أضيف في 16 نونبر 2015 الساعة 19:55

أتخيل فولتير نهض من جديد وكتب يُدافع عن القيم الإنسانية.. !!


عمر ح الدريسي

 

 

حتما لن يُـخِفْهُ الموت، صاحب القلم الملقب ب "فولتير"، ولن يُرعبه احتجاز الرهائن بمسرح "كابلان"، بل  سيكون إنسانا شاعرًا شُجاعا، يعتلى الرُّكح بهمة الفيلسوف المُقتدر المُتواضع، سيُهَدِّئ من روع الجمهور ويطلب منهم الصفح والتسامح، ويُخاطب العقول النيرة بنبرة صادقة (صادق اسم بطل روايته) ، تُلامس أعماق القلوب الإنسانية .. ويقول " إنني أدين قتل الأبرياء مهما كانت الأسباب، وأدافع عن الحياة للجميع مهما عاكستني الأسباب..!! ".

إن الإنسانية في عصر التقدم التكنولوجي والتطور الاقتصادي، بِقَدْر ما يُسعدها التوفر الكَمّي للمنتجات الاستهلاكية البيولوجية، بقدر ما تُحزنها ظواهر الظلم و وأفول العدل والمُساواة، ونفاد المناعة الروحية وتقهقر الحقوق الإنسانية، ويشتد وطئ فيروس الحقد القابع في أركان نفوسها، للتفاوتات الفاضحة ما بين أفرادها ومكوناتها الاجتماعية. إن وباء الفيروس الخبيث الذي يسري بصمت، سير النار في الهشيم، والذي يتغذى من المراتع والحدائق الخلفية للقوى العظمى العالمية، من جهل وتجهيل، وبطالة وعاهات اجتماعية ومعانات في عدم تكافؤ الفرص والخدمات، بوجود وتنشئة، لبورجوازية مسيطرة، اتِّكالية ريعية تابعة وخاضعة،  لا يهمها خدمة محيطها بل تعتبر ذات المحيط، مجالا حيويا وفرصة وجب انتهازها، لتقوية  رؤوس أموالها، التي لها صلة بمؤسسات تلك البلدان العظمى المسيطرة على عجلة لإقتصاد العابر للحدود.

إن االعين لتدمع، والقلب ليقبع داميا مُتحسرا، لمَا يتعرض له الشرق الأوسط خصوصا والعالم العربي عموما، من  استراتيجية نيوكولونيالية، تعتمد التدمير المُمَنهج، من قبل خفافيش تدفع برؤوس الظلام والغباء والجهل إلى الواجهة،  من بغداد ودمشق وطرابلس وصنعاء وشرم الشيخ  وبيروت...  

وما يزيد في الحزن عمقا وأسى، هو وصول الرّعب نفسه، والقتل إياه، إلى عاصمة الأنوار، عاصمة الحرية والإبداع والفنون والفكر والعلم.. باريس عاصمة  كل القيم الإنسانية..  اعتداءات طالت أبرياء،  لتطرح أكثر من تساؤل على الإنسانية جمعاء، على الإنسان المُعاصر الذي يعرف قيمة الحياة، وينبذ القتل،  ولا يهمه إلا الأمن والعيش بسلام، في احترام إنساني راق، واحترام  للاختلافات المتبادلة وفي احترام لجميع الثقافات. 

 

هذا الإنسان المُفعم بالقيم الإنسانية المثلى، ليجد نفسه تائها  وقلبه داميا، مما تتعرض له الإنسانية من تواطئ، ومن حرب ممنهجة،  تارة باسم  "الله"، وتارة باسم الدفاع عن النفس، وتارة باسم مقاومة الشيطان، وتارة باسم نشر الديمقراطية، وتارة باسم الحفاظ على الحرية.. عناوين برَّاقة لتمطيه اللثام على الأهداف المقيتة التي تصنع التيه الجارف، وتُبْقِي على الحيرة المتواصلة، لتستمر السيطرة على الثروات، بعيدا عن أصحابها الحقيقيين، وتدمير الكيانات المحلية، لخلق أسواق استهلاكية عقيمة في الإنتاج، وتؤسس لشراهة بدون إشباع في الإستهلاك.. !!  كيانات خانعة وخاضعة ومستضعفة ومنهكة وفارقة لأرضها وأهلها، مُهجرة قسرا، بتهديد دماء وسواقي الدم، ومستعبدة عند الغير، وأكثر حاجة، تتمنى الفُتات عند الآخر، المُسيطر المُتربص بها، لكي يستغلها أكثر وأكثر.. !!

 

أَكُل الذين عبثوا بالمستعمرات ونَظَّروا للاستعمار باسم التَّحضر، أَ نشروا فعلا قيم الحضارة ولم يستغلوا وينهبوا ويقتلوا ويشردوا ويقسموا، ألم يتركوا الجراح بين الأهالي لكي لا يستقروا على سِلْمٍ ولا يطمئنوا على حال أو تخطيط أو بناء...؟؟

أكل الذين عبثوا منذ عقود،  بتقسيم الوطن العربي كمَّن يُقسم كعكة في مطعم حسب قوة جيبه وسعة معدته، "خريطة سايس بيكو"، أكان يهمهم فعلا، جعل الإنسان في العالم العربي ينتقل من  ركوب سنم الجمل  إلى امتطاء السيارة رباعية الدفع وطائرة "البوينغ والإيرباص"؟؟

أكل الذين عبثوا منذ عقود بشعب فلسطين، لهم نية الإقامة بسلم وجوار أمان في الأراضي المقدسة..؟؟

أكل الذين عبثوا بالعراق، أَ وَجَدُوا به أسلحة دمار شامل، أم وجدوا به حضارة ودمروها عن بُكرة أبيها؟؟ هل جففوا حقا منابع الدكتاتورية ونشروا الديمقراطية..؟ أم زرعوا بذور الفرقة والطائفية وبعثوا من جديد بقوانين الانتقام والحقد بين أبناء البلد الواحد...؟؟

أكل الذين يعبثون بأجزاء من العراق وسوريا ويرهبون العائلات والأهالي وكل من خالفهم، أَ يَعرفون حقا، ما قيمة الإنسان عند  "الله"؟؟ وما قيمة الحياة عند "الله"، وان القتل من اكبر الكبائر وأهول الجرائم عند "الله"؟؟

 

أكل الذين يُرهبون مُدناً عالمية يزورها أناس من كل بقاع الأرض،  كمدينة اسطنبول ومدينة  شرم الشيخ وعاصمة لبنان العربي الجميل بيروت، التي مافتئت تهدأ من العدوان الصهيوني والإحتراب الأهلي..؟؟

أكل الذين يرهبون، مدينة الأنوار باريس، أَ يعرفون حقا، قيمة الحياة ومعنى الحياة وقدسية الحياة...أيعرفون لماذا سُميت عاصمة الأنوار.. ومن هم عمالقة فكر الأنوار !! 

أكل من هاجم مسرح "كابلاتان" في العاصمة البارسية يعرف القيمة الفنية والتحفة الجمالية لذالك المكان، هل يعرفون رمزيتة التي تجعلك تستحيي أن تنحنح، أو حتى تهمهم، ما بالك أن تفعل شيئا ضد الإنسانية.. !!

أَ يعرفون حقا، قيمة المسرح الحضارية في الثقافة والقيم الإنسانية العالمية الخالدة منذ ما قبل الميلاد؟ وأن ذاك المسرح، مروا من فوق رُكحه عمالقة عظام، حيث لابد وأن ننحني لهم، ولأعمالهم الفنية الإبداعية العظيمة، حيث  ناضلوا بحق في سبيل رُقي الإنسانية وتنوير العقل الإنساني ونشر الأخوة والمساواة بين جميع بني البشر، دون فرق ولا اعتبار. !!

أكل من مر بشارع فولتير يعرف قيمة صاحب رواية "François Marie Arouet"، وهو اسمه الحقيقي، وما لقب فولتير إلا اسمه القلمي، وهو الذي كان يدافع بحكمة الأديب والكاتب والفيلسوف عن القيم الإنسانية والحقوق المدنية في بداية الإشراقات الأولى لعصر الأنوار، إلى جانب جون لوك، وهوبز، وجون جاك روسو، وكثيرون، وقد انعكس فكره الإنساني،  في جل أعماله الشعرية ومقالاته الأدبية والفكرية ورواياته... فولتير  تعرض للمضايقات وسجن، بقي مستميتا في الدفاع عن رأي وحرية كل إنسان على وجه المعمور، حتى ولو خالفه في كل شيء وهو من قال، أي فولتير " إنني لا أوافقك الرأي فيما تقوله، ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك بقول ماتريد".

 

للمدافعين على الإنسانية عبر العالم أن يفضحوا الفكر العدمي حيث  مع الأسف الشديد ماضويون بجهل، لا اعتبار عندهم للإنسان ولا للحياة ولا للتعايش ولا لقبول الآخر. للمدافعين عن الإنسانية أن يفضحوا  أيضا جشع النيوكولونيالية الجديدة، ويتصدوا لانتهازية القوى الاقتصادية والمالية العالمية، التي لا تعترف إلا بالمزيد من الادخار والمزيد من توسيع نسبة الفقراء وتفقيرهم،  وخلق الصراعات لتوفير المزيد من فرص النهب والاستيلاء على خيرات الشعوب والأهالي المستضعفة.

لا الخطاب يعري الحقيقة ولا الطريقة تكشف المبتغى، ..  يا لها من حالة بؤس إنساني عالمي.. حيث الذئب يمكر بالإنسان !!، لذا وجب الحرص والحذر من الذئاب.. فالذئاب لا تؤثر الحياة إلا بقدر سمنة الضحايا، والإنسان على العكس تماما من كل ذالك.. يُحب الحياة ما استطاع إلى ذالك سبيلا،  على حد قول الشاعر محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة..!!.".

 

*للتواصل مع الكاتب:    E-mail :   drissi-omar1@live.fr

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق