أضيف في 18 نونبر 2015 الساعة 14:52

رواية ( المصائر والدوائر ) : ابحار في ملكوت المعرفة دراسة نقدية في رواية ( المصائر والدوائر ) للكاتب المغربي عبدالكريم معاش


مجد الدين سعودي

 


دراسة/ مجدالدين سعودي


تقديم :


صدر للأستاذ المبدع عبد الكريم معاش رواية تحت عنوان (المصائر والدوائر ) عن دار النشر أبو اية بوادي زم سنة 2012.والرواية عبارة عن ابحار في التاريخ العربي الاسلامي وحضارته والتأثر والتأثيىر في الفكر العالمي عبر استثمار كبير وذكي للمخزون التاريخي والفلسفي والمعرفي والأدبي للثرات والفكر الاسلامي والعالمي بكل تجلياته وأبعاده.تدور أحداث الرواية في جو فانتازي سحري لعبته الأولى هي السفر والانتقال من مكان لاخر والصعود العظيم نحو السماوات لتجلي الحقائق المخفية والوصول الى الحقيقة وامتلاك المعرفة التي يصلها الانسان عبر الترقي والتطهر ونكران الذات والابتعاد عن الشهوات المحرمة والتشبت بانسانية الانسان…


دلالة الأرقام والدوائر


اعتمد عبد الكريم معاش على الرقم 7 في روايته مؤكدا على ( سبعة أبواب للجنة وسبعة أبحر وللمدن سبعة أبواب وسبع سماوات طباق والاراضي السبع وسبعة أيام..ص1 ) معتمدا ومهتديا بهذا ( الرصيد اللاهوتي بدافع خفي… ص1 ) . ومن هنا انبثقت في ذهن الروائي صياغة رواية عبارة عن سفر لسبع مدن لاستكشاف كواهنها وخفاياها للوصول الى المعرفة والحكمة حيث (سبع مدن شكلت للوجدان العربي الاسلامي محطات أساسية بعضها ضاع في سطوة السياسة والسلاح .وبعضها مازال مندغما في الثقافة العربية الاسلامية : ( غرناطة.باليرمو.القاهرة.الاسكندرية.القدس.دمشق.فاس…ص1 ). وهكذا تتضح معالم الرواية.ثم يختار الشكل الدائري للحصن كبعد هندسي لروايته. وبعمق الباحث والفيلسوف يؤكد الأستاذ عبد الكريم معاش : ( ان لكل منا دائرته ودورته التي يحياها في عبوره الأرضي بكامل الصرامة الى متمها بكل حمولاتها العقائدية والأخلاقية والحلمية واللغوية.ولا أحد يحيد عن تكملة دائرته..ص2 ) ويتابع : ( كل دائرة تفضي الى دائرة.بعد اختراق برزخها.لن تلج باب الدائرة الموالية الا اذا اسوفيت تجربتك بكل النبل…ص5 )والتجلي والاستكشاف لن يتم الا بعد المرور بجميع الدوائر : ( كم ألهمتني رحلة الدوائر هذه.يكفيني فيها متعة الصداقة…ص48 )


ولمزيد من الموضوعية والصراحة .يحدد الكاتب المراجع النظرية والفكرية التي اعتمد عليها في بناء روايته : ( باولوكولو وحكايات ألف ليلة وليلة وغابريل ماركيز…وحكايات الأولياء والصالحين وكتابات ج كريستوفر هيرولد…ص2 ) .


كما اختار الكاتب فضاء البحر الأبيض المتوسط ملاذا لحكاياته ومروياته.وبهذا يضع عبد الكريم معاش القارئ في صورة واضحة لنسقه الفكري والروائي دون لف أو دوران.ويوضح أسباب اختياره للأمير محمود بطلا لوايته : (جعلت من الأمير المسافر الباحث عن مغزى كينونته.تعبيرا اجتماعيا عن رمزية انسانية مشتركة يتسامى فيها الكائن ويصعد .منقحا أخطاءه وكبواته. لكن دائما في صعود مستمر نحو أطوار أخرى أكثر غرابة…ص2 ) …


البطل/اللابطل


في بداية الرواية يتوهم القارئ أن البطل الحقيقي لرواية ( المصائر والدوائر ) هو الأمير محمود ابن سلطان فاس في زمان ما. لكن مع توالي الأحداث سيكتشف القارئ أن الأبطال الحقيقيين هم التاريخ والأسطورة وسحر المدن والغوص في ملكوت المعرفة واستكشاف المجهول.فالأمير محمود مجرد وسيلة ابتكرها الكاتب لتمرير خطابات فلسفية واجتماعية وسياسية. ورحلة الأمير محمود في المدن السبع هي ابحار في اللامكان واللازمان واختراق ماوراء الطبيعة والوصول الى قمة اللامنتهي وعرش اللامتناهي لمعرفة الكينونة والوجود : ( أنت أيها الأمير فكرة يجب أن تغرق في تخوم الأرض البعيدة…ص5 ) وأيضا الأمير محمود : ( يبحث عن شئ كالهمس.كالظل المتواري وراء الحقائق اللذيذة باشارات طقوسية سرية مهملة في هذا الكون الكبير…ص64)…


نوستالجيا


الأندلس فردوس مفقود وحلم مضى ومنارة انطفأت وتاريخ مجيد لم يحافظ عليه المسلمون بسبب فساد السلطة وليالي حمراء لملوك ومماليك الطوائف الذين اغتروا بوهم السلطة الزائل فبنوا قصورا وعروشا وانغمسوا في الملذات وشيدوا امبراطوريات الحريم والغلمان والخمور والمتع…ضاعت الأندلس فضاعت الهيبة والقوة والجبروت وانتهى ملوك الطوائف في مزبلة التاريخ…


في رحلة الأمير نحو غرناطة يتعرض في الطريق للأسر ويعيش أهوال الاعتقال والتهميش وظلام وظلم السجن ليأخد العبرة من الظلام الدامس ويقتنع بأن الحرية لا تباع ولا تشترى وكنز لا يفنى ورأسمال الاحرار وتاج فوق رؤوس الجميع…


البعد عن فاس بعد عن الوطن…اغتراب في أعماق التاريخ المنسي ومعاينة للتاريخ الدموي الذي كان مسرحه البحر الأبيض المتوسط الذي تحول الى بحر أحمر ملون بالدم والاغتيالات والسيوف والرصاص والخيانة…


نوستالجيا التاريخ تجعل الأمير محمود يقول : ( من بعيد..تبدو غرناطة أمينة لجمالها في اتساقها مع القرميد والهندسة العربية ذات الاقواس البسيطة..ص16 ) ..


أسى العرب والمسلمين لضياع الأندلس دفعت الاميرمحمود الى حمل كتبه ومخطوطاته وترك : ( حصته من الأسى..ص16 ) في غرناطة..لأننا كلنا – أمام التاريخ – مسؤولون عن ضياع فردوسنا المفقود في الأرض نتيجة خيبات ونزوات وكبوات…الملاحظ أن التاثير العربي في الأندلس كان كبيرا.فأينما حللت ونزلت تحس بأنك في بلاد عربية اسلامية : ( لا تنسى ان باليرمو كانت ذات يوم عربية…ص24 )…لقد ترك المسلمون اثارا تاريخية مجيدة ومعالم حضارة مازالت صامدة وشاهدة الى يومنا هذا.اذ ان زمن الأندلس الجميل يسكن الذاكرة ولا يمكن أن ينسى : ( كانت روحه ترتع الان في فيافي الأندلس.خلسة كانت تصهل في ذاته حرقة تستدعي استيهامات وحقائق من ذوات مرت من هذه الأرض.الان تنشطر ذرات في ذاته هي الأخرى.أحس أنه الان امتداد منفرد أعزل لتاريخ يجهش بالحزن..ص12 )..الأمير محمود لا يمكن ان ينفصل عن ذاته وتاريخه.فيبادر الى اجابة تلك السيدة الأندلسية : ( أنا من بقايا هذه الأرض..وأنت ياسيدتي لعل احدى جداتك كانت قبل قدومهاالى الأندلس تردد أشعار قيس في دمشق…ص12 )…جلد الذات تجعله يناجي ذاته قائلا : ( قناديل اشبيلية منطفأة في كنيسة كانت ذات يوم مسجدا.البحر أمامي.البحر ورائي…أنا العربي.هل قدري أن أخبو كالشمعة ؟…) وكذلك : (والعشب والأسوارالعالية للصرح العربي تشي بسرد صروح شخصية انطوت في النهاية في زفرة عميقة.تتنهد القرون.تتوالى الحياة على هذه الأرض.الأرض تبكي. أحيانا.تسخر من عابرين بلا ذاكرة…ص13 ) وأيضا : ( وفي صدره يتأجج سعار الحنين لأناس مثله مروا من الجزيرة…ص20 ) وقائلا للأندلسيين : ( ملكتم الأندلس قرونا، لكن في ومضة عين انفرط عقد الملك كالمسبحة…ص13 ) وأيضا : (المدن التي لا أقواس لها ذاكرتها مخصية…ص16 )


السفر


السفر في رواية ( المصائر والدوائر ) هو اكتشاف للاخر لان : ( المرء دوما في هجرة باطنيةوأخرى جسدية، لولا السفر لما قامت الحضارات…ص63 ) ، بل أكثر من هذا يوضح أن : ( الأنبياء أعظم المسافرين ، تهاجر كلماتهم من صقع الى صقع ومن زمن الى زمن…ص63 )..السفر عند الكاتب عبد الكريم معاش وغوص في المجهول وتنشئة اجتماعية وخروج من الجهل الى النور وبحث عن علم مفقود…بل أكثر من هذا ف : ( السفر…يعيد تأسيس المعرفة بكل وضوح…ص7 ) و ( وجودك يا محمود لا يتحقق الا بالسفر…ص63 ) والسفر عنوان للتغيير : ( السفر يحرك الأفكار من بحيرتها الاسنة نحو لجج السؤال…ص20 )…


صفات الشيخ الذي أثر في الأمير محمود :


(كأنه من الزائرين الأوفياء في رؤى المنام ، العين فيض من نور والكلام عسل ، واليد اشارة لطف…ص3 ) .هذه بعض صفات الشيخ الصوفي الذي أنار له المصائر والدوائر السبع ،بل أكثر فهو ( في سمته الأبيض يبدو مثل عراف بابلي يجيد فن اللعب بالعين واليد والكلمات…ص4 ) و : ( كان واقفا كالعلامة وسط الزحام…ص16 ) والشيخ : (غامض كالشعر ، كالحلم يظهر ويختفي كالشعاع…ص20 )…


زخم ثقافي معرفي :


في رواية (المصائر والدوائر ) يسافر بنا الاستاذ عبد الكريم معاش في عالم المعرفة مارا بعدة أزمنة وأمكنة ، فمن التاريخ العربي الاسلامي المجيد يحدثك عن : (أسد بن الفرات ، قيس ليلى ، الامام سراج الدين الدمياطي ، المملوك طوغان الشركي ، ابن رشد ، ، الغزالي ، الخطاط جمال الدين الجيزاوي ،جليل الدمشقي ، سليمان القانوني ، ابن عربي….) ، ومن التاريخ الغربي يحدثك عن : ( الفيلسوف مينوس ،فرانسوا الأول ، الملازم الفرنسي فرانسوا دولاغرونج ،الشاعرة الفرنسية مدام دو ستايل ، فينوس ،دانتي ، هتلر ،نابوليون ، زيوس…..) وكذلك : ( عاصرت يوسف الصديق وفرعون وموسى والدجال وعاصرت أعاجيب مملكة سليمان ورأيت مقتل سقراط ،وصاحبت ذو القرنين من اليمن الى أقاصي الهند…ص72 )…


التسامح والتواضع :


في رواية ( المصائر والدوائر ) يركز الأستاذ عبد الكريم معاش على القيم الكونية الانسانية المتعارف عليها ويضعها في قالب جميل ،ويقول الأمير محمود متواضعا : (معاذ ربي أن يقبل الانسان يد الانسان…ص11 ) ، وبلسان العقل والحكمة ينصحنا قائلا : (كان بامكانكم قراءة حياة السيد المسيح في القران لتعلموا أن محمدا وعيسى لم يكونا مختلفين تماما…ص11 ) وكذلك : ( البدايات يا سيدي هي الحقيقة ، لا يوجد شيء اسمه المحمدية أو المسيحية ،هناك منذ ادم دين الله الواحد ، محمد وعيسى لم ينسبا لنفسيهما دينا ، انما كانا معلمين جيدين لتعاليم الله…ص18 )…


التأثير الصوفي :


يتميز الصوفي ب : (الانغراق الكلي في صلاة طويلة تناجي الرب طويلا…ص50 ) والانسان المتصوف يقول : ( هذه السماء وهذه الأرض وأنا بينهما اللغز والجواب…ص50 ) وينصحنا عبد الكريم معاش قائلا : ( أدرك ماوراء الحس بقوة الحدس تصعد نحو ذرى العرفان …ص50 ) والانسان الطاهر الصوفي يقول كذلك : ( أنا هنا في صفاء مع نفسي ومع الله…ص50 ) ويؤكد بلغة يقينية : (بالعلم تستطيع معرفة الله…ص52 ) والاحساس الجميل الذي يشعر به المتصوف هو : (كنت أتصاعد وأتسامى…ص56 ) وأكثر من هذا : ( أعرف نفسك تعرف الله…ص73 ) وأيضا : ( لا تعد الا بعد أن تذوق رحيق الكشف…ص118 )…


اختيار العناوين الفرعية بدقة متناهية :


اذا كان الأستاذ عبد الكريم معاش بارعا في الوصف ،فانه كذلك بارع في اختيار العناوين الفرعية لنصوصه السردية :


الاحتفاء بغنائم الخيال : مقدمة الرواية ، عبارة عن احاطة فلسفية وتاريخية لمجريات أحداث الرواية .


حديقة العلامات : مرتكز الأحداث ومنطلقها وغاياتها خلال لقاء الشيخ بالأمير.


غرناطة حبيبتي : حلم الأندلس المفقود..


الغرفة الكونية :انبثاق العجب ذو الحمولة المعرفية الايمانية الصوفية.


مساء للموريسكي العائد :الأندلس حلم انتهى ومازال يسكن الدائرة.


مرحبا أيها الحزن : الساسة لها وجه واحد يتكئ على هاجس الغريزة والتسلط.


أوبة جديدة لعاشق الأقواس :الحنين الى الماضي العربي الاسلامي في غرب المتوسط.


تحت قمر باليرمو : العلاقة الملتبسة بين ثقافتين.


الغجريات : عالم سحري فانتازي ذو حمولة ميتافيزيقية.


الممثلون : احالة فانتازية لدور الممثل الفنان .


حديث الحديقة السماوية : الايغال الحواري في ادراك مستوى معرفي ذو شحنة ميتافيزيقية سحرية والاشارة الى طفولة الأمير….


الجريمة بمخلب حريري : مواقف درامية خطيرة بين عائلات السطوة في باليرمو .


الهنا والهناك : ثورة العوام ضد التعسف المملوكي وتجليات العجب في حياة الأمير.


الحقيقة : حقيقة ايمان الثائر سراج الدين الدمياطي.


شحرور الروح :انتصار الحق على الظلم.


التجليات : عوالم سحرية ذات نفس ايماني متين تتخللها لقاءات ذات طابع صوفي .


كنت قاتلا محترفا : أحيانا تأتي الحياة بما لا نتوقع .


حصون الروح السبعة :اختراق الأمير المجازي للدوائر السبع للروح وصولا الى حالة التطهر.


الأسماء والكلمات : لقاء الأمير مع ابن الامام سراج الدين واختراقهما لدوائر العجب.


الطوافات السبع : الصعود العظيم نفس الفكرة السابقة .


الجنرال تحت الأهرامات : اللقاء الحضاري الصادم بين رؤيتين حضاريتين.


انهض ايها الشرق :نفس الفكرة السابقة .


متاهات الجنرال : أحلام وخلاصات وأوهام وراء أسطورة الاسكندر .


بحر ودماء وأشلاء : وصف لمعركة أبيقر بين الأسطول الانجليزي والفرنسي : ادانة للحرب .


متاهات الحنين : حنين الأمير الى موطنه المغرب .


أطياف اسماعيل المقدسي : شخصية غريبة لمتن الرواية : اسماعيل المقدسي روح الشرق الثائرة .


الجن والانس :اضافة لمسة سحرية على أحداث الرواية .


( أنظروا ماذا فعلتم بالمسيح؟ ) : اشارة الى التزوير الذي حرف حقيقة المسيح .


مرايا القدس : وردة القرون : القدس كواحة لفيوضات الايمان والمحبة .


عائشة : العمل على اقامة علاقة زواج بين الأمير وعائشة ، تفصيل لحقيقة المحبة بين الرجل والمرأة .


حدائق دمشق : اللقاء العجيب بين الأمير وابن عربي .


أراك في حياة أخرى : خاتمة الدوائر والعودة الى المنطلق والاختفاء العجيب للأمير بعد عزوفه الكامل عن ممارسة السلطة .


قوة الوصف :


يجيد الأستاذ عبد الكريم معاش فن الوصف ، وتتحول الكلمات والعبارات بين يديه الى لوحات فنية متكاملة اذ يقول : ( الأرض مغناطيس لاجتداب الانسان ،الأرض والانسان قطبان خلقا للالتقاء…ص3 ) ، ويصف حالة الأمير محمود قائلا : (تفتقت الرغائب الممهورة بالحرقة ، صهل البحر في روحه ، واستعرت حرائق الاكتشاف داخله…ص6 ) ، أما البحر الأبيض المتوسط فهو في نظره : ( ناعم كالطفل في وداعته ، أزرق ممتد في البياض السماوي…ص7 ) ويلخص المحبة قائلا : ( الميم موالا والحاء حبا والباء بركة والتاء تأمل…ص10 ) وممعنا في الوصف يقول : (لغتك ياسيدي تبهرني كأنها راقصة مجوسية تهتز على ايقاع النار والغواية…ص17 ) وكما أن : ( اللغات الأصيلة تصير في بحبوحة التمدن ألحانا يعزفها النساء على شفاههم…ص17 ) وكذلك : ( وكلما أوغل في المسافة صارت الدائرة أكثر استواء ، بالكلمات الوامضة في الرحلة كان جلد الوهم يتفسخ فتغدو الدنيا كتابا صغيرا دونت على صحائفه صبر الأنبياء وأقوال الحكماء…ص33 ) ، ودقة الوصف تتمثل كذلك في : ( كان القصر عربيا ، كأنه قد نقل قطعة من دمشق البعيدة ، حجرا ، ووردة وردة…ص13 ) وأيضا : ( صوته الأجش يغسل عباراته بوقار أصيل ، يبدو متناغما مع قطرات المطر والنسيم الصباحي العذب ، من نظراته الثاقبة يتسلل مكر متلطف…ص5 ) ، وتتجلى كذلك في : ( تطوى الأرض كأوراق الأيام…ص66 ) ، وفي وصف العالم السحري يقول : ( السماء صدر أبيض انبنت على حوافيه كواكب وأرقام ، وفي الوسط امتد حوض الكوثر العطر تسبح فيه حوريات كأنهن حليب من نور…ص68 )..


الحكمة :


قارئ رواية ( المصائر والدوائر ) يكتشف أن الأستاذ عبد الكريم معاش كاتب وفيلسوف يغوص في بحر الحكمة : (الكون ياولدي قلب يخفق ، لا تتعجل الوصول أبدا…ص5 ) ،وكخلاصة للتجارب والعبر يقول : ( التجارة فقط تكتفي بالاشارات بينما الشعر والفلسفة يلزمهما الكثير من الكلمات…ص7 ) ، ويؤكد أهمية الحياة وعدم تضييع الوقت في الأمور الفارغة لأننا نعيش حياة واحدة لا تتكرر ولا تعوض ف ( الحياة جديرة بالحياة ..ص8 ) وناصحا : ( ياسيدي بالكلمة خلق الله العالم…ص61 ) وكذلك : ( محبة الله ياولدي حجاب…ص44 ) وبنبرة متفائلة : (أنا أمشي على الأرض ، الأرض يا الهي أمان..ومودة…ص9 ) ، وبحكمة الدراويش والمجانين يقربنا من الحقيقة الملموسة التي نعيشها باستمرار حيث : ( مسراك في هذا العالم يبتدئ بالألم ، وينتهي بالألم ، الألم ياولدي هو ثمن الوجود…ص10 ) ،فالأم الحامل تصرخ عندما تضع طفلها ،وطفلها يصرخ عندما يرى الوجود ،والألم يغمرنا كلما فقدنا عزيزا ومع هذانعوض الألم بالحب و : ( العالم محبة …ص10 ) ، حيث زرع الله فينا فطرة الحب والمحبة لأنها طريق السلم والأمن ،الانسان عند الكاتب عبدالكريم معاش خطاء ونزوله من الفردوس كان نتيجة خطأ وغواية : ( هل تدري…أن الوجود البشري…نتيجة خطأ ، نتيجة غواية…ص18 ) ، ويعود ليؤكد أهمية الانسان عند الخالق فيقول : ( جدير هذا العالم بكتابة طقوس عجائبه ، ولو صبرت الملائكة قليلا ما تجرأ ت على سؤال الله عن جدوى خلق الانسان ، الانسان هو الرحى الذي تدور عليه هذه الأسطورة المكتوبة من الدم والعرق والغرابة…ص33 ) ، وبلسان الحكماء والقابضين على زمام المعرفة والحكمة ، يتابع : ( السر يكمن ياولدي في الجذور ، كلما كانت جذورك راسخة في أرض الروح فانك لن تمسخ…ص34 ) ، وفي أهمية الخالق ونواميسه يقول : ( كلام الذي خلق يغني عن المخلوق…ص58 ) وكذلك : ( بالكلمات أمتد في الوجود ، بالكلمات أمتلك ماهيتي…ص68 ) ، وكخلاصة للحياة : ( الموت ليس هو النهاية ياولدي هو نهاية لبداية أخرى…ص74 ) ، ويتنقل الأستاذ عبد الكريم معاش لشرق أوسط بئيس اشتهر بالحروب والويلات والدسائس والمؤامرات والأطماع الأجنبية ، لهذا ف : ( قدر هذا الشرق هو الحرب…ص107 )…


خاتمة :


الموت نهاية حياة ، والأمير محمود – كبقية الناس – مات لكنه لم يترك جسدا ولا قبرا ، لكنه ترك أفكارا وأسفارا وعبرا ومراجعة جدرية لأفكاره ومواقفه وتشبته بالمحبة ، والخلاصة التي توصل اليها الأمير هي : ( كرسي الملك هو سجني المحتمل ، السلطة قبر العقل ،وحقيقة الحواس الملتهبة ، فردوس الرغبة…ص124 ) ، بل أكثر من هذا يؤكد : ( ان كل ماتعلمته في دوائري السبع سيمحى عند أول رأس سأقطعه…ص124 )…


ويؤكد أن : ( كرسي الملك أوهى من خيط العنكبوت…ص125 )…


وأخيرا :


يحتاج قارئ رواية ( المصائر والدوائر ) الى نفس طويل لمسايرة ايقاع الرواية الصعب والمشحون لغويا وفكريا ..ومع هذا فقد نجح الأستاذ المبدع عبد الكريم معاش في كتابة رواية جميلة تتميز بقوة الوصف وتمرير خطابات فلسفية وسياسية ووجودية…


مجدالدين سعودي/المغرب


اعلامي وأديب مغربي


 


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : مجد الدين سعودي

كاتب واعلامي ناقد مغربي   / أكادير , المغرب