أضيف في 11 أكتوبر 2015 الساعة 14:23

الحـــرب الإيرانـيــة المقدســــة!!


ياسر الزعاترة

لم تكن المباركة التي حصل عليها بوتين لحربه “المقدسة” في سوريا من الكنيسة الأرثوذكسية سوى تذكيرا بحقيقة أن هنا قوة إمبريالية ترفع شعارا صليبيا لا يختلف عن الشعار الذي رفعه بوش إبان حربه “المقدسة” أيضا ضد أفغانستان ثم العراق، وأيضا للمفارقة تحت ذات الراية؛ محاربة الإرهاب.
نفتح قوسا كي نشير إلى حكاية تثير السخرية تتمثل في نظرة يساريين عرب إلى بوتين بوصفه الاتحاد السوفياتي، أو ربما غيفارا الذي سيحرر المنطقة من الهيمنة الإمبريالية الأمريكية، وهم لن يتوقفوا كثيرا بسبب العمى وغياب الأخلاق عند إعلان الكنيسة الأرثوكسية الروسية، كما لم يتوقفوا من قبل عند الحشود التي جلبها سليماني من أصقاع الأرض بشعارات طائفية ربما يزدريها بعضهم في سره.
قبل أربع سنوات، وبعد شهرين فقط من عسكرة الثورة السورية، كتبت مقالا عن وجه الشبه بين تجربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وبين تجربة إيران في سوريا، وقلت إن سوريا هي أفغانستان إيران، ولم يخطر لي على بال أن بوتين؛ وريث الاتحاد السوفياتي سيأتي هنا أيضا ليكمل المشهد، بل ليغدو أكثر إثارة في واقع الحال، وذلك من خلال تحالف أرثوذكسي شيعي ضد غالبية الأمة.
يؤسفنا أن نستخدم عبارة شيعي هنا، وقد استخدمنا في العنوان مصطلح “إيراني”، لكن الحقيقة المرة هي أن الغالبية الساحقة من الشيعة لا زالت تقف مع إيران في كل حروبها بالمنطقة، باستثناء قلة قليلة عاقلة، تمثلها في الغالب نخب لبنانية، ومن جنسيات أخرى؛ قلة منها خليجية مع الأسف، وهذا لافت أيضا، كما أن الحقيقة الأخرى هي أن كل الحشد الذي يتم على الأرض، وبعيدا عن الشعارات التي تُروَّج هنا وهناك يتم على أساس مذهبي بامتياز.
قلنا يومها إن الحرب على الشيوعية التي جذبت عشرات الآلاف من العالم الإسلامي نحو أفغانستان، فيما بدا أنه دفاع عن الهوية أكثر منه دفاعا عن حاضرة بعينها، ستتكرر هنا في سوريا بشعار مذهبي، في وقت بدا أن الأقلية تعتدي على الأغلبية، بل تدفعها نحو التعامل مع نفسها كطائفة، هي التي لم تعتبر نفسها كذلك على مدى القرون، وحيث كانت ترى أنها الأمة التي تحتضن كل الأقليات.
الآن، يكتمل المشهد، ويصبح التحالف الشيعي الأرثوذكسي في سوريا حقيقة واقعة، ما يعني أن تدفق المقاتلين الذي تراجع لبعض الوقت بسبب حالة الاستعصاء في المشهد السوري، سيعود من جديد، وما دام الآخرون يرونها حربا مقدسة تستدعي مباركة رجال الدين لبوتين، بل حتى للطائرات المقاتلة كما شاهد الناس في بعض الصور، فلتكن كذلك في المعسكر الآخر، وهل إن نداءات الحشد تتعالى في أوساط غالبية الأمة بهيئاتها وعلمائها ضد ما يرونه غزوا روسيا إيرانيا لسوريا يريد إخضاع غالبية الأمة أكثر من أي شيء آخر. وما سيعزز الحشد في أوساط الغالبية أكثر فأكثر يتمثل في المباركة الإسرائيلية الواضحة لتلك الحرب، كما تبدى من تصريحات القادة الإسرائيليين، وتنسيقهم المباشر مع موسكو على هذا الصعيد، أي أن عنصرا آخر بالغ الأهمية  يُضاف هنا يتمثل في العنصر الصهيوني، فيما يحضر العنصر الغربي أيضا من خلال التواطؤ مع الغزو، وفي موقفه الأساسي من الثورة بضغوطه على كل الأطراف لحرمان الثوار من السلاح النوعي.
إنها حرب مقدسة، ومن يعتقدون أن غالبية الأمة ستتعامل معها بروحية التهاون واهمون، وهم لا يقرؤون التاريخ، ولا يعرفون طبيعة هذه الأمة، وما سيزيد من أوار هذه الحرب هو أن للأطراف الدولية الأخرى مصلحة في تسعيرها، بصرف النظر عن لقائهم مع روسيا وإيران حول ضرورة الإبقاء على بشار الأسد، أو في الحرب على تنظيم الدولة، وبالطبع لأن أي صراع في المنطقة سيستنزفها، وسيصب في جيب أمريكا والغرب صفقات أسلحة بمبالغ طائلة، فضلا عن رغبة أمريكا في استنزاف روسيا كمنافس دولي.
إنه جنون التوسع الإيراني الذي جرَّ الويلات على الجميع من دون أفق لانتصار، ولا يُعرف إلى متى سيستمر هذا الحريق، ولا هذه المعركة التي فُرضت فرضا على غالبية الأمة، ولا مناص من خوضها بصرف النظر عن التشابك والتعقيد الرهيب في المشهد برمته؛ من دون إغلاق الأبواب أم تسوية ما تحتاج لكثير من الرشد في إيران، ربما لن تأتي قبل أن تبدأ في تعداد قتلاها في سوريا، هي التي لم تكن معنية بقتلى الشيعة العرب وغير العرب ممن زجت بهم في المعركة حتى الآن.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ياسر الزعاترة

كاتب ومحلل سياسي   / , فلسطين المحتلة


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق