أضيف في 22 أكتوبر 2015 الساعة 19:36

ماذا أَكْتُب.. والمُثَقّفُ العَرَبي أصْبَحَ بين حُنْجُرِيّ وفُرْجَوِي.. !!


عمر ح الدريسي

ماذا أكتب وأنا أرى "البندقية العربية في كل اتجاه، إلا الاتجاه الصحيح .."، كما قال الشاعر محمود  درويش. الدم في كل بقعة عربية، وكأن الوطن العربي أصبح مجزرة عالمية، أو مختبرا لأنواع الفحم من اللحم البشري، على غرار النفط والغاز العربي.  وورش كبير لكائنات ليست من الإنسانية، لتجريب كل أنواع الأسلحة، وتجريب كل مخططات الفشل الاجتماعية، وكل نظريات السياسية الميكيافلية المقيتة، وزرع كل الإيديولوجيات القاتلة والمتعصبة، وشحن كل الطوائف والمذاهب ذات السمات المتطرفة، والتضييق على كل إنسان يدعو إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة والإنسانية... كل إنسان يحترم الاختلاف ويعتبره حقا وثروة للجميع، الاختلاف الذي يُثني ويُبعد عن عُقَد الخلاف.. بل يصبح ذاك الاختلاف نقاش فكري طبيعي لوأد داء الخلاف.. !!

ماذا أكتب..عندما تحس بأنانية من حولك، وبجفاء الوطن، كل هذا الوطن العربي وكل قطر فيه، تسقط لا محالة ولو سهواً في الموعظة الشافعية، حين قال "هاجِر تجد عوضا عمّن تفارقه.."، لكن السؤال البديهي، يبقى دوما محيرا، إلى من ستهاجر؟؟ أ إلى كوكب آخر غير كوكب الأرض، أم إلى بلد يؤمن بالقيم الإنسانية داخله، وينكرها على وطنك العربي، الذي إن لم يُساهم في تحريمها عليه، بقي يتفرج على مآسيه ويُساعد مفسديه وخونته على السواء، وكأن الإنسان في الوطن العربي لا إنسانية، له ولا يستحق أن ينعم بالحقوق والقيم الإنسانية، ولذالك لا يعنيه مُطلقا، إلا من حيث هو مصدر الذهب الأسود ومختلف الثروات الطبيعية واليد العاملة والأدمغة المهاجرة، وسوق استهلاكية ثرية ومضمونة الأرباح، و على جغرافيته وُجدت تاريخيا، بل كان مهد الحضارات الإنسانية، التي تنكرها عليه كل البلدان، وخاصة كل من تقدم من الدول، وألصقوا به حصرا، تركه الانغماس في أوحال التخلف والصراعات الدموية الهوجاء....

ماذا أكتب.. والشخص العربي أصبح مشبوها، وعمله رخيصا، والدم العربي أصبح مدادا لأرخص الأقلام، وحبرا مجانيا، يملئ كل محابر العالم... وكل أراضيه مستباحة لإفراغ أكبر صفقات الأسلحة المتهالكة منها والمتطورة، وبشره مرهون فقط داخل حدوده، لتجريب كل أنواع تلك الصفقات من الأسلحة، بدون أدنى اعتبار لعدد القتلى ولا لعمق الخسارات ولا لانشطار المآسي بين شعوبه.. ماذا أكتب؟؟ ماذا أكتب إذن ؟؟

ماذا أكتب والدم على الأٍرصفة والحيطان والشوارع، على كل شبر في الوطن العربي، دمعة مقهور، وفي كل حارة فقراء منسيون، وفي كل مدينة، أحياء مهمشة، وشبات وشبان جانحون، وبين كل حدود دولة وحدود أخرى، شبابيك حديدية، وحراس مسلحون، ومن داخل بعض الحدود، صراعات طائفية ودينية، وقهر اجتماعي، غالبا ما تنتهي بصراعات دموية سياسية.. ما بالك في أن ينعم المواطن بالسكينة والطمأنينة..؟؟

ماذا أكتب.. وأنا أرى المرأة الفلسطينية، خنساء العصر، تقاوم ببسالة لا توصف، بيدين ناعمتين جميلتين، لم تظن يوما، وأنها ستتخلى عن نعومة أنوثتها، وترتدي خشونة اللبوءة المجروحة، التي تَرمّلت في زوجها، وأُكلمت في أبنائها، وقض مضجعها وفاة أبيها واستشهاد إخْوتها وأخَواتها، وقد أصبحت بدون مأوى ولا مُعيل..  لتواجهة، جنود عصابات المحتل الصهيوني وهم مدججون بأحدث الأسلحة..، بغضب من بركان وقلب أعزل من كل سلاح، إلا سلاح الإيمان بالحق في الأرض والحق في الحياة والحق في طرد العدو الغاصب...

ماذا أكتب.. وأنا أرى مدينة القدس تُناجي لوحدها مكر الغُزاة وجبروت الطّغاة.. يُسابقون الزمن على تهويدها، وقلب طبيعة وجودها الإسلامي، ضاربين عرض الحائط كل الأعراف والمواثيق، وما عليهم ذالك بغريب، منذ أن أتوا، غاصبين ماكرين قاتلين ذابحين...، مُهَجِّرِين نَاكِئين لأصحاب الأرض وأصحاب الحق، من كل شرائح الفلسطينيين،  شعب الأشاوس، شعب الانتفاضة والمقاومين الأبطال..

ماذا أكتب.. وأنا أرى دمشق سورية الجميلة البهية المثقفة، دمشق الأمويين، دمشق وحلب حمص الحضارة، بلدة معرة النّعمان، والشاعر المعري والشاعر معروف الر صافي..  من جعل عُيون الأنثى  الحُرة المثقفة السورية تنكفئ للأرض، وتكفكف دموعها حسرة وجُرحا.. وسورية الحضارة والعروبة يتقاسم أراضيها جحافل  العُلُوج والخنازير والذئاب من الغرباء، ويغطي سماءها غربان الغدر من القوى العالمية، وفي كل جحر وقبو بستان  من بساتسنها وحدائقها الغناء ذئب يتلصص،  وأهاليها يتذابحون  بين الزقاق والأرياف، ويتنازعون الكلام باسم الشرعية على شاشات الغرباء وأمواج مكروفونات الغربان.. يُنَادَوْنَ إلى تأثيث موائد اللئام.. ما ذا بقي للشعب السوري وهو أكبر الشعوب اللاجئة في القرن الواحد والعشرون، كما لجأ شعب فلسطين الأبية من قبله... !!

ماذا أقول وصنعاء اليمامة، وبلاد مملكة سبأ وحضر موت، مشتل الشعراء والشعر العربي الفصيح المُقفى والموزون، بلاد اليمن السعيد، وقد أصبحت بلاد الفقر والخصومات وتعداد الدّيَات، لإزهاق المزيد من الأرواح وهرق الكثير، الكثير من الدّم .. بلاد الشهماء، تكالب عليها الأقرباء المارقون والأهالي الإئنتهازيون، قبل الذئاب والغربان والعلوج البعيدون..

 

ما ذا أقول وبلاد الرافدين، لازالت تنزف منذ عقود.. سحقا لإعلام الغرب وسياسته، وآليات إعلامه المُخادعة، وبروباغنداه الغاشمة، التي اختزلت العراق في الطوائف والإيديولوجيا والأعراق، على شاكلة هذا بعثي صدامي سني، وهذا خميني شيعي صفوي رجعي، هذا عربي مهيمن وذاك كردي انفصالي... بل ماهي الحقيقة؟.. اسألوا الجغرافيا والتاريخ..  اسألوا غديري دجلة  والفرات وشط العرب، كم من سفينة غرقت وقارب وقع،  وسلاح انفجر و طائرة هوت وصواريخ أفرغت، كم وكم من السلاح أفرغ  ليل نهار ليزرعوا الخلاف بين أبناء القطر الواحد. ولكن اسألوهم أيضا، عن حبر المخطوطات وأمدة المنسوخات.. اسأل ليل الأرامل وسهر الشعراء.. اسأل حسرة الموسقيين ويأس الفناننين.. اسأل حُزن المَقَام العراقي الرّاقي.. اسأل التّاريخ عن حضارة بابل وقانون حمو رابي وتراث سامراء، اسأل عن علم المأمون واسأل عن ليالي شهريار وحكي شهرزاد، وكتاب ألف ليلة وليلة وعن عدل هارون الرشيد.. عن بيت الحكمة والشعراء، عن ساحات وأسوار وأسواق بغداد.. اسأل عن ثمر النخيل بداية الخريف في قلب البصرة وعن طول الجريد والخضرة في قلب الصحراء وعتمة السّحر.. اسأل عن كتبيي بغداد  ونُسّاخِها.. عن علامائها ومبدعيها... اسأل عن جلسات العلم بها، وعن جامعاتها ومدارسها وفنانيها..

 

ماذا أكتب.. والعبثية في كل فعل عربي غارق في مزيد من التشرد والدّمار، مُمعن في انتهاك الكرامة وضياع أي مفهوم ولو بسيط لمعاني  الاختلاف والحرية والإنسانية..هل يجوز أن يُبقى دوما على تَـتْفِيهِ طُموحات الإنسان العربي في الإنعتاق من وصاية المُتعصبين والجاهلين المتطرفين والسياسيين الانتهازيين والإيديولوجيين القاصرين.. هل كل هذا العالم العربي أصبح عاجزا منقسما منكفئا على الذاتية الضيقة، والإنزواء صوب الآني، والقصور النظري.. ألم تعد قيمة تُذكر للاعتبارات القومية، ولا الأخوية ولا الإنسانية لكي تفزعنا بالعديد من الأسئلة الهامسة بدواخلنا، ونقول ماذا لو كنا نعيش ظروفهم...؟ ظروف من يرى الموت أقرب إليه من شربة ماء.. ؟!  أنذاك ما جدوى الكتابة والتحليل .. ما جدوى الموقف السياسي، ماجدوى الشعر والرواية، ما جدوى الإغراق في بحور الحبر بالحجاج والتأويل والتفسير والانتقاد وشد الحبل وإلقاء اللوم والتعصب لهذا الطرف أو ذاك..؟ سوى أنها الفُرجة.. فُرجة المثقف..هروبه من المعركة الحقيقية وهي الوقوف إلى جانب الإنسان الضعيف المقهور الذي لا حيلة له إلا اللجوء أو الموت ..في زمن الموت لا تكتبوا شعرا ولا نثرا فقط قفوا صامتين وحركوا أيديكم بالعطاء، بالفعل، بالمبادرة بالوقوف في الصفوف الأمامية، ارفعوا الأقلام فوق رؤوسكم  واهمسوا ونادوا: لا للحرب.. لا للموت.. لا للجوع ..لا للتهجير.. لا للقمع.. لا للوصاية.. !!

 

للتواصل عبر الإيميل: drissi-omar1@live.fr


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق