أضيف في 13 شتنبر 2015 الساعة 22:04

الدُّخُول الدِّرَاسِي الْجَديد.. أَيُّ آمَال.. !!


عمر ح الدريسي

بقلم: عمر ح الدريسي

تُعد الأُطر التدريسية والمؤسسات التعليمية في جميع البلدان، أهم ما تفتخر به بين الأمم. بواسطتها تُربي وتُكون أجيال الغد، عن طريق روادها تَبني نَشْئا يحمل هويتها، لغتها، تاريخها، ، ثقافتها، عقائدها، نَشْئا يحمي كينونتها، فهي مشتل المبادئ والأخلاق والقيم والرقي والتطور والتقدم، فإما أن تكون نبعا صافيا يرتوي منه الجميع ماءا زلالا، أو تكون غير ذالك، مما ينعكس على تكوين الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة والإنسانية جمعاء.

“ومن لم يذق مُرَّ التعلمِ ساعــةً **** تجرّع ذُلَّ الجهلِ طول حياتهِ” -الشافعـي-

أنْ تتكلم عن التربية والتعليم والتكوين، وكأنك تتكلم عن عرف من أعراف الجاهلية أو مرسوم من مراسيم “حمو رابي”. أما أن تتكلم عن التمدرس فتلك من أهم المشاكل التي يتحدث عنها الجميع، أفرادا، عائلات، مؤسسات قطاعية وحتى البرامج الإنتخابوية، وكفى! أما وإن تكلمت وقلت على أن لغة التدريس يجب ان تكون مُوحدة كسائر لغات الدول المتقدمة العظمى، فأنت حتما مخبول.

بحيث الكل يريد الثمار دون النظر للأسس؛ نوعية التربة، سلالة الغرس والبذور، نوع المناخ وكميات التساقطات وما نوع السماد، وكيف نريد هذا الإنتاج، ما قدره في كل موسم أو حتى في كل عقد…. الكُل في غِنًى عن تساؤلات تحرق الرأس أكثر من شيء آخر، الجميع في سباق محموم نحو المؤسسات الخاصة وذات الإستقطاب المحدود وإلى خارج الوطن وبالكاد الرضا عن المؤسسات العمومية ذات الإستقطاب العام بالرغم مما لها من قيمة تأطيرية تربوية وطنية وأكاديمية عليا وقيمة أطرها العلمية التكوينية المحترمة !!؟؟.

غموض التعويض على مستوى الشهادة بحسب سنوات الدراسة والأقدمية  بين القطاعات وبحسب التخصصات رجح من كفة خريجي المؤسسات الخاصة والخارجية، لما لهم من حظوة في التوظيف والمكانة الإجتماعية والنخبة، بالطبع كل ذالك يضمن لهم تعويض مقبول ومكانة ووجاهة إجتماعية متقدمة؟ لأن الجميع اتفق على معضلة تقض المضاجع اسمها “التعليم” ، ; والتعليم براء، براءة الذئب من دم يوسف..! فأسقطوا عليه غُبن يوسف بحيث مافتؤوا ينكَّسُون من قيمة الشواهد العلمية،  بإلزاميتها بعدم الأقدمية (عقبة التسجيل في الجامعات والإنقلاب على مبدأ التعليم حق على مدى الحياة، او حق التقدم للمباريات) وبإلزامية المعدلات المرتفعة ومن بعدها انتطار الإنتقاء وجوبا، ومن بعدها اجتياز مباريات دخول مراكز التكوين أومؤسسات التأهيل ومن بعد السنوات هذه والسنوات تلك في الجامعة، عليك ان تنتظر الإنتقاء لإجتياز مبارايات التوظيف ذات الأعداد القليلة  بالنظر لحجم المتأهلين من اصحاب الشواهد الجامعية.. !! وبعد طول سنوات من التحصيل ومن اجتياز المباريات المراطوني والإنتطار القهري وللمحظوظ الآن جدا حيث يُوظف، ما هو التعويض؟ وماهي ظروف العمل؟

هل التدريس أصبحت مهنة وحسب..! في الدول التي تحترم نظامها التعليمي وتعرف قيمة التدريس باللغة الوطنية الموحدة للبلد، فبالتدريس فجر المدرس كل الطاقات التي في الشعب الألماني الرائد عالميا في كل شيء؛ مستشارته السيدة انجيلا ميركل، وحين طلبوا منها بعض القطاعات مساواتهم بالمعلمين، فردت عليهم كالتالي: “كيف لي أن أُساويكم بمن علَّمُوكم …؟؟”، هؤلاء هم الأحق بالتعويض، هم من يُعلِّم الكُل، والكُلُّ منهم يَتَعلم، أزمة التعليم من تأزيم وضعية تلامذته متكونيه طلابه ورجاله؛ متكونين أُطُر متخرجين عاملين وعاطلين.. !!

جل المدرسيين لم يستسيغوا بعْدُ، كيف أنهم كدُّوا واجتهدوا طول حياتهم مع اختلاف المجهود ونوعية المسار التعلمي والمؤسساتي والتأهيلي، إلا أنهم جميعا وبدون استثناء استرخصوا جل أوقات حياتهم في طريق التكوين والتحصيل والتلقين والتعَلًّم، غير أن مكانتهم في المجتمع وعيشهم اليومي والإلتزامات العائلية تطرح أكثر من سؤال، بالكاد يتحقق التوازن الأدنى، بل منهم من يبحث عن موارد أخرى؟ كالساعات الإضافية مثلا.. يتزاحمون حولها مع حملة الشواهد العاطلين، أرادوها بلسما، فإذا بها سُمّ فتاك خوار..؟

التدريس رسالة نبيلة ومحترمة ومجهود معتبر ومهنة شريفة، إنها تاج المهن، أمير الشعراء أحمد شوقي يقول: (قم للمعلم وفِّه التبجيلا*** كاد المعلم أن يكون رسولا)، إلا أنها في هذا الزمن الردئ، الزمن النيوليبيرالي/ زمن ما بعد الحداثة/ زمن الإنتاجية المادية/ زمن غياب القيم والأنسنة/ زمن الجشع/ زمن دَنَّست فيه المادة الرسالة التعليمية والتربوية، وطَبَّعَتها مع حسابات الربح المالي الزمني الصرف، وقَيَّمتها بالتسلق الإجتماعي المزيف والمظاهر البراقة الجوفاء، وربطتها بالمظاهر الخداعة الهدامة دون اعتبار لبناء الجوهر الإنساني في بعده التضامني النبيل.

رجل التعليم، رجل العلم، رجل الشهادات العليا، خريج الجامعات عموما، أصبح في هذا الزمن غير مُعْتبر أمام السَّيد المُسيطر على الأموال المحتكر لكل ماهو مادة وانتاج المادة، بالرغم من السنوات والليالي الطوال التي قضاها صحبة الكتب والمجلدات والحواسيب في التكوين والبحث. يقول أحمد شوقي: “أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتبِ الصِحابا *** لَم أَجِد لي وافِيًا إِلا الكِتابا”، أتساءل مالفرق بين إنسان في زمن “التكنولوجيا ومجتمع المعرفة” له وعي وذوق ورسالة علم ومعرفة ونُبل وأخلاق، وبين إنسان آخر يفتقد كل شيء إلا ما أوحت له به حاجاته الغرائزية والنفعية، ليس إلا. فلا غرابة إن علقت جامعة هارفد الأمريكية لافتة كبيرة توحي للطلاب بأن جهد التعليم ساعة (أي سنوات الجامعة)إن ضاعت ضاع العمر كله.

يتعجب بعض الناس لماذا في الغرب، يمكث الطلاب في المدرسة إلى حوالي الخامسة مساء وأكثر! بدون ملل ولاضجر، بينما طلابنا لايكادون يتحملون وضعهم الحالي! الجواب …تهيئة المكان هناك؟ كم هي مناسبة لبيئة محبوبة للطلاب، توفير كل ما يحتاجون ويرغبون ويحبون.

عندهم؛ يسمحون للطلاب بالترفيه، في حدود المسموح به تربويا، حسب نظام وبرنامج مدروس! لا يشعر الطلاب بأنهم في سجن دراسي، بل في محيط إبداعي ومُلهم…يتعامل المدرسون مع الطلاب في مدارسهم عن طريق “التواصل الإيجابي” عكس التواصل التَّحكمي”، أخذا باحترام الطلاب ، تشجيعهم ، تَلَمس احتياجاتهم، ترك المبادرة، التفاعل، التشارك في القرارات، المشاركة في بناء الدرس، دون استعلاء أوجفاء في الخطاب…فرض الشخصية تتوقف على حسن التعامل وضبط الواجابات، والليونة الحافظة للكرامة، والإبتسامة المحببة للتواصل والعطاء والتقدير الإيجابي بالرغم من الأخطاء التي هي أساس التصحيح، كل ذالك يُشَجع على المحاولة والمشاركة، يقول باشلار:” الحقيقة العلمية خطأ تم تصحيحه”، وهنا لا يشعر الطلاب بأنهم أمام الأستاذ المسؤول المتحكم الذي يضبط…وإنما مع موجه مرشد شريك تكاملي في الدرس والحصة والفصل وحتى القرار. فمن تخرج بهكذا تكوين ومنه شهادة علمية، فكيف نرهن تشغيله  بالمباريات والإنتقاءات المراطونية الأخرى؟؟

تشجيع المبادرات والمواهب، تكريم الفعاليات والعقول المبتكرة، اعداد منتديات ورحلات لتقوية أواصر العلاقة بين المدرس والطالب، بين الطالب و زميله وادارييه، تلك المتعة والتآخي تضفي جو الثقة مابين الأطراف. كل ذلك… من شأنه دفع المدرسين، التلاميذ، الطلاب والمسيرين إلى حب الفصل والدراسة والمدرسة والكلية والمختبر وكل مايتعلق بهم جميعا، أنذاك سنضمن خريجين بُناة وليسوا عُصاة، خرجيين مُربيين وقادة، وليسوا منحرفين ومرتشين، خرجين أصحاب مبادئ وليسوا أصحاب نزوات، خرجيين مُتَكونِين عِلْمِبًّا ومُكَوّنِين عَمَليا، وليسوا فارغين سلبيين مُستلبين وهدامين ناقمين.

 

للتواصل عبر الإيميل مع الكاتب: Email: drissi-omar1@live.fr

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق