أضيف في 16 دجنبر 2015 الساعة 23:38

النبش في الذاكرة


عبد الفتاح عزاوي

امتشق آلته كأنه عازم على تشريح جثة أرهقتها الأوجاع والآلام والانتكاسات المتتالية، منذ غابر السنين، وهو في حيرة من أمره، من أين يبدأ النبش؟ فالذاكرة المغمورة مليئة بأكوام من الحجارة والتراب، وتختزل سنوات الجوع والقهر والحرب والتشرد.

أخــذ الملل يتسلل إلى عقله رويداً رويداً، وتضاربت الأفكار في ذهنه برهة، وتساءل عن جدوى نبش هذه الذاكرة الملعونة. وفجأة، تذكّر ما قاله له والده إن الحفر رياضة، يعرّي من خلالها الإنسان عن المكنونات ودسائس الأمور. آنذاك، ارتفعت معنوياته وباشر النبش.

استهـل مهمته بما قاله المؤرخ الإغريقي هيرودوت عن هذه الجثة التي كانت تصول وتجول، قبل أن تصبح هامدة لا حياة فيها، كونها عرفت بحسن أخلاقها وسمو فكرها وقيمهما التي لن يجود التاريخ بمثلها، فالأنفة والشهامة والصدق والكرم واحترام المواثيق والعهود كانت السمة الرئيسة لشخصيتها.

اسـتمرت آلته في كسر الطبقات المتكلسة التي أتلف كثير منها بفعل عوامل التعرية والتحلل والاندثار. وبعد استبطان وتأمل لمكوناتها، عثر صاحبنا على لقى أثرية أعادت له بصيصا من الأمل، خصوصاً بعدما اكتشف أنها علّمـــت أمما عريقة أبجديات الحروف، بعد أن كانت تعيش في ظلام دامس، وتصارع الأمراض والأوبئة القاتلة، كما ساهمت في جعل رجال الفكر والعلم في البلاد الأوربية ينهلون من علومها وفلسفتها، حتى صاروا يتساءلون: هل يمكن الاستغناء عن لسانها في تحصيل العلوم؟ وكم كانت دهشته كبيرة، حينما اكتشف قطعة أثرية قيّمة، اعتبرت بمثابة الفردوس الذي شكل العصب الحركي لهذا الجثة، قبل أن تتساقط أجزاؤه.

عثـــر صاحبنا بعد ذلك على أصنام بشرية، منعت التعامل مع العقل، وأسست لثقافة البداوة الدينية، بدل ثقافة التمدن الديني، ما جعلها تخلف الموعد مع التاريخ مرات عدة، واستمر في إزالة الطبقات المترسبة في عمق التاريخ، الواحدة تلو الأخرى، فلم يجد غيرالآثار والبقايا التي تشير إلى التسلط والاستبداد واستنزاف الثروات ونهب الموارد وإشاعة الفساد في الأرض.

على الرغم من رحيل الجلاد المحتل، لم يتغير شيء في الواقع المعاش، بل جاء الجلاد المحلي الذي جثم على الصدور عشرات السنين، وخابت الآمال في التغيير المنشود، وتحولت الأماني والطموحات إلى آلام جعلت شعوباً بأكملها تعيش في حوض آسن من الظلم والإستغلال.

تناسلت الأسئلة الحارقة على مخيلة صاحبنا الصغيرة: كيف أمكن لما حدث أن يحدث؟ وكيف السبيل للخروج من هذا النفق المرعب؟ فألقى آلته على الأرض، وهو يردد قول ابن خلدون: ''العرب أمة وحشية، أهل نهب وعَبَث، وإذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، يهدمون الصروح والمباني ليأخذوا حجارتها أثافيَّ للقدور، ويخربون السقوف ليعمّروا بها خيامهم، وليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد، وأنهم أبعد الناس عن العلوم والصناعات".


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الفتاح عزاوي

أستاذ   / , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق