أضيف في 31 أكتوبر 2015 الساعة 17:47

العفيف الأخضر والعقلانية المخصية


حمودة إسماعيلي

سأل غربي عربياً عن أحلامه. أجابه العربي بأنه يحلم بعمل وبيت وسيارة، ردَّ الغربي متساءلا كتوضيح بأنه سأله عن أحلامه وليس حقوقه ! هناك شبه إجماع عربي على أن أحلام هذه الفئة (العرب) تتحقق بالبلدان الغربية أكثر منها في بلدانها العربية. ذلك ما يفسر نسب انتحار العرب والأفارقة على شوطئ المتوسط.. طبعا إذا كان الانبهار بالغرب ناتج من مخيلة شريحة اجتماعية لا تتجاوز قدرتها الفكرية سن طفل في الثامنة من عمره ـ يؤمن بملاقاته يوما ما لسلاحف النينجا ـ فذلك أمر متقبل ومفهوم؛ أما أن تأتي هذه الهلوسات من جانب مفكر له تأثير سياسي كبير ومختص بمعالجة الهلوسات فكريا ومقاليا ـ نسبة للمقال المكتوب ـ فهذا يكشف عن اختلاط أدوات المفكر في تطرقه لموضوع أيديولوجي حساس.

 

العفيف الأخضر، العقلاني بامتياز، سبينوزا العرب كما يلقبه البعض، والجريء في تدميره للصرح الديني بما يخفيه من أشباح وشياطين تُخضع العقل لسلطة الأموات وماضيهم الضبابي، المفكر الذي شرّح سيكولوجية الديانة الإبراهيمية ـ بتركيز دقيق على الإسلام ـ كما لو أنه يفكك مقولة إميل سيوران "الله نفسه ليس سوى هلوسة صوتية" ليتبثها كمعطى استنتاجي بالأخير.. نجده بعد ذلك يبدي ـ بانفعال مراهق متأثر بقناة Vevo الموسيقية باليوتيب Youtube ـ تأثرا باهرا بمؤسسات الغرب السياسية والثقافية.

 

كما قام نيتشه وفرويد وماركس وسيوران بتحليل الدين كتواصل طفولي مع الطبيعة أخذ شكل تشجنات هستيرية فيما بعد ـ عصر ـ الكلاسيكيات، كذلك فعل العفيف، الغريب في الأمر، هو أنه توقف بعد أن تابع كل من نيتشه والبقية في فضح التشجنات السياسية والثقافية بالمؤسسات الغربية، وقف العفيف هنا كطفل منبهر ـ وكأنه يقف أمام معمل الحلوى بفيلم Charlie and the Chocolate Factory ـ فهل سبب الاختلاف هو أن العفيف ليس غربيا ؟ كل شيء ممكن !

 

بعد انهيار جدار برلين وتفكك الشيوعية جيوبوليتيكيا، انطلق المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما ـ باندفاع أرخميدس وهو يخرج من الحمام ـ معلنا عن نهاية التاريخ السياسي عند الليبرالية الديمقراطية كنظام مؤسساتي بالحكم. على هذا المنوال الذي يأخذ المنحنى الفوكويامي في الحكم ـ على الواقع السياسي ـ ذهب العفيف الأخضر حد كتابة ميثاق عقلاني يختزله أحد التعابير ـ التي أدرجها فيه ـ والذي يقول : "تحريم تقليد الغرب هو عنصرية ضد الذات، هو انتحار! "(الميثاق العقلاني).

 

فوكوياما نفسه ـ بعد توالي السنين ـ أدرك الموقف الهزلي الذي وضع نفسه فيه فبادر بإعادة تنقيح مشروعه ـ الذي غلبت عليه فرحة الانفعال عند سقوط الاتحاد السوفياتي ـ مترددا بين تأكيد جوانب معينة من مشروعه وبين الاعتراف بزلاّته الهيغلية ! بعدما تبيّن ـ كما يبرز ذلك المفكر الفرنسي تزفيتان تودوروف ـ بأن مشكلة الليبرالية الديمقراطية تنبع من داخلها، لأن من خاصيتها الأساسية هي التطور، فهي ليست نظاما تابثا محكوما بقوانين مطلقة وتابثة يتم العودة إليها كل حين كما لو كانت إنجيلا مقدسا.. فعندها تصبح نظاما مدمرا ودكتاتوريا للدولة، طالما أنها لا تتوفر على مرونة تقبّل التحسين بما يخدم مصلحة كل دولة. زيادة ـ من منظور سياسي ـ فإن الغربية المبهرة هنا، ليست سوى سوق إعلامي يناشد الزبائن، مُلغياً الجوانب الإنسانية لسكان العالم.. فقيمتك على حسب قدرتك الشرائية والاستهلاكية.

 

لذا فالتقليد المطلق الذي يدعو له العفيف، لن يجعل عالمنا أكثر من سوبرماركت كبير.. إن لم يكن هذا نسبيا هو وجه العالم الجديد !

 

رغم ذلك، فهذا لم يمنع العفيف من إضافة : "الغرب اليوم هو غرب العلم والتكنولوجيا والثورة الثقافية الدائمة، غرب المعارف والفنون، غرب الاقتصاد الديناميكي، غرب الإعلام المهني، غرب حقوق الإنسان والديمقراطية. وبإختصار، غرب الحضارة في عالم تهدده الهمجية. هذا الغرب يستطيع اليوم مساعدتنا للخروج ظافرين من أزمة الحداثة التي نمر بها" (الميثاق العقلاني). ولو أني أتقمص التحليل النفسي هنا، سأقول بأن الخطاب يكشف عن عقدة أوديبية تدفع صاحبها المخصي (العفيف) للتماهي المطلق مع مسبب عقدة الإخصاء (الدونية) وهو الغرب.. ليس بغرض التغلب عليه، بقدر ما الدافع بغرض كسب ودّه (الخصاء/الغرب) وحمايته ورضاه.

 

وفي دفاع العفيف، نجد بالمقابل نعوم تشومسكي الذي يشن هجوما على المؤسسات الغربية باعتبارها الوجه الحداثي للشيطان !

 

من منظور العفيف كذلك أن "العقل ليس أعزل أمام اللامعقول. إنه يستطيع، بالتعليم والإعلام العقلانيين، أن يتحكم في ميولنا الشريرة. تجربة التعليم والإعلام الأوربي تنهض شاهداً على ذلك: إقصاء التحريض على الكراهية والعنصرية والحرب من التعليم والإعلام، منذ نهاية المذبحة العالمية الثانية، أنتج في أقل من جيلين (40 عاماً) أجيالاً مسالمة تعادي الحروب بقوة غير مسبوقة في التاريخ" (الميثاق العقلاني). الكاتبة باربرا وايتمر (عضو جمعية تورونتو للرسوم المتحركة) لها رأي آخر ـ بما أنها غربية بامتياز ـ تقول "تحتل هذه الأنواع من العنف (العدوان الجسدي والجنسي) حيزا كبيرا من انتباه المشاهد، ما بين ساعتين وأربع ساعات في اليوم. يشاهد الطفل عشرين ألف إعلان في السنة، والطفل العادي ما بين السادسة والرابعة عشرة من العمر يكون قد شاهد 11 ألف جريمة. أظهرت عينة عشوائية من دليل تلفاز لثماني عشر ساعة من برامج الساعة المفضلة معدل 102 عمل من أعمال العنف (الجسدي) في الساعة. ويظهر مؤشر جورج غيربنر George Gurbner أن أفلام الكرتون لها النصيب الأكبر من العنف بمعدل 26 عمل عنف في الساعة، وMtv 11 عملا في الساعة، في حين أن العنف قد انخفض بالفعل على شبكات التلفاز الأمريكية الثلاث الرئيسة الأخرى" (الأنماط الثقافية للعنف/The Violence Mythos). بالمقابل فإن هذا الانخفاض يتم تداركه في "صناعة ألعاب الفيديو، فصناع اللعبة يعتمدون على فرط الإثارة، وهو من أعراض الصدمة، كي يقدروا نوعية ألعابهم (العنيفة في الغالب)" (الأنماط الثقافية للعنف/The Violence Mythos).. إن نجاح الفلم الغربي يعتمد على العنف بقدر ما يعتمد على عمق الموضوع الاجتماعي المطروح، فاستعراض العنف هو استعراض لتشريع العنف، كسلطة ضد الشر !

 

إن تطبيل العفيف للغرب ـ كفردوس سماوي ـ يمكن فهمه كرد فعل ضد تغلل الخطاب الديني الإسلاموي، خاصة في تونس بقيادة الغنوشي الذي توعده ـ كما ذكر العفيف في ميثاقه ـ بالخطف و"الشنق في ساحة الباساج وإلى جانبه تلك الزنديقة الأخرى رجاء بن سلامة".. يا فرحة أمك بيك ! يا واد يا حمار !


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حمودة إسماعيلي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق