذا العام كان الأكثر تميزا من حيث الحشد المذهبي المرافق للمناسبات الشيعية، إن كانت تتمثل في عاشوراء، أم في الأربعينية، أم ما تلاها (المناسبات كثيرة جدا على مدار العام).
من المؤكد أن هذا الأمر ليس بلا دلالة، فهو في الظاهر يبدو كما لو كان تعبيرا عن مشاعر قوة وسطوة للأقلية الشيعية في العالم العربي والإسلامي، لكنه من جانب آخر يمثل تعبيرا عن حالة تأزم ناجمة عن شعور بأن مشروع التوسع والأحلام المجنونة لإيران التي صارت تمثل مرجعية الشيعة في العالم الإسلامي يمر بمنعطف خطير، فإما أن يكون أو لا يكون (تذكرون تسريب نصر الله في لقاء داخلي قبل شهور عندما تحدث عن التضحية “بثلاثة أرباعنا كي يعيش الباقي بكرامة”).ثمة بعد آخر يتمثل في أن هذا الصوت العالي هو نوع من بث الخوف في أوساط الغالبية، والقول إن “هذه الحشود لا غالب لها”، وأنها ماضية نحو تحقيق أهدافها، وأخذ الثأر التاريخي ممن “سرقوا الخلافة من الإمام علي” ، ثم قتلوا ابنه (الحسين رضي الله عنه وأرضاه) بعد ذلك.
لا مشكلة لنا مع الحسين، ولا مع أبيه ولا أمه، فهم جميعا سادتنا دون جدال، لكن ذلك شيء، والتعامل مع الأمة بروح ثارات التاريخ شيء آخر.
لا مشكلة لنا أيضا مع أي أحد بسبب دينه أو مذهبه (هذا منطق الغالبية الساحقة في أقل تقدير)، فهو اختيار شخصي، وفي الغالب يأتي نتاج الوراثة، وما يدفع غالبية الأمة للصدام مع إيران اليوم، واعتبارها من ألد الأعداء، ليس مذهبها الذي لم يكتشفه الناس؛ لا اليوم ولا بالأمس، كما لم يكتشفوا مذهب نصر الله وحزبه ومفرداته اليوم، بل كانوا يعرفونه قبل ذلك حين كانت جماهيرهم تصطف معه ضد العدو الصهيوني.
المشكلة هي في العدوان. والعدوان هنا لم يكن على أنظمة، بل على شعوب، إن في العراق حين دعمت إيران طائفية المالكي وأقصت العرب السنة الذين ذهبوا إلى العملية السياسية عام 2010، وتركوا مسار السلاح، أم في سوريا حين ثار الناس ضد دكتاتور فاسد، كما فعلت شعوب أخرى قبلهم، فتم الرد عليهم بالموت والتعذيب، أم في اليمن؛ حين جرى الانقلاب على ثورة شعب رائعة، من خلال أقلية مذهبية تحالفت مع طاغية خلعه الشعب.
إنه عدوان استنفر الأحاسيس المذهبية، لا سيما أن شعارات المذهبية لم تكن تخفى، بل كان تصدح وتملأ الأسماع ليل نهار، إن في العراق أم سوريا أم اليمن أم لبنان، ومن يرجع لمواقع التواصل سيجد سيلا من الفيديوهات توثق ذلك بالصوت والصورة.
لم يتعامل السنّة مع أنفسهم كطائفة في يوم من الأيام، ولم يكونوا في حاجة إلى إثبات خطأ المذهب الشيعي كي يدافعوا عن أنفسهم، وهم أيدوا ثورة الخميني، وهو يعلن في الدستور أن إيران دولة شيعية، لكن هذه الهجمة الإيرانية ما لبثت أن حولتهم إلى طائفة، الأمر الذي يبدو طبيعيا، فهذه أغلبية تتعرض لعدوان أقلية، وما كان لها أن تسكت على العدوان، لا سيما أنها أغلبية ليست طارئة على الجهاد والمقاومة، بل لها سجلها الحافل على مدار تاريخها، وهي من حملت رسالة الإسلام على مر القرون.
لقد جرَّت إيران جميع الشيعة، ومنهم العرب إلى هذه المعركة المجنونة، فدمّرت التعايش، بل دمّرت المنطقة، وقبلها ربيع العرب الذي حمل أملا عريضا للشعوب كلها، بمختلف أديانها ومذاهبها، وهي لن تنتصر في هذه المعركة، وستأتي في نهاية المطاف إلى تسوية تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، بما يتيح لهذه المنطقة أن تتعايش بكل أقلياتها دون عدوان من طرف على آخر. متى؟ لا ندري، وندعو الله أن لا يطول الانتظار.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ياسر الزعاترة

كاتب ومحلل سياسي   / , فلسطين المحتلة


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق