أضيف في 10 دجنبر 2015 الساعة 18:48

فلسفة حقوق الإنسان وواقع الحال العربي.. !!


عمر ح الدريسي

 

الظروف والأوضاع التي يعيشها الإنسان في مجتمعات العالم العربي، منذ عقود خلت بسبب التخلف والجهل المتراكم والاستعمار المباشر الغاشم وغير المباشر المتسلط  الجاثم... تجعل كل من يريد الحديث عن "حقوق الإنسان" في هذه البقعة من العالم وإلا ويقع  تحت زلزلة عقل ووخز ضمير،  ما بالك إن كان إنسان بمعنى الإنسانية العميق، يؤمن ب "حقوق الإنسان"  و يحب البقعة التي يتأوه من ترابها ويتنفس من هوائها ويعتز بطينها ويدمع لمن يُجْرح فيها أو يُحرق منها، وأن الدم الذي يُسفك ويُهدر ويَجري شلالات وأنهرا ويتساقط رذاذا وندفا أحمرا، قاني خافت وداكن، هو من دماء قلبه... فعن أية "حقوق إنسان" يا ترى، يمكنه أن يعبر عنها في هذا الواقع المخضب بالدموع والأنين.. والمليء بالشكوى والرنين، والعاج بالخصاص الحقوقي المبين.. لا افتراء على كثرة القوانين المكتوبة والبيانات الكثيرة والبنود البليغة.. واسأل ما شئت من هذا ومثله، فهو غزير وكثير وثري وخصب حتى.. !!   لكن هل هو معطاء لكرامة وإنسانية إنسان هذه البقعة .. !!؟ المشكل يكمن في الوعي بجوهر النص القانوني، فهم روح القانون، الإمعان في كيفية التطبيق، بعيدا عن الهوى والأهواء و بإخلاص ونكران ذات..  !!بغض النظر عمَّن هو هذا ومن هو ذاك.. !! 

لا ننكر على الإنسان العربي، منذ ما يسمى بالعصر الجاهلي، وقد توضح هذا واغتنى مع أنوار العصر الإسلامي، حيث اشتهر العرب، ومن عاش بينهم ومعهم، بالشهامة والكرم وحماية الجار والمستجير والرأفة بالفقير وبالضعيف والذود عن العرض والملك ورعاية العهد... إلا أن عقل الإنسان في العالم العربي، وبالرغم من توالي القرون، لربما لازال لم يستهويه بعد، أن يعتقد بأن القانون أسمى ما ابتكرته الحضارة الإنسانية، وأن حمو رابي، هو من أول واضعي القانون (1780 ق.م) بين الناس، وكان يعيش في بابل أنذاك، وهي أرض عربية الآن، وبالرغم من كل ذالك لازال العقل العربي  لم يستسغ علاقة القانون بالحضارة، ولا زال نفس العقل يتوجس من كل ما هو قانوني، بل يؤثر القرابة على القانون، يؤثر الزبونية على القانون، يؤثر الإيديولوجية على القانون، يؤثر الطائفية والمذهبية على القانون، يؤثر الحزبية على القانون، يؤثر المصلحة الشخصية  والمنفعة الذاتية والانتهازية على القانون.. يعني أن القانون هو الذي يسري على الحلقة الأضعف من الحلقات الموجودة في المجتمع... أليس احترام القانون  هو العنوان الكبير للتحضر.. !! وباحترام القانون  تُضمن الحرية  وتضمن معها كل الحقوق، ومنها "حقوق الإنسان".. !!  

 

-1- نظرية "الحق الطبيعي": 

فالحقوق هي أساسا؛ الاستبعاد التام والنفي التام للظلم والمظالم أيًا كان نوعها، أصلها أو شكلها. عندما أعلن "الحق"، يعني أنه الملك الطبيعي للذات، فما بالك إن كان حق ذات الإنسان الطبيعي، الذي لا يمكن أن يتنازعه فيه، أو عليه، كان من كان، تحت أي صفة أو ظرف كان.. !!  وبالرغم من أن الفلسفة اليونانية أقرت بوجود العبيد للحاجة الاقتصادية لمجتمع المدينة، غير أنهم ليسوا بآلات على حد تعبير أرسطو، إلا أن بعض مفكري روما عاكسوا قانون الألواح الإثنى عشر (450ق.م)، كما أكد عليه "اولبيان" و"شيشرون" و "سينكا"؛ انه لا يجوز في القانون الطبيعي، أن يولد الناس إلا أحراراً، وأن العبيد وإن اعتبروا موجودين في نظر القانون الوضعي، فإنهم ليسوا موجودين في نظر القانون الطبيعي الذي يقرر أن الناس جميعاً متساوون . 

 وعلى هذا الأساس تبلورت خلال القرن السابع عشر نظرية "الحق الطبيعي" بزعامة صاحب كتاب في قانون الحرب والسلم "هوغو جروسيوس"، وتعني أن للإنسان حقوقا يحميها القانون الطبيعي، ولدت معه، وهي لصيقة به، ولا كائن من كان يُمكن أن يُغيِّرها. وهذا ما جعل جل مُنظري القوانين من بعد عهد الأنوار، بما فيها الطبيعية والعرفية والسماوية والوضعية.. إلى  أصحاب النظريات السياسية والاجتماعية والإدارية والقضائية.. وغيرهم جميعا، يأخذون مأخذ الجد، بمبدأ "الحق الطبيعي"، والذي ما فتؤووا يؤكدون عليه في  أبجديات نظرياتهم وطروحاتهم وأطاريحهم المختلفة،  ويؤسسون عليه في مقدمات المدونات القانونية المختلفة ويجعلون له هالة عظمى في خطاباتهم وبرامجهم ومخططاتهم وأهدافهم .... إلا أن الشيطان دائما ما يظهر بين التجاويف الدقيقة ويكمن حتما في التفاصيل الرقيقة وما أكثرها وضوحا في الواقع اليومي.. !! 

 

-2- موارد الأفكار الحقيقية  ل "حقوق الإنسان"   

ظهرت هذه الأفكار، لدى ما يصطلح عليه  فلسفيا وفكريا أقطاب مدرسة نظرية  "العقد الإجتماعي ": ومن أبرز رواد هذه النظرية الفيلسوفان الإنجليزيان "توماس هوبز" T.Hobbes"" (1588-1679) و"جون لوك" "" J.Lock (1622-1704) ثم بعد ذلك الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" (1712-1778) J.J.Roussau "".

رفض " هوبز " آراء " الفيلسوف الإغريقي أرسطو" التي تؤكد على أن الإنسان كائن اجتماعي. فالإنسان وفقاً لـ "هوبز"-  لا ينظم علاقاته الاجتماعية اعتباطاً، بل إن اجتماعية الإنسان تبدو مـسألة في غاية الدقة من الوعي والبرمجة والتـنظيم، ليتجنب قساوة الطبيعة والخوف من الحروب والأنانية في المصالح، وهو ما كان سائدا عموما في مجتمع العصور الأولى للإنسانية،  والانتقال إلى حالة السلم والأمان،  وذالك بضرورة تنازل الفرد ومن ثم الجماعة عن سائر حقوقهم، تنازلاً  لا رجعة فيه لطرف ثالث لم يكن طرفاً في العقد أو لم يرتبط بالجماعة، وهذا الشخص أو الطرف الثالث يتمتع بكل الحقوق وكل السلطات، ولا يجوز أن يحاسبه أحد، بل إن جميع الالتزامات المتفق عليها في العقد تقع على عاتق الأفراد الذين تنازلوا عن حقوقهم تنازلاً نهائياً ولو أساء أو استبدّ من تَمّ التنازل له، وهكذا حصل عقد مبدئي بين الناس يلزم المتعاقدين بالخضوع، وهذا العقد قرّره خوف الناس من بعضهم. ويعتبر"هوبز" أول من  استخدم مفهومي العقد والطبيعة في أهم مؤلفاته السياسية، كتابه "التنين أو العملاق" The Leviathan .

 

ويعد  صاحب العقد الاجتماعي، جون جاك روسو (1712-1778)، داعم الحرية والمدنية، أكثر فلاسفة أوروبا الحديثة وفرنسا الأنوار الأكثر  قربا من الشعب، وكان معاصره المفكر فولتير يُعيره "بالشعبي" و بمهنة أبيه "الساعاتي"، إلا أن روسو كان يرد على أن فولتير "متنور مستبد"، وكان يتخد ما يقوله عنه فولتير محل فخر له، و بحب كبير كان يعتز بأنه من أعماق أعماق الشعب  ويرى  روسو أن: "الإنسان بطبعه لا يستطيع أن يعيش بمفرده، بل لا بد من اجتماعه مع غيره من بني جنسه. ولما كانت إرادتهم تختلف وتتضارب، فإن اجتماعهم لا يستقيم له حال، إلا إذا كان مبنيا على "تعاقد" فيما بينهم،  يتنازل بموجبه كل واحد منهم عن حقوقه كافة للجماعة التي ينتمي إليها، والتي تجسدها الدولة كشخص اعتباري ينوب عن الناس في تنظيم ممارستهم لحقوقهم، وبذلك تتحول تلك "الحقوق الطبيعية" إلى "حقوق مدنية": وتبقى الحرية والمساواة هما جوهر هذه الحقوق".

 

-3- المواثيق المرجعية لأهل فكر حقوق الإنسان: 

"الماجنا كارطا « Magna Carta" (العهد الأعظم The Great Charter): تعتبر لدى أهل المختصين أول وثيقة  في تاريخ ما اصطلح عليه  "حقوق الإنسان"، وهي وثيقة إنجليزية  تستقي روحها من القرآن الكريم، صدرت عن ملك إنجلترا "جون  لاكلاند" سنة 1215م، الذي كان قريبا من الإسلام حيث درسه وتأثر به كثيرا، ولعدله اعترف في تلك الوثيقة بحقوق النبلاء.  وبعد قرون  وفي انجلترا مرة أخرى، يأتي بيان الحقوق المترتبة عن الثورة الإنجليزية سنة 1689م، وبعد قرن من ذالك، يظهر دستور الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1787م إثر استقلالها، و هذه المرة في فرسا وبعد وفاة صاحب العقد الاجتماعي، "جون جاك روسو" بقليل، حيث  الولادة الرسمية لإعلان "حقوق الإنسان والمواطن" سنة 1789م من رحم الثورة الفرنسية،  إلى ميثاق عصبة الأمم ووريثه ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945 الذي أشار إلى احترام ورعاية حقوق الإنسان، مما تمخض عنه في العاشر من دجنبر 1945 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يعد مرجعية أساسية لجل الجمعيات والتنظيمات المهتمة، بالإضافة إلى الاتفاقيات الدولية التي جاءت بعده مثل: الاتفاقية الدولية لإزالة كل أشكال التمييز العنصري سنة 1965، الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة 1966، والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية سنة 1966.

ختـامـا:

خلاصة القول، كم يحز في النفس وهو فخر.. !! على أنه من الناحية التاريخية والاجتماعية والفكرية، تعتبر الحضارات الموجودة بالعالم العربي، إضافة إلى مهد الرسائل السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، فهي من أقدم  الحضارات التي عرفت ظهور القوانين ( قانون عشتار وقانون إشنونا و قانون حمو رابي)، مما يدل على التعاقد الاجتماعي فيما بين أفرادها وهذه أكبر شهادة تاريخية على تحضرها، وهذا ما يؤكده أغلب الفلاسفة، "فولتير في روايته الصديق"، وحتى الثوريون ومنهم "إنجلز" و"ماركس"   (عبر رسائل بينهما حول الديانة الإسلامية). ومع كل ما تعرفه الحضارة  حاليا، من وفرة اقتصادية وعوائد أموال بترولية وما جاورهما، وما يظهر للعيان من تقدم تكنولوجي وعُمران حجري وتبليط إسفلتي ورخامي.. تجد الإنسان العربي من بين أكثر سكان العالم الآن، خوفا على مستقبله وأمنه وشغله وصحته وتعليمه وكرامته وحريته... فكيف له أن يُطالب بتجويد حقوق، هي ليست موجودة لدى الأغلبية العظمى من الشعوب العربية، إلا في أبواق الإعلام والكتابات والخطابات والجمعيات والمسميات  .. !! في عالم يعج بقانون الفوضى والغاب بالرغم مما يصفونه بهتانا، ب: عصر "حقوق الإنسان"... !!

عمر ح الدريسي

للتواصل: E-mail : drissi-omar1@live.fr

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق