أضيف في 25 دجنبر 2015 الساعة 18:34

وكل يدعي وصلا بليلى 4/4


أحمد حسيسو

الفهرس

1- مقدمة..........................................................................................

2- بلاء مبين......................................................................................

3- الفرقة الناجية.................................................................................

4- حب آل البيت.................................................................................

5- ما لله؟ وما لقيصر؟!..........................................................................

6- الحقيقة والشريعة.............................................................................

7- المحجة البيضاء..............................................................................

 

¬6) الحقيقة والشريعة:

غداة الانكسار التاريخي واستيلاء الأغيلمة على الحكم في هذه الأمة، وتحول قيادة الأمة من شورى وعدل وإحسان إلى استبداد وظلم وطغيان، وإقصاء الصالحين من الشأن العام، انصرف الكثير منهم للانشغال بخويصة نفسه مجاهدةً لها وترويضاً على الطاعات في زوايا العزلة و الخلوة فراراً بدينهم، والتجأ الخلائق إلى أولئك المتقين التماسا للصحبة الخيرة وتلقي شحنة الإيمان، وطلبا للاستقامة والسلوك القويم إلى الله عز وجل، بذلك نشأت الطرق الصوفية في ظل حكم السيف.

حفظ السادة الصوفية على جذوة الإيمان والإحسان متقدة في أزمنة الظلمات والفتن، عاش أكثرهم في الخلوات متنسمين عبير الذكر والمحبة والشوق إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، هربوا من الدنيا لما انكب عليها الناس، وطلقوا الشهوات عندما استعبدت الناس، حُرِم أكثر القوم من خيرية مخالطة الناس والصبر على أذاهم مصداقا للتوجيه النبوي الشريف، فقد جاء عَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّه صلى الله عليه وسلم "اَلْمُؤْمِنُ اَلَّذِي يُخَالِطُ اَلنَّاسَ, وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ اَلَّذِي لَا يُخَالِطُ اَلنَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ" أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَن، كما فات القومَ فضلُ الجهاد.

غالبا ما تنشأ الطريقة الصوفية صافية المعتقد والمقصد حول رجل رباني يجتمع حوله مريدوه، يحبونه ويصحبونه ويستنيرون بنورانيته، فيدلهم على الله ورسوله، ثم يطول الأمد فيتصدر القومَ أدعياءُ التصوف، ثم تنحرف الأجيال المتصوفة برحيل المربين العارفين بالله عن جادة الصواب، وتسود البدع وتنتشر الخرافات، ويستدرج الشيطانُ أجيالا بعدهم حتى يعتقدوا ضلالاتهم كرامات وفتوحات وبركات، ويدعون امتلاك الحقيقة، ويلبسون على الناس دينهم، فإذا جئت تحاجهم بالشريعة الغراء التي يخالفونها، رَمَوْك بالجهل والغفلة وعدم القدرة على إدراك أسرار الأولياء، مُدَّعينَ معرفة علوم الحقيقة الباطنة التي لا سبيل لفهمها أو الاستدلال عليها بميزان الشريعة الظاهرة!

يوصي أكابرُ العارفين بالله أتباعَهم أن يطيروا بجناحي الكتاب و السنة، ويؤكدون أن الحقيقة هي عين الشريعة وأن الشريعة هي أساس الحقيقة، لا فاصل بينهما، ولا سبيل إلى مقامات الولاية للمفرطين في شرع الله.

7) المحجة البيضاء:

يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام، الآية 153 من كتابه العزيز: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"، ويقول سبحانه: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" النساء، 59، وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"، وفي رواية للإمام مالك في الموطأ: " تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، كتاب الله وسنتي" ونقرأ في مسند الإمام أحمد قوله صلى الله عليه و آله: "إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عز وجل ، وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني بهما أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"، وروى أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور"

الحق الذي مع إخواننا السلفيين في وجوب الاقتداء بسلفنا الصالح، أمرٌ يؤيده الكتاب والسنة، أما باطلُ التعنيف على العباد والاستعلاء عليهم، فهو غرورٌ يرده الكتاب والسنة؛

حال إخواننا الشيعة في اللهج بحب آل البيت عليهم السلام هو من طيب الصفات وأعظم القربات يوم الدين، لكن الغلو الذي يرفع أهل البيت إلى مراتب الإشراك بالله، في مقابل تكفير الصحابة وسبهم ولعنهم، والتطاول على أمهات المؤمنين، ثم امتداد ألسنة السوء إلى عِرض النبي المصطفى ضلال مبين؛

تهمم ذوو الفضل والمروءة من العلمانيين بتخلف الأمة، والتخطيط والتفكير في إنقاذها سعيٌ محمود، غير أن الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه أمرٌ مردود؛

مجاهدة النفس وتزكيتها والسباق إلى مقامات القرب عند الله، ذاك مرمى نظر السادة الصوفية الأخيار، أما أدعياء التصوف المضِلون لعباد الله، الكاذبون على الله، فلهم اللعنة ولهم سوء الدار.

المحجة اللاحبة البيضاء هي المنهاج النبوي الذي سلكه النبي الأعظم وأهله الأطهار وأصحابه الأخيار، سبيلها تربية إيمانية إحسانية تفضي إلى جهاد دؤوب لإعلاء كلمة الله، غايتها الفوز برضا الله والتمكين لدينه ونصرة أمة رسوله.

في المنهاج النبوي لا تنفك ثنائيات التربية والجهاد، العلم والعمل، الرحمة والحكمة، محراب الليل وحراب النهار، دمعة الخلوة وخدمة الأمة، الخلاص الفردي و الخلاص الجماعي، يقين الحقيقة وبرهان الشريعة... فيكون الانحراف عن المنهاج النبوي بمقدار ما يختل التوازن بين هذه الثنائيات.

المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله، عاش على هُدَاها من صحبوه، إسلاما وإيمانا وإحسانا، أخلاقا وخشوعا وجهادا، كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار.

المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله سبيلها العمل بكتاب الله واتباع سنة رسوله أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، خشية البعد والخسران ورجاءَ القرب والرضوان.

المحجة البيضاء في حب آل البيت المطهرين وتعظيمهم، كما المحجة البيضاء في احترام الصحابة الكرام وتوقيرهم.

المحجة البيضاء في الإيمان بكتاب ربنا كله وإحلال حلاله وتحريم حرامه، والعمل بمقتضياته في الشأن الجماعي كما في الشأن الفردي.

المحجة البيضاء في التربية الإيمانية الإحسانية بصحبة الصالحين، لِلَجْمِ هوى النفس وحملها على الاستقامة وحسن الخلق ومخالطة الناس والصبر على أذاهم، وحمل هم الأمة، والعمل المنظم الدؤوب لإحيائها، وإعادة بناء الخلافة الثانية الموعودة على منهاج النبوة، القائمة على الشورى والعدل والإحسان، والدعوة إلى الحسنى بالحسنى ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.

وإني لأدعو الأحبة المحبين لله ورسوله، سواء من أشرت إليهم في هذا المقال، أو من لم أتطرق إليهم، ليتهم كل واحد نفسه، ويسعى صادقا متبتلا مستغفرا باكيا منيبا لاستمطار رحمة الله سبحانه وطلب الهدى والصواب والرشاد فيما اختُلِفَ فيه من الحق، والقيام بمراجعات للقناعات، والقيام بتعميق التدبر في كتاب الله وفي أحوال هذه الأمة، والتهمم والتفكير في كيفية لم شملها.

لا بد من التجرد من الأنانيات، ومن تقديس المخلفات السيئة الذكر في الثرات، وإعادة النظر في المنهجية التي نتبعها في البحث والتقصي أفراداً وجماعاتٍ، لعل الله يهدي الفرقاء لأحسن السبل، قال عز من قائل في الآية 9 من سورة الإسراء: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا" وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق